5. شفاء النفس
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

 

إنّ كثيرين ممن أتوا إلى المسيا في طلب الشفاء كانوا قد جلبوا المرض على أنفسهم‏،‏ ومع هذا فإنّه لم يرفض أن يشفيهم‏.‏ وعندما خرجت القوّة منه ودخلت في تلك النفوس تبكّتوا على الخطية‏،‏ وكثيرون شفوا من أمراضهم الروحية كما من أدوائهم الجسدية.

وكان من جملة هؤلاء مفلوج كفرناحوم‏.‏ فكالأبرص كان هذا المفلوج قد فقد كلّ أمل في الشفاء‏.‏ كان مرضُه نتيجةَ حياة الخطيّة‏،‏ وقد زاد الندم مرارةَ آلامه‏.‏ وعبثا لجأ إلى الفريسيين والمعلمين في طلب الفرج‏،‏ فقد حكموا بأن لا شفاء يُرجَى له ونبذوه كخاطيء،‏ سيموت تحت غضب يهوه.

غاصت روح ذلك المفلوج في أعماق هاوية اليأس‏.‏ ثم سمع عن أعمال يهوشوه.‏ إنّ أناساً آخرين كانوا خطاة وعاجزين مثله قد شفوا فتشدد وتشجع ليؤمن بأنّه هو أيضاً قد يُشفى لو أمكن حمله إلى المخلّص‏.‏ ولكنّ أمله سقط وضاع عندما تذكّر علّة دائه‏،‏ ومع ذلك فهو لم يطرح عنه إمكانية الشفاء‏.

كان مطلبه الأعظم الراحة من حمل الخطية‏.‏ وكان يتوق لرؤية يهوشوه والحصول على يقين الغفران والسلام بينه وبين السماء‏.‏ وحينئذ سيكون قانعا بأن يحيا أو يموت حسب مشيئة يهوه.

لم يكن هنالك وقت ليضيّعه‏.‏ إنّ لحمه التالف البالي قد بانت فيه علائم الموت‏،‏ فتوسّل إلى أصدقائه أن يحملوه على سريره إلى يهوشوه وهذا ما شرعوا في عمله بكلّ سرور‏.‏ ولكنّ الجموع التي احتشدت في البيت الذي كان فيه المخلّص وحوله كانوا كثيرين جداً والزحام على أشدّه، بدا أنّه يستحيل على ذلك المريض وأصدقائه أن يصلوا إليه أو حتى يقتربوا منه ليسمعوا صوته‏.‏ كان يهوشوه يعلّم في بيت بطرس‏.‏ وطبقا لعادتهم كان تلاميذه جالسين حوله "وَكَانَ فَرِّيسِيُّونَ وَمُعَلِّمُونَ لِلنَّامُوسِ جَالِسِينَ وَهُمْ قَدْ أَتَوْا مِنْ كُلِّ قَرْيَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ وَالْيَهُودِيَّةِ وَأُورُشَلِيمَ" (لوقا 5: 17). لقد أتى كثيرون من هؤلاء كجواسيس إذ كانوا يطلبون أن يجدوا علّة على يهوشوه.‏ وخلف هؤلاء اجتمع الشعب المختلط المشتاق الوقور‏،‏ ومحبّو الاستطلاع والعديمو الإيمان‏.‏ وقد مثُل في ذلك البيت كثير من القوميات المختلفة وكل طبقات المجتمع‏،‏ "وَكَانَتْ قُوَّةُ يهوه لِشِفَائِهِمْ" (لوقا 5: 17).‏ إنّ روح الحياة كان يحتضن ذلك الجمع‏،‏ ولكن الفريسيين والمعلّمين لم يميّزوا حضوره‏.‏ لم يكونوا يحسّون بأيّة حاجة‏،‏ ولم يكن الشفاء لأجلهم‏.‏ فقد "أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ" (لوقا1: 53) .

حاول حاملو ذلك المفلوج مراراً وتكراراً أن يشقّوا لأنفسهم طريقاً في وسط ذلك الجمع‏،‏ ولكنّ كلّ محاولاتهم كانت عبثاً.‏ وقد نظر الرجل المريض فيما حوله في أسى لا يُعبّر عنه‏.‏ وكيف يتخلّى عن الأمل في حين أنّ العون الذي يتوق إليه كان هكذا قريبا؟ وبناء على اقتراحه صعد به أصدقاؤه إلى السطح‏،‏ وبعدما كشفوا السقف دلّوه عند قدمي يهوشوه.

لقد قوطع كلام السيد‏،‏ ونظر المخلّص إلى ذلك الوجه المحزن المفجع‏،‏ ورأي تينك العينين المتوسلتين مثبتتين فيه‏،‏ وعرف جيّداً أشواق تلك النفس المثقلة‏.‏ إنّ المسيا هو الذي أدخل التبكيت إلى ضميره وهو لم يزل بعد في بيته‏.‏ وعندما تاب عن خطاياه وآمن بقدرة يهوشوه على شفائه، باركت رحمة المخلّص قلبه‏.‏ لقد لاحظ يهوشوه أوّل بصيص من الإيمان ينمو ويصير اقتناعا بأنّه هو معين الخاطيء الوحيد‏،‏ ورأى هذا الاقتناع ينمو ويشتدّ مع كل مجهود بذله للمجيء إلى حضرته‏.‏ إنّ المسيا هو الذي اجتذب ذلك المتألّم إلى نفسه‏.‏ والآن بكلام وقع على أذنيه كوقع الموسيقي قال له المخلّص‏:‏ "ثِقْ يَا بُنَيَّ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ" (متى 9: 2).

ها هو حِملُ الإثم يتدحرج بعيدا عن نفس الرجل المريض‏.‏ إنّه لا يستطيع أن يشكّ.‏ إنّ كلام المسيا يعلن عن قدرته على معرفة أفكار القلب‏،‏ فمن يستطيع أن ينكر قدرته على غفران الخطايا؟ فها الرجاء يحتلّ مكان اليأس‏،‏ والفرح يحلّ في مكان الحزن الضاغط الأليم‏.‏ للألم الذي أصاب جسم الرجل وتغيّر كل كيانه‏.‏ وإذ لم يقدم طلبا آخر كان مضجعاً في سلام وسكون وسعادة لم يستطيع أن يعبر عنها بالكلام.

وقد كان كثيرون يراقبون باهتمام لاهث كلّ حركة في ذلك العمل العجيب الذي يحدث أمامهم‏،‏ كما شعر كثيرون أنّ كلام المسيا كان دعوة لهم‏.‏ ألم تكن نفوسهم سقيمة بالخطية؟ ألم يكونوا مشتاقين إلى التحرر من هذا العبء؟

ولكنّ الفريسيين لخوفهم من أن يفقدوا سيطرتهم على ذلك الجمع تفكروا في قلوبهم قائلين‏:‏ "لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هذَا .. بِتَجَادِيفَ. مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ يهوه وَحْدَهُ" (‏مرقس 2: 7).

فإذ حدّق يهوشوه ببصره إليهم‏،‏ الأمر الذي جعلهم يجبنون وينكمشون ويتراجعون‏،‏ قال‏:‏ "لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بـِالْشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ. أيُّمَا أَيْسَرُ أَنْ يُقَالَ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ. أَمْ أَنْ يُقَالَ قُمْ وَامْشِ. وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا. حِينـَئِذٍ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ. قُمْ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ" (متى 9: 4- 6).

حينئذ فالرجل الذي حُمِل إلى يهوشوه على نقّالة‏،‏ قام واقفاً على قدميه بمرونة الشباب وقوّته‏.‏ وفي الحال‏:‏ "قَامَ لِلْوَقْتِ وَحَمَلَ السَّرِيرَ وَخَرَجَ قُدَّامَ الْكُلِّ ، حَتَّى بُهِتَ الْجَمِيعُ وَمَجَّدُوا يهوه قَائِلِينَ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هذَا قَطُّ" (مرقس 2: 12).

كان الحال يستدعي استخدام القوّة الخالقة لإعادة الصحّة إلى ذلك الجسم البالي المتعفّن‏،‏ ولا شيء أقل من ذلك‏.‏ فنفس الصوت الذي تكلّم فمنح الحياة للإنسان المجبول من تراب الأرض تكلّم مانحاً الحياة للمفلوج المحتضر‏.‏ ونفس القوّة التي منحت للجسم الحياة جدّدت القلب. وذاك الذي عند الخلق "قَالَ فَكَانَ .. أَمَرَ فَصَارَ" (مزمور 33: 9). تكلّم بكلام الحياة للنفس المائتة بالذنوب والخطايا‏.‏ إنّ شفاء الجسد كان برهاناً على القدرة التي جددت القلب‏.‏ لقد أمر المسيا المفلوج أن يقوم ويمشي قائلا‏:‏ "لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا".

لقد وجد المفلوج في المسيا الشفاء لكلّ من النفس والجسد‏.‏ كان بحاجة إلى شفاء النفس قبلما أمكنه تقدير قيمة صحة الجسد‏.‏ وقبلما أمكن شفاء مرض الجسد كان ينبغي أن يمنح المسيا للعقل راحة ويطهّر النفس من الخطية‏.‏ فينبغي ألاّ نغفل هذا الدرس‏.‏ يوجد آلاف من الناس اليوم يتألمون من المرض الجسدي‏،‏ وهم كالمفلوج يتوقون لسماع هذه الرسالة‏:‏ "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ". إنّ حمل الخطية بما يتبعه من عدم الراحة والرغائب غير القانعة هو أساس أمراضهم‏.‏ إنّهم لا يستطيعون أن يجدوا راحة أو إسعافا حتى يأتوا إلى شافي النفوس‏.‏ والسلام الذي لا يمكن أن يمنحه أحد سواه يعيد للعقل نشاطه وقوّته‏،‏ وللجسم صحّته.

كان تأثير مُعجزة شفاء المفلوج على الشعب عظيماً حتى لكأنّ السماء قد انفتحت وكشفت عن أمجَاد العالم الأفضل‏.‏ وإذ مرّ الرجل الذي شُفَيّ في وسط ذلك الجمع مسبحا يهوه عند كلّ خطوة وحاملاً سريره الذي كان‏،‏ بنظره‏،‏ في مثل وزن الريشة،‏ تراجع الناس إلى الوراء ليفسحوا له الطريق‏،‏ وبوجوه ارتسمت عليها الدهشة والذهول نظروا إليه وهم يتهامسون بسكون قائلين‏:‏ "إِنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا الْيَوْمَ عَجَائِبَ!" (لوقا 5: 26).

وفي بيت المفلوج كان ابتهاج عظيم عندما عاد إلى عائلته حاملا فراشه بكلّ سهولة‏،‏ ذلك الفراش الذي منذ قليل حُمِل هو عليه من بينهم بتمهّل‏.‏ وقد تجمّعوا حوله وعيونهم تملأها دموع الفرح وهم لا يكادون يجرؤون على تصديق عيونهم‏.‏ ووقف هو أمامهم في ملء قوة رجولته. وتانك الذراعان اللتان كانتا تريان بلا حياة أصبحتا الآن سريعتين في إطاعة إرادته.‏ ولحمه، الذي كان منكمشاً وقاتم اللون صار الآن نضراً متورّداً.‏ وكان يمشي بخطوات ثابتة وطليقة‏.‏ وعلى كلّ قسمات وجهه ارتسمت آيات الفرح والرجاء‏،‏ وحلّت سيماء الطهارة والسلام في مكان آثار الخطيّة والألم‏.‏ وقد صعدت من جوانب ذلك البيت أصوات الحمد والفرح‏،‏ وتمجّد يهوه في ابنه الذي قد أعاد الرجاء إلى اليائس والقوّة إلى المضروب بالمرض‏.‏ وقد كان هذا الرجل وعائلته مستعدين أن يبذلوا حياتهم لأجل المسيا‏.‏ ولم يعكّر صفاء إيمانهم أيّ شكّ، كلاّ ولا أفسد عدم الإيمان ولاءهم لذاك الذي أدخل النور إلى بيتهم المظلم‏.

"بَارِكِي يَا نَفْسِي يهوه وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ. بَارِكِي يَا نَفْسِي يهوه وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ.‏ الَّذِي يَغْفِرُ جَمِيعَ ذُنُوبِكِ. الَّذِي يَشْفِي كُلَّ أَمْرَاضِكِ الذي يفدي من الحفرة حياتك‏ .. فيتجدد مثل النسر شبابك‏.‏ يهوه مجري العدل والقضاء لجميع المظلومين .. لم يصنع معنا حسب خطايانا ولم يجازنا حسب آثامنا .. كما يترأف الأب على البنين يترأف يهوه على خائفيه‏.‏ لأنّه يعرف جبلتنا يذكر أنّنا تراب نحن‏" (مزمور 103: 1- 14).

أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟

"وَفِي أُورُشَلِيمَ عِنْدَ بَابِ الضَّأْنِ بِرْكَةٌ يُقَالُ لَهَا بِالْعِبْرَيَّةِ «بَيْتُ حِسْدَا» لَهَا خَمْسَةُ أَرْوِقَةٍ . فِي هذِهِ كَانَ مُضْطَجِعًا جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنْ مَرْضَى وَعُمْيٍ وَعُرْجٍ وَعُسْمٍ ، يَتَوَقَّعُونَ تَحْرِيكَ الْمَاءِ" (يوحنا 5: 2 ،3).

في فترات خاصّة كانت مياه هذه البركة تتحرّك‏،‏ وكان الجميع يعتقدون أنّ ذلك نتيجة قوّة إلهيّة فائقة‏،‏ وأنّ من ينزل أوّلاً إلى البركة بعد تحريك الماء كان يبرأ من أي مرض اعتراه‏.‏ وقد زار ذلك المكان مئات من المرضى‏،‏ ولكن عند تحريك الماء كان الجمع المنتظر قوماً كثيرين جداً بحيث كانوا يندفعون إلى الأمام ويدوسون تحت أقدامهم من هم أضعف منهم من الرجال والنساء والأولاد‏.‏ وكثيرون لم يستطيعوا الاقتراب من البركة‏.‏ وكثيرون ممن قد أفلحوا في الوصول إليها ماتوا على حافتها‏.‏ وقد أقيمت أروقة حول ذلك المكان ليحتمي فيها المرضى من الحرّ في النهار ومن الصقيع في الليل‏.‏ ووجد بعض من قضوا الليل في هذه الأروقة وهم يزحفون إلى حافة البركة يوماً بعد يوم مُتعلقين بذلك الأمل العقيم في الشفاء.

وكان يهوشوه في أورشليم‏.‏ وإذ كان يتمشى وحده ويبدو عليه أنّه مستغرق في التأمّل والصلاة أتي إلى البركة‏.‏ ورأي المرضى التعساء يراقبون ما كانوا يظنّون أنّه فرصتهم الوحيدة للشفاء‏.‏ كان يتوق لاستخدام قوته الشافية في شفاء كلّ مريض‏،‏ ولكنّ ذلك اليوم كان يوم سبت، وكانت جماهير كثيرة ذاهبة إلى الهيكل للعبادة‏،‏ وعرف هو أن عمل شفاء كهذا حينئذ قد يثير تعصّب اليهود‏،‏ وبذلك يقصّرون أمد عمله.  

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس يوم السبت الحالي (Saturday).  يجب أيضاً الأخذ في الاعتبار أنّ السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الجريجوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائماً في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر قمري، الأمر الذي لا يستطيع أن ينجزه أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.                                                                 

لكنّ المخلّص رأى حالة من أتعس الحالات‏.‏ تلك كانت حالة إنسان كان أعرج وكسيحاً مدّة ثمان وثلاثين سنة‏.‏ وكان مرضه يُعزى لحدّ كبير‏،‏ إلى عاداته الشرّيرة‏،‏ وكان يُنظر إليه على أنّه دينونة من يهوه،‏ فإذ كان الرجل وحيداً بلا صديق وهو يحسّ بأنّه محروم من رحمة يهوه قضى ذلك المريض سنين طويلة في الشقاء‏.‏ ففي الوقت الذي كان ينتظر أنّ الماء سيتحرّك فيه كان الذين أشفقوا على عجزه يحملونه إلى الأروقة‏،‏ ولكن في اللحظة المواتية لم يجد أحداً يساعده في النزول إلى الماء‏.‏ لقد رأى تَمّوُّج الماء‏،‏ ولكنّه لم يستطع الوصول إلى أبعد من حافة البركة‏.‏ إنّ آخرين ممن كانوا أقوّى منه كانوا يغطسون في الماء قبله‏،‏ فلم يتمكّن المريض المسكين العاجز من أن يناضل نضالاً ناجحاً ضد تلك الجموع الزاحفة من الناس الأنانيّين‏.‏ وكلّ محاولاته العنيدة للوصول إلى ذلك الهدف الواحد وجزعه وخيبته المستمرّة كانت تنهك‏،‏ البقيّةَ الباقية من قوّته‏.

كان الرجل المريض مضطجعاً على فراشه‏،‏ وبين حين وآخر كان يرفع رأسه لكي ينظر إلى البركة‏،‏ وإذا بوجه لطيف عطوف رحيم ينحني عليه ويسأله‏:‏ "أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ ؟" هذا السؤال استرعى انتباهه‏.‏ لقد دخل الرجاء إلى قلبه‏.‏ وأحسّ بأنّه سيحصل على المعونة بطريقة ما‏.التشجيع سرعان ما اختفى‏.‏ فقد ذكر كم من مرّة حاول الوصول إلى البركة‏،‏ والآن لم يعد لديه كبيرُ أملٍ في أنّه سيعيش حتى يتحرّك الماء مرّة أخرى‏.‏ فحوّل وجهه بعيداً وهو يقول في إعياء‏:‏ "يا سيد لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي الْبِرْكَةِ مَتَى تَحَرَّكَ الْمَاءُ. بَلْ بَيْنَمَا أَنَا آتٍ يَنْزِلُ قُدَّامِي آخَرُ" (يوحنا 5: 7).

فيأمره يهوشوه قائلا‏:‏ "قُمِ احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ" (يوحنا 5: 8).‏ فيشخص الرجل في يهوشوه برجاء جديد‏.‏ إنّ التعبير الذي على وجهّه ونبرات صوته لا شبيه لها‏.‏ إنّ نفس حضوره يبدو أنّه ينشر المحبة والقوة‏.‏ وها هو إيمان ذلك الكسيح يتمسّك بكلمة المسيا‏.‏ وبدون سؤال يجعل إرادته تطيع‏،‏ وإذ يفعل هذا يستجيب كلّ جسمه.                                                              

إنّ كلّ أعصابه وعضلاته تهتز بحياة جديدة‏،‏ وتكتسب أعضاء جسمه الكسيح نشاطاً صحياً. فإذ يثب على قدميه يسير في طريقه بخطوات ثابتة طليقة شاكراً ليهوه وفرحاً بقوته التي رجعت إليه من جديد.                                                                                          

لم يعط المسيا المفلوج أي وعد بالمعونة الإلهية‏.‏ كان بإمكان الرجل أن يقول له‏:‏ "يا سيد وإذا كنت تشفيني فسأطيع كلمتك".‏ وكان يمكنه أن يتوقّف ليشكّ،‏ وهكذا كان يضيّع رجاءه الوحيد في الشفاء‏.‏ ولكن لا‏،‏ فلقد آمن بكلمة المسيا بأنّه قد شُفي‏،‏ وفي الحال قام بتلك المحاولة فمنحه يهوه القوّة‏،‏ وإذ أراد أن يمشي مشى.‏ إنّه إذ عمل بكلمة المسيا شُفي.                     

إنّنا بسبب الخطيّة قد انفصلنا عن حياة يهوه.‏ وقد أُصيبت أرواحنا بالشلل‏.‏ ومن ذواتنا نحن عاجزون عن أن نحيا حياة القداسة كما كان ذلك الرجل عاجزاً عن المشي‏.‏ إنّ كثيرين متحقّقون من عجزهم‏،‏ إنّهم يتوقون إلى تلك الحياة الروحية التي تجعلهم في حالة توافق مع إلههم ويحاولون الحصول عليها‏.‏ ولكن عبثاً.‏ وفي يأسهم يصرخون قائلين‏:‏ "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟" (رومية 7: 24). لينظر هؤلاء اليائسون المكافحون إلى فوق‏.‏ إنّ المخلّص ينحني فوق مقتنى دمه قائلاً لكلّ منهم برقّة وحنان لا يُعبّر عنهما: "أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ ؟" إنّه يأمرك أن تقوم بصحّة وسلام‏.‏ فلا تنتظر حتى تشعر بأنّك قد شُفيت‏.‏ آمن بكلمة المخلص‏.‏ وسلّم إرادتك للمسيا واعزم أن تخدمه‏،‏ وإذ تطيع كلمته تحصل على القوّة‏.‏ وأيّاً يكن العمل الشرّير والشهوة المستبدّة التي بسبب الانغماس الطويل فيها تكبِّل النفس والجسد، فإنّ المسيا قادر ومشتاق أن يخلّص‏.‏ وهو يهب الحياة للنفس التي هي ميّتة بالذنوب (‏ أفسس 2: 1)،‏ ويحرر الأسير الممسك بالشرّ وسوء الحظ وسلاسل الخطية.

إنّ الإحساس بالخطيّة قد سمم منابع الحياة‏.‏ ولكنّ المسيا يقول‏:‏ "إني سآخذ عنك خطاياك وأمنحك السلام‏.‏ لقد اشتريتك بدمي فأنت لي‏.‏ ونعمتي ستقوّي إرادتك الضعيفة وسأزيل عذابك الناتج عن ندامتك على الخطية‏".‏ وعندما تهاجمك التجارب ويكتنفك الهمّ و الارتباك‏، وعندما تكون مهموماً وخائفاً وموشكاً على الاستسلام لليأس انظر إلى يهوشوه فتنقشع الظلمة التي تكتنفك أمام النور الذي يشعّ من حضرته‏.‏ وعندما تكافح الخطية لتسيطر على نفسك وتثقّل ضميرك انظر إلى المخلّص‏.‏ إنّ نعمته كافية لإخضاع الخطية‏.‏ اجعل قلبك الشكور المرتعب أمام عدم اليقين يلتفت إليه‏.‏ تمسّك بالرجاء الموضوع أمامك‏.‏ إنّ المسيا ينتظر ليتبّناك في أسرته‏.‏ وقوّته ستعين ضعفك‏،‏ وسيقودك خطوة فخطوة‏.‏ ضع يدك في يده ودعه يقودك.

لا تحسّ مطلقاً أنّ المسيا بعيد عنك‏،‏ فهو أبداً قريب‏.‏ إنّ حضورَه المحبَّ يحيط بك‏.‏ أطلبه كمن يتوق إلى أن يوجد منك‏.‏ إنّه لا يرغب فقط في أن تلمس ثيابه بل أن تسير معه في شركة دائمة.

اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً

كان عيد المظال قد انتهى منذ قليل‏،‏ وكان الكهنة والمعلمون في أورشليم قد أحبطت مؤامراتهم ضد يهوشوه.‏ وعندما أقبل المساء "مَضَى كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ. أَمَّا يهوشوه فَمَضَى إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُون" (يوحنا 7: 53؛ 8: 1).

لقد ترك يهوشوه المدينة باهتياجها وشغبها والجموع المشتاقة والمعلّمين الغادرين وانطلق إلى بساتين الزيتون حيث أمكنه الانفراد مع يهوه الآب.‏ ولكنّه عاد إلى الهيكل في الصباح الباكر‏،‏ وإذ اجتمع الشعب حوله جلس يعلمهم.

ولكن سرعان ما قوطع‏،‏ فإنّ جماعة من الفريسيين والكتبة دنوا منه وهم يسحبون امرأة يكاد يقتلها الرعب اتّهموها‏،‏ بأصوات قاسية متحمسة‏،‏ بأنّها قد كسرت الوصية السابعة‏.‏ فإذ دفعوها أمام يهوشوه قالوا وهم يتصنّعون الاحترام الريائي‏:‏ "يَا معلّم هذِهِ الْمَرْأَةَ أُمسكت وهي تزني في ذات الفعل‏.‏ وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْت" (يوحنا 8: 5). إنّ احترامهم الكاذب كان يخفي وراءه مؤامرة دفينة لإهلاكه‏،‏ فلو أطلق يهوشوه المرأة لاتُّهم باستخفافه بناموس موسى،‏ ولو أعلن أنّها تستحقّ الموت لاشتكوا عليه للرومان بأنّه يدّعي لنفسه سلطة هي من حقّ الرومان وحدهم.

نظر يهوشوه إلى ذلك المشهد‏ -‏ إلى الضحيّة المرتعبة وهي مجلّلة بعارها‏،‏ وإلى أولئك الأحبار الصارمي الوجوه المجرّدين حتى من العطف الإنساني‏،‏ وقد انقبضت روحه الطاهرة النقيـّة من ذلك المنظر‏.‏ وإذ لم يُبِد أيّة علامة تدلّ على أنّه قد سمع سؤالهم‏،‏ انحنى وثبّت عينه على الأرض وابتدأ يكتب في التراب‏.

فإذ نفذ صبرهم أمام تأخيره وعدم اكتراثه الظاهر اقترب منه أولئك المشتكون ملحّين في طلب اهتمامه‏،‏ ولكن إذ وقعت أبصارهم على الأرض عند قدميه حيث كان هو ينظر سكتت أصواتهم‏،‏ فقد رأوا أمام عيونهم خفايا حياتهم الشرّيرة مسطورة على الأرض.

وإذ قام يهوشوه وثبّت عينيه على أولئك الشيوخ المتآمرين قال لهم‏:‏ "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ" (يوحنا 8: 7). ثم انحنى مرّة أخرى واستأنف الكتابة.

إنّه لم يطرح ناموس موسى جانباً ولا تعدّى سلطة روما‏.‏ فانهزم المشتكون‏.‏ والآن إذ تمزّقت ثياب قدّاستهم الكاذبة عنهم وقفوا مُذنبين ومحكوماً عليهم أمام الطهارة الكاملة‏.‏ وإذ ارتعبوا خشيّة أن يفتضح شرّ حياتهم الخفيّ أمام الشعب فبرؤوس منحنية وبعيون ذليلة انسحبوا، تاركين ضحيّتهم مع المخلّص الرحيم‏.

انتصب المسيا‏،‏ وإذ نظر إلى المرأة قال لها‏:‏ "أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ. أَمَا دَانَكِ أَحَدُ فَقَالَتْ لاَ أَحَدَ يَا سَيِّدُ فَقَالَ لَهَا يهوشوه وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً " (يوحنا 8: 10، 11).

كانت المرأة قد وقفت أمام يهوشوه مطأطأة الرأس ومرتعدةً خوفاً.‏ إنّ قوله‏:‏ "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ" كان في نظرها بمثابة حكم الموت ولم تجرؤ على أن ترفع عينيها إلى وجه المخلص‏،‏ ولكنّها بكل سكون انتظرت الحكم عليها‏.‏ ولشدّة دهشتها رأت المشتكين عليها يرحلون صامتين مرتبكين‏.‏ وحينئذ وقعت على مسمعها كلمات الرجاء‏:‏ "وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً" فذاب قلبها‏.‏ وإذ طرحت نفسها عند قدمي يهوشوه سكبت محبّتها وشكرها في دموعها التي سكبتها‏.‏ وبدموع الحزن والانسحاق اعترفت بخطاياها.

كان هذا بالنسبة لها بدء حياة جديدة‏،‏ حياة الطهارة والسلام المكرّسة ليهوه.‏ إنّ يهوشوه إذ رفع هذه النفس الساقطة أجرى معجزة أعظم من شفاء أعظم مرض جسدي مستعصٍ.‏ لقد شفي المرض الروحي الذي نهايته الموت الأبدي‏.‏ وصارت هذه المرأة التائبة واحدةً من أخلص تابعيه.‏ فبمحبّة مضحّية وتكريس برهنت على شكرها له على رحمته الغافرة‏.‏ لم يقدّم العالم لهذه المرأة الخاطئة سوى الاحتقار والازدراء‏،‏ ولكنّ السيّد البارّ الذي بلا خطية رثى لضعفها ومدّ لها يد العون‏.‏ ففي حين أنّ الفريسيين المرائين نبذوها قال لها يهوشوه:‏ "اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً".

إنّ يهوشوه لا يريد أن من قد دُفِع في فدائهم هذا الثمن الغالي يصيرون ألعوبة لتجارب العدو‏.‏ وهو لا يريدنا أن ننهزم ونهلك‏.‏ إنّ ذاك الذي سدّ أفواه الأسود في الجب والذي سار مع الشهود الأمناء في وسط أتون النار ما تزال له نفس الرغبة في أن يعمل لأجلنا لنقهر كلّ شرّ في طبيعتنا‏.‏ واليوم هو يقف أمام مذبح الرحمة مقدّما ليهوه صلوات من يستنجدون به‏.‏ إنّه لا يطرد أي إنسان نائح منسحق القلب أبداً،‏ بل يقدّم عفواً مجانياً لكلّ من يقبلون إليه في طلب الغفران والتجديد‏.‏ إنّه لا يخبر أيّاً كان كلّ ما يريد أن يعلنه‏،‏ ولكنّه يأمر كلّ نفس خائفة مرتعدة أن تتشجع‏.‏ فكلّ من أراد‏،‏ يمكنه أن يتمسّك بقوّة يهوه،‏ ويتصالح معه‏.‏ فيصنع يهوه صلحاً معه.

إنّ النفوس التي تتجه إلى يهوشوه لتلجأ إليه يرفعها فوق اتهامات الألسن ومخاصماتها‏.‏ ولا يمكن لأي إنسانٍ أو أي من الملائكة الأشرار أن يتهم هذه النفوس بالخيانة‏.‏ إنّ المسيا يوحّدهم في طبيعته الإلهية البشرية‏.‏ إنّهم يقفون إلى جوار حامل الخطايا العظيم في النور الذي يشعّ عليهم من عرش يهوه.

إنّ دمَ يهوشوه المسيا يطهّر "مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (1يوحنا 1: 7).

"مَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي يهوه؟ يهوه هُوَ الَّذِي يُبَرِّرُ . مَنْ هُوَ الَّذِي يَدِينُ ؟ المسيا هُوَ الَّذِي مَاتَ ، بَلْ بِالْحَرِيِّ قَامَ أَيْضًا ، الَّذِي هُوَ أَيْضًا عَنْ يَمِينِ يهوه، الَّذِي أَيْضًا يَشْفَعُ فِينَا" (رومية 8: 33، 34).

غنيمة العاتي تفلت

لقد برهن المسيا على أنّ له السيادة التامّة على الرياح والأمواج والناس الذين فيهم شياطين‏.‏ فذاك الذي سكّن العاصفة وهدأ البحر المضطرب تكلّم بالسلام للعقول الحائرة التي غلبها الشيطان على أمرها.

كان يهوشوه يتكلّم في مجمع كفرناحوم عن أنّه قد أُرسل ليحرّر عبيد الخطية‏.‏ ولكنّه قوطع بصيحةِ رعبٍ.‏ ذلك أنّ رجلاً مجنوناً اندفع من بين الشعب إلى الأمام وصرخ قائلا‏:‏ "آهِ مَا لَنَا وَلَكَ يَا يهوشوه النَّاصِرِيُّ. أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ قُدُّوسُ يهوه" (لوقا 4: 34).

انتهر يهوشوه الشيطان قائلا‏:‏ "اخْرَسْ وَاخْرُجْ مِنْهُ. فَصَرَعَهُ الرُّوحُ النَّجِسُ وَصَاحَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَخَرَجَ مِنْهُ ولم يضرّه شيئاً" (لوقا 4: 35).

إنّ السبب في مرض هذا الرجل وبلواه كان أيضا بسبب حياته هو‏.‏ لقد استهوته مسرّات الخطيّة وفكرّ في أن يجعل الحياة عيدا للأكل والطرب وكرنفالاً عظيماً.‏ إنّ عدم اعتداله‏،‏ وطيشه قد أفسدا وشوّها السجايا النبيلة في طبيعته‏،‏ فسيطر الشيطان عليه سيطرةً تامةً.‏ وقد استولى عليه الندم بعد فوات الفرصة‏.‏ فعندما كان يمكنه أن يضحي بالغنى والمسرّات ليستردّ رجولته الضائعة صار ضحيّةً عاجزةً في قبضة الشرّ.

وإذ كان في حضرة المخلّص أُوقِظ ليتوق إلى الحرّية‏،‏ ولكنّ الشيطان قاوم قوّة المسيا‏.‏ فعندما حاول الرجل أن يلجأ إلى يهوشوه في طلب العون وضع الروح الشرّير في فمه كلاماً،‏ فصرخ من عذاب الخوف لقد أدرك المجنون جزئياً أنّه في حضرة من يستطيع أن يطلقه حرّاً،‏ ولكن عندما حاول أن يصير في متناول تلك اليد القويّة سيطرت عليه إرادةُ شخصٍ آخر ونطق بكلام شخص آخر‏.

وكان الصراع بين رغبته وقوّة الشيطان صراعاً رهيباً.‏ وقد بدا وكأنّ ذلك الإنسان المعذّب ينبغي أن يفقد حياته في ذلك الصراع مع العدوّ الذي دمَّر رجولته‏،‏ ولكنّ المخلّص تكلّم بسلطان وحرّر الأسير‏،‏ فوقف الرجل الذي كان فيه الشيطان أمام الناس المندهشين حرّاً رابط الجأش.

وبصوت الفرح شكر يهوه على خلاصه‏.‏ فالعين التي كانت منذ قليل تتقد بنار الجنون صارت تشعّ منها أنوار الذكاء وتفيض بدموع الشكر‏.‏ وقد أبكمت الدهشةُ الشعبَ.‏ وحالما استردّوا أنفاسهم واستطاعوا الكلام جعلوا يقولون بعضهم لبعض‏:‏ "مَا هُوَ هذَا التَّعْلِيمُ الْجَدِيدُ لأَنَّهُ بِسُلْطَانٍ يَأْمُرُ حَتَّى الأَرْوَاحَ النَّجِسَةَ فَتُطِيعُهُ" (مرقس 1: 27).

توجد جماهير كثيرة اليوم ممن هم تحت سيطرة الأرواح الشريرة تماماً كما كان مجنون كفرناحوم‏.‏ فكلّ من يختارون ترك وصايا يهوه يضعون أنفسهم تحت سيطرة الشيطان‏.‏ كثيراً ما يتحرّش الإنسان بالشرّ ظنّاً منه أنّه يستطيع التخلّص منه متى أراد‏،‏ ولكنّه يُغوَى وينجرف قليلاً قليلاً حتى يجد نفسه تحت سيطرةِ إرادةٍ أقوى من إرادته‏.‏ وهو لا يقوى على التخلّص من قوّتها الخفيّة‏.‏ فقد تتحكّم فيه الخطيّة السرّية أو الشهوة المتجبّرة وتأسره فيمشي عاجزاً كمجنون كفرناحوم.

مع ذلك فإنّ حالته غير ميئوس منها‏.‏ إنّ يهوه لا يسيطر على عقولنا رغم إرادتنا‏.‏ ولكن لكلّ إنسان الحرية في اختيار السلطان الذي يريد أن يخضع له‏.‏ إنّه لم ينحدر أحد إلى دركة سحيقة وليس أحد فاسداً جدّاً إلاّ ويمكنه أن يجد الخلاص في المسيا‏.‏ إنّ المجنون وهو في بيت الصلاة أمكنه أن ينطق بكلام الشيطان وحده‏،‏ ومع ذلك فإنّ صراخ قلبه الذي لم ينطق به قد سُمع‏.‏ إنّ كلّ صرخة تصدر من النفس المحتاجة وإن لم يُعبّر عنها بالكلام لابدّ أن تُسمَع‏.‏ والذين يرضون بالدخول في عهد مع يهوه لا يُتركون لسلطان الشيطان أو لضعف طبيعتهم.

"هَلْ تُسْلَبُ مِنَ الْجَبَّارِ غَنِيمَةٌ وَهَلْ يُفْلِتُ سَبْيُ الْمَنْصُورِ .. هكَذَا قَالَ يهوه حَتَّى سَبْيُ الْجَبَّارِ يُسْلَبُ وَغَنِيمَةُ الْعَاتِي تُفْلِتُ وَأَنَا أُخَاصِمُ مُخَاصِمَكِ وَأُخَلِّصُ أَوْلاَدَ ك" (إشعياء 49: 24، 25).

وذاك الذي بالإيمان سيفتح باب القلب للمخلّص سيكون التغيير الذي يحدث فيه مدهشاً وعجيباً.

هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا

إنّ السبعين تلميذا الذين أرسلهم المسيا فيما بعد حصلوا‏،‏ شأنَ الرسل الاثني عشر‏،‏ على هبات فائقة كختم لرسالتهم‏.‏ فلما أكملوا عملهم رجعوا بفرح قائلين‏:‏ "يا سيد حَتَّى الشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِاسْمِكَ" فأجابهم يهوشوه قائلا: "رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ" (لوقا 10: 17، 18).

على أتباع المسيا أن ينظروا إلى الشيطان على أنّه عدوّ منهزم من الآن فصاعداً.‏ كان يهوشوه وهو على الصليب مزمعاً أن يحرز الانتصار لأجلهم‏،‏ وكان يريدهم أن يقبلوا هذا الانتصار على أنّه ملك لهم‏.‏ فقد قال‏:‏ "هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُوِّ وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ" (لوقا 10: 19).

إنّ قوّة الروح القدّس القادر على كل شيء هي الحصن لكلّ ذي نفس منسحقة‏.‏ وكلّ من يطلب منه الحماية بتوبة وإيمان فلن يسمح المسيا بأن يقع تحت سلطان العدوّ.‏ نعم إنّ الشيطان هو مخلوق قويّ جبار‏،‏ ولكن شكراً ليهوه فإنّ لنا مخلّصاً قديراً قد طرد الشرّير من السماء‏.‏ إنّ الشيطان يُسرّ عندما نتحدث عن عظم قوّته‏.‏ فلماذا لا نتحدث عن يهوشوه؟ ولماذا لا نعظّم ونمجّد قوّته ومحبّته.

إنّ قوس الوعد المحيطة بالعرش في الأعالي هي شهادة على أنّه‏:‏ "هكَذَا أَحَبَّ يهوه الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنا 3: 16). إنها تشهد للكون بأسره على أنّ يهوه لن يترك أولاده في صراعهم ضد الشر‏.‏ وهي تؤكّد لنا القوّة والحماية طالما العرش نفسه باقٍ وثابت‏.‏

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
7
4
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
09
24
Calendar App