9. الولادة الجديدة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

وإذ مثل نيقوديموس في حضرة المسيا بدأ يحس بخجل غريب حاول أن يستره تحت مظهر الرصانة والعظمة. قال له: "يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ يهوه مُعَلِّمًا، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ يهوه مَعَهٌ" (يوحنا 3: 2). كان يرجو أنه إذ يتكلم عن مواهب المسيا الفذة كمعلم، ويتحدث عن قدرته العظيمة في إجراء المعجزات فسيكون ذلك تمهيدا حسنا لتلك المقابلة، كما قصد بكلامه هذا أن يعبر عن ثقته بالمسيا ويظفر بثقته، ولكن ذلك الكلام كان في الحقيقة تعبيرا عن عدم الإيمان. فهو لم يعترف بالمسيا كمسيا بل قال عنه إنه ليس سوى معلم مرسل من قبل يهوه.
لكن يهوشوه بدلا من التسليم بهده التحية ثبت نظره في المتكلم كما لو كان يقرأ عمق أفكاره. وبحكمته اللامتناهية رأى أمامه رجلا يطلب الحق. وقد عرف غرضه من تلك الزيارة، فإذ كان يرغب في تعميق الحق الرابض في عقل ذلك الزائر تقدم مباشرة إلى الغاية المقصودة فقال بكل رفق ومهابة: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ يهوه" (يوحنا 3: 3).

كشف البر الذاتي

لقد أتى نيقوديموس إلى السيد يهوشوه ظانا أنه سيدخل معه في مساجلة، ولكن يهوشوه كشف له عن أساس مبادئ الحق. قال لنيقوديموس: إنك لست بحاجة إلى المعرفة النظرية قدر حاجتك إلى التجديد الروحي. لست بحاجة إلى إشباع حب الاستطلاع بل أنت تحتاج إلى قلب جديد. ينبغي لك أن تقبل حياة جديدة من فوق قبلما تستطيع تقدير الأمور الروحية حق قدرها. فإذا لم يحدث فيك هذا التغيير الذي يصيِّر كل شيء جديدا فإنك لن تنال خيرا ولن تخلص بكونك تتباحث معى عن سلطاني أو رسالتي.
كان نيقوديموس قد سمع كرازة يوحنا المعمدان عن التوبة والمعمودية، وكيف أنه أرشد الناس إلى ذاك الذي يعمد بالروح القدس. وكان هو نفسه يحس بأن الشعب تعوزهم التقوى، وأنه قد تحكم فيهم التعصب والطموح الدنيوي إلى حد كبير. وكان يرجو أن تتحسن الأحوال بمجيء مسيا. ومع ذلك فإن رسالة المعمدان الفاحصة للقلوب لم تفلح في إقناعه بخطيته. لقد كان فريسيا مدققا وكان يفخر بأعماله الصالحة. كان الجميع يكرمونه بسبب أريحيته وحبه لعمل الخير والسخاء بماله لمساعدة خدمة الهيكل ، فكان يحس بأنه قد ضمن لنفسه رضى يهوه، ولذلك أفزعه التفكير في ملكوت أطهر من أن يراه هو في حالته الراهنة.
إن استعارة الولادة الجديدة من فوق التي استعملها يهوشوه في حديثه لم تكن أمرا غير مألوف بالكلية لدى نيقوديموس. كان المهتدون من الوثنية إلى إيمان إسرائيل يشبهون أحيانا كثيرة بأطفال حديثي الولادة، ولذلك كان على نيقوديموس أن يدرك أن كلام المسيا ينبغي ألاّ يُفهَم على حرفيته، ولكنه بفضل ولادته من نسل إسرائيل كان واثقا من أن له مكانا في ملكوت يهوه. لم يكن يحس بحاجته إلى أي تغيير، ولهذا أبدى دهشته من كلام المخلص، وأهاجه كون ذلك الكلام منطبقا عليه بدقة. إن الكبرياء الفريسية كانت في صراع مع الرغبة الصادقة التي أبداها ذلك الرجل الذي كان يبحث عن الحق. ولقد اندهش من كون المسيا تكلم معه بذلك الكلام دون أي اعتبار لمقامه كمن هو رئيس ومعلم في إسرائيل.
وإذ بوغت وأُخرِج من رباطة جأشه أجاب المسيا جوابا مفعما بالتهكم قائلا: "كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟" (يوحنا 3: 4) وهو، ككثيرين من أمثاله عندما يطعن الحق بحده القاطع أعماق الضمير، أعلن حقيقة كون الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح يهوه. ليس فيه شيء يتجاوب مع الأمور الروحية لأن الروحيات تُدرك روحيا.
غير أن المخلص لم يقرع حجة بحجة، بل إذ رفع يده بعظمة مهيبة هادئة أوصل الحق إلى قلب سامعه بتأكيد أعظم إذ قال: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ يهوه" (يوحنا 3: 5). عرف نيقوديموس أن المسيا كان يشير بكلامه هذا إلى معمودية الماء وتجديد القلب بروح يهوه، واقتنع بأنه في حضرة ذاك الذي كان يوحنا المعمدان قد أنبأ عنه.
ثم عاد يهوشوه يقول: "اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ" (يوحنا 3: 6). إن القلب شرير بطبيعته، "مَنْ يُخْرِجُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ؟ لاَ أَحَدٌ!" (أيوب 14: 4). لا يمكن لأي اختراع بشري أن يجد علاجا للنفس الخاطئة لأن "اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ ليهوه، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ يهوه، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ" ، "لأَنْ مِنَ الْقَلْب تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنىً، فِسْقٌ، سِرْقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ" (رومية 8: 7؛ متى 15: 19). ينبغي أن يتطهر ينبوع القلب قبلما تصير المجاري الخارجة منه طاهرة. إن من يحاول الدخول إلى السماء بأعماله عن طريق حفظ الناموس إنما يحاول المستحيل. إنه لا أمان لمن يتمسك بمجرد ديانة رسمية أو تقوى شكلية. إن حياة المسيحي ليست ترقيعا ولا تعديلا ولا إصلاحا لحياته القديمة ولكنها تغيير يشمل الطبيعة كلها. ينبغي أن يموت الإنسان عن الذات والخطية ويحيا حياة جديدة في كل شيء. وهذا التغيير لا يمكن أن يتم بغير عمل الروح القدس الفعال.

الريح غير المنظورة

كان نيقوديموس لا يزال غارقا في حيرته وارتباكه فاستعار يهوشوه الريح لتمثيل معنى كلامه قائلا: "اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا، لكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ" (يوحنا 3: 8).
إن الريح يُسمَع صوتها من خلاك أغصان الشجر وهي تحف في الأوراق وتداعب الأزهار، ولكنها لا ترى بالعين، ولا يعرف أحد من أين تأتي ولا إلى أين تذهب، هكذا عمل الروح القدس في القلب إذ لا يمكن إيضاحه أكثر مما يمكن إيضاح حركات الريح. قد لا يستطيع الإنسان أن يذكر نفس اليوم أو المكان أو يتتبع كل الظروف الملازمة للتجديد أو الميلاد الثاني. ولكن هذا لا يعني أن ذلك الإنسان غير متجدد، إذ بوسيلة غير منظورة كالريح يعمل المسيا عمله في القلب على الدوام. فهنالك انطباعات تجذب النفس إلى المسيا شيئا فشيئا وربما لا يشعر الإنسان بها، ويمكن أن يتم ذلك عن طريق التأمل في يهوشوه بواسطة قراءة كلمة يهوه أو سماع عظة من واعظ غيور. وفجأة إذ يجيء الروح بدعوة مباشرة تخضع النفس ليهوشوه راضية. إن كثيرين يدعون هذا تجديدا مفاجئا، ولكنه يأتي نتيجة لدعوات روح يهوه وتودده إلى النفس، وهذه عملية طويلة الأمد تتطلب الصبر.
ومع أن الريح لا ترى بالعين فإنها تحدث نتائج نراها ونحس بها. هكذا عمل الروح في النفس فهو يعلن عن نفسه في كل عمل يعمله من قد أحس بقوته المخلصة. عندما يملك روح يهوه على القلب يغير الحياة، فالأفكار الشريرة تطرد بعيدا والأعمال الخاطئة يبتعد الإنسان عنها. وفي موضع الحسد والغضب والخصام تملك المحبة والوداعة والسلام، ويحل الفرح في مكان الحزن والكآبة، وتسطع على الوجه أنوار السماء. ليس من أحد يرى اليد التي ترفع الأثقال، أو يبصر النور ينزل من مواطن السماء. إن البركة تجيء عندما تسلم النفس ذاتها ليهوه. وحينئذٍ فالقوة التي لا يمكن لأي عين أن تراها تخلق كائنا جديدا على صورة يهوه.
إنه لا يمكن للعقول المحدودة أن تدرك عمل الفداء، فهو سر يسمو فوق كل معرفة بشرية. ومع ذلك فإن من ينتقل من الموت إلى الحياة يتحقق من أن ذلك حقيقة إلهية. من هنا يمكننا أن نعرف بداءة الفداء بالاختبار الشخصي، ونتائجه ستتصل بدهور الأبد.

قلب مضطرب

وفيما كان يهوشوه يتكلم أشرقت بعض أنوار الحق على عقل ذلك الرئيس فتأثر قلبه بقوة الروح القدس الملطفة المقنعة. ومع ذلك فهو لم يدرك كلام المخلص تماماً. إنه لم يتأثر بضرورة الميلاد الثاني بقدر ما تأثر بكيفية إتمامه، فقال باندهاش: "كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هذَا؟" (يوحنا 3: 9).
فسأله يهوشوه بقوله: "أَنْتَ مُعَلِّمُ إِسْرَائِيلَ وَلَسْتَ تَعْلَمُ هذَا!" (يوحنا 3: 10). حقاً إن شخصا مسؤولا عن تعليم الشعب تعليما دينيا ينبغي ألاّ يجهل مثل تلك الحقائق الهامة. كان كلام المسيا يحمل بين ثناياه درسا هاما لنيقوديموس، فبدلا من أن يهتاج من كلام الحق الصريح كان عليه أن يفكر في نفسه تفكيراً وضيعا جدا بسبب جهله الروحي. ومع هذا فقد كان المسيا يتكلم بجلال مهيب. وبنظراته ونغمة كلامه كان يعبر عن محبته العظيمة بحيث لم يكن نيقوديموس يحس باستياء حين تحقق من ضعة حالته الروحية.
ولكن إذ أوضح يهوشوه أن مهمته على الأرض هي أن يؤسس ملكوتا روحيا بدلا من الملكوت الزمني، فهذا الكلام أزعج سامعه. وإذ رأى يهوشوه منه هذا أردف يقول: "إِنْ كُنْتُ قُلْتُ لَكُمُ الأَرْضِيَّاتِ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ ، فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ إِنْ قُلْتُ لَكُمُ السَّمَاوِيَّاتِ؟" (يوحنا 3: 12). إذا كان نيقوديموس لم يستطع أن يقبل تعليم المسيا الذي فيه وصف عمل النعمة في القلب، فأنَّى له أن يدرك طبيعة ملكوته السماوي المجيد؟ وإذ لم يدرك طبيعة عمل المسيا على الأرض لم يمكنه إدراك عمله في السماء.
إن اليهود الذين طردهم يهوشوه من الهيكل ادعوا أنهم أولاد ابراهيم ولكنهم هربوا من حضرة المخلص لأنهم لم يستطيعوا احتمال مجد يهوه الذي أظهر فيه. وهكذا برهنوا على أنهم غير مؤهلين بنعمة يهوه للاشتراك في خدمة الهيكل المقدسة. كانوا غيورين على الاحتفاظ بصورة التقوى والقداسة، ولكنهم أغفلوا قداسة القلب. ففيما كانوا متمسكين بحرفية الناموس كانوا على الدوام يتعدون روح الناموس. إن حاجتهم العظمى كانت إلى نفس ذلك التغيير الذي كان يهوشوه يوضحه لنيقوديموس-ميلاد جديد للخلق وتطهير من الخطية وتجديد في المعرفة والقداسة.

عمى بني إسرائيل

لم يكن لشعب اسرائيل عذر عن عماهم وعدم معرفتهم لعمل التجديد. فلقد كتب إشعياء بوحي الروح القدس يقول: "وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا"، وقد صلى داود قائلا: "قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا يهوه، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي"، وقد جاء على لسان حزقيال هذا الوعد: "وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ. وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي، وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي وَتَعْمَلُونَ بِهَا" (إشعياء 64: 6؛ مزمور 51: 10؛ حزقيال 36: 26، 27) . [ملحوظة: ثوب العدة هو ثوب المرأة المنجس بدماء العادة الشهرية].
كان نيقوديموس قد قرأ هذه الآيات الكتابية بذهن مظلم. أما الآن فقد بدأ يدرك معناها، ورأى أن أعظم طاعة صارمة لحرفية الناموس في انطباقه على الحياة الخارجية لا يمكنها أن تؤهل أي إنسان لدخول ملكوت السماوات. لقد كانت حياة نيقوديموس في تقدير الناس حياة بارة مكرمة، أما في حضرة المسيا فقد كان يـحس أن قلبه منجس وحياته غير مقدسة.
كان نيقوديموس يُجتذب إلى المسيا. فإذ أوضح المخلص لنيقوديموس ما يختص بالميلاد الثاني تاق إلى أن يحدث هذا التغيير في داخله. ولكن بأية الوسائل يتم هذا التغير؟ لقد أجاب المسيا عن هذا السؤال الذي كان يجول في خاطر نيقوديموس ولكنه لم ينطق به فقال: "وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنا 3: 14، 15) .

الحية المرفوعة

هنا منطقة مألوفة لدى نيقوديموس. إن رمز الحية النحاسية المرفوعة أوضح له مهمة المخلص. عندما كان بنو إسرائيل يموتون من لدغات الحيات المحرقة أمر يهوه موسى بأن يصنع حية من نحاس ليرفعها على سارية في وسط الشعب. حينئذٍ أطلق النداء في كل المحلة بأن كل من نظر من الملدوغين إلى حية النحاس يحيا. وقد عرف الشعب جيدا بأن الحية في ذاتها لا يمكنها أن تقدم لهم أية معونة. ولكنها كانت رمزا إلى المسيا. فكما أن تمثال الحية المصنوع على هيئة حية مميتة قد رفع عاليا لأجل شفاء الشعب، هكذا ذاك الذي صار "فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ" صار فاديا لهم (رومية 8: 3). إن كثيرين من بني إسرائيل اعتبروا أن خدمة الذبائح في حد ذاتها كانت فيها قوة يتحررون بها من الخطية. ولكن يهوه أراد أن يعلمهم أنه لا قوة فيها أكثر مما في حية النحاس، وأن الغرض منها كان توجيه العقول والقلوب إلى المخلص. فسواء بالنسبة إلى إبراء جروحهم أو غفران خطاياهم لم يكونوا يستطيعون أن يفعلوا لأنفسهم شيئا إلاّ أن يظهروا إيمانهم بعطية يهوه. كان عليهم أن يلتفتوا ويحيوا.
كان يمكن أن من قد لدغتهم الحيات يرجئون النظر إلى الحية النحاسية، وكان يمكنهم أن يتساءلوا عن كيف يمكن لذلك الرمز النحاسي أن تكون فيه أية قوة. وكان يمكنهم أن يطلبوا تفسير ذلك علميا. ولكن لم يعطَ لهم أي تفسير. إنما كان عليهم أن يقبلوا كلمة يهوه التي أرسلها إليهم على يد موسى. فالذي يرفض النظر إلى حية النحاس لابد من هلاكه.
إن النفس لا تستنير بالمجادلات والمباحثات، بل ينبغي لنا أن نلتفت ونحيا. قبل نيقوديموس الدرس وحمله معه، ثم فتش الكتاب بطريقة جديدة لا ليجادل في نظرية بل ليقبل حياة لنفسه. وقد بدأ يرى ملكوت السماوات عندما خضع لإرشاد الروح القدس.
يوجد اليوم آلاف من الناس الذين هم بحاجة إلى تعلم نفس هذا الحق الذي قد تعلمه نيقوديموس عن الحية المرفوعة. إنهم يتكلون على طاعتهم لناموس يهوه لينالوا بواسطتها حظوة لديه. وعندما يؤمرون بأن يلتفتوا إلى يهوشوه ويؤمنوا بأنه يخلصهم بنعمته وحدها يصرخون قائلين: "كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هذَا؟".
علينا أن نكون مثل نيقوديموس راغبين في الدخول إلى الحياة بنفس الطريقة التي قد دخل بها أول الخطاة. وبدون المسيا "لَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ" (أعمال 4: 12). إننا بالإيمان نقبل نعمة يهوه، ولكن الإيمان ليس هو مخلصنا. إنه لا استحقاق فيه. إنما هو فقط اليد التي بها نتمسك بالمسيا ونخصص لأنفسنا استحقاقاته التي هي علاج الخطية. حتى التوبة نفسها لا يمكننا أن نمارسها بدون معونة روح يهوه. والكتاب يقول عن المسيا: "هذَا رَفَّعَهُ يهوه بِيَمِينِهِ رَئِيسًا وَمُخَلِّصًا، لِيُعْطِيَ إِسْرَائِيلَ التَّوْبَةَ وَغُفْرَانَ الْخَطَايَا" (أعمال 5: 31) . إن التوبة تأتينا من المسيا كالغفران سواء بسواء .

عمل الروح القدس

إذا كيف نخلص؟ "كَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ"، هكذا قد رفع ابن الإنسان، وكل من خدعته الحية ولدغته يمكنه أن يلتفت ويحيا. "هُوَذَا حَمَلُ يهوه الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!" (يوحنا 1: 29). إن النور الساطع من الصليب يكشف لنا عن محبة يهوه. ومحبته تجذبنا إلى شخصه. فإذا لم نقاوم هذه القوة الجاذبة فستأتي بنا إلى الصليب بالتوبة عن خطايانا التي قد صلبت المخلص. وحينئذٍ يخلق روح يهوه في النفس حياة جديدة بواسطة الإيمان. وهكذا تخضع أفكارنا ورغائبنا لإرادة المسيا، ويخلق القلب والعقل خليقة جديدة على صورة ذاك الذي يعمل فينا ليخضع لنفسه كل شيء. وحينئذ تكتب شريعة يهوه في الذهن والقلب، ويمكننا أن نقول مع المسيا:"أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ" (مزمور 40: 8).
في محادثة نيقوديموس مع يهوشوه كشف له المخلص تدبير الفداء ومهمته في العالم. وفي أحاديثه التي نطق بها بعد ذلك، لم يوضح السيد بكل إسهاب، وخطوة بعد خطوة، العمل الذي يجب أن يتمم في قلوب كل من يريدون أن يرثوا ملكوت السماوات كما أوضحه لنيقوديموس. ففي بدء خدمته أعلن المسيا الحق لواحد من أعضاء السنهدريم، للعقل الذي كان أكثر استعدادا لقبول الحق، الذي كان معلما للشعب. ولكن قادة إسرائيل لم يرحبوا بالنور. لقد أخفى نيقوديموس الحق في قلبه، إذ طوال ثلاث سنين لم تكن هنالك ثمرة ظاهرة.
ولكن يهوشوه كان خبيرا بالتربة التي قد بذر فيها بذار الكلمة، فالكلام الذي سمعه شخص واحد في تلك الليلة وفي ذلك الجبل المنعزل لم يذهب ضياعا. لقد ظل نيقوديموس صامتا إلى حين دون أن يعترف بالمسيا، ولكنه راقب حياته وتأمل في تعاليمه. وفي مجمع السنهدريم أحبط مؤامرات الكهنة التي حاكوها لإهلاك المسيا مرارا. ولما رفع المسيا أخيرا على الصليب ذكر نيقوديموس الدرس الذي كان قد تعلمه من السيد في جبل الزيتون: "كَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ ، لِكَيْ لاَ يَهْلِك َكُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ". إن النور الذي انبعث من ذلك اللقاء السري أنار الصليب على جلجثة فرأى نيقوديموس في يهوشوه فادي العالم .
بعدما صعد السيد يهوشوه إلى السماء وعندما تشتت التلاميذ بسبب الاضطهاد تقدم نيقوديموس الصفوف بكل شجاعة، واستخدم ثروته في إعالة وإسعاف تلك الكنيسة الوليدة التي كان اليهود يتوقعون أنها ستمحى من الوجود عند موت المسيا. فذاك الذي كان شديد الحذر وكثير الشكوك رأيناه في وقت الخطر وإذا هو ثابت كالصخرة يشدد إيمان التلاميذ ويقدم الأموال اللازمة لعمل الإنجيل، فاحتقره واضطهده أولئك الذين كانوا قبلا يكرمونه ويوقرونه. لقد صار فقيرا في المال، ولكن إيمانه الذي قد وُلِد في قلبه منذ أن ذهب إلى يهوشوه في تلك الليلة لم يتزعزع.
لقد أخبر نيقوديموس يوحنا بقصة ذلك اللقاء، فسجل ذلك الحديث قلم يوحنا لكى يكون تعليما خالدا ينتفع به ملايين الناس. والتعاليم المذكورة فيه هامة وجوهرية اليوم كما كانت في تلك الليلة على الجبال الظليلة عندما أتى ذلك الرئيس اليهودي ليتعلم طريق الحياة من ذلك المعلم الجليلي الوضيع.
(المرجع لهذا الدرس كتاب مشتهى الأجيال، صفحة 147-155).

 
حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
6
3
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
08
24
Calendar App