تأملات يومية


دُروس أخرى مِن إلقَاء البذار (2)

في نواميس يهوه في الطبيعة نجد أن النتيجة تتبع السبب بتأكيد لا يخطيء. إنّ الحصاد سيشهد عن نوع الزرع. والخادم الكسول تدينه أعماله. والحصاد يشهد عليه. وكذلك الحال في الروحيات، فأمانة كل خادم تقاس بنتائج خدمته. وصفة عمله سواء أكان مجتهداً أو كسولاً يظهرها الحصاد. وبهذه الكيفية يتقرر مصيره في الأبدية.

وكل بذرة تُزرع تنتج حصادا من نوعها. وهكذا في الحياة البشرية. فكلنا بحاجة إلى أن نزرع بذار الرحمة والعطف والحب لأننا سنحصد ما نزرعه. فكل صفة من صفات الأنانية وحب الذات والاعتداد بالذات، وكل عمل من أعمال الإفراط أو الانغماس سيثمر حصاداً من نوعه. فالذي يعيش لنفسه إنما يزرع للجسد ومن الجسد يحصد فساداً.

إنّ يهوه لا يهلك إنساناً. فالذي يهلَك هو الذي يُهلك نفسه. وكل من يخنق إنذارات الضمير إنما يزرع بذار عدم الإيمان وهذه لابد لها من حصاد. إنّ فرعون قديما إذ رفض أول إنذار من يهوه بذر بذار العناد فحصد العناد. فيهوه لم يرغمه على عدم الإيمان. ولكن بذار عدم الإيمان الذي قد زرعه انتج حصادا من نوعه، وهكذا استمرت مقاومته حتى نظر بأم عينه بلاده الخربة، وإلى جثّة بكره الفاقد الحياة وكل الأبكار في بيته وكل العائلات في أنحاء مملكته إلى أن غطت مياه البحر وغمرت كل فرسانه ومركبـاته ورجـال حـربه. إن تاريخـه هو إيضـاح مـرعب لصــدق هذا القول : "الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضا" (غلاطية 7:6). فلو تحقق الناس من هذا لكانوا يتحذرون لأنفسهم عن أي البذار يزرعون.

وكما أن البذار الذي يُزرع ينتج حصادا وهذا بدوره يُزرع  فإنّ الحصاد يتضاعف. وفي صلاتنا بالغير هذا القانون يثبت صدقه. فكل عمل وكل كَلمة هو بذرة لابد أن تؤتي ثمرها. وكل عمل من أعمال الشفقة والاهتمام، أو الطاعة، أو إنكار الذات سينتج عملا مثله في الآخرين، وعن طريق هؤلاء في آخرين غيرهم. وكذلك كل عمل من أعمال الحسد أو الخبث أو الشقاق هو بذرة ستطلع في "أصل مرارة" (عبرانيين 15:12) يتنجس به كثيرون. وكم وكم يزيد عدد من يُسمِّمه هؤلاء "الكثيرون". وهكذا زرع الشر يدوم مدى الحياة ومدى الأبدية.

إنّ السخاء في الأمور الزمنية والروحية هو درس نتعلمه من إلقاء البذار. إنّ السيَد يقول : "طـوباكم أيها الزارعون على كل الميـاه" (إشـعياء 20:32) . "هذا وإنّ من يزرع بالشح فبالشح أيضاً يحصد ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضا يحصد" (2 كورنثوس 6:9). إنّ الزارع على كل المياه معناه التوزيع المستمر لهبات يهوه ومعناه العطاء كلما تطلَّب عمل يهوه أو حاجات البشرية مساعدتنا. وهذا السخاء لا ينتهي إلى الفقر لأن "من يزرع بالبركات فبالبركات أيضا يحصد". إنّ الزارع يزيد من حنطته حين يلقيها في الأرض. وهكذا الحال مع من هم أمناء في توزيع هبات يهوه. فبالتوزيع يزيدون من بركاتهم. ويهوه قد وعدهم بالكفاية حتى يداوموا على العطاء: "أعطوا تعطوا. كيلا جيداً ملبداً مهزوزاً فائضاً يعطون في أحضانكم" (لوقا 38:6).

وهنالك معنى آخر ينطوي عليه مثل الزرع والحصاد. فإذ نوزع على الناس هبات يهوه الزمنية وبركاته فإن البرهان على حبنا وعطفنا يوقظ في نفوس من يتناولون عطايانا روح الشكر والحمد ليهوه. وتكون تربة القلب مهيأة لقبول بذار الحق الروحي. والذي يقدم البذار للزرع سيجعل البذار ينبت ويحيا ويثمر للحياة الأبدية.

إنّ المسيح بواسطة إلقاء البذار في الأرض يصور لنا ذبيحة نفسه لفدائنا فقد قال: "إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمُت فهي تبقى وحدها. ولكن إنْ ماتت تأتي بثمر كثير" (يوحنا 24:12). وهكذا موت المسيح سينتج ثمراً لملكوت يهوه. وطبقاً لناموس المملكة النباتية سينتج عن موته حياة.

وكل الذين يريدون أن يأتوا بثمر كعاملين مع المسيح ينبغي لهم أولا أن يقعوا في الأرض ويموتوا. فيجب أن تلقى الحياة في أتلام حاجة العالم. ينبغي القضاء على حب الذات واهتمامات الذات. ولكنّ ناموس التضحية هو ناموس حفظ النفس.إنّ البذرة إذ تُدفن في الأرض تأتي بثمر، وهذا بدوره يزرع أيضاً. وهكذا يتضاعف الحصاد. فالزارع يحفظ حنطته عندما يُلقي بها في التربة. وهكذا في حياة الإنسان فالعطاء هو الحياة. فالحياة التي ستدوم هي الحياة التي تُبذل بكل سخاء في خدمة يهوه والناس. فالذين يضحون بحياتهم في هذا العالم لأجل المسيح سيحفظونها للحياة الأبدية.

إنّ البذرة تموت لكي تطلع لحياة جديدة. في هذا لنا درس نتعلمه عن القيامة. فكل من يحبون يهوه سيحيون ثانية في جنة عدن السماوية. لقد قال يهوه عن الجسـد الذي يُدفن ليتعفن في القبر: "يزرع في فسـاد ويقامُ في عدم فساد. يزرع في هوان ويقام في مجد. يُزرع في ضعف ويقام في قوة" (1 كورنثوس 42:15 و 43).

هذا قليل من الدروس الكثيرة التي يعلمها مثل الطبيعة الحي عن الزارع والبذار. فإذ يحاول الوالدون والمعلمون أن يعلّموا هذه الدروس يجب أن يكون ذلك بطريقة عملية. فليعدّ الأولاد التربة بأنفسهم ويزرعوا البذار. وإذ يدأبون في عملهم يمكن للأب أو الأم أو المعلم أن يوضح حديقة القلب بالبذار الجيد أو الرديء المزروع هناك، وأنه كما يجب إعداد الحديقة  ليُلقى فيها بذار الحق. وبما أن البذار يلقى في جوف الأرض فهو يعلمنا درساً عن موت المسيح، وإذ ينبثق النبات يمكن استمرار المطابقة بين الزرع الطبيعي والزرع الروحي.

ويجب تعليم الشباب على هذا المنوال. فيجب أن يتعلموا أن يحرثوا الأرض. وقد يكون من المستحسن لو تكون حول كل مدرسة أرض زراعية مُلحقة بها، مثل هذه الأرض يجب اعتبارها على أنها الفصل المدرسي الذي يملكه يهوه. وأشياء الطبيعة يجب أن يُنظر إليها على أنها كتاب الدرس الإلهي الذي يجب على أولاده أن يدرسوه، ومنه يمكنهم أن يحصلوا على المعرفة الخاصة بتهذيب النفس.

وعند حرث الأرض، وتهذيبها وإخضاعها يمكن تعلم دروس باستمرار. إنّه لا يوجد من يفكر في الإقامة في قطعة أرض خام منتظراً أنها تنضج له ثمراً في الحال. ولكن يجب عليه أن يبذل الاجتهاد والمثابرة على العمل في معالجة التربة تمهيدا لإلقاء البذار. وهذا يصدق على العمل الروحي في القلب البشري. والذين يرغبون في الاستفادة من حرث الأرض ينبغي لهم أن يخرجوا وقلوبهم عامرة بكلمة يهوه. وسيجدون أن الأرض المتروكة في القلب قد شُقت وكُسرت بتأثير الروح القدس اللطيف المخضع. وما لم يُبذل مجهودّ متعبُ ومضنٍ في الأرض فلن تنتج حصاداً. وكذلك الحال مع تربة القلب إذ ينبغي أن يعمل روح يهوه فيه لينقيه ويهذبه قبلما يمكنه أن يثمر لمجد يهوه.

والأرض لا تعطي غناها متى عمل فيها الناس باندفاع متقطِّع. فهي بحاجة إلى اهتمام وتفكير كل يوم. فينبغي حرثها مراراً كثيرة حرثاً عميقاً، مع الاهتمام باقتلاع الأعشاب الغريبة التي تتغذى من البذار الجيد المزروع. وهكذا فالذين يحرثون ويزرعون يستعدون للحصاد. ولا حاجة بأحدٍ منهم أن يقف في الحقل في وسط حطام آمالهم المنهارة.

إنّ بركة السيَد تحل على الذين يشتغلون في الأرض هكذا والذين يتعلمون دروسا روحية من الطبيعة. إنّ العامل إذ يزرع الأرض لا يعرف إلا القليل عن الكنوز التي تُفتح له. وفي حين ينبغي له ألاّ يحتقر التعليم الذي يحصل عليه من العقول التي كان لها الاختبار ومن المعلومات التي يمكن لذوي العقول الفطنة أن يقدّموها فعليه أن يجمع دروسا لنفسه وهذا جزء من تدريبه. وفلاحة التربة ستبرهن على أنّها تهذيب للنفس.

إنّ ذاك الذي يجعل البذار يطلع والذي يحرسه نهاراً أو ليلاً والذي يمنحه القوة على النمو هو علّة وجودنا وملك السماء وهو لا يزال يبذل رعاية واهتماما أعظم لأجل أولاده. وفي حين يزرع الزارع البشري البذار لإعالة وإسناد حياتنا الأرضية، فإنّ الزارع السماوي الإلهي يغرس في النفس البذار الذي سيثمر للحياة الأبدية.

المعلم الأعظم صفحة 59- 64.

# عنوان الخبر التاريخ المشاهدات
1 دُروس أخرى مِن إلقَاء البذار (2) الاثنين, 23 أكتوبر 2017
1413
2 دُروس أخرى مِن إلقَاء البذار (1) الأحد, 22 أكتوبر 2017
1187
3 مـثْل حَـبّة خَـردل السبت, 21 أكتوبر 2017
1533
4 من أجل هذا أكلمهم بأمثال لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون الجمعة, 20 أكتوبر 2017
2226
5 التَّعليم بأمْثَال الخميس, 19 أكتوبر 2017
943
6 الــزَّوَان الأربعاء, 18 أكتوبر 2017
866
7 أوَّلاً نــَباتاً ثم سُنبلاً الثلاثاء, 17 أكتوبر 2017
1173
8 "يأتي بثمر" الاثنين, 16 أكتوبر 2017
668
9 في الأرض الجيدة الأحد, 15 أكتوبر 2017
1030
10 إعداد التربة السبت, 14 أكتوبر 2017
1231
11 المزروع بين الأشواك الجمعة, 13 أكتوبر 2017
1252
12 في الأرض المحجرة الخميس, 12 أكتوبر 2017
1135
13 التربة بجانب الطريق الأربعاء, 11 أكتوبر 2017
1019
14 لأن كل من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع الاثنين, 09 أكتوبر 2017
2012
15 فتذكرون طرقكم الرديئة وأعمالكم غير الصالحة وتمقتون أنفسكم أمام وجوهكم الأحد, 08 أكتوبر 2017
891
16 يعطي المعيي قدرة ولعديم القوة يكثر شدة السبت, 07 أكتوبر 2017
2022
17 يتمسك بحصني فيصنع صلحا معي. صلحا يصنع معي الجمعة, 06 أكتوبر 2017
1296
18 لا تدينوا لكي لا تدانوا الخميس, 05 أكتوبر 2017
1123
19 رَجُـلان يصَلّيـان الأربعاء, 04 أكتوبر 2017
1172
20 الدرهم المفقود الثلاثاء, 03 أكتوبر 2017
2474
21 هكذا يكون فرح في السماء بخاطيء واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارا لا يحتاجون إلى توبة الاثنين, 02 أكتوبر 2017
1065
22 الخروف الضال الأحد, 01 أكتوبر 2017
1496
23 هـذا يقبَـل خُطـاة السبت, 30 سبتمبر 2017
814
24 كان ضالا فوجد (4) الجمعة, 29 سبتمبر 2017
1133
25 كان ضالا فوجد (3) الخميس, 28 سبتمبر 2017
1083
26 كان ضالا فوجد (2) الأربعاء, 27 سبتمبر 2017
1090
27 كان ضالا فوجد (1) الثلاثاء, 26 سبتمبر 2017
971
28 لك الملك والقوة والمجد الاثنين, 25 سبتمبر 2017
1078
29 لا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير الأحد, 24 سبتمبر 2017
1483
30 اغفـر لنا خطـايانا لأننا نحن أيضاً نغفـر لكل من يذنب إلينا السبت, 23 سبتمبر 2017
1059
31 خبزنا كفافنا أعطنا اليوم الجمعة, 22 سبتمبر 2017
1343
32 لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض الخميس, 21 سبتمبر 2017
1440
33 ليأت ملكوتك الأربعاء, 20 سبتمبر 2017
1162
34 ليتقدّس اسمك الثلاثاء, 19 سبتمبر 2017
800
35 متى صليتم فقولوا أبانا الاثنين, 18 سبتمبر 2017
861
36 فصلوا أنتم هكذا الأحد, 17 سبتمبر 2017
945
37 فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل السبت, 16 سبتمبر 2017
2031
38 أحبوا أعداءكم الجمعة, 15 سبتمبر 2017
1271
39 لا تقاوموا الشرّ بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضاً الخميس, 14 سبتمبر 2017
1634
40 لا تحلفوا البتة الأربعاء, 13 سبتمبر 2017
1136
41 هل يحل للرجل أن يطلق امرأته؟ الثلاثاء, 12 سبتمبر 2017
1543
42 وان كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها والقها عنك الاثنين, 11 سبتمبر 2017
1066
43 إنسان غيَّرته النعمة الأحد, 10 سبتمبر 2017
1121
44 كل من نظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه السبت, 09 سبتمبر 2017
2439
45 اصطلح مع أخيك الجمعة, 08 سبتمبر 2017
843
46 كل من يغضب على أخيه باطـلا يكون مستوجب الحكـم الخميس, 07 سبتمبر 2017
1069
47 أن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين فلن تدخلوا ملكوت السموات الأربعاء, 06 سبتمبر 2017
1612
48 فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلَّم الناس هكذا يُدعى أصغر في ملكوت السموات الثلاثاء, 05 سبتمبر 2017
1027
49 ما جئت لأنقض بل لأكمّل الاثنين, 04 سبتمبر 2017
1088
50 أنتم نور العالم الأحد, 03 سبتمبر 2017
1058
حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
8
4
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
10
23
Calendar App