27. الآب
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

ما الذي تعرفه عن القريدس [الروبيان أو الجمبري]؟ لقد اكتشفت أن لهذه المخلوقات الصغيرة عادة مدهشة حقا. فهي تمارس ما يطلق عليه "عملية استبدال الملابس"، ثلاث أو أربع مرات في السنة أي طرح القشور. وهذه العملية في حد ذاتها ليست غريبة. ولكن الغريب والمدهش هو الطريقة التي يتم بها استبدال هذا "الملبس". ويبدو أنه كلما حان الوقت للقريدس ليضيف طبقة جديدة من القشور إلى جسمه، يضع حبة صغيرة من الرمل فوق رأسه فتنمو طبقة القشور الجديدة فوقها. إن وجود حبة الرمل هذه فوق الرأس تساعد حيوان القريدس ليعرف فيما إذا كان وضعه مقلوبا أم معدولا وسط مياه المحيط الهائجة . ويستطيع حيوان القريدس أن يعرف ذلك من خلال السحب الذي تحدثه الجاذبية. وقد تتساءل كيف اكتشف العلماء هذا التصرف الغريب للقريدس. ويبدو أن العلماء وضعوا بعضا من هذا الحيوان المائي في حوض للسمك ذات قاعدة مليئه بحبات الحديد. وعندما حان وقت طرح القشور أو تغييرها، كان هذا الحيوان يضع حبة من الحديد فوق رأسه، فتنمو فوقها الطبقة الجديدة من القشور. ثم وضع العلماء قطعة مغنطيس كهربائي قوية فوق حوض الماء. وعلى الفور انقلبت جميع حيوانات القريدس وأخذت تسبح في وضع منقلب.

ومن باب الدعابة أخذ العلماء أحد حيوانات القريدس من المحيط ووضعوه في حوض الماء هذا حيث كانت باقي الحيوانات تحمل حبة الحديد فوق رأسها. ولا بد ان مشاهدة هذه التجربة كانت مثيرة للدهشة إذ أن كافة حيوانات القريدس في الحوض كانت تسبح في وضع منقلب فيما عدا واحد كان يسبح في وضع معتدل. ولو أن تلك الحيوانات استطاعت التفكير والكلام مثلما نفعل نحن البشر فماذا يا ترى كانت تقول بخصوص زميلها هذا الغريب الأطوار الذي كان يسبح بمفرده في وضع معكوس لهم: "انظروا إلى زميلنا هذا الذي يسبح في وضع منقلب. ما الذي حدث له؟" [فهذه الحيوانات تظن أنها تسبح في الوضع الصحيح ولا تعلم أن قطعة المغنطيس الكهربائي خدعتهم وجعلتهم يسبحون منقلبين]. فحيوانات القريدس التي كانت حبات الحديد فوق رؤوسها ظنوا أنهم في الوضع الصحيح لأن الحبة فوق رؤوسهم، [والمفروض أنها حبة رمل، كما في المحيط] كانت هي المرشد لهم بأن الوضع المنقلب هو في الحقيقة معتدل والعكس صحيح . ونظرا لأن أغلبية الحيوانات كانت تسبح في وضع منقلب ظنوا أنهم لا بد وأن يكونوا على صواب وأنهم في الوضع الصحيح. وأن زميلهم هذا الواحد الذي خانهم في وضع سباحته لا بد وأن يكون هو المخطئ.

المقياس الذي يسترشد به المسيحي هو الكتاب المقدس. ولا يمكن لتفكير شخص ما أو حتى اعتقاد الأغلبية الساحقة من الناس أنهم على صواب فيما يؤمنون، أن يحل مكان كلمة يهوه الصادقة. ويشهد التاريخ لحقيقة أن تفكير الأغلبية كثيرا ما كان خاطئا، وخاصة عندما كان الأمر يتعلق بالديانة. وتوجد عبارة لها معنى عميق تؤكد هذه الحقيقة "ليس من وقاية على الإطلاق من الشر إلا في الحق ... كثيرون في الكنيسة يعتبرون أن فهمهم لما يؤمنون به هو أمر مسلم به. ولكنهم لا يتنبهون لضعفهم الاعندما يثور الخلاف والنزاع" (كتاب نعمة الله العجيبة، صفحة 30).

بدأت منذ سنتين أن أفهم معنى هذه العبارة بشكل أشمل. كان الربيع قد بدأ عندما ذهبت لزيارة أحد الأصدقاء المقربين. ولدى وصولي إلى منزله تبادلنا التحية، وعلى الفور بدأ صديقي يطلعني على أمر شغل باله يتعلق بأحد التعاليم الأساسية للمسيحية وهو المفهوم الخاص"بالثالوث" وبادرني بالسؤال: "كيف لثلاثة أن يكونوا إلها واحدا؟" ثم أردف يقول: "التعليم المتعلق بالثالوث تعليم خاطئ" وكان رد فعلي التلقائي هو الخيبة والإحباط والغضب. كيف لتعليم عريق كهذا أن يكون" خاطئا"؟ فالكتاب المقدس يتحدث عن ألآب والابن والروح القدس. أفليس هذا ثالوثا؟ إضافة إلى هذا فان المسيحية برمتها تؤمن بالثالوث. إذا لا بد وأن يكون التعليم صحيحا. وبغض النظر عن شعوري بالإحباط الظاهري دعاني صديقي للجلوس ريثما يراجع معي بعض آيات الكتاب ومراجعه. فأرغمت نفسي على الجلوس لا لشيء إلا لأصحح تفكير صديقي الخاطئ. ولكنني دهشت عندما بدأ يهوه يفهمني بعض الآيات التي كانت غامضة علي قبلا. وبدأت الأسئلة تتزاحم في رأسي: هل كان اعتقادي بأن يهوه" ثالوثا"، صحيحا حقا؟ أليس الحق سهل الفهم؟ وهل يمكن لثلاثة أن يكونوا واحدا حقا؟

وعادت بي الذاكرة إلى المرات الكثيرة التي حاولت فيها أن أعلم أولادي عن يهوه. فكنت أتوجه بكل ثبات إلى البراد [الثلاجة] وأخرج منها تفاحة ثم أعود لأجلس وسط أولادي وأبدأ أشرح لهم أن يهوه يشبه هذه التفاحة. كلمة "يهوه" هي اسم العائلة، وأن التفاحة بكاملها تمثل يهوه. والآ ب يمكن أن نرمز له بلب التفاحة أو قلبها، والابن بالجزء الأبيض فيها، والروح القدس بالقشرة، واحيانا أخرى كنت أشبه لهم الموضوع بالشمس وضوئها وحراراتها، ... إلخ. ثم أسأل أولادي فيما إذا كانوا قد فهموا المقصود. وكان رد فعلهم دائما متشابه: كانوا ينظرون إلي بذهول ويهزون رؤوسهم بالنفي. وكان رد فعلي أنا أيضا متشابه دائما: "لا بأس يا أولادي فأحدا لا يفهم حقا، لأن يهوه "لغز غامض". والآن بدأت أنا أتساءل، هل يهوه حقا بهذا الغموض؟ وكيف لنا أن نخدم يهوه أو نتعبد له ونحن لا نعلم حتى من هو؟ فكان علي أن أعرف الأجوبة لسيل من التساؤلات التي تزاحمت في عقلي. في ذلك اليوم بدأت مع زوجتي في دراسة، جلبت لنا السرور الذي لم نعرف له مثيلا من قبل. وإذ سعينا لنطرح جانبا كافة أفكارنا المسبقة ولنبحث باجتهاد عبر صفحات الكتاب المقدس، ملأ الابتهاج قلبينا بشكل لم نختبره قبلا. وأصبح إله السماء حقيقة أكيدة لنا. وامتلأت حياتنا بمحبته التي دفعته لأن يبذل ابنه الوحيد من أجلنا. ونود هنا أن نشارك معك، عزيزي القارئ، ما اكتشفناه من دراستنا. وليس هدفنا من ذلك إثارة النزاعات أو التسبب في الانقسامات، بل بالأحرى مجرد مشاركة مفهوم ساعدنا على أن نرى بأكثر وضوح محبة يهوه العجيبة للجنس البشري. وصلاتنا أن تنفتح عيناك لترى الحق البسيط المتعلق بيهوه والمسيا والذي أعلن لنا بكل وضوح في كلمته المقدسة، وأن تفهم أكثر، المركز الرفيع والمحق الذي يشغلانه. على كل منا أن يدرس الكتاب لنفسه وأن يشكل معتقداته على أساس كلمة يهوه الأكيدة وليس على ما قاله لنا آخرون أو على ما يفعله معظم الناس.
فنحن لم ندرك ضعفنا إلا عندما واجهنا التحدي بخصوص ما نؤمن به. ونحن نضع أمامك التحدي الآن أن تتفحص الكتاب المقدس كما لم تفعل ابداً من قبل. ادرس لنفسك وأمتحن كل شيء، تمثل بأهل بيرية قديما الذين قبلوا الكلمة بكل نشاط فاحصين الكتب كل يوم هل هذه الأمور هكذا (أعمال 17: 11). وليت قلبك يمتلئ بمفهوم أفضل عن يهوه ويغمره شعور عميق بالفرح والامتنان مثلما حدث معنا. وليرشدك القدير في بحثك هذا.
الثالوث
تعليم الثالوث هو التعليم الأساسي الذي عليه يرتكز كافة المسيحيين المدعين تقريبا. فعلى أية منظمة أن تعلن أولا إيمانها بتعليم الثالوث قبل أن تصبح عضوا في مجلس الكنائس العالمي. ولنلق نظرة الآن على ما يدعو إليه حقا هذا التعليم، ومن أين أتى. وإذ ناقشت هذا التعليم مع مسيحيين من طوائف عديدة اتضح لي بالأكثر أن أقلية من الناس فقط هم الذين يدركون فحوى هذا التعليم على حقيقته. و أننا تفحصنا ملخص المعتقدات للطوائف الرئيسية المختلفة الموجودة في العالم اليوم لوجدنا أنها تتبنى فكرة وجود اله واحد يتكون من ثلاثة أشخاص متميزين. وإذا نظرنا إلى الأوصاف المتنوعة نجد أن فكرة "الثالوث" هذه تعلم وتدعو بالآتي:
ثلاثة أشخاص خالدين.
ثلاثة أشخاص كليي القدرة و المعرفة، الخ.
ثلاثة أشخاص تحق لهم العبادة والتسبيح.
ثلاثة أشخاص يلعب كل منهم دورا مختلفا.
فمثلا، تقول الموسوعة الكاثوليكية ما يلي.

"الآب هو الإله، الابن هو الإله، والروح القدس هو الإله. ومع ذلك فهم ليسوا ثلاثة آلهة بل اله واحد ... والأشخاص الثلاثة أبديين ومتساوين. وجميعهم غير مخلوقين وكلي القوة والنفوذ والسلطة"

وجميع الكنائس المسيحية تقريبا تعزز الفكرة ذاتها عن الثالوث مع تعديل بسيط في بعضها.
ولو دققنا النظر في هذه الفكرة لبدأنا نرى ما تنطوي عليه حقا. فإذا كان الأعضاء الثلاثة في اللاهوت أبديين، فهذا يعني أنهم جميعا كانوا موجودين منذ الأزل كأشخاص متميزين. ولا بد، إذا، أن يكونوا متساوين في العمر.
والألقاب التي لهم ينبغي أن تعكس الأدوار التي اتخذوها لتنفيذ خطة الفداء. وبالتالي هذه الألقاب لا يمكن النظر إليها بشكل حرفي. فابن يهوه مثلا، لا يكون عندئذ هو ابن يهوه حقا. بل يكون هو عضو اللاهوت الذي يلعب دور الابن. والأب لا يكون هو حقا أبو المسيا بل عضو اللاهوت الذي يلعب دور الآب.
تطبيقات هذا التعليم نجدها عميقة متى تمعنا فيها. ويخبرنا سجل الكتاب المقدس مرة بعد الأخرى أن يهوه بذل ابنه ليموت عنك وعني. ولكن تعليم الثالوث يقول أن المسيا لم يكن هو الابن حقا. ويقول أصحاب هذا التعليم أن المسيا دعي بالابن إشارة إلى مولده في بيت لحم، ولكنه لم يكن حقا ابن يهوه في السماء قبل مجيئه الى هذه الأرض.
وأليك تعليم الثالوث في صورة مختصرة:
"يوجد اله واحد: الآب والابن والروح القدس". ويجدر بنا هنا أن نطرح على أنفسنا ثلاثة أسئلة هي: هل وجد هذا التعليم عن يهوه منذ بداية الزمن؟ هل هو تعليم كتابي؟ هل هذا الأمر مهم؟
من أين أتى هذا التعليم؟
لو انك استعنت بدائرة معارف [موسوعة] حسنة السمعة لوجدت أن هذا التعليم بدأ يتشكل ليصبح جزءا من المسيحية، في مجمع نيقيا الكنسي سنة 325 م. واستمر في التداول حتى أخذ شكله الراهن بعد ذلك بحوالي ستين سنة في مجمع القسطنطينية الكنسي، أي سنة 385 م تقريبا. والذين درسوا التاريخ الكنسي يذكرون أن هذا قد تم في وقت كانت بدأت فيه كنيسة روما تتبوأ السلطة والسيطرة على العالم المسيحي. وقد لاحظ علماء الكتاب المقدس أن يهوه أعطانا في سفر الرؤيا 2 و3، صورة عن حقبات التاريخ المختلفة للكنيسة المسيحية. ومجمع نيقيا، 325 م ، جاء أثناء حقبة الكنيسة الممثلة ببرغامس التي كانت تتفسخ وتفسد بسبب المساومة والحلول الوسط مع الوثنية.
علينا أن نتذكر أن العالم المسيحي كان محاطا بديانات وثنية، يتعبد أصحابها لآلهة عديدة. ويكشف التاريخ عن كنيسة تبنت أخيرا مفهوما عن يهوه مغمورا في الوثنية ذاتها، وذلك بسبب رغبتها في أن تكون أكثر جاذبية وفتنة لجيرانها الوثنيين. وكما يقول أحد المؤلفين أن تعليم الثالوث يرجع أصله إلى الرمح الفارسي الثلاثي، او المثلث الشعب. انظر صورة رقم 1. ولاحظ مؤلفون آخرون أننا نجد في الديانة الهندوسية المجموعة الثلاثية المكونة من براهما وسيفا وفيشنو. انظر صورة رقم 2. وفي الديانة المصرية القديمة نجد ثلاثي اخرمكون من أوزريس وأزيس وحورس. انظر صورة رقم 3. والنقطة التي أراد الباحثون أولئك إبرازها هي أن تعليم الثالوث هذا يرجع أصله إلى الوثنية. ولو أننا وسعنا دراستنا لتشمل معظم العالم القديم، لرأينا مرة بعد الأخرى أن الآلهة الوثنية كان يتم التعبد لها في صورة ثلاثية [أي ثالوث].

صورة رقم 1 صورة رقم 2 صورة رقم 3

"إذا كانت الوثنية قد انهزمت أمام المسيحية، فالأمر يصدق أيضا وبذات التساوي، أن المسيحية فسدت وتشوهت بواسطة الوثنية. إن الإيمان الطاهر بيهوه الذي كان للمسيحيين الأوائل، تحول بواسطة كنيسة روما إلى عقيدة الثالوث الغامضة المبهمة" (كتاب تاريخ المسيحية، ادوارد جيبونر).
ولنا أيضا أن نتساءل فيما إذا كانت الأمة اليهودية في وقت المسيا أوقبله آمنت في أي وقت من الأوقات أن اله السماء الحقيقي هو ثالوث. "اسمع يا اسرائيل يهوه الهنا إله واحد" (تثنية 6: 4)، ونفس الأية اقتبسها المسيا في "فأجابه يهوشوه أن أول كل الوصايا هي أسمع يا اسرائيل يهوه الهنا إله واحد" (مرقس 12: 29). برجاء ملاحظة الاقتباس التالي:
"انه لأمر مسلم بصحته أن الكنيسة اليهودية لم تتمسك بمثل هذا التعليم، ويقول السيد سومربل، سأل صديق لي كان حاضرا في مجمع لليهود بنيويورك، الحاخام أن يفسر له معنى كلمة "الوهيم"؛ فأجاب أحد رجال الاكليروس الذي كان يقف بالقرب، ألا تعلم، هذا الاسم إنما يشير إلى الثلاثة أشخاص الذين يكونون الثالوث. عندئذ تقدم أحد اليهود وقال أنه لا ينبغي عليه ذكر هذه الكلمة مرة أخرى [الثالوث]، وإلا لألزموه بمغادرة المجمع، لأنه من غير المسموح ذكر اسم أي اله غريب في المجمع" (ريفيو آند هيرالد، 5 تشرين الثاني (نوفمبر)، 1861 م).
والنقطة هنا هي ببساطة أن اليهود لا يرون أن تعليم الثالوث هو حق كتابي، بل ينظرون بالأحرى إليه على أنه مفهوم وثني. فكلمة "الثالوث"، لم تذكر إطلاقا في الكتاب المقدس من سفر التكوين وحتى سفر الرؤيا. والمدهش أيضا أن كثيرين يوافقون على أن العهد القديم من الكتاب المقدس لا يعلم مبدأ الثالوث.
تقول موسوعة الدين ما يلي:
"يتفق اللاهوتيون [علماء الدين] اليوم على أن الكتاب المقدس العبري لا يتضمن تعليم الثالوث."
وتعترف الموسوعة الكاثوليكية الجديدة بما يلي :
"عقيدة الثالوث لا أساس لها في العهد القديم، فهو لا يقدم أي تعليم بخصوصها."
وهذا يعرض أمامنا معضلة مهمة. فإذا كان اللاهوتيون [علماء الدين] يعترفون أن العهد القديم لا يقدم أي تعليم بخصوص عقيدة الثالوث، فهل تغير يهوه، إذا، بطريقة ما؟ وعندما جاء المسيا إلى هذه الأرض واقتبس بكثرة من الكتاب المقدس [العهد القديم]، هل تحدث أبدا عن يهوه أنه ثالوث؟ الحقيقة أنك إذا تتبعت حياة المسيا من بدايتها وحتى القبر لوجدت أنه لم يقدم ولا إشارة واحدة إلى أن يهوه ثلاثي. والأمر ذاته يصدق بالنسبة لكافة من دونوا العهد الجديد .
وتقول الموسوعة البريطانية الجديدة ما يلي:
"لم ترد كلمة 'ثالوث' إطلاقا في العهد الجديد، ولا توجد أي إشارة صريحة لهذا التعليم."
والحقيقة أننا لو تفحصنا ما كتبه المسيحيون الأوائل في القرون الثلاثة الأولى من وقت الرسل وحتى مطلع القرن الرابع- لوجدنا أيضا أن عقيدة الثالوث لم يعلم بها أي من المعلمين الدينين المشهورين من أمثال جاستن مارتير وأرجين وايرانيوس. هذا التعليم الخاص بإله مثلث، والذي تمتد جذوره إلى الوثنية، ثم تبنيه في المسيحية من خلال كنيسة روما. وكما ذكرنا قبلا، فبداية هذا التعليم جاءت في مجمع نيقيا سنة 325م، عندما أدخل الإمبراطور قسطنطين [المهتدي إلى المسيحية الاسم فقط] الوثنية إلى الكنيسة من خلال المساومة والحلول الوسط مع رجال الكنيسة الفاسدين الذين كانوا يتطلعون للمناصب والمراكز وتجنب الاضطهاد الروماني الوثني في القرن الرابع الميلادي. ومن ثم أصبح هذا التعليم العقيدة الأساسية للإيمان الكاثوليكي، والقاعدة الرئيسية لمعظم الطوائف المسيحية اليوم، إن لم يكن كلها تقريبا .
"إن لغز الثالوث هو التعليم المركزي للديانة الكاثوليكية والذي عليه تتأسس كافة تعاليم الكنيسة الأخرى."
(دليل اليوم الكاثوليكي، صفحة 16).
هذا الاقتباس من المصادر الكاثوليكية نفسها ينبغي أن يكون بمثابة جرس الإنذار في تفكيرنا. فإذا كانت عقيدة الثالوث تتجذر بالفعل في الوثنية ولا يعلم بها الكتاب المقدس بكلا عهديه، بشكل دقيق، أفلا يدفعنا ذلك إلى التشكك الجدي في هذا التعليم، لا سيما وأن الكنيسة الكاثوليكية تعترف أنه النقطة المركزية والمحورية لكافة التعاليم الكاثوليكية الأخرى؟ بل الحقيقة هي أن معظم الطوائف المسيحية يمكن أن تقدم تصريحا مشابها فيما يختص بعقيدة الثالوث .
ومن المهم التنبيه إلى أن كافة الطوائف الأساسية قد بدأت بواسطة مصلحين احتجوا على الكاثوليكية. بل وقد ذهب معظمهم حتى إلى حد اتهام نظام العبادة الكاثوليكي على أنه نظام عدو المسيا، والبابا على أنه ضد المسيا. وكان مارتن لوثر هو أحد أولئك المصلحين. ومع ذلك فكل الطوائف المسيحية تقريبا تسير في اثر روما في العديد من مجالات تعليمهم. وعقيدة الثالوث هي إحدى هذه المجالات، فكنيسة روما هي التي أوجدت هذه العقيدة والتي هي الآن أساس وقاعدة النظام الكاثوليكي برمته.
ما هي تعاليم الديانة الكاثوليكية التي تستند وتتجذر في عقيدة الثالوث؟ أية نظرة عاجلة تظهر أن من بين هذه التعاليم ما يلي :الخلود الطبيعي للنفس، القداس، المطهر، عصمة البابا ، الصلاة للقديسين، النار الأبدية في الجحيم، قدرة الكاهن على غفران الخطايا، الحمل بلا دنس، القربان المقدس، الخلاص بالأعمال، تقديس الأحد. ينبغي لهذا كله أن يثير التساؤلات الجادة في عقولنا. هل يدعم الكتاب المقدس مثل هذه التعاليم؟
هل من الممكن أننا في المسيحية قد قبلنا تعليما خاطئا عن يهوه لمجرد أن هذا التعليم ظل يتناقل عبر السنين؟ وهل أصبحنا نشبه حيوانات القريدس التي ظنت أنها تسبح في الوضع الصحيح بينما الحقيقة أنها كانت تسبح في الوضع المعكوس أو المقلوب؟ لنلق نظرة أعمق الآن على ما يقوله الكتاب المقدس عن محبة يهوه العجيبة. ويمكنك عندئذ أن تقرر بنفسك.
اله واحد
عندما أنقذ إلهنا القدير العبرانيين من العبودية المصرية، قادهم عبر البحر الأحمر وأتى بهم إلى سفح جبل سيناء. وأوصى الشعب أن يقدسوا أنفسهم لأنه كان سيخبرهم بأمر مهم. عندئذ صعد موسى إلى قمة جبل سيناء لينال تعليمات يهوه وإرشاداته للشعب. وأعطاه يهوه لوحين من الحجر نقش عليهما بإصبعه الشريعة التي كان على الشعب أن يحيا بموجبها. ونقرأ في (خروج 20: 1-3) ما يلي:
"ثم تكلم يهوه بجميع هذه الكلمات قائلا، أنا يهوه إلهك، الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. "
كان الشعب قد تحرر للتو من أرض يتعبد فيها أهلها لآلهة عديدة. ولهذا ذكّر إله السماء شعبه على الفور بأنه لا يوجد سوى إله واحد حقيقي. وكانت حقيقة وجود إله واحد فقط، هي أول وصايا يهوه المحبة لشعبه والتي كانت ستشكل الأساس والقاعدة لعبادتهم فيما بعد. ويبدو أن يهوه ظل يذكر شعبه بهذه النقطة المهمة مرة بعد الأخرى أثناء تجوالهم في البرية. وعندما أوشكوا في النهاية على دخول أرض الموعد، عاد يهوه ليذكرهم مجددا بهذه الحقيقة:
"انك قد رأيت لتعلم أن يهوه هو الإله. ليس آخر سواه" (تثنية 4: 35).
ومرة أخرى، قبل أن ينقل موسى للشعب أمر يهوه بالانتصار على كنعان وإخضاعها، قال:
"اسمع يا إسرائيل يهوه إلهنا إله واحد" (تثنية 6: 4).
ويبدو أن فكرة تعدد الآلهة هذه، كانت موضع اهتمام كبير ليهوه، الى حد أنه في محبته ظل يذكّر شعبه مرة بعد الأخرى أنه لا يوجد سوى اله واحد. أراد إيلأن يقي شعبه من الوقوع في نمط عبادة تعدد الآلهة الوثني ذاته الذي كان يمارس من حولهم. لاحظ الاقتباس التالي:
"ان الإقرار البابلي بوحدة اللاهوت غارقا في الوثنية لدرجة أن يهوه، الإله الحي أدان شعبه بشدة لأي تشجيع يقدمونه في هذا الاتجاه ... ففي داخل وحدة ذلك الإله الواحد والوحيد الذي للبابليين، كان يوجد ثلاثة أشخاص. ولكي يرمزوا إلى عقيدة الثالوث هذه استخدموا المثلث المتساوي الأضلاع. وهذا ما تثبته اكتشافات 'لويارد' والمعروف أن الكنيسة الرومانية ما زالت تستعمل هذا الرمز اليوم" (كتاب البابليتان صفحة 16).
علم يهوه أن التعاليم الوثنية عن تعدد الآلهة كانت منتشرة في كل مكان حول شعبه المختار. ومن هنا جاء تذكيره المتكرر لهم: "يهوه إلهنا إله واحد."
وهذه حقيقة ما زال يتمسك بها العقل اليهودي حتى اليوم. وفكرة إله واحد مكون من ثلاثة أشخاص أو أقانيم كانت وما تزال غريبة على تفكيرهم.
نلقي نظرة الآن على بعض آيات العهد الجديد لأنه من المؤكد أن إله العهد القديم لا بد أن يكون هو ذاته إله العهد الجديد !!!
"أية وصية هي أول الكل؟ فأجابه يهوشوه أن أول كل الوصايا هي أسمع يا إسرائيل يهوه إلهنا إله واحد ... فقال له الكاتب، جيدا يا معلم. بالحق قلت لأنه يهوه واحد وليس آخر سواه" (مرقس 12: 28-32).
فالمسيا نفسه يخبرنا بأنه لا يوجد سوى إله واحد فقط. ويخبرنا الرسول العظيم بولس بهذا الحق ذاته.
"لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له، وسيد واحد يهوشوه المسيا الذي به جميع الأشياء ونحن به" (1 كورنثوس 8: 6).
"جسد واحد وروح واحد كما دعيتم أيضا في رجاء دعوتكم الواحد، سيد واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إله وأب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم" (أفسس 4: 4-6).
ما الذي يحاول الرسول بولس أن يكشفه لنا؟ انه يصرح أولا، وباسلوب توكيدي أنه يوجد إله واحد-الآب، ويواصل حديثه ليخبرنا بأن كل ما هو موجود يأتي في النهاية من ذلك الإله الواحد. الآب. هذا الإله الواحد هو مصدر الحياة والقوة. ثم يصرح الرسول بولس أنه يوجد سيد واحد، يهوشوه المسيا، الذي به خلق كل شيء، "وانير الجميع في ما هو شركة السر المكتوم منذ الدهور في يهوه خالق الجميع بيهوشوه المسيا" (أفسس 3: 9). والمسيا هذا هو الرابطة بين السماء والأرض- وسيطنا. ومن خلال المسيا تعاد الوحدة بين يهوه والإنسان.
ويؤكد المسيا أيضا على هذا الحق ذاته، بوجود إله واحد فقط -الآب- وأن الحياة الأبدية تكمن في معرفة ذلك الإله، والمسيا يهوشوه الذي أرسله. ونقرأ التالي من صلاة يوحنا 17 المشهورة :
"هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويهوشوه المسيا الذي أرسلته" (يوحنا 17: 3).
"أنت تؤمن أن يهوه واحد، حسنا تفعل. والشياطين يؤمنون ويقشعرون" (يعقوب 2: 19). فحتى الشياطين يعرفون أنه لا يوجد سوى إله واحد فقط. ويصرح الكتاب المقدس بوضوح بوجود إله واحد فقط. ولم يذكر أي من كتبوا في الكتاب المقدس أن هذا الإله مكون من ثلاثة أشخاص [أو أقانيم] مختلفين. ويقول معتنقو عقيدة الثالوث أنه يوجد "إله واحد ألآب والابن والروح القدس". أما الكتاب المقدس فيقول أنه يوجد إله واحد -الآب.
ويقول بولس للأمم أن يهوه هو الإله الحي الحقيقي وأن أبنه هو يهوشوه المسيا: "لانهم هم يخبرون عنا أي دخول كان لنا إليكم وكيف رجعتم إلى يهوه من الأوثان لتعبدوا يهوه الحي الحقيقي. وتنتظروا ابنه من السماء الذي أقامه من الأموات يهوشوه الذي ينقذنا من الغضب الآتي" (1 تسالونيكي 1: 9، 10). ويخبرنا بولس أنه ليس فقط أبوه بل هو أيضا رأسه و إلهه: "ولكن اريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيا وأما رأس المرأة فهو الرجل ورأس المسيا هو يهوه" (1 كورنثوس 11: 3)، "كي يعطيكم إله سيدنا يهوشوه المسيا أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معرفته" (أفسس1: 17)، أنظر أيضًا (1 كورنثوس 3: 23). و ويهوشوه نفسه يدعو يهوه إلهه وأبيه: "ونحو الساعة التاسعة صرخ يهوشوه بصوت عظيم قائلا إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني" (متى 27: 46)، "قال لها يهوشوه لا تلمسيني لاني لم اصعد بعد إلى ابي ولكن أذهبي إلى أخوتي وقولي لهم أني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (يوحنا 20: 17)، انظر أيضًا (رؤيا 3: 12؛ عبرانيين 1: 9).
والسيد يهوشوه المسيا أيضا يدعو هذا الإله الواحد الآب سيد السموات والأرض: "في ذلك الوقت أجاب يهوشوه وقال أحمدك أيها الآب سيد السماء والأرض لإنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال" (متى 11: 25). ويعلن أيضا أن من يسجدون له يجب أن يسجدوا بالروح والحق: "ولكن تأتي ساعة و هي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للأب بالروح والحق لان الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له" (يوحنا 4: 23). وأخبر اليهود أيضا أن أبيه هو من يقولون عنه أنه ألههم: "أجاب يهوشوه أن كنت أمجد نفسي فليس مجدي شيئا أبي هو الذي يمجدني الذي تقولون أنتم أنه الهكم" (يوحنا 8: 54). وليس هو إله اليهود فقط بل أيضا الأمم كما يقول لنا بولس: "أم يهوه لليهود فقط أليس للأمم أيضا بلى للأمم أيضا" (رومية 3: 29).
والآية الوحيدة التى يستخدمها من يعتقدون في الثالوث هي مدونة في (متى 28: 19) "الآب والابن والروح القدس"، وهذه آية مضافة [الجزء الثاني منها] بواسطة قسطنطين في القرن الرابع الميلادي. فما قاله المسيا هو الجزء الأول من الآية: "فاذهبوا و تلمذوا جميع الامم وعمدوهم باسمي". وهذا يتماشي مع كل المعموديات التي قام بها الرسل في سفر أعمال الرسل والتي كانت جميعها باسم يهوشوه: (أعمال 2: 38؛ 8: 12، 16، 36-38؛ 19: 4، 5؛ 18: 8؛ 22: 16). أما عن الآية الواردة في (1 يوحنا 5: 7) فهي أيضا مضافة وغير موجودة في أصل العهد الجديد اليوناني ويجمع علماء اللاهوت على ذلك. ويمكنك التأكد من هذا الموضوع فقط بالقيام ببحث بسيط على شبكة المعلومات الألكترونية [النت]. أيضا مصطلح كلمة الثالوث لا تجده في الكتاب ولاتجد ايضا كلمة اقنوم أو أقانيم. نفس الشيء ينطبق على قولنا أن المسيا هو "يهوه الابن"، فالمسيا هو ابن يهوه وليس يهوه الابن، ولايجوز أن نقول "يهوه الروح القدس" لأن الكتاب لا يذكر هذا المصطلح ابدا، بل يقول الروح القدس أو روح يهوه أو روح المسيا. فإذا أردنا أن نكون كتابيين فيجب علينا أن نستعمل كلمات الكتاب المقدس كما هي بدون تغيير، أو حذف، أو إضافة لئلا يُحذف اسمنا من سفر الحياة (رؤيا 22: 18، 19).
والأمناء الذين سيقضون الأبدية لن يروا هناك الا الآب والابن: "ولم أر فيها هيكلا لان يهوه الإله القادر على كل شيء هو والخروف هيكلها. والمدينة لا تحتاج إلى الشمس ولا إلى القمر ليضيئا فيها لان مجد يهوه قد أنارها والخروف سراجها" (رؤيا 21: 22، 23)، "ولا تكون لعنة ما في ما بعد وعرش يهوه والخروف يكون فيها وعبيده يخدمونه" (رؤيا 22: 3)، "وكل خليقة مما في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض وما على البحر كل ما فيها سمعتها قائلة للجالس على العرش وللخروف البركة والكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الآبدين" (رؤيا 5: 13).
رأينا ان كلمة يهوه واضحة انه يوجد إله واحد فقط. هذا الإله الواحد هو يهوه الآب. يهوه الآب ليس مكون من عدة أشخاص أو أقانيم، بل هو إله شخصي واحد. يهوه ارسل ابنه من السماء ليخبرنا عن هذه الحقيقة. الطريق الوحيد للآب هو الابن. إذا كان يهوه الآب هو الإله الحقيقي وحده، إذا من هو يهوشوه المسيا؟ الدرس التالي سوف يجيب على هذا السؤال.
(المرجع لهذا الدرس كتيب محبة الله العجيبة من موقع www.acts321.org).

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
7
3
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
09
23
Calendar App