5. هـذا يقبَـل خُطـاة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

عندما اجتمع العشارون والخطاة حول المسيا تذمر معلمو اليهود قائلـين: (( هذا يقبَل خُطاة ويأكـل معهم )) (لوقا 1:15 و 2).

بهذه التهمة لمَّحوا إلى أن المسيا يحب الاختلاط بالخطاة والمنحطين وهو لا يحسّ بشرّهم. لقد خابت آمال الأحبار في يهوشوه. لماذا حدث ذاك الذي يدَّعي لنفسـه صفات سـامية جدّا، لم يختلط بهم هم ويتبع أسـاليبهم في التعليم ؟ ولماذا يتجول هكذا بكل بساطة خادما بين كل الطبقات ؟ ثم قالوا: لو كان هذا نبيا حقيقيا لكان ينسجم معهم ويعامل العشارين والخطاة بما يستحقونه من عدم اكتراث. لقد أغضب حراس المجتمع هؤلاء أنّ هذا الذي كانوا يشتبكون معه في مناقشات لا تنقطع، والذي مع ذلك أخافتهم ودانتهم طهارة حياته يلتقي في عطف ظاهر مع أولئك المنبوذين من المجتمع. إنّهم لم يستحسنوا أساليبه. لقد اعتبروا أنفسهم متعلمين ومتفوقين في الأمور الدينية، ولكن مثال المسيا فضح أنانيتهم.

وقد أغضبهم أيضا أنّ الذين لم يكونوا يُظهرون للأحبار غير الازدراء والذين لم يُروا قط في المجامع، يتقاطرون ويجتمعون حول يهوشوه ويصغون إلى أقـواله بكل انتباه. إنّ الكتبة والفريسـيين لم يحسّـوا بغير الإدانة في تلك الحضرة الطاهرة، فكيف حدث إذا أن العشارين والخطاة ينجذبون إلى يهوشوه؟

ولم يدروا أن تفسير هذا كائنُُ في نفس الكلام الذي نطقوا به واتهموه في ازدراء (( هذا يقبل خطاة )). فالنفوس التي أتت إلى يهوشوه أحسست وهي في محضره بأنّه يوجد طريق للنجاة من حضرة الخطية حتى لهم هم أنفسهم. لقد كان الفريسيون يحتقرونهم ويدينونهم، أما المسيا فحياهم مرحّبا بهم كأولاد يهوه الذين وإن كانوا في الواقع متباعدين عن بيت الآب فإن قلب الآب لم ينسهم. إنّ نفس شقائهم وخطيتهم جعلتهم بالأكثر موضوع حنانه ورحمته. وبقدر ما ابتعدوا عنه – بقدر ذلك زاد حنينه إليهم وعظمت تضحيته لإنقاذهم.

كلّ هذا كان يمكن لمعلمي إسرائيل أن يتعلموه من الأسفار المقدسة التي كانوا يفخرون بأنهم حُفَّاظها وشارحوها. ألم يكتب – داود الذي قد سقط في خطية مميتة قائلا:(( ضللت كشاة ضالة، اطلب عبدك ))؟ (مزمور 176:119). أولم يعلن ميخا محبة يهوه للخاطيء قائلا: (( من هو إله مثلك غافر الآثم وصافح عن الذنب لبقية ميراثه. لا يحفظ إلى الأبد غضبه فإنه يسرّ بالرأفة )) ؟ (ميخا 18:7).

الخروف الضال

ولم يذكِّر المسيا سامعيه في ذلك الوقت بأقوال الكتاب. ولكنه لجأ إلى شهادة اختبارهم. فإنّ السهول الفسيحة الممتدة شرقيّ الأردن كانت فيها مراع للقطعان، وفي الممرات وعلى الجبال التي اكتست بالغابات شرد الكثير من الخراف الضالة، واستلزمت عناية الراعي التفتيش عنها وإعادتها. كان يوجد بين الرجال الملتفين حول يهوشوه رعاة، وكذلك رجال كانت لديهم أموال استثمروها في القطعان والمواشي، وقد أمكن لجميعهم أن يقِّدروا ويفهموا المثل الذي أورده حين قال: (( أي إنسان منكم له مئة خروف وأضاع واحداً منها ألا يترك التسعة والتسعين في البرية ويذهب لاجل الضال حتى يجده? )) (لوقا 4:15).

قال لهم يهوشوه: هذه النفوس التي تحتقرونها هي ملك يهوه. فهي له بحق الخلق والفداء وهي غالية القيمة في عينيه. فكما يحب الراعي خرافه ولا يستطيع أن يستريح لو ضاع واحد منها فقط، كذلك يهوه يحب كل شريد إنما بدرجة أسمى بكثير. قد ينكر الناس حق محبته. وقد يبتعدون عنه وقد يختارون لأنفسهم سيدا آخر، ومع ذلك فهم خاصة يهوه وهو يتوق لاسترداد خاصته. إنّه يقول: (( كما يفتقد الراعي قطيعه يوم يكون في وسط غنمه المشتتة هكذا أفتقد غنمي وأخلصها من جميع الأماكن التي تشتّتَتْ إليها في يوم الغيم والضباب )) (حزقيال 12:34).

وفي المثل نجد أن الراعي يخرج ليفتش عن خروف واحد  – أقل ما يمكن أن يُحصى. وهكذا إذا لم يكن غير نفس واحدة هالكة، لكان المسيا يموت لأجل تلك النفس.

إنّ الشاة التي ضلت بعيدا عن الحظيرة هي أعجز كل الخلائق. فينبغي أن يفتش عنها الراعي بنفسه لأنها لا تستطيع أن تجد طريقها للعودة. وهكذا الحال مع النفس التي قد ابتعدت عن يهوه، فذلك الإنسان عاجز كالخروف الضال، ولو لم تأت محبة يهوه لإنقاذه لما أمكنه أن يجد طريق الرجوع إلى يهوه.

الراعي الذي يكتشف أنّ خروفا واحدا ناقصُُ لا ينظر في غير مبالاة إلى القطيع الذي آوى بأمان إلى الحظيرة قائلا: (( عندي تسعة وتسعون، والبحث عن الخروف الضال يكلفني عناءً أكثر من اللازم. فليرجع وأنا أفتح له باب الحظيرة وأدخله )). كلا، فما أن ضلّ الخروف حتى تمتليء نفس الراعي حزنا وجزعا. فيعدّ القطيع مرارا وتكرارا. وعندما يتأكد أن خروفا قد ضاع فهو لا ينام. بل يترك التسعة والتسعين في الحظيرة ويذهب مفتشا عن الخروف الضال. فكلما اشتد ظلام الليل والعواصف، وزادت خطورة الطريق ازداد جزع الراعي، وجِّد في بحثه. فهو يبذل كل جهده ليجد ذلك الخروف الواحد الضال.

فبأي ارتياح يسمع أول صرخاته الواهنة من بُعد. فإذ يتتبع الصوت يتسلق المرتفعات السريعة الانحدار ويذهب إلى حافة الهوة مخاطرا بحياته. وهكذا يبحث في حين تنبئه الصرخة التي صارت أضعف مما كانت بأن خروفه موشك على الموت. أخيرا يُكافأ مسعاه فقد وُجد الضال. وحينئذ لا ينتهره لأنّه سبّب له كل ذلك العناء، ولا يسوقه بالسوط ولا حتى يحاول أن يقوده إلى البيت. بل إنّه لفرط سروره يضع ذلك المخلوق المرتجف على منكبيه، وإذا كان مسحوقا أو مجروحا يضمه بين ذراعيه ويحتضنه حتى تعيدُ حرارة قلبهِ الحياة إليه. فبقلب مفعم بالشكر، لأنّ بحثه لم يذهب عبثا، يحمله عائدا به إلى الحظيرة.

شكرا ليهوه لأنّه لم يعرض أمام أذهاننا صورة راع حزين عائد بدون الخروف. فالمثل لا يتحدّث عن الفشل بل عن النجاح والفرح باسترداده. هنا الضمان الإلهي بأنّه ولا شاة واحدة ضالة بعيدا عن حظيرة يهوه تُغفل أو تُترك بدون نجدة. فكل من يخضع ليُفتدي سيخلّصه المسيا من جب الفساد ومن أشواك الخطية.

فيا أيتها النفس اليائسة تشجّعي حتى ولو كنت قد فعلت شرّاً. لا تظن أنّ يهوه ربما يغفر معاصيك ويسمح لك بالمثول في حضرته. لقد تقدم يهوه إليك أولاً. فحين كنت في حالة العصيان عليه خرج يفتش عنك. فبقلب الراعي الحنَّان الرقيق ترك التسعة والتسعين وخرج إلى البرية ليجد ما قد هلك. فالنفس المُرضّضة الجريحة والموشكة على الهلاك يحيطها بذراعي محبته ويحملها فرحا إلى حظيرة الأمان.

كان اليهود يعلّمون الشعب قائلين إنّه قبلما تمتد محبة يهوه إلى الخاطيء عليه أوّلا أن يتوب. ففي رأيهم أنّ التوبة عمل بواسطته يحرز الناس رضى السماء. وهذا هو الفكر الذي جعل الفريسيين يصيحون في دهشة وغضب قائلين: (( هذا يقبل خطاة )). فبناء على أفكارهم لم يكن يحق له أن يسمح بالاقتراب منه إلاّ لمن قد تاب. ولكن المسيا يعلمنا في مثل الخروف الضال أنّ الخلاص لا يأتينا عن طريق تفتيشنا عن يهوه بل عن طريق تفتيش يهوه عنا: (( ليس من يفهم ليس من يطلب يهوه. الجميع زاغوا وفسدوا معا )) (رومية 11:3 و 12). فنحن لا نتوب لكي يحبنا يهوه، ولكنه يعلن لنا محبته لكي نتوب.

وعندما يعاد الخروف الضال إلى الحظيرة أخيرا فإنّ شكر الراعي يجد له تعبيرا في أغاني الفرح. فهو يدعو الأصدقاء والجيران قائلا لهم: (( افرحوا معي لأني وجدت خروفي الضال )) (عدد 6). وهكذا عندما يجد راعي الخراف العظيم إنسانا ضالا فالسماء والأرض تشتركان في الشكر والفرح.

(( هكذا يكون فرح في السماء بخاطيء واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارا لا يحتاجون إلى توبة )) (عدد 7). قال المسيا: إنكم أيها الفريسيون تحسبون أنفسكم محبوبين لدى السماء. وتظنون أنفسكم في أمان إذ تتحصّنون في برّكم. إذا فاعلموا أنكم إذا كنتم في غير حاجة إلى توبة فرسالتي ليست لكم. فهذه النفوس المسكينة التي تحسّ بفقرها وشرّها هي ذات النفوس التي قد أتيت لأخلّصها. فملائكة السماء مهتمون بهؤلاء الناس الهالكين الذين تزدرونهم. إنكم تشتكون وتسخرون عندما ينضم إليّ واحد من هؤلاء الناس. ولكن اعلموا أن الملائكة يفرحون وأنشودة النصرة يرنّ صداها في كل أرجاء السماء.

كان عند أحبار إسرائيل مثل يقول إنّه يكون فرح في السماء عندما يهلك إنسان أخطأ إلى يهوه، ولكن يهوشوه علمنا أنّ عمل الهلاك غريب بالنسبة إلى يهوه. فالذي تفرح به كل السماء هو إعادة صورة يهوه إلى النفوس التي قد خلقها.

وعندما يحاول إنسان ضلّ ضلالا بعيدا في الخطية أن يرجع إلى يهوه فهو يُقابَل بالانتقاد والشك. فهناك من يشكون فيما إذا كانت توبته صادقة، أو يهمسون قائلين: (( إنّه لا ثبات عنده فأنا لا أصدق أنه سيصمد )). هؤلاء الناس لا يعملون عمل يهوه بل عمل الشيطان المشتكي على الاخوة. فبواسطة انتقاداتهم يؤمل الشرير أن يثبّط تلك النفس ويسوقها بعيدا عن الرجاء وعن يهوه. فليفكر الخاطيء التائب في الفرح الذي يكون في السماء برجوع الضال. فليستريح في محبة يهوه ولا يضعف قلبه في أي حالة بسبب سخرية الفريسيين وشكوكهم.

لقد فهم الأحبار إن مثل المسيا ينطبق على العشارين والخطاة، ولكن كان له أيضا معنى أوسع. فالمسيا لا يرمز بالخروف الضال إلى الفرد الخاطيء وحده بل أيضا إلى العالم الذي ارتدّ وأهلكته الخطية. فهذا العالم إن هو الاّ ذرّة واحدة في عوالم واسعة يحكم عليها يهوه، ومع ذلك فهذا العالم الصغير الساقط – الخروف الواحد الضال – هو أغلى في نظره من التسعة والتسعين التي لم تضل عن الحظيرة. إنّ المسيا الرئيس الحبيب في المواطن السماوية تنازل عن مركزه العظيم السامي وألقى عنه المجد الذي كان له عند الآب لكي يخلص العالم الواحد الهالك. ولأجل هذا ترك العوالم المعصومة في الأعالي، التسعة والتسعين الذين أحبوه وجاء إلى هذه الأرض ليُجرح (( لأجل معاصينا )) ويُسحق (( لأجل آثامنا )) (إشعياء 5:53). فيهوه بذل نفسه في شخص ابنه لكي يكون له فرح إرجاع الخروف الضال.

(( انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد يهوه )) (1 يوحنا 1:3). والمسيا يقول: (( كما أرسلتني إلى العالم أرسلتهم أنا إلى العالم )) (يوحنا 18:17). حتى (( أكمل نقائص شدائد المسيا … لأجل جسده الذي هو الكنيسة )) (كولوسي 24:1). إنّ كل نفس خلصها المسيا مدعوة لتعمل باسمه لأجل خلاص الهالكين. هذا العمل كان قد أُهمِل بين العبرانيين. أو ليسَ هو مهملا اليوم ممن يعترفون بأنّهم تلاميذ المسيا ؟

كم من الضالّين طلبتهم أيها القاريء وأرجعتهم إلى الحظيرة ؟ فعندما تغضي عمّن يبدو أنه لا رجاء فيهم ولا جاذبية فهل تدرك أنّك تهمل النفوس التي يبحث المسيا عنها؟ ففي نفس الوقت الذي فيه تتحول عنهم قد يكـونون في أشدّ الحاجة إلى عطفك وشفقتك. في كل اجتماع يعقد للعبادة توجد نفوس تتوق إلى الراحة والسلام. قد يبدو أنهم عائشـون حياة عدم الاكتراث ولكنهم ليسوا عديمي الشـعور بقـوة الـروح القـدس. فكثيرون منهم يمكن ربحهم للمسيا.

إذا كان الخروف الضال لا يُعاد إلى الحظيرة فسيظل هائما على وجهه حتى يهلك. وهنالك كثيرون ينحدرون إلى الهلاك لعدم وجود يد تمتد إليهم لتخليصهم. هؤلاء المخطئون قد يبدو أنهم قساة وطائشون، ولكن لو أنهم قد تمتعوا بنفس الامتيازات التي كانت للآخرين لكانوا قد برهنوا على نبل نفوسهم وكانت لهم مواهب أكثر نفعا من الآخرين. إنّ الملائكة يعطفون على هؤلاء الضالين. بل إنّ الملائكة يبكون في حين أن عيون الناس جافة من الدموع وقلوبهم مغلقة فلا يتسرب إليها العطف.

آه ما أحوجنا إلى عطف عميق يؤثر في النفس على المجربين والمخطئين! وما أحوجنا إلى المزيد من روح المسيا وإلى القليل من الأنانية !.

لقد فهم الفريسيون مثل المسيا على أنّه توبيخ لهم. فبدلا من أن يقبل انتقادهم لعمله وبخهم على إهمالهم للعشارين والخطاة. وهو لم يفعل هذا جهارا لئلا يغلقوا قلوبهم دونه، ولكن مثله وضع أمامهم نفس العمل الذي طلبه يهوه منهم والذي لم يعملوه. فلو كانوا رعاة أمناء فان هؤلاء الذين كانوا رؤساء في شعب يهوه قديما كان يمكنهم أن يقوموا بعمل الراعي، وكانوا قد اظهروا رحمة المسيا ومحبته وكانوا انضمّوا إليه في أداء رسالته – ولكن رفضهم عمل هذا برهن على أنّ ادعاءهم التقوى إدعاءُُ كاذب. وقد رفض كثيرون توبيخ المسيا ومع ذلك فإن كلامه بكّت بعضا منهم. فبعد صعود المسيا إلى السماء حل الروح القدس على هؤلاء فانضموا إلى تلاميذه في القيام بنفس العمل المجمل في مثل الخروف الضال.

الدرهم المفقود

إنّ المسيا بعدما أورد مثل الخروف الضال قدم مثلا آخر قائلا: (( أية امرأة لها عشرة دراهم إن أضاعت درهما واحدا ألا توقد سراجا وتكنس البيت وتفتش باجتهاد حتى تجده? ))  (لوقا 8:15).

كانت بيوت الفقراء في بلاد الشرق تتكون من غرفة واحدة غالبا بلا نوافذ ولذلك فهي مظلمة. ولم تكن الغرفة تكنس إلاّ في القليل النادر، ولو سقط درهم على الأرض فسرعان ما كانت تغطّيه الأتربة والقمامة. وحتى يمكن العثور عليه كان يجب أن يوقد سراج في النهار وأن يكنس البيت جيّداً.

وكان مهر الزوجة عند الزواج يتكون في العادة من دراهم، وكانت تحفظها بكلّ حرص إذ هي ثروتها الثمينة لديها لينتقل منها إلى بناتها. وكان ضياع درهم من هذه الدراهم يعتبر كارثة خطيرة وكان العثور عليه سبب فرح عظيم سرعان ما كانت تشترك فيه جاراتها من النساء.

قال المسيا: (( وإذا وجدته تدعو الصديقات والجارات قائلة افرحن معي لأني وجدت الدرهم الذي أضعته. هكذا أقول لكم يكون فرح قدام ملائكة يهوه بخاطيء واحد يتوب )) (لوقا 9:15 و 10).

هذا المثل كسابقه يتحدث عن ضياع شيء يمكن العثور عليه بالتفتيش الصحيح فيسبب ذلك فرحا عظيما. إلا آن المثلين يصوران لنا فريقين مختلفين. فالخروف الضال يعرف أنه ضال. فقد ترك الراعي والقطيع ولا يستطيع أن يرجع بنفسه. وهو يرمز إلى الذين يدركون انّهم قد انفصلوا عن يهوه، وتكتنفهم سحابة من الارتباك وهم أذلاّء مجربون بتجارب قاسية. أما الدرهم المفقود فيرمز إلى من هم هالكون بالذنوب والخطايا، ولكن لا يوجد عندهم إحساس بحالتهم. إنّهم متباعدون عن يهوه ولكنهم لا يعرفون ذلك. فأرواحهم في خطر ولكنّهم لا يحسون بذلك ولا يهتمون. وفي هذا المثل يعلمنا المسيا انه حتى الناس العديمو الاكتراث لمطاليب يهوه هم موضوع محبته وعطفه. فينبغي التفتيش عنهم لكي يرجعوا إلى يهوه ثانية.

لقد ضلّ الخروف وتاه بعيدا عن الحظيرة. ضل في البرية أو على الجبال. أما الدرهم فقد ضاع في البيت. كان قريبا من متناول اليد ولكن لم يمكن استرجاعه إلاّ بعد البحث باجتهاد.

في هذا المثل درس للعائلات. ففي البيت يتفشى الإهمال في الغالب من نحو نفوس أفراد العائلة. فقد يكون بين أولئك الأفراد واحد مبتعد عن يهوه، ولكن قلُما يجزع أحد أن تضيع، في خضمّ العلاقات العائلية، واحدةُ من عطايا يهوه المُسلّمة لهم.

إنّ الدرهم، مع أنّه في وسط أكوام التراب والقمامة، لا يزال درهما من فضة كما كان. وصاحبته تفتش عنه لأنّ له قيمته. وهكذا كل نفس مهما تكن منحطّةً بالخطية معتبرةُُ ثمينةً في نظر يهوه. وكما أنّ على الدرهم صورة الملك واسمه، فكذلك الإنسان عند خلقه كان يحمل صورة يهوه واسمه. ومع أنّ الصورة والاسم قد فسدا الآن وشُوِّها وطُمسا بتأثير الخطية، فإنّ آثار تلك الصلاة وتلك الكتابة لا تزال باقية في كل نفس. ويهوه يتوق إلى أن يرد تلك النفس وينقش عليها من جديد صورته في البرّ والقداسة.

إن المرأة المذكورة في المثل تفتش باجتهاد لاجل درهمها الضائع. فهي توقد السراج وتكنس البيت. وهي تزيح من طريقها كل ما من شأنه أن يعرقلها عن البحث. ومع أن الضائع هو درهم واحد فقط فهي لا تكفّ عن بذل جهودها حتى تجد ذلك الدرهم. وهكذا في الأسرة إن ضلّ أحد أعضائها عن يهوه فينبغي استخدام كل وسيلة في إرجاعه. أمّا من ناحية الآخرين فليجتهد كل واحد في فحص نفسه بكل حرص. كما يجب فحص أعمال الحياة. فانظر لئلا يكون هناك خطأ ما، خطأ في الإدارة بسببه تصرّ تلك النفس على البقاء في قساوة القلب.

وإذا كان في العائلة ولد غير شاعر بحالته، حالة الخطية فينبغي ألاّ يستريح الوالدان. ليوقد السراج. فتشوا كلمة يهوه وعلى نورها ليُفحص كل ما في البيت باجتهاد لتروا لماذا ضلّ هذا الولد. ليفحص الوالدون قلوبهم ويمتحنوا عاداتهم وأعمالهم. إنّ الأولاد هم ميراث السيَد ونحن سنحاسب أمامه عن تصرفنا إزاء هذا الميراث.

يوجد آباء وأمهات يتوقون للخدمة في حقل مرسلي أجنبي، ويوجد كثيرون نشيطون في العمل المسيحي خارج البيت في حين أن أولادهم غرباء عن المخلص ومحبته. إنّ كثيرين من الوالدين يكلون عمل ربح أولادهم للمسيا إلى الخادم أو معلم مدرسة السبت، ولكنّهم بذلك يهملون المسؤولية المسندة إليهم من يهوه. إنّ تعليم الأولاد وتربيتهم ليكونوا مسيحيين هو أسمى خدمة يمكن أن يقدمها الوالدون ليهوه. وهو عمل يتطلب الخدمة في صبر ومجهود ناشط مثابر يدوم مدى الحياة. فإذ نهمل هذه الوديعة نبرهن على عدم أمانتنا كوكلاء. ولا يُقبل عذر عن هذا الإهمال أمام يهوه.

ولكن ينبغي ألاّ ييأس الذين ارتكبوا هذا الإهمال. إنّ المرأة التي أضاعت درهمها فتشت عنه حتى وجدته. فكذلك يجب على الوالدين أن يخدموا عائلاتهم بمحبة وإيمان وصلاة، حتى يمكنهم أن يأتوا إلى يهوه بفرح قائلين: (( هأنذا والأولاد الذين أعطانيهم يهوه )) (إشعياء 18:8).

هذا هو العمل الكرازي الحقيقي وفيه عون لمن يقومون به كما لمن يُعمل لأجلهم. فباهتمامنا الأمين بمحيط البيت إنّما نحن نؤهل ذواتنا لخدمة أعضاء أسرة السيَد الذين إذا كنا نظل على ولائنا للمسيا سنعيش معهم مدى أجيال الأبد. فعلينا أن نظهره بعضنا لبعض كأفراد في عائلة واحدة.

ويهوه يقصد أن يؤهلنا هذا كله لنخدم آخرين أيضا. فإذ تتسع عواطفنا وتزيد محبتنا فسنجد لنا عملا نقوم به في كل مكان. إنّ أسرة يهوه البشرية الكبيرة تشمل العالم وينبغي إلاّ نهمل فردا واحدا من أفرادها.

وأينما نكون يوجد هناك الدرهم المفقود ينتظر بحثنا عنه. فهل نحن دائبون على التفتيش عنه؟ إننّا من يوم إلى يوم نتقابل مع من لا يهتمون بالأمور الدينية، ونحن نتحدث معهم ونقوم بزيارات بينهم فهل نبدي اهتماما بخيرهم الروحي ؟ وهل نقدّم لهم المسيا كالمخلص الذي يغفر الخطايا ؟ فإذ تكون قلوبنا ملتهبة بمحبة المسيا هل نخبرهم عن تلك المحبة ؟ فإذا لم نفعل ذلك فكيف نواجه هذه النفوس التي هلكت هلاكا أبديا – عندما نقف معهم أمام عرش يهوه ؟

مَن ذا يستطيع أن يقدّر قيمة النفس ؟ فإذا أردتم أن تعرفوا قيمتها فاذهبوا إلى جثسيماني واسهروا هناك مع المسيا مدى تلك الساعات، ساعات الحزن والألم عندما كان عرقه ينزل كقطرات من الدم. وانظروا إلى المخلـص مرفـوعا على الصلـيب. واسمعـوا صـرخة اليـأس التي فــاه بها قائلا: (( إلهي إلهي لماذا تركتني )) (مرقس 34:15). انظروا إلى رأسه الجريح الدامي وجنبه المطعون وقدميه الممزقتين. واذكروا أنّ المسيا خاطر بكل شيء. فلأجل فدائنا تعرضت السماء نفسها للخطر. وعند قاعدة الصليب إذ تذكرون أن المسيا كان يمكن أن يبذل نفسه لأجل خاطيء واحد يمكنكم أن تقدّروا قيمة نفس واحدة.

وإذا كنتم في شركة مع المسيا فستضعون تقديره على كل إنسان. وستحسّون نحو الآخرين بنفس الحب العميق الذي أحسّ به المسيا نحوكم. وحينئذ ستكونون قادرين على أن تربحوا الذين مات المسيا لأجلهم لا أن تطردوهم وأن تجتذبوهم لا أن تنفّروهم. ما كان يمكن أن إنسـانا يرجع إلى يهوه لو لم يبذل المسيا جهـدا شخصـيا لأجله، وبهذا العمل الفردي يمكننا أن نخلص النفوس. فعندما ترون المنحدرين إلى الموت فإنكم لن تركنوا إلى الراحة وعدم المبالاة. فبقدر ما عظمت خطيتهم وزاد شقاؤهم تزداد جهودكم غيرة ورقّة في سبيل إرجاعهم. وستكشفون حاجة المتألمين والذين ظلوا طويلا يخطئون إلى يهوه والذين يضايقهم ثقل آثامهم. وستمتليء قلوبكم عطفا عليهم وستمدّون إليهم يد العون. وستأتون بهم إلى المسيا على أذرع إيمانكم ومحبتكم. وستسهرون عليهم وتشجعونهم وسيجعل عطفكم وثقتكم من الصعب عليهم أن يسقطوا من ثباتهم.

إنّ كل ملائكة السماء مستعدون للتعاون في هذه الخدمة. فكل مصادر السماء هي تحت تصرّف من يجتهدون في تخليص الهالكين. والملائكة سيساعدونكم في الوصول إلى أقل الناس اكتراثا وأقساهم قلوبا. وعندما يرجع أحدهم إلى يهوه فكل السماء ستفرح، والسرافيم والكاروبيم سيعزفون على قيثاراتهم الذهبية ويترنمون بترنيمات الحمد ليهوه وللحمل لأجل رحمته ورأفته نحو بني الإنسان.

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6001
6
29
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2014
09
23
افرحوا بالخالق في يوم قدسه. سبت مبارك.
Calendar App