الدولار الأمريكي بمثابة قنبلة موقوتة تهدّد الأسواق بفتيلها سريع الاشتعال

 

shutterstock_83839882

بعد مرور 10 أعوام من بداية الأزمة المالية العالمية، قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتشجيع البحث عن بديل للدولار الأمريكي باعتباره العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم، مع تخليه الكامل عن الانضباط المالي وهو الأمر الذي يمكن أن يبرهن على نهاية الانتعاش الاقتصادي الأمريكي. ويتجه الدولار حالياً نحو مزيد من الضعف في قوته الشرائية، حيث بدأت حالته كعملة احتياطية بالتبدد الآن أكثر من أي وقت مضى، ولكن تبقى المشكلة الحقيقية متمثلة في التفاصيل التي ستؤدي إلى وصوله إلى هذه الحالة.

وينبغي الإشارة في هذا السياق إلى مصطلح ’معضلة تريفين‘، التي تستند في تسميتها إلى الخبير الاقتصادي الأميركي – بلجيكي الأصل – روبرت تريفين ودراسته النقدية حول استخدام الدولار الأمريكي كمعيار عالمي ضمن إطار نظام أسعار الصرف الذي حددته اتفاقية ’بريتون وودز‘ للفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. وتشير ’معضلة تريفين‘ إلى حالة عدم الاستقرار الحتمية عندما يتم استخدام إحدى العملات الوطنية كعملة احتياطية رئيسية عالمية يتعين عليها إدارة عجز مالي مستمرّ وواسع النطاق. ولكن هذا العجز المالي يهدد بتقويض الثقة بقيمة هذه العملة في نهاية المطاف.

ويشكل الدولار الأمريكي بالطبع محور أي من تحليلات ’معضلة تريفين‘، حيث يشكل فك ارتباط الدولار الأمريكي مع الذهب في عام 1971 الفصل الأول من القصة الملحمية المستمرة لوضع الدولار بوصفه العملة الاحتياطية العالمية الرئيسية. وبينما نتطلع نحو الفترة المتبقية من عام 2018 وما بعدها، فإننا نتوقع بأننا نقترب من نهاية الدور الذي يلعبه الدولار الأمريكي في الاقتصاد العالمي.

ونحن نسير حالياً بخطى متسارعة لتجاوز سياسات البترودولار والاقتصاد السياسي لمنطقة آسيا والتي ساهمت في دعم القوة الشرائية للدولار الأمريكي في الفترة بين سبعينيات القرن الماضي وحتى بدايات الألفية الثانية. واستمرت هذه الحالة حتى نشوء الأزمة المالية العالمية في الفترة بين عامي 2008 – 2009، والتي أدت إلى الكشف عن زيادة الاختلال الوظيفي للنظام المالي العالمي المرتكز على الدولار الأمريكي. وأدى انهيار أسعار الأصول حول العالم إلى حدوث اندفاع هائل للسيولة النقدية في النظام المالي العالمي نتيجة لانتشار عدوى الهلع من إجراءات خفض ديون الشركات. ونتيجة لزيادة عدد الأصول حول العالم وارتفاع نسب التمويل قصير الأجل بالدولار الأمريكي، اضطر “مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي” إلى اتخاذ إجراءات لا تهدف إلى إنقاذ النظام المالي الأمريكي فحسب، وإنما النظام المالي العالمي بأكمله، حيث قام المجلس بإفساح المجال أمام ترتيب مقايضات ضخمة بهدف توفير سيولة نقدية بالدولار الأمريكي للبنوك المركزية الأجنبية. ولكن ذلك لم ينطبق على الاقتصادات الرئيسية في آسيا وأوروبا فحسب، وإنما امتد ليشمل مناطق بعيدة مثل البرازيل ونيوزيلندا. ونجح هذا الطوفان الكبير للسيولة في إنقاذ النظام المالي العالمي دون الحاجة إلى معالجة جوانب الضعف الأساسية للنظام واعتماده على قوة الاحتياطي الفيدرالي لإنقاذه.

ولكن للمفارقة أيضاً، فقد أفضت السياسات النقدية البسيطة واللاحقة لـ “مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي”، والتي كانت تهدف بشكل أساسي إلى حفز تعافي الاقتصاد الأمريكي المنهك، من دون قصد مسبق إلى فقاعة ائتمان جديدة في الأسواق الناشئة حول العالم والتي تمتعت بميزانيات سيادية صافية إلى حد ما، في الوقت الذي لم تتعرض فيه اقتصاداتها الحقيقية إلى هزة قوية نتيجة لانعكاسات الأزمة المالية على الأسواق المتقدمة. ويمكن القول باختصار، كانت الجهات المقترضة في الأسواق الناشئة أكثر سعادة نتيجة لتمكنها من اقتراض أموال “مجانية” عالمية بالدولار الأمريكي من دون تكبد دفع فوائد حقيقية عند تمويل أنشطتها الجديدة.

وبحلول العالم 2011، بدأ نمو فقاعة الأموال السهلة الناجمة عن سياسات “مجلس الاحتياطي الفيدرالي” بالتباطؤ في الأسواق الناشئة. وفي عام 2013، بدأت هذه الفقاعة بالتلاشي على نحو سيء للغاية، حيث بلغت هذه العملية ذروتها أواخر العام 2015 وبداية العام 2016 عندما أشار المجلس للمرة الأولى بأنه سيقوم بخفض مشتريات التخفيف الكمي في عام 2013، ثم التوقف عنها بشكل كامل بنهاية العام 2014.

وبالرغم من الإدراك المتأخر، فقد كان من الواضح بأن قرارات “مجلس الاحتياطي الفيدرالي” – الذي يعد بمثابة البنك المركزي لعملة الاحتياطي العالمية – كانت بمثابة المحفّز الأساسي لدورات الازدهار والكساد في الأسواق. وعندما قام المجلس بتشديد سياساته المالية بنهاية العام 2013، بدأت إمدادات السيولة المتأتية من عمليات طباعة الدولار الأمريكي بالتراجع، ما أدى إلى زيادة كبيرة في أسعار صرفه. ونسي الكثيرون كم كان العام 2015 سيئاً بالنسبة لأسعار الأصول العالمية، ولاسيما في الأسواق الناشئة. ولحسن الحظ، فإن إجراءات التسهيل الكمي الواسعة التي اتخذها “البنك المركزي الأوروبي” في بداية العام 2015، وأفضت إلى حفز القطاع المالي الصيني بدرجة كبيرة خلال وقت لاحق من ذات العام، قد ساهمت على الأرجح دون دخول العالم في الفساد.

أما اليوم، فقد شهدت محفزات السياسات الاقتصادية حول العالم تغيراً جذرياً أو شبه كامل، حيث بدأت أولويات النمو في الصين بالتحول نحو التركيز على الارتقاء بسوية معيشة جميع مواطنيها وتطبيق السياسات البيئية، فضلاً عن مساعي بكين الرامية إلى معالجة فقاعة الائتمان الخاصة بالبلاد. بينما يواصل “مجلس الاحتياطي الفيدرالي” اتباع سياسة التشدد المالي، إلى جانب وجود مؤشرات بنيّته تقليص ميزانيته العمومية بوتيرة متسارعة. ويضاف ذلك إلى الوعود التي قطعها “البنك المركزي الأوروبي” والمتمثلة بالتوقف نهائياً عن عمليات شراء الأصول في أواخر هذا العام. في حين بقي “بنك اليابان” الوحيد الذي يستمر بتطبيق سياساته على نحو متباطئ، بالرغم من قيامه هو الآخر بخفض أسعار مشتريات الأصول خلال العام الماضي.

وجاءت إزالة محفزات السياسات المالية العالمية كنتيجة طبيعية في الوقت الذي استطاع في الاقتصاد العالمي أخيراً تحقيق نمو متزامن على مدى فترتين ربع سنويتين في العام 2017. ولكننا نرى بأن هذا النمو يعتبر ضعيفاً ومتأخراً للغاية، خاصة وأن دورة الائتمان في كل من الولايات المتحدة والصين قد بدأت للتو. بينما أصبحت التحديات المحدقة بالأسواق أقرب من أي وقت مضى.

وبصرف النظر عن التراجع المستمر في قدرة البنوك المركزية على التكيف وتجميع مخاطر الركود الاقتصادي، فقد شهد الربع الأول من العام الحالي قيام إدارة الرئيس ترامب بإضافة اثنين من عوامل انعدام الاستقرار إلى النظام المالي العالمي غير المستقر أساساً، والتي ستسهم في تسريع وتيرة انهياره الكامل.

وتتمثل أولى هذه العوامل في تصعيد لهجة الخطاب المتعلق بحماية اقتصاد الولايات المتحدة والذي يستهدف الصين بالدرجة الأولى، ويمكن أن يؤدي إلى إطلاق مجموعة كاملة من الردود المحتملة من جانب الصين. ولا شك أن هذه الردود ستتضمن سعي الصين إلى الحد من هيمنة الدولار الأمريكي على التجارة والأسواق المالية العالمية.

وقد سبق وأن أشار تشو شياو تشوان، الخبير المصرفي الصيني الكبير، في عام 2009 إلى دور الدولار الأمريكي في نشوء “معضلة تريفين” التي ساهمت في حدوث الأزمة المالية العالمية. ويرى بعض الخبراء الماليين أيضاً بأن إبرام العقد النفطي المستند إلى اليوان الصيني والذي شهدناه خلال الربع الأول من هذا العام، يندرج في إطار الجهود الرامية إلى استبدال، أو على الأقل منافسة مفهوم البترودولار من خلال إطلاق مفهوم “البترويوان” ضمن مفاهيم التجارة العالمية؛ وهو أمر منطقي إلى حد بعيد بالنظر إلى أن الصين قد استولت على مكانة الولايات المتحدة كأكبر مستورد للنفط على مستوى العالم. علاوة على ذلك، فإنه يتعين على المرء تكوين صورة واضحة حول الأهداف بعيدة الأمد لاستراتيجية “حزام واحد طريق واحد” الصينية، ودورها في إنشاء وتعزيز الترابط بين المراكز التجارية عبر قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا والتي ستسهم في زيادة التركيز على وحدات القيمة الصينية، أو على الأقل تنامي تأثيرها.

أما العامل الثاني فيتمثل في نظام ترامب الضريبي الجديد والذي أدى إلى نشوء حالات عجز مالي غير مسبوقة خلال مرحلة التوسع في دورة النمو الأمريكية – بمقدار يبلغ تريليون دولار أمريكي في ميزانية السنة المالية القادمة. وينطوي دخول الولايات المتحدة حالة من التراجع على مدى فترة تتراوح بين 12-18 شهراً القادمة (من وجهة نظرنا) على مخاطر لا تحمد عقباها. فعلى الرغم من التخفيضات الضريبية، فإن الفجوة المالية ستمتد على نحو يفوق ما شهدناه خلال الأزمة المالية بما يقارب 12% من الناتج الإجمالي المحلي.

وبالنظر إلى أن الولايات المتحدة تعاني عجزاً كبيراً في تمويل الحسابات الجارية، مما يحتم عليها تمويل هذا العجز برؤوس الأموال الأجنبية – وبقيمة تقل على الأرجح عن قيمة الدولار الأمريكي.

وبالإضافة إلى الحاجة الملحة للبحث عن بديل للدولار الأمريكي، ثمة حاجة إلى إجراء خفض لقيمة الديون المقوّمة بالدولار الأمريكي، والتي يعود سبب زيادتها إلى تأرجح منظومة الدولار الأمريكي خارج البلاد والتي أوصلت التمويلات العالمية إلى حالة الكساد في عامي 2008 – 2009. وخلال شهر سبتمبر الماضي، أشارت تقديرات “بنك التسويات الدولية” إلى أن صافي الديون والمشتقات المالية للمنظومة المالية خارج الولايات المتحدة والمقوّمة بالدولار الأمريكي قد بلغ 25 تريليون دولار. ولم يعد بمقدور العالم تحمل حدوث كارثة تمويل أخرى للدولار الأمريكي، والتي بدأت فعلياً بشكل جزئي من خلال قيام ترامب بإجراء تخفيضات ضريبية على الشركات، مما يشجع الشركات الأمريكية على إعادة مئات مليارات الدولارات الأمريكية من الخارج نحو الولايات المتحدة، ويؤدي إلى استنزاف السيولة من المنظومة المالية خارج الولايات المتحدة. ويُمكن لذلك أن يشكل – إلى جانب إمكانية تزامنه مع إجراءات التشدد الكمي المتخذة من قبل “مجلس الاحتياطي الفيدرالي”، أسوأ ارتفاع في “سعر الفائدة بين بنوك لندن” على الدولار الأمريكي (USD LIBOR) مقابل السعر الرسمي للمجلس منذ الأزمة المالية العالمية.

ومن هنا، فإنه يتبادر إلى أذهاننا السؤال التالي: ما هو المسار الذي يمكن للدولار الأمريكي أن يسلكه الآن، وما الذي يمكن أن يحل مكانه؟ ستؤدي جميع المسارات المحتملة التي سينتهجها الدولار إلى انخفاضه في نهاية المطاف، ويضاف إلى ذلك العوامل التقليدية الأساسية (المتمثلة في تراجع الاقتصاد الأمريكي والنقص الحاد في تمويل الحسابات الجارية) والتي تشكل المؤثرات السلبية الأكبر على الدولار الأمريكي.

وبناءً على ذلك، فإن انخفاض الدولار الأمريكي أمام الين الياباني إلى 90 ين، وأمام اليورو إلى 1.35 يورو، لن يشكل مفاجأة كبيرة. ولكن “معضلة تريفين” ستسهم في تعقيد مسار تخفيض قيمة الدولار الأمريكي على المديين القصير والمتوسط والتي ستحدث بشكل محتوم على المدى الطويل، حيث سيفقد الدولار في إحدى هذه المراحل بعضاً أو كامل قيمته كعملة احتياطية. في حال واصل النظام المالي العالمي مسيرته على هذا النحو، فثمة احتمال بنشوء مخاطر سيولة أخرى ترتبط بالدولار الأمريكي في حال شهدنا حالة جديدة من الهلع المالي أو عودة دورة الائتمان العالمية.

ولعل الأمل في مواجهة هذه التحديات يتمثل في أن المشاكل المرتبطة بالدولار والتي شهدناها في عامي 2008 – 2009 كانت بالغة الوضوح والحدة، ما يرجح احتمال وجود خطط جاهزة للتعامل مع إمكانية تكرار حدوث أزمة مالية مماثلة. ولكن ينبغي في هذه المرة ألا تقتصر مهمة مواجهة مشكلة الدولار على “مجلس الاحتياطي الفيدرالي”، ويمكن لـ “صندوق النقد الدولي” أن يشارك بفاعلية في تنسيق الجهود بالتعاون مع الكثير من البنوك المركزية الأخرى إلى جانب المجلس.

كما يتعين إدراج بعض الأصول الاحتياطية الجديدة في قلب هذا النظام المالي الجديد، وقد اقترح بعض الخبراء إمكانية الاستعانة بـ “حقوق السحب الخاصة”، وحقوق السحب الخاصة المدعومة بالذهب وغيره من الأصول المشابهة. وفي حال عدم اتخاذ مثل هذه الإجراءات، فإن أزمة الدولار الأمريكي الجديدة يمكن أن تطغى على النظام المالي بدون وجود إجراءات منسقة، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى مخاطر تتعلق باتساع نطاق عجز سداد الديون، وتقلبات غير مسبوقة في أسعار الصرف، وتكرار حالة منطقة البلقان مع النظام المالي العالمي والتي تتمثل في عدم وجود أي مؤشرات على توفير أي أصول احتياطية وتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ.

ويبقى التساؤل المطروح هو فيما إذا كانت النخب العالمية قادرة على التحرك السريع في أزمة الدولار من خلال إطلاق عملية إعادة تشكيل ضخمة للنظام المالي العالمي دون الحصول على إذن/ موافقة/ تصريح من السلطات السياسية ذات الأنظمة الديمقراطية.

ففي البلدان الديمقراطية، وفي السراء والضراء؛ غالباً ما تظهر الأزمات قبل توفير الحلول كما كان الحال عليه خلال الأزمة المالية العالمية وأزمة الديون السيادية الأوروبية.

بقلم جون جيه. هاردي، كبير استراتيجيي الفوركس لدى ’ساكسو بنك‘

https://www.forbesmiddleeast.com/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A-%D8%A8%D9%85%D8%AB%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D9%82%D9%86%D8%A8%D9%84%D8%A9-%D9%85%D9%88%D9%82%D9%88%D8%AA%D8%A9/

التعليقات (0)add comment

أضف تعليق
يرجى منك الدخول للتعليق.اذا لم تكن مسجلا.يرجى التسجيل.

busy
حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
10
8
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2018
12
15
افرحوا بالخالق في يوم قدسه. سبت مبارك.
Calendar App