9. في أحضان الطبيعة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

 

لقد اختار الخالق لأبوينا الأوّلين أنسبَ بيئة لصحّتهما وسعادتهما‏.‏ فهو لم يضعهما في قصر ولا أحاطهما بالزينات وأسباب الرفاهية الكاذبة التي يكافح الكثيرون اليوم في سبيل حيازتها‏،‏ بل جعلهما على اتصال وثيق بالطبيعة والشركة مع قديسي السماء.

وفي الجنة التي أعدّها يهوه موطناً لوالدينا كانت أنظارهما تقع على الشجيرات الجميلة والأزهار النضرة في كلّ اتجاه.‏ كانت توجد أشجار من كلّ نوع‏،‏ وكثير منها كانت محمّلةً بالأثمار اللذيذة العطرة‏،‏ وعلى أغصانها كانت الأطيار تترنّم بأغاريد حمدها‏،‏ وتحت ظلّها كانت مخلوقات الأرض تلعب وتمرح بلا خوف‏.

إنّ آدمَ وحواءَ وهما في حال الطهر كانا مسرورين مما كانا يريان ويسمعان في عدن‏.‏ وقد عيّن لهما يهوه عملَهما في الجنة ليعملاها ويحفظاها (‏تكوين 2: 15).‏ وكان عملهما يكسبهما صحّة وفرحاً كلّ يوم‏،‏ وكان ذانك الزوجان السعيدان يرحّبان بزيارات خالقهما لهما بفرح، إذ كان ‏يسير ويتحدّث معهما عند هبوب ريح النهار‏،‏ وكان يعلّمهما دروسه يوميـّاً.

إنّ طريقة المعيشة التي عيّنها يهوه لأبوينا الأوّلين فيها دروس لنا‏.‏ ومع أنّ الخطيّة قد ألقت ظلالها على الأرض فإنّ يهوه يحبّ أن يجدَ أولادُه لذّتهم وفرحهم في أعمال يديه‏.‏ وكلّما اتّبعنا تدبيره لحياتنا بكلّ دقّة‏،‏ عمل هو بكيفيّة مدهشة جدّاً في شفاء بني الإنسان المتألمين.‏ إنّ المرضى بحاجة إلى الاتصال بالطبيعة اتصالاً وثيقاً‏،‏ فالعيشة في الخلاء في وسط البيئة الطبيعيّة كفيلة بأن تصنع المعجزات في حياة كثيرين من المرضى العاجزين الذين يكاد لا يُرجى لهم شفاء.

إنّ الضجيج والاهتياج والتشويش الذي يُسمع في المدن والحياة المجهدة الكاذبة فيها‏،‏ هي أمور متعبة ومنهكة للمرضى‏.‏ والهواء المحمّل بالدخان والغبار والغازات السامّة وجراثيم المرض خطر على الحياة‏.‏ والمرضى الذين يُحبَسُون معظم الوقت بين أربعة جدران يكادون يحسّون بأنّهم سجناء في غرفهم‏.‏ إنّهم يطلّون على البيوت والأرض وجماهير الناس الغادين والرائحين في عجلة‏،‏ وهم لا يكادون يلمحون السماء الزرقاء أو نورَ الشمس أو الأعشابَ أو الأزهارَ أو الأشجارَ.‏ فإذ يكونون محبوسين هكذا يطلقون العنانَ للتفكير في آلامِهم وأحزانِهم فيصيرون فريسة لأفكارهم المحزنة‏.

أمّا بالنسبة إلى من هم ضعفاء في القوّة الأدبيّة فإنّ المدن تزخر بالمخاطر لهم‏.‏ ففيها يكون المرضى الذين عليهم أن ينتصروا على نهمهم وشهواتهم غير الطبيعيّة‏،‏ معرّضين للتجربة باستمرار‏.‏ فهم بحاجة للتواجد في بيئات جديدة فيها يتغيّر اتجاه أفكارهم بحيث يوضعون تحت مؤثّرات تختلف عن تلك التي تحطّمت بسببها حياتهم‏.‏ فليُنقلوا إلى حين من تحت تلك المؤثّرات التي تُبعد النفس عن يهوه إلى جوٍّ أنقى.

والمؤسّسات التي تُقام لأجل رعاية المرضى يمكن أن تكونَ أنجحَ لو أمكن إقامتُها بعيداً عن المدن‏.‏ وبقدر الإمكان‏،‏ يجب على كلّ من يطلبون أن تعودَ إليهم صحّتهم أن يذهبوا إلى بيئة ريفيـّة حيث يمكنهم الانتفاع بالعيشة في الخلاء‏.‏ إنّ الطبيعة هي طبيب يهوه فالهواء النقيّ ونورُ الشمس المبهجُ والأزهارُ والأشجارُ والبساتين والكرومُ والرياضة البدنيّةُ في الخلاء في وسط هذه البيئة تمنحُ الصحّة والحياة‏.

وعلى الأطباء والممرضات أن يشجّعوا مرضاهم على المكوث كثيراً في الخلاء‏،‏ فالحياة الخلويّة هي العلاج الوحيد الذي يحتاجه كثيرون من السقماء‏.‏ إنّ لها قوّة عجيبة على شفاء الأمراض الناشئة من الاهتياجات والإفراط في التمسّك بالحياة العصريّة‏،‏ الحياة التي تُضعف قوى الجسم والعقل والنفس وتدمّرها‏.

كم تبتهج نفوس المرضى المتعبين من العيشة في المدينة وتوهّج الأنوار الكثيرة وضجّة الشوارع - بالهدوء والحريّة في الأرياف‏!‏ وبأيّ شوقٍ وشغفٍ ينصرفون إلى مشاهد الطبيعة‏!‏ وكم يُسرّون عندما يجلسون في الهواء الطلق‏!‏ وكم يفرحون بنور الشمس ويستنشقون عبيرَ شجرةٍ أو زهرةٍ! توجد خواصّ تمنح الحياة في بلسان شجرة الصنوبر وفي شذا الأرز والشربين‏،‏ وتوجد أشجارٌ أخرى لها خاصّيات تمنح الصحّةَ وتردّها للمرضى.

أمّا من هو مريض بمرضٍ مُزمنٍ فلا شيء يؤول إلى استعادة صحّته وسعادته كالعيشة في وسط بيئة ريفيـّة جذّابة‏.‏ هنا يمكن لأضعف الناس أن يجلسوا أو يرقدوا تحت أشعّة الشمس أو تحت ظلال الأشجار‏.‏ ما عليهم إلاّ أن يرفعوا أبصارهم ليروا فوقَهم أوراق الأشجار الجميلة‏.‏ حينئذ يكتنفهم إحساسٌ بالاطمئنان والهدوء والانتعاش‏،‏ عندما يستمعون لهمهمة النسيم‏.‏ والأرواح الخائرة تنتعش‏،‏ والقوّة المتضائلة تتجدد وبطريقة غير واعية يصير العقل هادئاً‏،‏ والنبض المحموم يصير أكثرَ هدوءاً وانتظاماً‏.‏ فإذ يتقوّى المرضى يتجاسرون ليخطوا بضعَ خطواتٍ ليجمعوا الأزهارَ الجميلةَ التي هي رسلُ محّبةٍ يهوه لأفراد أسرته المتألّمة هنا على الأرض‏.

ينبغي ابتكارُ خطط لإبقاء المرضى في الهواء الطلق‏.‏ والقادرون على العمل فليُعطَ لهم عملٌ سهلٌ مسرّ.‏ أروهم كم ذلك العمل في الهواء الطلق مسرّ وموافقٌ ومعينٌ لهم‏،‏ وشجّعوهم على استنشاق الهواء النقي‏،‏ وعلّموهم التنفّس العميق‏،‏ وأنّهم وهم يتنفّسون ويتكلّمون يمرّنون عضلاتِ البطن‏.‏ هذا تعليم وتدريب سيكون عظيم القيمة لهم جدّاً.

وينبغي أن تُوصف التمريناتُ الرياضيّة على أنّها ضرورة تمنح الحياة‏.‏ ولأجل مثل هذا التدريب لا شيء أفضل من استنبات الأرض‏.‏ ليكن للمرضى أحواض زهور ليُعنوا بها أو عملٌ يجب عملُه في البستان أو حديقةِ الخضر‏.‏ فإذ يجدون من يشجعهم على ترك غرفهم وقضاء الوقت في الخلاء لغرس الأزهار أو القيام بأيّ عمل آخر سهل ومسرّ،‏ فإنّ انتباههم سينصرف بعيداً عن أنفسهم وآلامهم.

كلّما كثر بقاء المريض في الخلاء خفّ عبءُ الرعاية التي يحتاجها‏.‏ وكلّما كانت بيئتُه مفرحةً ومبهجةً زاد أملُه‏.‏ فإذ يكون محبوساً في البيت مهما يكن ذلك البيت مزّيناً ومؤثّثاً بأجمل الأثاث فسيزيد ضجرُه وتبرّمُه وحزنُه‏.‏ ولكنّ ضعه في وسط الطبيعة الجميلة حيث يستطيع أن يرى الأزهارَ الناميةَ ويسمع أغاريدَ الطيور وحينئذ سينطلقُ قلبُه في الشدو والغناء المنسجم مع شدو الطيور‏.‏ وهكذا يستريح جسمُه وعقلُه‏.‏ والذهن يستيقظ والخيال ينتعش والعقل يكون مستعدّاً لتقدير جمال كلمة يهوه.

ويمكن أن يوجد في الطبيعة دائماً شيءٌ يحوّل انتباهَ المرضى بعيداً عن أنفسهم ويوجّه أفكارَهم إلى يهوه.‏ فإذ يكونون محاطين بأعمالِه العجيبة تسمو عقولُهم فوق الأمور التي تُرى إلى الأمور التي لا تُرى.‏ وجمال الطبيعة يقودهم للتفكير في الوطن السماوي حيث لن يكون ما يشوّه الجمال‏،‏ ولا شيء يلوّث أو يتلف‏،‏ ولا ما يسبب المرض أو الموت.

ليستنبط الأطباء والممرّضات من مناظر الطبيعة دروساً يتعلّمها المرضى عن يهوه.‏ ليوجّهوا أنظارهم إلى من قد صنعت يده الأشجارَ العاليةَ والأعشابَ والأزهار‏.‏ وليشجّعوهم على أن يروا في كلّ برعمةٍ وكلّ زهرةٍ تعبيراً عن محّبة يهوه لأولاده‏.‏ فالذي يعتني بالطيور والزهور لابدّ أن يعتني بخلائقه المجبولين علي صورته‏.

وإذ يكون المرضى في الخلاء في وسط الخليقة التي أبدعها يهوه يتنسّمون الهواء المتجدد المُعطي الصحّة‏،‏ يمكن إخبارُهُم عن الحياة الجديدة في المسيا.‏ وفي الخلاء يمكن أن تُقرأ كلمة يهوه،‏ ويمكن أن يضيء نور برّ المسيا في القلوب التي قد أظلمتها الخطيّة.

يجب أن يكون الرجال والنساء المحتاجون إلى شفاء الجسد والروح على اتصال بمن تستطيع أقوالُهم وأعمالُهم أن تجتذبَهم إلى المسيا‏.‏ يجب أن يكونوا تحت تأثير وإشراف ‏(‏ يهوشوه )‏ الطبيب المرسل العظيم الذي يستطيع أن يبريءَ النفسَ والجسد‏.‏ ويجب أن يسمعوا قصّة محّبة المخلّص والغفران المقدّم مجّاناً لكلّ من يقبلون إليه معترفين بخطاياهم‏.

فتحتَ مثل هذه المؤثّرات يُرشَد كثيرون من المتألّمين إلى طريق الحياة‏.‏ وملائكة السماء يتعاونون مع الكائنات البشرّية في جلب التشجيع والرجاء والفرح إلى قلوب المرضى والمتألّمين‏.‏ وفي هذه الحالات يتبارك المرضى بركةً مضاعفةً،‏ وكثيرون منهم يصحّون‏.‏ فالخطوة الواهنة تعود إليها مرونتها‏.‏ والعين تستعيد لمعانَها‏.‏ واليائسون يعود إليهم الرجاء‏.‏ والوجه الذي كان قبلاً يائساً تبدو عليه سيماء الفرح‏.‏ والتشكّيات والتذمّرات التي كان ينطق بها الإنسان تُسمع بدلاً منها أنغامُ الفرحِ والرضى.

متى استردّ الرجال والنساء صحّتهم الجسديّة يصيرون أقدر على تدريب إيمانهم بالمسيا الذي يضمن سلامة النفس‏.‏ وإذ يحسّ الإنسان بغفران خطاياه فسيملأه السلام والفرح والراحة التي لا يُعبّر عنها‏.‏ ورجاء المسيحي الذي كان معتماً يصير مشرقاً ومنيراً‏.‏ إنّ الكلام يعبر عن الاعتقاد والإيمان‏،‏ "يهوه لنا ملجأ وقوة عوناً في الضيقـات وجـد شديداً" (مزمور 46: 1).‏ "أيضاً إذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شراً لأنك أنت معي عَصَاكَ وَعُكَّـازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي" (‏مزمور‏ 23: 4).‏ "يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُـدْرَةً وَلِعَـدِيمِ الْقُــوَّةِ يُكَـثِّرُ شِدَّةً " (‏إشعياء 40: 29).‏

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
5
26
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
08
18
Calendar App