1. يهوه معنا
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

 

"وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ ... يهوه مَعَنَا" (متى 23:1) . إن نور "مَعْرِفَةِ مَجْدِ يهوه" يُرى "فِي وَجْهِ يهوشوه الْمَسِيا" ، فمنذ أيام الأزل كان المسيا واحداً مع الآب . كان "صُورَةِ يهوه"، صورة عظمته وجلاله وبهاء مجده . لقد أتى إلى عالمنا ليعلن هذا المجد ، أتى إلى هذه الأرض التي قد سوّدتها الخطية وشوهتها ليعلن نور محبة يهوه- ليكون "يهوه مَعَنَا"، ولذلك جاءت عه النبوة تقول: "وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ".

إن المسيا إذ حل بيننا كان لا بد له أن يعلن يهوه للناس والملائكة . لقد كان هو كلمة  يهوه وفكر يهوه مسموعا . ففي صلاته لأجل تلاميذه يقول: "أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعَالَمِ" (يوحنا 6:17) . بأنك "رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ" (خروج 34: 6) و"لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ" (يوحنا 17: 26) . ولكن هذا الإعلان لم يعطَ لأبنائه المجبولين من تراب الأرض دون سواهم . إن عالمنا الصغير هذا هو بمثابة السفر المفتوح أمام الكون . إن غرض نعمة يهوه العجيب ، سر المحبة الفادية ، هو السر الذي "تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا"، وسيكون موضوع درسهم وتفكيرهم مدى دهور الأبد . إن كلا الخلائق المفدية والخلائق غير الساقطة ستجد في صليب المسيا كنز معرفة وحكمة لا ينضب وحافزا للفرح والتسبيح . وسيُرى أن المجد المتلألئ في وجه يهوشوه هو مجد محبته الباذلة . وفي النور المنبعث من جلجثة سيُرى أن ناموس المحبة المنكرة لذاتها هو ناموس الحياة للأرضيين والسماويين ، وأن المحبة التي لاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا تنبع من قلب يهوه، وأن ذاك الوديع والمتواضع القلب قد أُعلنَت فيه صفات يهوه الساكن في نور لا يدنى منه .

يهوه معلن في الخليقة

في البدء أُعلِن يهوه في كل أعمال الخلق . إن المسيا هو الذي نشر السماوات ووضع أساسات الأرض ، وإن يده هي التي علقت العوالم في الفضاء وأبدعت زنابق الحقل ، وهو "الْمُثْبِتُ الْجِبَالَ بِقُوَّتِهِ"،"الَّذِي لَهُ الْبَحْرُ وَهُوَ صَنَعَهُ" (مزمور 65: 6؛ 5:95) . هو الذي ملأ الأرض بكل ألوان الجمال ، والهواء بالأغاني والتسابيح . وعلى كل ما في الأرض والهواء والسماء كتب رسالة محبة الآب .

إن الخطية قد أتلفت وشوهت عمل يهوه الكامل، ومع هذا فتلك الكتابة لا تزال باقية. وحتى الآن كل الخلائق تعلن وتذيع جلال مجده. لا شيء، فيما عدا قلب الإنسان الأناني ، يعيش لذاته . فلا طير يحلق في جو السماء ، ولا حيوان يدب على الأرض إلاّ ويخدم كائنا آخر ، ولا ورقة من أوراق أشجار الغابات أو وريقة عشب تطلع من الأرض إلاّ ولها خدمتها التي تؤديها . فكل شجرة كبيرة وصغيرة وكل ورقة تسكب ذلك العنصر من الحياة الذي بدونه لا يمكن أن يعيش إنسان ولا حيوان . والإنسان والحيوان بدورهما يخدمان حياة الأشجار والنباتات . والأزهار يفوح شذا عطرها وتكشف عن جمالها بكونها بركة للعالم . والشمس ترسل نورها لتفرح العوالم كلها . والأوقيانوس العظيم الذي هو نفسه مصدر كل أنهارنا وينابيع المياه يستقبل الجداول من كل البلدان ، ولكنه يأخذ ليعطي . والضباب الصاعد من الأوقيانوس ينزل على الأرض في هيئة أمطار لإروائها حتى تلد وتنبت .

ثم إن ملائكة السماء يجدون لذتهم وسرورهم في العطاء والبذل ، فهم يمنحون محبتهم ، ويسهرون بلا كلال ليحرسوا أرواح الناس الساقطين النجسين . فتلك الخلائق السماوية تحاول أن تخطب ود قلوب الناس ، وهم يأتون إلى هذا العالم المظلم بالنور من مواطن السماء البهية ، وبخدمتهم الرقيقة الـصبورة يرفون على قلوب بنى الإنسان ليعيدوا الساقطين إلى الشركة مع المسيا الذي هو أقرب إليهم مما يظنون .

ولكننا إذ نترك هذه الأمثلة الأقل شأنا نرى يهوه في يهوشوه. فإذ نشخص إلى الفادي نرى أنه يعكس لنا مجد يهوه. لقد قال المسيا: "لَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي". "كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ"، "أَنَا لَسْتُ أَطْلُبُ مَجْدِي"، "بل مجد الذي أرسلني" (يوحنا 8: 28؛ 6: 57؛ 8: 50؛ 7: 18) . في هذه الأقوال يعلن لنا المبدأ العظيم الذي هو ناموس الحياة لكل المسكونة . فالمسيا أخذ كل شيء من يهوه، ولكنه أخذ ليعطي . وهكذا في مواطن السماء ، في خدمته لكل الخلائق عن طريق ابنه الحبيب تفيض حياة الآب للجميع ، وعن طريق الابن تعود في شكل تسبيحات وخدمات مفرحة ومحبة غامرة لذاك الذي هو النبع العظيم لكل شيء . وهكذا في المسيا تكتمل دورة الرحمة والإحسان ممثلة صفة المعطي العظيم ، وناموس الحياة.

الخطية تشوه الكون

ولكن هذا القانون انتهك في السماء نفسها . لقد نشأت الخطية في طلب ما للنفس . إن لوسيفر الكروب المظلل تاق إلى أن يكون هو الأول في السماء . لقد طلب أن يكون متسلطا على الأجناد السماويين ، ويباعد بينهم وبين خالقهم ويظفر بولائهم لنفسه . ولذلك فقد أساء في تصوير يهوه، ناسبا إليه الرغبة في تعظيم نفسه . وبنواياه الشريرة طلب أن يحاصر الخالق المحب . وهكذا خدع الملائكة وخدع الناس فجعلهم يشُكُّون في كلام يهوه ويرتابون في صلاحه . وحيث أن يهوه إله عدل وجلال مرهب فقد صوره الشيطان لهم على أنه صارم لا يعرف الرحمة ، وهكذا أغوى الناس على الانضمام إليه في العصيان على يهوه، فأطبق ظلام الويل على العالم .

لقد اكتنفت الظلمة العالم بسبب سوء فهم الناس لإلههم. فحتى تتبدد غياهب الظلمة ويشرق النور ، وحتى يعود العالم إلى يهوه كان لابد من سحق سلطة الشيطان الخادعة . ولكن هذا لم يكن تحقيقه ممكنا بالعنف أو القوة . فاستخدام القوة والقهر مناقض لمبادئ حكم يهوه، فهو لا يرغب في غير خدمة المحبة ، والمحبة لا تجيء بالأمر أو الإكراه والإرغام . ولا يمكن اكتساب محبة القلوب بالعنف أو قوة السلطان ، فالمحبة لا يوقظها سوى المحبة . إن من يعرف يهوه يحبه . ولابد من إظهار صفات يهوه على نقيض صفات الشيطان . ولم يكن يستطيع إنجاز هذا العمل غير واحد في كل الكون . فذاك الذي قد عرف علو محبة يهوه وعمقها كان يستطيع دون سواه أن يعرِّف الناس بها . فكان لابد من أن يشرق"شَمْسُ الْبِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا" مبددا ظلمات هذا العالم الداجية (ملاخي 4: 2) .

تدبير العتق من الخطية

إن تدبير فدائنا لم يكن فكرة طارئة ولا خطة تقررت بعد سقوط آدم . ولكنها كانت "حَسَبَ إِعْلاَنِ السِّرِّ الَّذِي كَانَ مَكْتُومًا فِي الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ" (رومية 16: 25) . لقد كانت كشفا وإعلانا للمبادئ التي كانت مند دهور الأزل أساس عرش يهوه. فمنذ الأزل كان يهوه والمسيا يعرفان كل شيء عن ارتداد الشيطان وسقوط الإنسان بسبب قوة المرتد المخادع . إن يهوه لم يقرر وجود الخطية ، ولكنه سبق فرأى وجودها وقد أعد العدة لمواجهة ذلك الطارئ الرهيب . ولقد كانت محبته للعالم عظيمة بحيث أخذ على نفسه العهد أن يبذل ابنه الوحيد "لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنا 3: 16) .

لقد قال لوسيفر: "أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ الإله... أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إشعياء 13:14،14) أما المسيا "الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ يهوه، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ليهوه" (فيلبي 2: 6، 7) .

لقد كانت هذه ذبيحة طوعية . فلقد كان من الممكن أن يظل يهوشوه عن يمين أبيه ويبقى محتفظا لنفسه بمجد السماء وولاء الملائكة ، ولكنة اختار أن يسلم قضيب المُلك للآب ويتنازل عن عرش الكون لكي يجيء بالنور إلى الجالسين في أرض ظلال الموت ويمنح حياة للهالكين .

ومنذ حوالي ألفي سنة سُمع في السماء ومن عرش يهوه صوت له دلالته الغامضة يقول "هنَذَا أَجِيءُ" ."ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا" . "هنَذَا أَجِيءُ . فِي دَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي ، لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إلهي" (عبرانيين 10: 5- 7). ففي هذه الكلمة أُعلِن إتمام القصد الذي كان مكتوما منذ الدهور الأزلية . لقد كان المسيا مزمعا أن يفتقد عـالمنا ويتخذ جسدا ، فهو يقول : "هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا" ، فلو ظهر في مجده الذي كان له مع الآب قبل كون العالم ما كنا نستطيع احتمال بهاء حضوره . فلكي نراه ولا نهلك أخفى بهاء مجده . لقد اختفت ألوهيته واحتجبت تحت رداء بشريته- اختفى مجده خلف جسده البشري الظاهر للعيان .

التدبير في رموز

إن هذا القصد العظيم أخفي خلف الرموز والاصطلاحات . فالعليقة التي كانت تتوقد بالنار والتي ظهر المسيا فيها لموسى أعلنت يهوه. فذلك الرمز الذي اختير لتمثيل يهوه كان شجيرة وضيعة لا تجتذب الأنظار . هذه الشجيرة أخفت يهوه غير المحدود . فيهوه الكلي الرحمة أخفى مجده وراء رمز متواضع جدا حتى ينظر إليه موسى ويحيا . وكذلك الحال بالنسبة إلى عمود السحاب في النهار وعمود النار في الليل . فكان يهوه يتحدث مع إسرائيل من ذلك العمود معلنا لهم إرادته ومانحا إياهم نعمته . لقد أخفي مجد يهوه وستر جلاله حتى يمكن للناس أن يروه بعيونهم الكليلة وهكذا كان لا بد من أن يتخذ المسيا "شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا" (فيلبى 3: 21) ويأتي "فِي شِبْهِ النَّاسِ" . ففي نظر العالم لم يكن فيه جمال فنشتهيه ، ومع ذلك فقد كان هو الإله المتجسد ، نور السماوات والأرض . لقد حجب مجده وستر عظمته وجلاله حتى يمكنه الاقتراب من الناس الحزانى والمجربين .

لقد أمر يهوه موسى عن بني إسرائيل قائلا: "يَصْنَعُونَ لِي مَقْدِسًا لأَسْكُنَ فِي وَسَطِهِمْ" (خروج 25: 8) . وقد سكن في المقدس في وسط شعبه ، ومدى سني غربتهم المتعبة في البرية كان رمز حضور يهوه في وسطهم . وهكذا المسيا نصب خيمته في وسط المحلة البشرية . نصب خيمته إلى جوار خيام بني الإنسان ليكون في وسطنا لكي يعرفنا بصفاته الإلهية وحياته "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا ، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا" (يوحنا 14:1).

وحيث قد أتى يهوشوه ليحل بينا فإننا نعلم أن يهوه عالم بتجاربنا ويعطف علينا في أحزاننا . وكل بنى آدم وبناته لهم أن يدركوا أن خالقنا هو صديق الخطاة ، لأن في كل مبدأ من مبادئ النعمة وكل وعد بالفرح ، وكل عمل من أعمال المحبة ، وكل جاذب إلهي مقدم لنا في حياة مخلصنا على الأرض نرى "يهوه مَعَنَا".

إن الشيطان يصور لنا ناموس يهوه القائم على المحبة بأنه ناموس أناني ، وهو يعلن لنا استحالة إطاعتنا لفرائضه . انه ينسب إلى الخالق سقوط أبوينا الأولين وما نجم عنه من ويلات . وبهذا يجعل الناس يعتقدون أن يهوه هو سبب الخطية والألم والموت . وقد كان على يهوشوه أن يكشف القناع عن هذه الأكذوبة ، وكواحد منا كان لابد أن يقدم نفسه مثالا للطاعة . ولأجل هذا اتخذ طبيعتنا وجاز في كل اختباراتنا "مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ" (عبرانيين 2: 17) . فإذا كان علينا أن نحتمل شيئاً لم يحتمله يهوشوه قبلنا ، فمن هذه الناحية يصور لنا الشيطان قوة يهوه على أنها غير كافية . ولذلك قيل عن يهوشوه إنه: "مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا ، بِلاَ خَطِيَّةٍ" (عبرانيين 4: 15) . لقد احتمل كل تجربة يمكن أن نتعرض نحن لها ، وهو لم يستخدم لنفسه أية قوة إلاّ وهي تمنح لنا مجانا . فكإنسان واجه التجربة وانتصر بالقوة المعطاة له من يهوه. فهو الذي قال: "أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ ، وَشَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي" (مزمور 40: 8) وإذ كان يجول يصنع خيرا ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس ، أظهر للناس ميزات شريعة يهوه وطبيعة خدمته . إن حياته لتشهد بأن في مقدورنا نحن أيضاً أن نطيع شريعة يهوه.

تنفيذ التدبير

إن المسيا ببشريته قد لامس بشريتنا ، وبألوهيته يمسك بعرش يهوه. وكابن الإنسان كان مثالنا في الطاعة ، وكابن يهوه يعطينا القوة على أن نطيع . إن المسيا هو الذي تكلم إلى موسى من العليقة على جبل حوريب قائلا: "أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ  ... هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ" (خروج 14:3) . لأن هذا هو الضمان لخلاص إسرائيل . وهكذا لما آتى في شبه الناس أعلن عن نفسه قائلا: "أَهْيَهِ". إن طفل بيت لحم ، المخلص الوديع والمتواضع القلب هو الذي "ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ" (1 تيموثاوس 3: 16) . وهو يقول لنا: "أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ"، "أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ" ، "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ"،"دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ" (يوحنا 10: 11؛ 6: 51؛ 14: 6 ، متى 28: 18) . "أَهْيَهِ" فيها تحقيق وضمان لكل وعد . أنا هو لا تخافوا .  "يهوه مَعَنَا" هو ضمان خلاصنا من الخطية ، ويقين قدرتنا على إطاعة شريعة السماء .

وفي تنازله ليتخذ لنفسه جسم بشريتنا أعلن المسيا خلقه الذي هو على نقيض أخلاق الشيطان . ولكنه انحدر إلى دركة أدنى من ذلك في طريق اتضاعه: "وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (فيلبي 8:2) . وكما أن رئيس الكهنة كان ينزع عنه ثيابه الرسمية الفاخرة ، ويخدم في ثوب من الكتان الأبيض الذي كان يلبسه أي كاهن عادي ، كذلك المسيا أخذ صورة عبد ، وقدم ذبيحة . فكان هو الكاهن وهو الذبيحة: "وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا" (إشعياء53: 15) .

لقد عومل المسيا بالمعاملة التي كنا نستحقها لكي نُعامل نحن بالمعاملة التي يستحقهما هو . لقد دين لأجل خطايانا التي لم يشترك فيها لكي نتبرر نحن ببره الذي لم نشترك فيه . لقد قاسى آلام الموت التي كانت لنا حتى ننال الحياة التي كانت له: "وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا" (اشعياء5:53) .

الاتحاد بيهوه

إن المسيا بحياته وموته قد أتم عملا هو أكثر من مجرد رد وإصلاح ما قد خربته الخطية . لقد كان الشيطان يقصد أن يفصل بين يهوه والإنسان فصلا أبديا ، ولكننا -في المسيا- نصير متحدين بيهوه اتحادا أوثق مما لو لم نكن قد سقطنا . فإذ اتخذ المخلص طبيعتنا ربط نفسه بالبشرية برباط لا يمكن أن ينفصم . لقد ارتبط بنا مدى دهور الأبد: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ يهوه الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ" (يوحنا 3: 16) . إنه قد بذله ليس فقط ليحمل خطايانا ويموت كفارة عنا ، ولكنه أعطاه لجنسنا الساقط . ولكي يؤكد لنا يهوه عهد سلامه الذي لا ينقض فقد بذل ابنه الوحيد ليصير واحدا من الأسرة  البشرية وليظل إلى الأبد محتفظا بطبيعته البشرية . هذا هو الضمان على أن يهوه سينجز وعده: "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ" لقد اتخذ يهوه الطبيعة البشرية في شخص ابنه الذي قد حملها إلى السماء العليا . إن "ابْنُ الإِنْسَانِ" هو الذي يجلس مع يهوه في عرش الكون . وابن الإنسان هو الذي يُدعى اسمه "عَجِيبًا ، مُشِيرًا ، إِلهًا قَدِيرًا ، أَبًا أَبَدِيًّا ، رَئِيسَ السَّلاَمِ" (إشعياء9: 6) . إن "أَهْيَهِ" هو الوسيط بين يهوه والبشرية الذي يضع يده على كليهما . إن ذاك الذي هو "قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ" وهو "لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً" (عبرانيين 11:2 ) . في المسيا ارتبطت الأسرة الأرضية والأسرة السماوية معا . فالمسيا الممجد هو أخونا . فلذلك تعتز السماء بالبشرية ، والبشرية تحتضنها المحبة غير المحدودة .

يصف يهوه شعبه: "كَحِجَارَةِ التَّاجِ مَرْفُوعَةً عَلَى أَرْضِهِ . مَا أَجْوَدَهُ وَمَا أَجْمَلَهُ!" (زكريا 9: 16،17) . إن تمجيد المفديين سيكون شهادة أبدية لرحمة يهوه "لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي المسيا يهوشوه"، "لِكَيْ يُعَرَّفَ الآنَ عِنْدَ الرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ ، بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَةِ ، بِحِكْمَةِ يهوه الْمُتَنَوِّعَةِ ، حَسَبَ قَصْدِ الدُّهُورِ الَّذِي صَنَعَهُ فِي المسيا يهوشوه سيدنا" (أفسس 2: 7، 11؛ 10:3) .

وعن طريق عمل المسيا الفدائي يزكو حكم يهوه وقضاؤه. إن يهوه القدير يُعرَف على أنه إله المحبة . إن اتهامات الشيطان قد دحضت وكذبت وكشف الستار عن صفاته، ولن يمكن أن يحدث عصيان فيما بعد . ولن تعود الخطية لتدخل المسكونة فيما بعد . ومدى دهور الأبد سيكون الجميع بمأمن من الارتداد . وبواسطة تضحية المحبة لذاتها قد ارتبط سكان الأرض والسماء بخالقهم بصلات وثيقة لا يمكن أن تنفصم .

إن عمل الفداء سيكون كاملا . ففي المكان الذي فيه كثرت الخطية زادت النعمة وتفاضلت جدا . والأرض نفسها التي كانت ميدانا ادَّعى الشيطان ملكيته ، ستتمجد فضلا عن كونها ستفدى . وعالمنا الصغير الواقع تحت لعنة الخطية ، تلك البقعة السوداء الوحيدة في ملكوت يهوه المجيد سيكرم أكثر من كل العوالم الأخرى في الكون . فهنا حيث حل ابن يهوه في جسم بشريته ، وحيث عاش ملك المجد وتألم ومات - هنا عندما يصنع كل شيء جديدا سيحل يهوه في خيمته في وسط الناس ، وهو "سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا ، ويهوه نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهًا لَهُمْ" (رؤيا 21: 3) . ومدى دهور الأبد إذ يسير المفديون في نور السيد فسيشكرونه على عطيته التي لا يعبر عنها-

عمانوئيل ، يهوه مَعَنَا.

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
5
26
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
08
18
Calendar App