3. بيت حسدا والسنهدريم
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

"وَفِي أُورُشَلِيمَ عِنْدَ بَابِ الضَّأْنِ بِرْكَةٌ يُقَالُ لَهَا بِالْعِبْرَيَّةِ بَيْتُ حِسْدَا لَهَا خَمْسَةُ أَرْوِقَةٍ . فِي هذِهِ كَانَ مُضْطَجِعًا جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنْ مَرْضَى وَعُمْيٍ وَعُرْجٍ وَعُسْمٍ ، يَتَوَقَّعُونَ تَحْرِيكَ الْمَاءِ" (يوحنا 5: 2، 3) .

كانت مياه هذه البركة تتحرك أحيانا ، وقد ساد الاعتقاد آنئذٍ أن هذا يحدث نتيجة تدخل قوة فائقة الطبيعة ، وأن من ينزل أولا بعد تحريك الماء كان يبرأ من أي مرض اعتراه ، فزار ذلك المكان مئات من المرضى . ولكن عند تحريك الماء كان جمهور كبير من المرضى يندفعون إلى البركة ، وفي شدة اندفاعهم كانوا يدوسون تحت أقدامهم الرجال والنساء والأطفال الذين هم أضعف منهم ، كما كان كثيرون عاجزين عن الوصول إلى البركة . وكثيرون ممن نجحوا في الوصول إليها ماتوا على حافتها . وقد أقيمت بعض الأروقة حول البركة ليحتمي فيها المرضى من حر النهار وبرد الليل . وكان بعض الناس يقضون الليل يزحفون من تلك الأروقة إلى حافة البركة يوما بعد يوم مؤملين عبثا في الشفاء .

لقد ذهب يهوشوه إلى أورشليم مرة أخرى ، وإذ كان يتمشى وحده كأنما كان يتأمل ويصلي أتى إلى البركة ، فرأى أولئك المرضى المساكين وهم يتوقعون تحريك الماء الذي بدا كأنه أملهم الوحيد في الشفاء . وكان يتوق إلى استخدام قوته الشافية لشفاء كل المرضى . ولكن ذلك اليوم كان يوم سبت ، وكان كثيرون في طريقهم إلى الهيكل لأجل الصلاة ، وكان يهوشوه يعرف أن إجراء قوة الشفاء في ذلك اليوم سيثير تعصب اليهود حتى أنهم سيوقفونه عن العمل .

 أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟ 

لكن المخلص رأى إنسانا في أشد حالات التعاسة . كان ذلك الرجل كسيحا عاجزا منذ ثمان وثلاثين سنة ، وكان مرضه ، إلى حد كبير ، نتيجة خطاياه ، وكان معتبرا قصاصا له من يهوه عليه . وإذ كان ذلك المريض وحيدا بلا صديق ، وإذ كان يحس بأنه قد حرم من رحمة يهوه فقد مضى عليه ردح من الزمن وهو في حال الشقاء . وفي الوقت الذي كان الناس ينتظرون فيه تحريك الماء فأولئك الذين كانوا يشفقون على عجز هذا الرجل كانوا يحملونه إلى الأروقة . ولكن في اللحظة الموافقة لم يجد من يساعده .

ملحوظة هامة: [عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس يوم السبت الحالي (Saturday).  يجب أيضاً الأخذ في الاعتبار أنّ السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الغريغوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائماً في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر قمري، الأمر الذي لا يستطيع أن ينجزه أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا]

لقد رأى تحريك الماء ، ولكنه لم يستطع الوصول إلى أبعد من حافة البركة . وكثيرون ممن كانوا أقوى منه كانوا ينزلون في الماء قبله . لم يكن يستطيع الانتصار على أولئك الناس المحبين لذواتهم الذين كانوا يتدافعون بالمناكب للنزول إلى البركة . إن جهوده الدائمة للوصول إلى ذلك الغرض الواحد وجزعه وإخفاقه المستمر ، كل هذه تضافرت على إفناء فلول ما تبقى من قوته .

كان ذلك المريض مضطجعا على فراشه ، ومن حين لآخر كان يرفع رأسه ليرى البركة ، وإذا بوجه رقيق عطوف ينحني نحوه ويسأله قائلا:"أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟" (يوحنا 5: 6) ، فيسترعى هذا السؤال انتباهه . لقد قرع الرجاء باب قلبه ، فأحس الرجل أنه سيحصل على العون بطريقة ما . ولكن سرعان ما فارقته بارقة الرجاء . لقد ذكر المرات العديدة التي حاول فيها الوصول إلى البركة . والآن لم يعد يؤمل في أنه سيعيش حتى يتحرك ماؤها مرة أخرى . فحول وجهه في إعياء قائلا:"لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي الْبِرْكَةِ مَتَى تَحَرَّكَ الْمَاءُ . بَلْ بَيْنَمَا أَنَا آتٍ ، يَنْزِلُ قُدَّامِي آخَرُ" (يوحنا 5: 7) .

قوة الإيمان

لم يطلب يهوشوه من هذا المريض أن يؤمن به ، وإنما قال له:"قُمِ . احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ" (يوحنا 5: 8) . غير أن إيمان هذا الرجل يتمسك بتلك الكلمة وهكذا تنتعش كل أعصابه وعضلاته وتدب فيها حياة جديدة وتملأ الصحة أطرافه الكسيحة . وبدون سؤال يجعل الرجل إرادته تطيع أمر المسيا فتستجيب كل عضلاته لتلك الإرادة . وإذ يقفز على قدميه بحس بالنشاط في كل جسمه .

لم يكن يهوشوه قد أعطاه تأكيدا بالمعونة الإلهية ، وكان يمكن للرجل أن يتلكأ فتساوره الشكوك ، ويضيِّع بذلك فرصته الوحيدة لنيل الشفاء . ولكنه آمن بكلمة المسيا ، وإذ أطاعها نال القوة .

بنفس هذا الإيمان يمكننا أن ننال الشفاء الروحي . إننا بسبب الخطية قد انفصلنا عن حياة يهوه فأصاب الشلل الروحي نفوسنا . ومن ذواتنا لسنا أقدر على أن نحيا حياة القداسة مما كان ذلك الرجل المريض العاجز قادرا على المشي على قدميه . إن كثيرين هم متحققون من عجزهم ويتوقون للحصول على تلك الحياة الروحية التي تجعلهم في حالة انسجام مع يهوه . وعبثا يحاولون بلوغ هذا المأرب ، وفي يأسهم يصرخون:"وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟" (رومية 7: 24) . فلينظر مثل هؤلاء الناس الذين يكافحون كفاحا مستميتا إلى فوق . إن المخلص ينحني نحو أولئك الذين قد اقتناهم بدمه قائلا لكل منهم برقة وعطف لا يعبر عنهما ."أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟"فالمخلص يأمرك أن تنهض بصحة وسلام . فلا تنظر حتى تحس بأنك قد شفيت . فإذا آمنت بكلمته ستنال الشفاء . اجعل إرادتك إلى جانب المسيا وأرد أن تخدمه . وإذ تطيع كلمته ستنال القوة . مهما كانت أعمالك شريرة ، ومهما كانت الشهوات المتحكمة فيك والتي بسبب انغماسك فيها قد كبلت جسدك وروحك بقيودها ، فالمسيا يقدر ويريد أن يحررك . فهو يمنح الحياة للنفس المائتة "بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا" (أفسس 2: 1) . فهو يحرر الأسير الممسك بقيود ضعفه وسوء طالعه وخطاياه .

إفساد الشريعة

لقد انحنى ذاك الذي كان مريضا ليأخذ سريره الذي لم يكن أكثر من سجادة صغيرة وبطانية . وإذ انتصب مرة أخرى والفرح يغمر قلبه جعل يتطلع هنا وهناك بحثا عن منقذه وشافيه ، ولكن يهوشوه كان قد اختفى في وسط الجموع . وكان الرجل يخشى من أنه لن يعرفه لو رآه مرة أخرى . وإذ كان يسرع في طريقه بخطوات ثابتة ولا أثر فيه للمرض وهو يسبح يهوه فرحا بالقوة التي عادت إليه من جديد قابل كثيرين من الفريسيين وللوقت أخبرهم عن الشفاء الذي قد حصل عليه ، فأدهشه الفتور الذي به قابلوا خبر شفائه .

وبكل عبوسة قاطعوه وهو يتكلم وسألوه لماذا حمل سريره في يوم السبت ، وبكل عنف ذكَّروه بأنه ، لا يحل له أن يحمل حملا في يوم السيَد . لكن ذلك الرجل كان قد نسي أن ذلك اليوم هو يوم السبت لشدة فرحه بالشفاء . ومع ذلك فإن ضميره لم يبكته لكونه قد أطاع أمر ذاك الذي كان مزودا بهذه القوة من يهوه . فأجابهم قائلا بكل شجاعة:"إِنَّ الَّذِي أَبْرَأَنِي هُوَ قَالَ لِي: احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ" (يوحنا 5: 11) . فسألوه قائلين من هو الذي فعل هذا . فلم يستطع أن يجيبهم عن ذلك السؤال . إن أولئك الرؤساء كانوا يعرفون جيدا أنه يوجد واحد فقط برهن على قوته على إجراء مثل هذه المعجزة ، ولكنهم كانوا يطلبون برهانا صريحا على أنه يهوشوه حتى يمكنهم أن يحكموا عليه بأنه قد نقض السبت . فهو ، في رأيهم ، لم يخالف الشريعة بشفاء الرجل في يوم السبت فحسب ، بل قد انتهك حرمة الأقداس بكونه أمره بأن يحمل سريره .

لقد أفسد اليهود الشريعة بحيث جعلوها نير عبودية . إن أوامرهم ونواهيهم التي كانت بلا معنى جعلتهم مضغة في أفواه الأمم الأخرى ، وعلى الخصوص بما يتعلق بالسبت الذي كان محاطا بسياج من الأوامر المشددة التي لا معنى لها . لم يكن بالنسبة لهم لذة ولا مقدس السيَد ولا مكرما . بل لقد جعل الكتبة والفريسيون حفظه عبئا لا يحتمل . فلم يكن يسمح لليهودي أن يشعل نارا أو حتى يضيء شمعة في يوم السبت . وقد نتج عن ذلك أن احتاج الشعب إلى مساعدة الأمم في القيام بكثير من الخدمات التي قد حرمت القوانين عليهم هم القيام بها لأنفسهم . ولم يفكروا في أنه إذا كانت هذه الأعمال  خاطئة فإن من  يستخدمون غيرهم في القيام بها هم مذنبون كما لو كانوا قد عملوها بأنفسهم ، وظنوا أن الخلاص محصور في اليهود . وإن حالة الأمم الأخرى التي كانت حالة ميئوسا منها لم يكن يمكن أن تكون أردأ مما هي عليه . ولكن يهوه لم يضع وصايا لكي يحفظهـا أناس دون غيرهم ، وشرائعه لا تصادق على القيود الأنانية غير المعقولة .

أمام السنهدريم

وفي الهيكل قابل يهوشوه الرجل الذي كان قد شفاه . لقد أتى لكي يقدم ذبيحة خطية وتقدمة شكر على الرحمة العظيمة التي قد حصل عليها . وإذ وجده يهوشوه بين العابدين عرَّفه بنفسه إذ قدم له هذا الإنذار قائلا:"هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ ، فَلاَ تُخْطِئْ أَيْضًا ، لِئَلاَّ يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ" (يوحنا 5: 14) .

فرح الرجل الذي شفي فرحا عظيما عند مقابلته لمحرره وشافيه . وحيث أنه كان يـجهل أن الفريسيين يضمرون العداوة ليهوشوه أخبرهم أن يهوشوه هو الذي شفاه "وَلِهذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْرُدُونَ يهوشوه ، وَيَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ ، لأَنَّهُ عَمِلَ هذَا فِي سَبْتٍ" (يوحنا 5: 16) .

وقد جيء بيهوشوه أمام السنهدريم لاستجوابه في تهمة كسره ليوم السبت . لو كان اليهود أمة مستقلة في ذلك الحين لكانت تلك التهمة كافية لأن تخدم غرضهم في قتل المسيا . ولكن استعبادهم للرومان حال دون ذلك . فلم يكن لليهود السلطان لإيقاع عقوبة الإعدام . والتهم الموجهة إلى يهوشوه لم يمكن لها أي اعتبار في نظر القضاء الروماني . ومع ذلك فقد كانوا يرجون الوصول إلى أغراض أخرى . فبالرغم من محاولة أولئك الرؤساء عرقلة المسيا وتعطيل عمله فإن نفوذه على الشعب حتى في أورشليم نفسها كان أعظم من نفوذهم . وجماهير الشعب الذين لم تكن تعجبهم خطب المعلمين اجتذبتهم تعاليم يهوشوه . لقد استطاعوا أن يفهموا كلامه فانتعشت قلوبهم وتعزت ، فلقد حدثهم عن يهوه لا على أنه ديان منتقم بل كمن هو أب رحيم ، وأعلن عن صورة يهوه منعكسة على وجهه . وكان كلامه بلسانا شفى أرواحهم الجريحة . وبكلامه وأعمال رحمته كان يسحق سلطان التقاليد القديمة ووصايا الناس ويقدم للشعب محبة يهوه التي لا ينضب معينها .

من بين أقدم النبوات الواردة عن المسيا نجد هذه النبوة القائلة:"لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ" (تكوين 49: 10) . كان الشعب يتجمهر حول المسيا . إن قلوب الجماهير الرقيقة قبلت تعاليمه عن المحبة والإحسان إذ آثروها على الطقوس الصارمة التي كان الكهنة يفرضونها عليهم . ولولا تدخل الكهنة والمعلمين لأحدثت تعاليم يهوشوه إصلاحات عظيمة لم يسبق لهذا العالم أن شهدها . ولكن هؤلاء القادة إبقاءً على سلطانهم صمموا على ملاشاة تأثير يهوشوه . وإن محاكمته أمام مجمع السنهدريم وإدانتهم لتعاليمه جهارا كان يمكن أن تحقق لهم غرضهم ، لأن الشعب كانوا لا يزالون يضمرون الاحترام العظيم لقادتهم الدينيين . فالذي كان يجرؤ على ذم وصايا أولئك المعلمين أو يحاول التخفيف من الأحمال التي وضعوها على كاهل الشعب كان يعتبر مجرما ليس فقط بتهمة التجديف بل أيضا بتهمة الخيانة . فعلى هذا الأساس كان أولئك المعلمون يؤملون أن يثيروا الشبهات حول المسيا . لقد صوروه على أنه يحاول أن يقلب العادات الثابتة ، وهكذا يحاول إحداث شقاق في صفوف الشعب ويمهد الطريق لإخضاع الشعب للرومان إخضاعا كاملا .

ولكن تلك الخطط  التي كان أولئك الرؤساء يرسمونها بكل غيرة ويعدون العدة لتنفيذها كانت قد نوقشت من قبل في مجلس سابق لمجمع السنهدريم . فبعدما أخفق الشيطان في الانتصار على المسيا في البرية حشد جيوشه لمقاومة خدمته ، وإن أمكن أن يعطل عمله . فما لم يستطع إنجازه بمساعيه الشخصية المباشرة حاول تحقيقه بالحيلة . وما أن انسحب من ميدان الصراع في البرية يجر أذيال الخذلان حتى اجتمع مع حلفائه الأبالسة وأكمل خططه في تعمية عقول الشعب اليهودي أكثر فأكثر حتى لا يعرفوا فاديهم ، كما فكر في أن يعمل بواسطة أتباعه البشريين في المحيط الديني بكونه يملأ قلوبهم بالعداوة التي يضمرها هو للمناضل عن الحق . وسيجعلهم يرفضون المسيا وسيمرر حياته إلى الدرجة القصوى على أمل أن يثبط من عزيمته حتى لا يقوم بمهمته . فصار رؤساء إسرائيل آلات في يد الشيطان لمحاربة المخلص .

 يُعَظِّمُ الشَّرِيعَةَ

لقد أتى يهوشوه لكي "يُعَظِّمُ الشَّرِيعَةَ وَيُكْرِمُهَا"، لم يكن عمله التقليل من شأن عظمتها بل ليزيدها عظمة . والكتاب يقول عنه إنه:"لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ" (إشعياء 42: 4، 21) . لقد أتى ليحرر السبت من تلك الأحمال العسرة الحمل التي حولته إلى لعنة بدل كونه بركة.

لهذا السبب اختار يوم السبت ليجري فيه معجزة الشفاء عند بركة بيت حسدا . كان يمكنه أن يشفي ذلك المريض في أي يوم آخر من أيام الأسبوع ، أو كان يكتفي بشفائه دون أن يأمره بحمل سريره . ولكن هذا لم يكن ليتيح له الفرصة التي أرادها . لقد كان المسيا يخفي غرضا حكيما في كل عمل من أعمال حياته على الأرض ، فكل ما عمله كان عملا هاما في ذاته وفي الدرس المنطوي عليه . فمن بين المرضى المجتمعين حول البركة اختار المسيا أردأ حالة ميئوس منها ليجري في ذلك المريض قوته الشافية . وأمر الرجل أن يحمل سريره ويطوف في أنحاء المدينة لكي يذيع خبر تلك المعجزة التي قد أجريت فيه ، فهذا جعل الناس يتساءلون عما يحل عمله في السبت وما لا يحل . وفتح أمامه الباب لينبذ القيود اليهودية المفروضة على يوم السيَد وليعلن بطلان التقاليد .

لقد أبان لهم يهوشوه أن شفاء المرضى هو على أتم وفاق مع شريعة السبت . وهو على أتم وفاق مع عمل ملائكة يهوه الذين هم على الدوام ينزلون ويصعدون بين السماء والأرض ليخدموا البشرية المتألمة . لقد أعلن يهوشوه قائلا:"أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ"(يوحنا 5: 17) . إن كل الأيام هي أيام السيَد وفيها يمكن أن ينفذ خططه لخير الجنس البشري . فلو كان تفسيـر اليهود للناموس صحيحا فمعنى هذا أن يهوه مخطئ وحاشاه أن يكون ذلك . مع أن عمله قد أحيا كل الكائنات الحية وعاضدها منذ وضع أساسات الأرض . إذا فذاك الذي قال عن عمله أنه حسن وفرض السبت لإحياء ذكرى إنجاز ذلك العمل ينبغي أن يتوقف عن عمله الذي يسير دون توقف في كل الكون .

جُعِل لأجل الإنسان

هل ينبغي أن ينهى يهوه الشمس عن أن تشرق في يوم السبت ويمنع أشعتها اللطيفة عن إشاعة الدفء والحرارة في الأرض وإحياء النباتات وإنعاشها؟ وهل يلزم توقف نظام الكون في ذلك اليوم المقدس؟ وهل هو ملزم بأن يأمر جداول المياه أن تكف عن الجريان لإرواء الحقول والغابات ، وأن يأمر أمواج البحر أن تكف عن عملية المد والجزر التي لا تنتهي؟ وهل يلزم أن تتوقف الحنطة والغلال عن النمو وأن تمتنع عناقيد العنب من أن تنضج؟ وهل يجب ألا تزهر الأشجار ولا تتفتح الأزهار في يوم السبت ؟

في هذه الحالة سيخسر الناس ثمار الأرض والبركات التي تجعل الحياة مرغوبا فيها . فينبغي أن تسير الطبيعة في طريقها الذي لا يتغير . إن يهوه لا يمكنه أن يكف يده عن العمل لحظة واحدة ، وإلا فسيغشى على الإنسان ويموت . وكذلك على الإنسان عمل يؤديه في هذا اليوم إذ ينبغي له أن يقوم بضروريات الحياة ، كما يجب العناية بالمرضى ، وسد حاجة المعوزين . إن من يهمل في تخفيف آلام المتألمين في يوم السبت لن يتبرر . إن يوم راحة السيَد المقدس خلق لأجل الإنسان ، وأعمال الرحمة هي على وفاق تام مع قداسة ذلك اليوم . إن يهوه لا يريد أن تتألم خلائقه ساعة واحدة لو أمكن تخفيف ذلك الألم في يوم السبت أو أي يوم آخر .

إن الالتزامات التي على يهوه هي أعظم في يوم السبت منها في أي يوم آخر . ففي ذلك اليوم يترك شعب يهوه أعمالهم المادية ويقضون وقتهم في التأمل والعبادة . وفي يوم السبت يطلبون من يهوه إحسانات وبركات أكثر مما في باقي الأيام . وهم يطلبون منه أن يلتفت إليهم التفاتا خاصا . ويتوقون إلى الحصول على أثمن بركاته . ويهوه لا ينتظر إلى ما بعد السبت ليمنحهم هذه الهبات . إن عمل السماء لا يتوقف مطلقا . فينبغي ألاّ يستريح الناس من عمل الصلاح . ليس المقصود بالسبت أن يكون بطالة لا نفع فيها . إن الشريعة تنهى عن مزاولة الأعمال الدنيوية في يوم راحة السيَد ، والعمل لأجل القيام بمطاليب المعيشة ينبغي ألاّ يعمل . وكل عمل يقصد منه التمتع بالمسرات أو الربح العالمي هو عمل غير مشروع في ذلك اليوم . ولكن كما أن يهوه كف عن عمل الخلق واستراح في يوم السبت وباركه فكذلك يجب على الإنسان أن يكف عن مزاولة عمله اليومي ويكرس تلك الساعات المقدسة للراحة والعبادة والأعمال المقدسة . إن عمل المسيا في شفاء الرجل المريض كان على وفاق تام مع الشريعة وبه أكرم السبت .

اتهام يهوشوه بالتجديف!

قال يهوشوه إن له نفس الحق الذي ليهوه في القيام بالأعمال المتساوية في القداسة . وله نفس صفات الآب الذي في السماء . ولكن غيظ الفريسيين زاد اشتعالا عليه . فهو لم ينقض الشريعة فقط كما قد فهموا ، بل "قَالَ أَيْضًا إِنَّ يهوه أَبُوهُ ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بيهوه" (يوحنا 5: 18) . كانت الأمة اليهودية كلها تدعو يهوه أبا لها ، ولذلك لم يكونوا يغضبون على يهوشوه إلى هذا الحد لو أنه وقف على قدم المساواة مع الشعب في علاقته بيهوه . ولكنهم اتهموه بالتجديف مبرهنين بذلك على أنهم قد فهموا أنه يعتبر نفسه ابنا ليهوه بأسمى المعاني .

لم يكن لدى خصوم المسيا أولئك أية حجة يردون بها على تلك الحقائق التي مس بها ضمائرهم . وكل ما استطاعوا عمله هو أنهم اقتبسوا عاداتهم وتقاليدهم وأوردوها ، ولكنها بدت ضعيفة وجامدة بمقارنتها بالحجج التي اقتبسها يهوشوه من كلمة يهوه وفي حوادث الطبيعة وحركاتها التي لا تنتهي . ولو كانت في قلوب أولئك المعلمين أية رغبة في قبول النور لاقتنعوا بأن يهوشوه قد نطق بالحق ولكنهم تملصوا من الحقائق التي أوردها عن السبت ، وحاولوا إثارة غضب الشعب عليه فكونه ادعى أنه مساوٍ ليهوه . ولم يكن لسخط الرؤساء نهاية ولا حدود . ولولا خوفهم من الشعب لكان الكهنة والمعلمون قد قتلوه في نفس ذلك المكان . ولكن الرأي العام كان قويا جدا في جانب المسيا . فكثيرون من الشعب رأوا في يهوشوه الصديق الذي شفى أمراضهم وطيب قلوب المحزونين بينهم ، فبرروا شفاءه للمريض عند بركة بيت حسدا . ولذلك اضطر أولئك الرؤساء إلى كبح نية الغدر التي كانوا يضمرونها للسيد .

وقد دفع يهوشوه عن نفسه تهمة التجديف . فقال لهم إن سلطاني في إجراء العمل الذي تتهمونني به هو في كوني ابن يهوه ومتحدا معه في طبيعته وهـيئته وقصده ، وفي كل أعمال خلقه وعنايته أنا متحد مع يهوه في عمله: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ" (يوحنا 5: 19) . لقد كان الكهنة والمعلمون يلومون ابن يهوه لأجل نفس العمل الذي قد أرسل إلى العالم ليعمله . إنهم بسبب خطاياهم أبعدوا أنفسهم عن يهوه ، وفي كبريائهم كانوا يتحركون ويعملون مستقلين عنه . وأحسوا أنهم كفاة لكل شيء ، ولم يدركوا أنهم محتاجون إلى حكمة أسمى من حكمتهم لإرشاد خطواتهم في كل أعمالهم . لكن ابن يهوه كان خاضعا لمشيئة أبيه ومستندا على قدرته . لقد أخلى المسيا نفسه تماما حتى أنه لم يرسم أي تدبير بنفسه ، بل رضي بما رسمه له يهوه . ومن يوم إلى يوم كان الآب يكشف له تدابيره ، وهكذا علينا نحن أيضا أن نعتمد على يهوه ، لكي تكون حياتنا هي إتمام مشيئته .

حسب المثال

عندما شرع موسى في بناء المقدس ليكون مسكنا ليهوه أمر بأن يصنع كل شيء حسب المثال الذي قد أظهر له في الجبل ، وكان قلب موسى ممتلئا غيرة على إتمام عمل يهوه ، وتحت يده رجال موهوبون لتحقيق مقترحاته . ومع ذلك لم يكن له أن يعمل جلجلة أو رمانة أو هدبا أو زركشة أو سجفا أو أي إناء من أواني المقدس إلا حسب المثال الذي قد أظهر له . لقد دعاه يهوه ليصعد إلى الجبل وهناك كشف له الأمور السماوية ، وستره يهوه بمجده ليرى المثال ، وبموجب ذلك المثال تم كل شيء . وهكذا بالنسبة إلى إسرائيل الذين أراد يهوه أن يجعلهم مقدسه أعلن لهم مثاله المجيد للخلق . لقد أظهر لهم المثال في الجبل عندما أعلنت الشريعة في سيناء وعندما مر السيَد أمام موسى وأعلن قائلا: "يهوه إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ . حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ . غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّةِ" (خروج 34: 6 ، 17) .

كان شعب إسرائيل قد اختاروا طرقهم فلم يبنوا حياتهم حسب المثال ، ولكن المسيا الذي هو هيكل يهوه ومسكنه الحقيقي صور كل مشتملات حياته الأرضية لتكون متفقة مع نموذج يهوه . إنه هو القائل:"أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ ، وَشَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي" (مزمور 40: 8) . كذلك ينبغي أن تبنى أخلاقنا لتكون مسكنا ليهوه في الروح (أفسس 2: 22) . وعلينا أن "تَصْنَعَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ الْمِثَالِ"، مثال ذاك الذي "تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا ، تَارِكًا لَنَا مِثَالاً" لكي نتبع  "خُطُوَاتِهِ" (عبرانيين 8: 5؛ 1 بطرس 2: 21) .

إن المسيا يعلمنا بكلامه وجوب اعتبار أنفسنا مرتبطين بأبينا السماوي ارتباطا وثيقا ، إذ كيفما كان مركزنا فنحن معتمدون على يهوه الذي بين يديه مصائر الجميع . لقد عين لنا عملنا ومنحنا المواهب والوسائل لإنجازه . فطالما نخضع إرادتنا ليهوه ونثق بقدرته وحكمته فسيقودنا في طريق أمين لنقوم بنصيبنا في تدبيره العظيم . أما ذاك الذي يعتمد على قوته وحكمته فهو يفصل نفسه عن يهوه . وبدلا من أن يعمل وهو في حالة وفاق مع المسيا فإنه يتمم غرض عدو يهوه والناس .

شريك القوة الإلهية

استطرد المخلص قائلا:"لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ (الآب) فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ ... لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي ، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ" (يوحنا 5: 19، 21) . كان الصدوقيون ينكرون عقيدة قيامة الأجساد ، ولكن يهوشوه يخبرهم هنا أن من بين أعظم أعمال أبيه هي إقامة الأموات ، وأنه هو نفسه له القدرة على القيام بنفس ذلك العمل: "تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ ، حِينَ يَسْمَعُ الأَمْوَاتُ صَوْتَ ابْنِ يهوه ، وَالسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ" (يوحنا 5: 25) . وكان الفريسيون يعتقدون بقيامة الأموات ، والمسيا يعلن أنه حتى الآن القوة التي تمنح الحياة للموتى هي بينهم وعليهم أن يشاهدوا إعلانها . ونفس قوة القيامة هذه هي التي تعطي حياة للنفس المائتة "بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا" (أفسس 2: 1) . إن روح الحياة في المسيا يهوشوه الذي هو "قُوَّةَ قِيَامَتِهِ" هو يُعتِقني "مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ" (فيلبي 3: 10، رومية 8: 2) . وسيادة الشر تنتهي ، وبالإيمان تحفظ النفس من الخطية . فمن يفتح قلبه لروح المسيا يصير شريكا في تلك القوة العظمى التي ستقيم جسده من القبر .

إن ذلك الناصري المتواضع يؤكد ويثبت أصله العظيم الرفيع على حقيقته . إنه يسمو فوق البشرية ويخلع عنه شبه جسد الخطية والعار ويقف متجليا كالممجد من الملائكة وابن يهوه المتحد بخالق الكون . لقد شمل الذهول سامعيه إذ لم يتكلم إنسان بمثل ما تكلم هو به ، أو حمل في نفسه ذلك الجلال الملكي . كلامه واضح وصريح ، وبكل وضوح يعلن مهمته وواجب العالم:  "لأن الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا ، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ ، لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ . مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ ... لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ ، وَأَعْطَاهُ سُلْطَانًا أَنْ يَدِينَ أَيْضًا ، لأَنَّهُ ابْنُ الإِنْسَانِ"  (يوحنا 5: 22 ، 23 ، 26 ، 27) .

للخلاص لا للدينونة

لقد أقام الكهنة والرؤساء أنفسهم قضاة ليحكموا على عمل المسيا . ولكنه أعلن عن نفسه أمامهم أنه ديَّانهم وديان كل الأرض . ولقد سلم العالم للمسيا ، وعن طريقه تنحدر كل البركات عن يهوه إلى الجنس البشري الساقط . إنه كان فاديا قبل تجسده كما صار بعدما تجسد . فحالما وُجدَت الخطية وُجِدَ المخلص . لقد أعطى الجميع حياة ونورا ، وكل إنسان سيُدان بنسبة النور المعطى له . وذاك الذي منح النور ، وذاك الذي لاحق النفس بتوسلاته الرقيقة محاولا أن ينقلها من الخطية إلى القداسة هو شفيعها كما أنه ديانها في نفس الوقت . ومنذ بدأت الخصومة العظيمة في السماء احتفظ الشيطان بدعواه بكل خبث وخديعة . ولكن المسيا ظل يعمل ليكشف الستار عن مؤامرات ذلك العدو ويسحق سلطانه . وهو الذي جابه ذلك المخادع ، بل مدى أجيال التاريخ كان يحاول أن ينتزع أسرى الشيطان من قبضته ، وهو الذي سيدين كل نفس .

ثم إن يهوه "أَعْطَاهُ سُلْطَانًا أَنْ يَدِينَ أَيْضًا ، لأَنَّهُ ابْنُ الإِنْسَانِ" (يوحنا 5: 12) . فلكونه قد ذاق مرارة كأس الآلام والتجارب البشرية ، ولكونه يعرف ضعفات الناس وخطاياهم ، ولكونه قد ناب عنهم إذ ثبت أمام تجارب الشيطان وانتصر عليه نيابة عنا ، وبكل حنان ورفق وعدل سيتعامل مع النفوس التي قد سفك دمه ليخلصنا- لأجل كل هذا قد أقيم ابن الإنسان ليدين .

إلاّ أن مهمة المسيا ليست للدينونة بل للخلاص:"لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ يهوه ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ" (يوحنا 3: 17) . وقد أعلن المسيا أمام السنهدريم قائلا: "إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ" (يوحنا 5: 24) .

وإذ أمر المسيا سامعيه ألا يتعجبوا كشف أمامهم في مجال أوسع سر المستقبل فقال:"إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ ، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ" (يوحنا 5: 28 ، 29) .

إن يقين الخلود هذا هو ما ظل اليهود ينتظرونه طويلا وما كانوا يؤملون الحصول عليه عند مجيء مسيا . وإن النور الوحيد الذي يمكنه أن يبدد ظلمات الهاوية كان يشرق عليهم ، ولكن العناد أعمى لا يبصر ما أمامه . لقد تعدى يهوشوه تقاليد أولئك المعلمين واستخف بسلطانهم فرفضوا الإيمان به .

يوبخ السنهدريم

إن الزمان والمكان والمناسبة وقوة اندفاق الشعور الذي ساد على تلك الجماعة اتحدت كلها على جعل أقوال المسيا التي نطق بها أمام السنهدريم أقوى تأثيراً عليهم . هوذا أعظم السلطات الدينية في الأمة يحاولون القضاء على حياة ذاك الذي قد أعلن أنه هو الذي يرد منفيي إسرائيل . لقد حوكم سيَد السبت أمام محكمة أرضية ليدفع عن نفسه تهمة كونه قد نقض شريعة السبت . فلما أعلن عن مهمته بلا خوف جعل قضاته يحملقون فيه في دهشة وغيظ . ولكن كلامه كان باتا لم يمكن نقضه ، وهكذا لم يجدوا ما يستوجب إدانته . بل لقد أنكر على الكهنة والمعلمين الحق في استجوابه والتدخل في عمله إذ لم يكونوا مزودين بذلك السلطان . فكل ادعاءاتهم كانت ترتكز على كبريائهم وغطرستهم ، فرفض الاعتراف بأنه مذنب في التهم الموجهة إليه كما رفض أن يتعلم منهم .

وبدلا من أن يعتذر يهوشوه عن العمل الذي شكى منه أولئك الرؤساء أو يوضح لهم قصده من عمله انقلب عليهم فصار المُشتَكَى عليه شاكيا . وقد وبّخهم على قساوة قلوبهم وجهلهم للكتب المقدسة . وقد أعلن لهم أنهم قد رفضوا كلمة يهوه كما قد رفضوا من أرسله يهوه فقال لهم:"فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً . وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي" (يوحنا 5: 39) .

إن كل أسفار العهد القديم في كل صفحة من صفحاتها سواء كانت تاريخا أو وصايا  أو نبوات ، تشع منها أنوار مجد ابن يهوه . وعلى قدر ما كان النظام اليهودي من صنع يهوه وترتيبه فقد كان هذا النظام برمته نبوة محكمة من الإنجيل . إنّ المسيا "لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ" (أعمال 10: 43) . فمنذ قدّم يهوه الوعد لآدم وتحدَّر إلى سلسلة الآباء ، وإلى التدبير الشرعي ، جعل نور السماء المجيد آثار خطوات الفادي واضحة المعالم . لقد رأى الراؤون نجم بيت لحم  ، شيلون الآتي ، عندما مرت أمامهم حوادث المستقبل في موكب عجيب . وقد كانت كل الذبائح ترمز إلى المسيا . وفي كل سحب البخور كان يصعد بره إلى السماء . وكلما دوى صوت بوق اليوبيل كان ينادي باسمه . وفي سر قدس الأقداس  الرهيب كان يحل مجده هناك .

يرفضون الكتب المقدسة

لقد كانت الكتب المقدسة في حوزة اليهود فكانوا يتوهمون أن في مجرد معرفتهم الخارجية السطحية لكلمة يهوه لهم حياة أبدية . ولكن المسيا صارحهم بقوله:"لَيْسَتْ لَكُمْ كَلِمَتُهُ ثَابِتَةً فِيكُمْ"(يوحنا 5: 38) . وإذ رفضوا المسيا في كلمته فقد رفضوا شخصه ، فقال لهم: "وَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ" (يوحنا 5: 40) .

كان رؤساء اليهود قد درسوا أقوال الأنبياء عن ملكوت مسيا ، إلا أنهم لم يفعلوا ذلك برغبة خالصة في معرفة الحق بل كان قصدهم من ذلك أن يجدوا دليلا تستند إليه آمال الطموح التي قد احتضنوها طويلا . فلما أتى المسيا في حالة غير التي قد ركزوا فيها انتظاراتهم لم يقبلوه . ولكي يبرروا أنفسهم حاولوا أن يبرهنوا على أنه محتال . وعندما خطوا أول خطوة في هذا السبيل صار من السهل على الشيطان أن يزيد من مقاومتهم للمسيا . فنفس الأقوال التي كان ينبغي لهم قبولها دليلا على ألوهيته فسروها على عكس معناها . وهكذا حوَّلوا حق يهوه إلى الكذب ، وكلما وجه المخلص كلامه إليهم مباشرة في أعمال رحمته ازدادوا إمعانا في إصرارهم على مقاومة النور .

قال يهوشوه:"مَجْدًا مِنَ النَّاسِ لَسْتُ أَقْبَلُ" (يوحنا 5: 41) . إنه لم يكن يرغب في الظفر بتأييد السنهدريم أو مصادقتهم ، ولم يكن ليحصل على مجد من استحسانهم ، فلقد كان مزودا بمجد السماء وسلطانها . فلو رغب فيه لكان الملائكة يأتونه سُجَّدا معلنين ولاءهم له . وكان الآب يشهد لألوهيته مرة ثانية . ولكن لأجلهم ، ولأجل الأمة التي كانوا هم رؤساءها كان يتوق إلى أن يدرك الرؤساء اليهود كيفية شخصيته ويقبلوا البركات التي قد آتى ليمنحهم إياها .

ثم قال لهم:"أَنَا قَدْ أَتَيْتُ بِاسْمِ أَبِي وَلَسْتُمْ تَقْبَلُونَنِي . إِنْ أَتَى آخَرُ بِاسْمِ نَفْسِهِ فَذلِكَ تَقْبَلُونَهُ " (يوحنا 5: 43) . لقد أتى يهوشوه مزودا بسلطان يهوه حاملا صورته مقيما كلامه وطالبا مجده ، ومع ذلك لم يقبله رؤساء إسرائيل . ولكن حين يأتي آخرون مدَّعين أنهم المسيا ولكن مدفوعين بدافع من أنانيتهم وطالبين مجد أنفسهم فالرؤساء يقبلون أمثال أولئك الأدعياء ، لماذا لأن من يطلب مجد نفسه يجد تجاوبا عند من يطلبون مجد أنفسهم ، هذا ما كان يتجاوب معه اليهود . كانوا يقبلون المعلمين الكذبة ، لأنهم كانوا يتملقون كبرياءهم ويصادقون على آرائهم وتقاليدهم المحبوبة لديهم . ولكن تعاليم المسيا لم تكن مطابقة لرغائبهم ، إذ كانت تلك التعاليم روحية وتتطلب تضحية النفس ولذلك رفضوا قبولها . لم تكن لهم معرفة بيهوه ولذلك كانوا يعتبرون أن صوته الناطق في المسيا هو صوت إنسان غريب .

قلوب متقسية

ألا نرى نفس هذا الشيء يتكرر في أيامنا؟ ألا يوجد كثيرون حتى من بين القادة الدينيين الذين يقسّون قلوبهم ويقاومون الروح القدس وبذلك يجعلون من المستحيل عليهم تمييز صوت يهوه؟ أليسوا بذلك يرفضون كلمة يهوه لكي يحتفظوا بتقاليدهم؟

قال لهم يهوشوه:"لأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي ، لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي . فَإِنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ تُصَدِّقُونَ كُتُبَ ذَاكَ ، فَكَيْفَ تُصَدِّقُونَ كَلاَمِي؟" (يوحنا 5: 46، 47) . إن المسيا هو الذي كلم إسرائيل على لسان موسى ، فلو أصغوا إلى صوت يهوه بفم قائدهم العظيم لكانوا قد ميزوه في تعاليم المسيا . ولو صدقوا موسى لكانوا يصدقون ذاك الذي كتب عنه موسى .

عرف يهوشوه نية الغدر التي كان يضمرها له الكهنة والمعلمون وإصرارهم على قتله . ومع ذلك فقد أبان لهم بكل وضوح أنه متحد بالآب ، كما أخبرهم عن صلته بالعالم ، فرأوا أنه لا يوجد ما يبرر مقاومتهم له ، ومع ذلك فلم يكن من الممكن إخماد نيران تلك العداوة القاتلة ضده . لقد استبد بهم الخوف عندما لمسوا قوة الإقناع العظيمة التي كانت تصحب خدمته ، ولكنهم قاوموا دعوات رحمته وأغلقوا على أنفسهم في الظلام .

لقد أخفقوا إخفاقا عظيما في هدم سلطان يهوشوه وفي منع الناس من إكرامه والإصغاء إلى تعاليمه ، إذ كان كثيرون من الشعب قد تبكتوا بكلامه . بل أن الرؤساء أنفسهم أحسوا بتبكيت عميق عندما نخس ضمائرهم إذ أقنعهم بجرمهم . ومع ذلك فقد زاد هذا من مرارة عداوتهم له . لقد صمموا على قتله . فأرسلوا رسلهم في كل البلاد ليحذروا الشعب من يهوشوه قائلين عنه إنه مضل . وأرسلوا جواسيسهم لمراقبته وإعلامهم بما قاله وفعله . فهذا المخلص الحبيب كان بكل تأكيد واقفا الآن تحت ظل الصليب.

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
5
26
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
08
18
Calendar App