19. الدينونة الاستقصائية (التحقيقية)
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.
تعلمنا في الدرس السابق أن يهوشوه يعمل من أجلنا [يشفع فينا] في المقدس السماوي. وقد ندعوا هذا المقدس محكمة أو دار قضاء يهوشوه و أبيه. والملائكة الذين يخدمون هم طاقم العاملين. أما العمل الذي يُنفذ في المقدس فهو أنواع شتى. يعد العمل القضائي أحد أهم هذه الأعمال. أحيانا نفكر في القضاء بمعنى سلبي, لكن غرض هذا العمل القضائي هو إظهار براءتنا، إذا أمكن! سندرس في هذا الدرس العمل القضائي كما يجري الآن في المقدس السماوي.
"كنت أرى انه وضعت عروش وجلس القديم الايام. لباسه ابيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار وبكراته نار متقدة. نهر نار جرى وخرج من قدامه. ألوف ألوف تخدمه وربوات ربوات وقوف قدامه. فجلس الدين وفتحت الاسفار" (دانيال 7: 9، 10).
لقد انكشفت لعيني النبي رؤيا اليوم العظيم المهيب عندما تُعرض أمام عيني ديان كل الارض اخلاق الناس وحياتهم لاجل فحصها فيُجازي كل واحد "كما يكون عمله". ان القديم الايام هو يهوه الآب. يقول المرنم: "من قبل أن تولد الجبال أو أبدأتَ الارضَ والمسكونةَ منذ الازل الى الابد أنت الإله" (مزمور 90: 2). انه هو، علة وجود كل الكائنات ونبع كل شريعة، الذي سيترأس في الدينونة. وسيكون حاضراً في تلك المحاكمة العظيمة "ربوات ربوات وألوف ألوف" من الملائكة كخدام وشهود.
"كنت أرى في رؤى الليل واذا مع سحب السماء مثل ابن انسان أتى وجاء الى القديم الايام فقربوه قدامه فأعطي سلطانا ومجدا وملكوتا لتتعبد له كل الشعوب والامم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض" (دانيال 7: 13، 14). ان مجيء المسيا الموصوف هنا ليس هو مجيئه الثاني الى الارض. فهو يأتي الى القديم الايام في السماء ليأخذ سلطانا ومجدا وملكوتا يُعطاها في ختام عمله كوسيط. هذا المجيء، لا مجيئه الثاني الى الارض، هو الذي أنبئ عنه في النبوة ويحدث في نهاية الـ2300 يوم في عام 1844. ان رئيس كهنتنا العظيم يدخل الى قدس الاقداس تحف به ملائكة السماء،وهناك يظهر في حضرة يهوه ليقوم بآخر اعمال خدمته لاجل الانسان: انجاز عمل الدينونة الاستقصائية وصُنع كفارة عن كل من يتبرهن استحقاقهم فوائدها.

في الخدمة الرمزية لم يكن من نصيب في خدمة يوم الكفارة الا لمن أتى أمام يهوه معترفاً وتائباً وغُفرت خطاياه بواسطة دم ذبيحة الخطيئة ونقلت الى القدس. وكذلك في اليوم العظيم، يوم الكفارة النهائية والدينونة الاستقصائية، فالقضايا التي يُنظر فيها هي وحدها التي تخص المعتَبرين شعبَ يهوه. أما دينونة الاشرار فمنفصلة، وهي عمل منفرد بذاته وتحدث في وقت متأخر بعد هذا. "لانه الوقت لابتداء القضاء من بيت يهوه. فان كان أولا منا فما هي نهاية الذين لا يطيعون انجيل يهوه" (1 بطرس 4: 17).

ان الاسفار الموجودة في السماء المسجل فيها أسماء الناس واعمالهم هي التي ستقرر أحكام الدينونة. يقول دانيال النبي: "فجلس الدين وفتحت الاسفار". والرائي اذ يصف المنظر نفسه يضيف هذا القول: "وانفتح سفر آخر هو سفر الحياة ودين الاموات مما هو مكتوب في الاسفار بحسب اعمالهم" (رؤيا 20: 12).

يحتوي سفر الحياة على أسماء كل من دخلوا خدمة يهوه. وقد أمر يهوشوه تلاميذه قائلا: "افرحوا ... ان اسماءكم كتبت في السموات" (لوقا 10: 20). وبولس يتكلم عن زملائه الامناء "الذين اسماؤهم في سفر الحياة" (فيلبي 4: 3). واذ نظر دانيال عبر السنين ورأى "زمان ضيق لم يكن منذ كانت أمة" أعلن أن شعب يهوه سينجَّى، "كل من يوجد مكتوبا في السفر" . والرائي يقول ان الذين سيدخلون مدينة يهوه سيكونون "المكتوبين في سفر حياة الخروف" (دانيال 12: 1؛ رؤيا 21: 27) وحدهم من دون سواهم.

وقد كُتب أمام يهوه "سفر تذكرة" وسُجلت فيه الاعمال الصالحة التي هي من عمل "الذين اتقوا يهوه والمفكرين في اسمه" (ملاخي 3: 16). ان كلام الايمان الذي نطقوا به وأعمال المحبة التي قاموا بها مسجلة في أسفار السماء. ويشير نحميا الى ذلك عندما يقول: "اذكرني يا الهي ... ولا تمحُ حسناتي التي عملتها نحو بيت الهي" (نحميا13: 14). ففي سفر تذكرة يهوه يُخلَّد كل عمل من أعمل البر. وفيه يدوَّن بكل أمانة كل تجربة يقاومها المؤمن وكل شر ينتصر عليه وكل كلمة تعبِّر عن الرأفة والرحمة. كما يسجل فيه أيضا كل أعمال التضحية وكل ألم وحزن احتمله عبيد السيد لاجل المسيا. وصاحب المزامير يقول: "تَيَهَاني راقبت اجعل أنت دموعي في زقك. أما هي في سفرك" (مزمور 56: 8).

وكذلك يوجد سجل بخطايا الناس، "لأن يهوه يحضر كل عمل الى الدينونة على كل خفي ان كان خيرا أو شرا". "كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حسابا في يوم الدين". والمخلص يقول: "بكلامك تتبرر وبكلامك تدان" (جامعة 12: 14؛ متى 12: 36، 37). وتظهر نوايا الانسان الخفية وبواعثه في السجل الذي لا يخطئ لان يهوه "سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب" (1 كورنثوس 4: 5). "ها قد كتب أمامي ... آثامكم وآثام آبائكم معا قال يهوه" (إشعياء 65: 6، 7).

لا بد أن يمر عمل كل انسان أمام عين يهوه الفاحصة ويسجل اما في خانة الامانة واما في خانة الخيانة. وأمام كل اسم يكتب في أسفار السماء كل كلمة بطالة وكل عمل أناني وكل واجب لم يتم وكل خطيئة سرية وكل تصنع ماكر بدقة عظيمة ومخيفة. والانذارات المرسلة من السماء والتي أهملت واللحظات التي ضاعت والفرص التي لم يحسن الناس استخدامها والتأثيرات التي حدثت ان للخير أو للشر بنتائجها البعيدة المدى، كل ذلك يدونه الملاك المسجِّل.

مقياس الدينونة

ان شريعة يهوه هي المقياس الذي بموجبه تقاس وتمتحن اخلاق الناس وحياتهم في يوم الدين. يقول الحكيم: "اتق يهوه واحفظ وصاياه لان هذا هو [واجب] الانسان كله. لان يهوه يحضر كل عمل الى الدينونة" (جامعة 12: 13، 14). ويعقوب الرسول يوصي اخوته قائلا: "هكذا تكلموا وهكذا افعلوا كعتيدين ان تحاكموا بناموس الحرية" (يعقوب 2: 12).
سيكون للذين، في يوم الدينونة، "حُسبوا اهلا" نصيب في قيامة الابرار. فلقد قال يهوشوه: "الذين حسبوا اهلا للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الاموات ... لانهم مثل الملائكة وهم ابناء يهوه اذ هم ابناء القيامة" (لوقا 20: 35، 36). ثم هو يعلن ايضا قائلا: "يخرج الذين فعلوا الصالحات الى قيامة الحياة" (يوحنا 5: 29). ولن يقوم الاموات الابرار الا بعدما تتم الدينونة التي فيها يحسبون اهلا "لقيامة الحياة". ولهذا فهم لن يكونوا حاضرين بأشخاصهم في المحكمة عندما تفحص اسفارهم ويحكم في قضاياهم.
وسيظهر يهوشوه كشفيع لهم ليترافع لاجلهم أمام يهوه. "ان اخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يهوشوه المسيا البار" (1 يوحنا 2: 1). "لان المسيا لم يدخل الى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقية بل الى السماء عينها ليظهر الآن أمام وجه يهوه لاجلنا"، "فمن ثم يقدر أن يخلص ايضا الى التمام الذين يتقدمون به الى يهوه اذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم" (عبرانيين 9: 24؛ 7: 25).

فتح الاسفار

وعندما تفتح الاسفار في الدينونة تستعرض أمام يهوه حياة كل من قد آمنوا بيهوشوه. فاذ يبدأ شفيعنا بحياة من قد عاشوا اولا على الارض فهو يستعرض قضايا كل جيل بالتتابع ويختتم ذلك بالاحياء. كل اسم يذكر وكل قضية تفحص بتدقيق. فتقبل بعض الاسماء وترفض اسماء أخرى. ومتى وجد في الاسفار خطايا البعض باقية اذ لم يتوبوا عنها ولم تغفر فاسماؤهم تمحى من سفر الحياة. وكل ما كتب لهم من أعمال صالحة في سفر تذكرة يهوه يمحى. لقد أعلن يهوه قائلا لموسى: "من أخطأ اليَّ امحوه من كتابي" (خروج 32: 33). والنبي حزقيال يقول: "واذا رجع البار عن بره وعمل اثما ... كل بره الذي عمله لا يذكر" (حزقيال 18: 24).

فكل من قد تابوا عن الخطيئة توبة صادقة وبالايمان صار لهم الحق في دم المسيا كذبيحتهم الكفارية كُتب أمام أسمائهم في أسفار السماء الغفران اذ قد صاروا شركاء في بر المسيا ووُجد ان صفاتهم على وفاق مع شريعة يهوه. هؤلاء تُمحى خطاياهم ويُحسبون اهلا للحياة الابدية. يهوه يعلن على لسان اشعياء النبي قائلا: "أنا أنا هو الماحي ذنوبك لاجل نفسي وخطاياك لا أذكرها" (اشعياء 43: 25). ولقد قال يهوشوه: "من يغلب فذلك سيلبس ثيابا بيضا ولن أمحو اسمه من سفر الحياة وسأعترف باسمه أمام أبي وأمام ملائكته"، "فكل من يعترف بي قدام الناس اعترف أنا أيضا به قدام أبي الذي في السموات. ولكن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضا قدام أبي الذي في السموات" (رؤيا 3: 5؛ متى 10: 32، 33).
ان اعظم اهتمام يبديه الناس باحكام المحاكم الارضية انما يمثل على نحو باهت الاهتمام الذي يبدو في محاكم السماء عندما تستعرض الاسماء المكتوبة في سفر الحياة أمام ديان كل الارض. وسيقدم الوسيط الالهي التماسا بأن كل من قد انتصروا بالايمان بدمه تغفر لهم معاصيهم ليعودوا الى وطنهم في جنة عدن، ويكللون كمن هم وارثون معه "الحكم الاول" (ميخا 4: 8). ان الشيطان اذ بذل جهوده ليخدع جنسنا ويجربنا كان يفكر في احباط الخطة الالهية في خلق الانسان ولكن ها المسيا الآن يسأل ان تنفذ هذه الخطة كما لو لم يكن الانسان قط أخطأ قط أو سقط. انه لا يسأل الغفران والتبرير التام الشامل لشعبه فحسب، بل ايضا ان يشاركوه في مجده ويجلسوا معه في عرشه.

يتوسل لأجل رعايا نعمته

وفيما يهوشوه يتوسل لاجل رعايا نعمته يشكوهم الشيطان أمام يهوه كعصاة ومتعدين. لقد حاول المخادع الاعظم أن يسوقهم الى الشكوك ويجعلهم يخسرون ثقتهم في يهوه ويحيدون عن محبته وينقضون شريعته. والآن ها هو يشير الى سجل حياتهم والنقائص البادية في اخلاقهم وعدم مشابهتهم للمسيا، مما جلب العار على فاديهم، والى كل الخطايا التي قد جربهم ليرتكبوها، وبسبب هذا كله فهو يدَّعي انهم رعاياه.
لا ينتحل يهوشوه عذرا لخطاياهم لكنه يظهر توبتهم وايمانهم، واذ يطالب بحقهم في الغفران يرفع يديه المثقوبتين أمام الآب والملائكة القديسين قائلا: "اني أعرفهم باسمائهم. لقد نقشتهم على كفَّي". "ذبائح يهوه هي روح منكسرة. القلب المنكسر والمنسحق يا يهوه لا تحتقره" (مزمور 51: 17). ثم يعلن قائلا للمشتكي على شعبه: "لينتهرك يهوه يا شيطان. لينتهرك يهوه الذي اختار أورشليم أفليس هذا شعلة منتشلة من النار" (زكريا 3: 2). ان المسيا سيُلبس عبيده الامناء ثوب بره ليحضرهم أمام أبيه "كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك" (أفسس 5: 27). وستظل أسماؤهم مكتوبة في سفر الحياة، وقد قيل عنهم: "سيمشون معي في ثياب بيض لانهم مستحقون" (رؤيا 3: 4).
وهكذا سيتحقق اتمام وعد العهد الجديد كاملا "لاني أصفح عن اثمهم ولا اذكر خطيئتهم بعد"، "في تلك الايام وفي ذلك الزمان يقول يهوه يُطلب اثم اسرائيل فلا يكون وخطيئة يهوذا فلا توجد" (ارميا 31: 34؛ 50: 20). "في ذلك اليوم يكون غصن يهوه بهاء ومجدا وثمر الارض فخرا وزينة للناجين من اسرائيل. ويكون ان الذي يبقى في صهيون والذي يُترك في اورشليم يسمى قدوسا. كل من كتب للحياة في اورشليم" (اشعياء 4: 2، 3).

محو الخطايا

لا بد أن يتم عمل الدينونة الاستقصائية ومحو الخطايا قبل مجيء المسيا ثانية. وبما أن الاموات سيدانون مما هو مكتوب في الاسفار فانه من المستحيل ان تمحى خطايا الناس الا بعد الدينونة التي فيها تفحص قضاياهم. لكنّ بطرس الرسول يعلن بكل وضوح ان خطايا المؤمنين ستمحى "عندما تأتي اوقات الفرج من وجه السيد يهوه ويرسل يهوشوه المسيا" (أعمال 3: 19، 20). وفي نهاية الدينونة الاستقصائية سيأتي المسيا واجرته معه ليجازي كل واحد كما يكون عمله.
في الخدمة الرمزية كان رئيس الكهنة بعدما يكفر عن اسرائيل يخرج ويبارك الجماعة. فكذلك المسيا في نهاية عمله كوسيط سيظهر "بلا خطيئة للخلاص" (عبرانيين 9: 28)، ليبارك شعبه المنتظر بالحياة الابدية. وكما ان الكاهن وهو يزيل الخطايا ويطهر منها القدس كان يعترف بها على رأس تيس عزازيل كذلك المسيا سيضع كل هذه الخطايا على الشيطان الذي هو أصل الخطيئة والمحرض عليها. ثم ان تيس عزازيل وهو حامل خطايا اسرائيل كان يرسل بعيدا الى ارض مقفرة (لاويين 6: 22). فكذلك الشيطان اذ يحمل كل الخطايا التي جعل شعب يهوه يرتكبونها سيظل محبوساً في الأرض ألف سنة والتي تكون آنذاك مقفرة وخربة بلا ساكن، واخيرا سيقع عليه قصاص الخطيئة الكامل في النار التي ستلاشي الاشرار. وهكذا سيصل تدبير الفداء العظيم الى إتمامه الكامل في استئصال الخطيئة النهائي وخلاص كل من يرغبون في الابتعاد عن الشر.

في الزمن المحدد

وفي الزمن المحدد للدينونة -اي نهاية الـ 2300 يوم في عام 1844- بدأت عملية الفحص والتحقيق والاستقصاء ومحو الخطايا. وكل من قد اتخذوا لانفسهم اسم المسيا لا بد أن يمروا في امتحانها الفاحص. وسيُدان الاحياء والأموات "مما هو مكتوب في الاسفار حسب اعمالهم ".
والخطايا التي لم يتب عنها مرتكبوها ولا تركوها لن تغفر او تمحى من الاسفار بل ستقف شاهدة ضد الخاطئ في يوم يهوه. ربما يكون هذا قد ارتكب اعماله الشريرة في نور النهار أو في دجى الليل ولكنها ظاهرة ومكشوفة أمام عيني ذاك الذي معه أمرُنا. فملائكة يهوه رأوا كل خطيئة وسجلوها في الاسفار التي لا تخطئ. قد تُخفى الخطيئة أو ينكرها مرتكبها وتُستر عن عيني الاب أو الام أو الزوجة أو الاولاد أو الرفاق، وربما لا يشتبه أحد أقل اشتباه في مرتكب الشر ولا يعرفه أحد سواه ولكنه مكشوف لدى أجناد السماء. ان أشد الليالي حلوكة والتكتم الشديد والحيل الخادعة، كل ذلك لا يكفي ليخفي فكرا واحدا شريرا عن علم الاله السرمدي. فعند يهوه سجل دقيق لكل بيان غير عادل ولكل معاملة ظالمة. لا يخدعه التظاهر بالتقوى ولا يخطئ في تقدير الخُلُق. قد ينخدع الناس بالنسبة الى الفاسدي القلوب لكنّ عيني يهوه تخترقان كل الحجب والاقنعة وتكتشفان أعماق الحياة.
يا له من فكر مهيب! فاذ تمر الايام أحدها في أثر الآخر عابرة الى الابدية فهي تحمل اثقال سجلاتها لتدون في أسفار السماء. فالكلام الذي قيل والاعمال التي أُنجزت لا يمكن استردادها. لقد سجل الملائكة الخير والشر كليهما. ان أقوى الغزاة الفاتحين الذين عاشوا على الارض لا يمكنه استرجاع ما سُجل عليه حتى في يوم واحد. فأعمالنا وأقوالنا وحتى بواعثنا الخفية لها وزنها في تقرير مصيرنا الذي فيه سعادتنا أو شقاؤنا. ومع أننا قد ننساها فانها تحمل شهادتها إما لتبريرنا واما لإدانتنا.
ومثلما تنطبع تقاطيع الوجه بدقة لا تخطئ على لوحة الفنان المصقولة كذلك يُرسم الخُلُق بكل أمانة في أسفار السماء. ومع ذلك فما أقل ما يحس الانسان بالجزع من ذلك السجل الذي ستطَّلع عليه الخلائق السماوية! ولو أمكن أن يزاح الستار الذي يفصل بين العالم المنظور والعالم غير المنظور ويرى بنو الانسان ملاكا يسجل عليهم كل كلمة وكل عمل، وانهم لا بد سيواجهون بما قد سجل عليهم مرة اخرى في يوم الدين، فما أكثر الكلام الذي يمتنع الناس عن النطق به مثلما يفعلون يوميا، وما أكثر الاعمال التي كان اصحابها يكفون عن عملها.
وفي الدينونة سيُفحص استخدام كل وزنة. كيف استخدمنا وشغلنا رأس المال الذي أقرضتنا اياه السماء. وهل السيد في مجيئه سيأخذ ما له مع رباً؟ هل احسنا استخدام القوى المودعة بين أيدينا وقلوبنا وعقولنا لمجد يهوه وخير العالم؟ وكيف استخدمنا اوقاتنا واقلامنا واصواتنا واموالنا وتأثيرنا؟ وماذا فعلنا لاجل المسيا في اشخاص الفقراء والمجربين واليتيم والارملة؟ لقد ائتمننا يهوه على كلمته المقدسة فماذا فعلنا بالنور والحق اللذين اعطيا لنا لجعل الناس يطّلعون على الخلاص؟ لا قيمة لمجرد الاعتراف بالايمان بالمسيا، انما المحبة التي تبرهن عليها الاعمال هي وحدها الاصيلة. فالمحبة وحدها هي في نظر السماء ذات قيمة، وكل ما نفعله مدفوعين بها، مهما بدا صغيرا في تقدير الناس، يقبله يهوه ويكافئ عليه.
تبدو انانية الناس الخفية ظاهرة في اسفار السماء. ففيها سجل الواجبات التي لم يتمموها تجاه بني جنسهم، وكذلك نسيان مطالب المخلص. وفيها ايضا سيرون كم مرة أعطي للشيطان الوقت والفكر والقوة التي هي من حق المسيا. انه سجل مبكٍ ومحزن ذاك الذي يحمله الملائكة الى السماء. فالخلائق العاقلة والمعترفون بانهم أتباع المسيا ينشغلون باحراز ممتلكات العالم أو بالتمتع بالمسرات الارضية. والمال والوقت والقوة تقدم على مذبح التباهي واطلاق العنان للاهواء. ولكن ما أقل الدقائق التي تكرس للصلاة وتفتيش الكتب وتذلل النفس والاعتراف بالخطيئة.
يخترع الشيطان مكايد لا حصر لها ليشغل عقولنا ويصرفها عن التأمل في العمل نفسه الذي ينبغي أن نعرفه معرفة جيدة. فالمخادع الاعظم يبغض الحقائق العظيمة التي تكشف لنا عن الذبيحة الكفارية والوسيط القدير. وهو يعلم انه بالنسبة اليه كل شيء يتوقف على صرف عقول الناس عن يهوشوه وحقه.

طريق القداسة

ينبغي للذين يريدون ان يشتركوا في بركات وساطة المخلص الا يسمحوا لاي شيء بأن يتدخل في قيامهم بالواجب في تكميل القداسة بخوف يهوه. فالساعات الثمينة بدلا من صرفها في الملذات أو العناية بالمظاهر أو جمع المال ينبغي أن تقضي في درس كلمة الحق بروح الغيرة والصلاة. وينبغي لشعب يهوه ان يفهموا موضوع القدس والدينونة الاستقصائية فهما واضحا. فالجميع يحتاجون الى أن يعرفوا لانفسهم مركز رئيس كهنتهم العظيم وعمله، وإلا فسوف يستحيل عليهم ان يدربوا ايمانهم، الذي هو جوهري في هذا الوقت، او ان يملأوا المركز الذي يقصد يهوه ان يملأوه. فلكل فرد نفس وله أن يخلصها أو يخسرها. ولكل واحد قضية معلقة في محكمة يهوه، وعلى كل واحد أن يقف أمام الديان العظيم وجها لوجه. اذاً فكم هو مهم جدا ان يتأمل كل واحد ويفكر كثيرا في ذلك المنظر الخطير عندما تبدأ الدينونة وتفتح الاسفار وعندما يقوم كل انسان مع دانيال لقرعته في نهاية الايام.

وعلى كل من قد حصلوا على النور في هذه المواضيع أن يشهدوا بالحقائق العظيمة التي سلمهم يهوه اياها. ان القدس في السماء هو المركز الفعلي لعمل المسيا من اجل الناس. وهو يهم كل نفس حية على الارض ويكشف لانظار الناس عن تدبير الفداء ويأتي بنا الى نهاية الزمن نفسها ويعلن لنا النتيجة الظافرة للصراع بين البر والخطيئة. انه لامر في غاية الاهمية ان يفحص الجميع هذه المواضيع فحصا جيدا كاملاً حتى يكونوا قادرين على أن يجاوبوا فرديّاً عن سبب الرجاء الذي فيهم.

شفاعة المسيا

ان شفاعة المسيا في القدس الأعلى لاجل الانسان امر جوهري جدا لتدبير الخلاص كما كان موته على الصليب. فبموته بدأ ذلك العمل الذي بعد قيامته صعد ليكمله في السماء. وينبغي لنا أن ندخل بالايمان الى ما داخل الحجاب: "حيث دخل يهوشوه كسابق لاجلنا" (عبرانيين 6: 20). فنور صليب جلجثة ينعكس على ذلك المكان، وفيه نحصل على ادراك اوضح لاسرار الفداء. وخلاص الانسان قد اكمل بعدما دفعت السماء كلفة باهظة غير محدودة. والذبيحة التي قُدمت كافية لسد كل مطالب الشريعة التي انتهكت على اوسع مدى. لقد فتح يهوشوه الطريق الى عرش أبيه، وبواسطته تُقدَّم امام يهوه كل الرغبات المخلصة التي تجيش في قلب كل من يأتون اليه بايمان.

"من يكتم خطاياه لا ينجح ومن يقر بها ويتركها يرحم" (امثال 28: 13). لو عرف الذين يكتمون اخطاءهم وينتحلون لها الاعذار ورأوا كم يفرح الشيطان بهم وكيف يعيِّر المسيا والملائكةَ القديسين بمسلك هؤلاء الناس لكانوا اسرعوا في الاعتراف بخطاياهم وطرحها بعيدا عنهم. فعن طريق النقائص الاخلاقية يحاول الشيطان ان يسيطر على كل العقل، وهو يعلم انه سينجح لو تعلق المرء بها. لذلك يعمل الشيطان دائما على تضليل تابعي المسيا بمغالطته المميتة القائلة انه يستحيل عليهم ان ينتصروا. لكنّ يهوشوه يتوسل لاجلهم بحق يديه المثقوبتين وجسده المسحوق، ويعلن لكل من يرغب في اتِّباعه قائلا: "تكفيك نعمتي" (2 كورنثوس 12: 9). "احملوا نيري عليكم وتعلموا مني لاني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم لان نيري هين وحملي خفيف" (متى11: 29، 30). فلا يعتبرنَّ احدنا أن نقائصه تستعصى على العلاج، فيهوه سيعطي ايمانا ونعمة للانتصار عليها.

اننا الآن عائشون في يوم الكفارة العظيم. في أثناء الخدمة الرمزية لما كان رئيس الكهنة يقوم بعملية التكفير عن اسرائيل كان يُطلب من الجميع ان يذللوا أنفسهم بالتوبة عن الخطيئة والاتضاع أمام يهوه لئلا يُقطعوا من بين الشعب. وكذلك كل من يرغبون في أن تبقى اسماؤهم في سفر الحياة، عليهم الآن في الايام القليلة الباقية من أيام الامتحان ان يذللوا أنفسهم أمام يهوه بالحزن على الخطيئة والتوبة الصادقة. ينبغي لهم أن يفحصوا قلوبهم فحصا عميقا بكل امانة. ان تلك الروح المستخفة المستهترة التي انغمس فيها كثيرون من المعترفين بالمسيا ينبغي طرحها بعيدا. فثمة حرب جادة صارمة أمام كل من يرغبون في قهر ميولهم الشريرة التي تحاول السيطرة عليهم. وعملية الاستعداد هي عمل فردي، فلسنا نخلص كجماعات. وطهارة انسان لا تعوِّض عن نقص آخر. فمع ان كل الامم ستقف أمام يهوه للدينونة فهو سيمتحن قضية كل فرد بكل دقة واختبار فاحص كما لو لم يكن انسان آخر عائشا على الارض. ينبغي ان يمتحن كل انسان ويوجد بلا دنس أو غضن أو شيء من مثل ذلك.
ان المشاهد المتصلة بعمل الكفارة الختامي خطيرة ومقدسة. والمصالح المشتملة عليه مهمة جدا. والدينونة جارية الآن في المقدس السماوي. وقد ظل هذا العمل متقدما سنين طويلة. وستمر تلك الدينونة سريعا الى قضايا الاحياء، وليس من يعرف مقدار تلك السرعة. وفي محضر يهوشوه الرهيب ستراجع حياتنا. وفي هذا الوقت أكثر من كل وقت آخر يليق بكل نفس ان تلتفت الى انذار المخلص القائل: "اسهروا وصلوا لانكم لا تعلمون متى يكون الوقت" (مرقس 13: 33). "فاني ان لم تسهر أقدم عليك كلص ولا تعلم أية ساعة أقدم عليك" (رؤيا 3: 3).

تقرير مصير الجميع

وعندما ينتهي عمل دينونة الفحص سيكون قد تقرر مصير الجميع للحياة أو للموت. وتنتهي فرصة الاختبار قبل ظهور السيد يهوشوه في سحب السماء بوقت قصير. والمسيا اذ سبق ونظر الى ذلك الوقت في الرؤيا أعلن قائلا: "من يظلم فليظلم بعد ومن هو نجس فليتنجس بعد ومن هو بار فليتبرر بعد ومن هو مقدس فليتقدس بعد. وها أنا آتي سريعا واجرتي معي لاجازي كل واحد كما يكون عمله" (رؤيا 22: 11، 12).
سيظل الابرار والاشرار عائشين على الارض في حالة الجسد الفاني، والناس سيغرسون ويبنون ويأكلون ويشربون. غير شاعرين كلهم ان الحكم الذي لا يُرد قد نُطق به في المقدس السماوي. قبل الطوفان وبعدما دخل نوح الفلك أغلقه يهوه عليه وأبقى الفجار خارجا، ولكن لمدى سبعة أيام اذ لم يكن الناس يعلمون انه قد قضي عليهم بالهلاك ظلوا سادرين في عدم الاكتراث وحياة حب الملذات وكانوا يسخرون بنذر الدينونة الوشيكة الوقوع. وقد قال المخلص: "كذلك يكون ايضا مجيء ابن الانسان" (متى 24: 39). فتلك الساعة الحاسمة التي فيها سيتقرر مصير كل انسان وسحب عرض الرحمة المقدمة للأثمة، تلك الساعة ستأتي بسكون كلص في منتصف الليل لا يلحظها أحد.
"اسهروا اذاً ... لئلا يأتي بغتة فيجدكم نياما" (مرقس 13: 35، 36). ان الذين يملون من السهر فيرتدون الى جواذب العالم ستكون حالتهم خطرة جدا. فعندما يكون رجل الاعمال مشغولا وهو يركض في طلب الربح، ومحب السرور واللذة يسعى في طلب ملذاته لينغمس فيها، والفتاة المتأنقة ترتب زينتها- قد يحدث انه في تلك الساعة ينطق ديان كل الارض بحكمه: "وزنت بالموازين فوجدت ناقصا" (دانيال 5: 27).
(المرجع لهذا الدرس كتاب الصراع العظيم، صفحة 522-535).

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
5
26
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
08
18
Calendar App