8. في كفرناحوم
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

لقد سـكن يهوشوه في كفرناحوم في أثناء تنقلاته إلى هنا وهناك ، وصارت تدعى "مدينته" . وكانت تقع على شواطئ بحر الجليل بالقرب من حدود سهل جنيسارت الجميل ، إن لم تكن واقعة فيه بالفعل .

إن عمق انخفاض البحيرة يعطي للسهل المحيط بشواطئها طقس الجنوب اللطيف . في هذا السهل وفي أيام المسيا كانت تكثر أشجار النخيل والزيتون ، كما كانت توجد البساتين والكروم والحقول اليانعة والأزهار البديعة الناضرة بكثرة ، كانت تلك الأغراس تروى من ينابيع حية تنحدر من صخور الجبال . وكانت شواطئ البحيرة والتلال المحيطة بها على مسافة قريبة عامرة بالمدن والقرى ، و قوارب الصيد تملأ البحيرة . وفي كل مكان كنت ترى حركة ونشاطا .

كانت كفرناحوم نفسها مركزا ملائما لخدمة المخلص . فلكونها واقعة على الطريق العام الذي يربط دمشق بأورشليم ومصر وبمدن البحر الأبيض المتوسط فقد كانت جسرا عظيما للبلدان المجاورة ، وكان الناس القادمون من بلدان يمرون بهذه المدينة أو يلبثون فيها بعض الوقت للراحة من متاعب السفر جيئة وذهابا . ففي هذه المدينة أمكن ليهوشوه أن يلتقي بأناس كثيرين من كل الطبقات ومختلف الجنسيات ، فكان يقابل الأغنياء أو العظماء كما كان يتقابل مع الفقراء والمحتقرين ، فتناقلت الألسنة تعاليمه في بلدان  كثيرة وعائلات عديدة . وكان هذا حافزا للناس على تفتيش أسفار الأنبياء ، فاتجهت الأنظار إلى المخلص وقدمت رسالته للعالم .

وبالرغم من الإجراءات التي اتّخذها رجال السنهدريم ضد يهوشوه فقد كان الناس يتوقون إلى انتشار دعوته في كل الأماكن . وقد اهتمت السماء بكل من فيها بهذا الأمر اهتماما بالغا . وكان الملائكة يعدون الطريق لخدمته إذ كانوا يرفون على قلوب الناس ويجتذبونهم إلى المخلص .

وفي كفرناحوم كان ابن خادم الملك الذي كان المسيا قد شفاه شاهدا لقوته وسلطانه . وقد شهد سيَد تلك الأسرة وكل بيته بإيمانهم بكل سرور . فعندما علم الناس بأن المخلص نفسه في وسطهم تحركت المدينة كلها واحتشدت الجماهير حوله ، وامتلأ المجمع بالعابدين في يوم السبت ، واشتد الزحام حتى لقد اضطر كثيرون من الناس للعودة من حيث أتوا لأنهم لم يستطيعوا أن يشقوا لأنفسهم طريقا في وسط الزحام .

كلام نور وقوة

وكل من سمعوا المخلص:"بُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ ، لأَنَّ كَلاَمَهُ كَانَ بِسُلْطَانٍ" "لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ" (لوقا 4: 32؛ متى 7: 29) . كان تعليم الكتبة والشيوخ باردا عديم التأثير وشكليا طقسيا كما لو كانوا يحفظونه عن ظهر قلب بدون فهم ، كما كنت كلمة يهوه في نظرهم عديمة القوة والحياة . لقد أبدلوا تعاليم الكلمة الإلهية بآرائهم وتقاليدهم . وفي خدمتهم التي كانوا قد اعتادوا القيام بها أقروا بأنهم يفسرون الناموس ، ولكنهم لم يحصلوا على إلهام الهي ليوقظ قلوبهم أو قلوب سامعيهم .

لم يكن ليهوشوه أي دخل في المنازعات المختلفة التي كانت تحتدم بين اليهود إذ كان عمله هو تقديم الحق . وقد ألقت تعاليمه نورا إلهيا عظيما على أقوال الآباء والأنبياء ، وهكذا تلقى الناس الكتب المقدسة كإعلان جديد ، ولم يسبق لسامعيه أن لاحظوا ذلك المعنى العظيم لكلمة يهوه من قبل .

التقى يهوشوه الناس على مستواهم كمن كان عليما بمشكلاتهم التي تربكهم ، وصيَّر الحق جميلا إذ قدمه للناس بكل صراحة وبساطة . وكان كلامه طاهرا ونقيا وصافيا كمياه النهر الجارية . كان صوته موسيقيا على أسماع من اعتادوا الإصغاء إلى نغمات أصوات تنبعث على وتيرة واحدة من أفواه المعلمين الآخرين . ومع أن تعليمه كان بسيطا كان يتكلم كمن له سلطان .

ملحوظة هامة: [عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس يوم السبت الحالي (Saturday).  يجب أيضاً الأخذ في الاعتبار أنّ السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الغريغوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائماً في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر قمري، الأمر الذي لا يستطيع أن ينجزه أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا]

إن هذه الخاصة في طريقة تعليمه كانت على نقيض طريقة غيره . كان المعلمون يتكلمون وهم متشككون ومترددون ، كأن الكتب المقدسة تحتمل معنيين متناقضين . وكانت الشكوك تراود قلوب سامعيهم كل يوم . ولكن يهوشوه علم الناس بأن للكتب المقدسة سلطانا فوق كل تشكك . ومهما كان موضوع كلامه فقد كان يتكلم بكل قوة وسلطان إذ كان كلامه لا يحتمل جدالا .ومع ذلك فقد كان جادا وغيورا لا محتدا . كان يتكلم كمن أمامه غرض خاص ينبغي له أن يحققه . كان يكشف لعيون الشعب حقائق العالم الأبدي . لقد أعلن يهوه في كل موضوع طرقه . وحاول يهوشوه أن يكسر سحر الخطية الذي جعل الناس ينشغلون في الأمور الدنيوية ، فوضع شؤون هذه الحياة في وضعها الحقيقي كما هي على اعتبار أنها أمور ثانوية بالنسبة إلى المصالح الأبدية ، ولكنه مع ذلك لم يتجاهل أهمية الأشياء الأرضية . وقد علم الشعب أن السماء والارض مرتبطتان معا كما علمهم أيضا ان معرفتهم للحق الإلهي تعدهم إعدادا أفضل لإتمام واجباتهم اليومية . كان يتكلم كمن يعرف السماء وكمن يحس إحساسا واعيا بعلاقته  بيهوه ، وفي نفس الوقت يعلم ارتباطه بكل فرد من أفراد الأسرة البشرية .

دروس لا تنسى

كانت رسائل الرحمة التي نطق بها تتنوع لتناسب سامعيه . ولقد قال عن نفسه على لسان إشعياء:"أَعْطَانِي السَّيِّدُ يهوه لِسَانَ الْمُتَعَلِّمِينَ لأَعْرِفَ أَنْ أُغِيثَ الْمُعْيِيَ بِكَلِمَةٍ"(اشعياء  50: 4) ، نعم إن النعمة قد انسكبت على شفتيه لكي يمكنه أن يحمل إلى الناس بكيفية جذابة كنوز الحق ، كما كانت عنده لباقة جعلته يواجه العقول المتعصبة ويسترعي انتباهها إذ كان يفاجئها بأمثاله ، عن طريق الخيال والفكر وصل إلى القلب . وكان يستنبط أمثاله من صور الحياة العادية التي مع بساطتها كانت تنطوي على معانٍ عميقة وعجيبة . فطيور السماء وزنابق الحقل والبذار والراعي وخرافه- من هذه الأشياء صور المسيا حقا خالدا . ومنذ ذلك الحين عندما كانت أنظار سامعيه تقع على هذه الاشياء التي في عالم الطبيعة كانوا يتذكرون كلامه . وقد كانت أمثال المسيا مذكرا دائما بتعاليمه .

 لم يتملق المسيا الناس قط . إنه لم يقل شيئا يمجد به رغباتهم وتصوراتهم ، كلا ولا أطرى واحدا منهم على مهارته في الابتكار . ولكن الناس المفكرين غير المتعصبين قبلوا تعاليمه ووجدوا أنها امتحان لحكمتهم . واندهشوا من الحق الإلهي الذي قد أوضحه السيد بأبسط الألفاظ ، وقد سحر كلامه ألباب أغزر الناس حكمة وعلما . وكذلك كان البسطاء في المعرفة يستفيدون دائما ، إذ كانت لديه رسالة ليقدمها للأميين العديمي العلم . وقد جعل حتى الوثنيين أنفسهم يفهمون أن لديه رسالة ليقدمها لهم كان حنانه ورقته يلمسان القلوب المثقلة والمضطربة ويشفيانها . حتى في وسط جلبة أعدائه الهائجين الغاضبين كان محاطا بجو يسوده  السلام . إن جمال مُحيّاه وسمو صفاته وفوق الكل محبته التي كان يعبر عنها بنظراته وكلامه اجتذبت إليه كل من لم تتقسَّ قلوبهم في عدم إيمان . فلولا روحه الحلو العطوف الذي كان يشرق فى كل نظرة وكلمة لما أمكنه أن يجتذب تلك الجموع العظيمة التي كانت تحتشد من حوله . والناس المرضى والمتألمون الذين أتوا إليه أحسوا بأنه قد ربط مصلحته بمصالحهم كصديقهم الأمين الرقيق القلب ، ولذلك كانوا يشتاقون إلى معرفة المزيد من الحق الذي علم به . لقد صارت السماء قريبة منهم فتاقت نفوسهم إلى البقاء في حضرته حتى تدوم لهم تعزية محبته .

كان يهوشوه يراقب بغيرة عظيمة التعبيرات المختلفة التي كانت تبدو على وجوه سامعيه . فالوجوه التي كان يلوح عليها الاهتمام والسرور جعلته يحس بالرضى والارتياح . فعندما كانت سهام الحق تطعن في صميم النفس محطمة حواجز الأنانية ومالئة القلب بشعور الانسحاق والتوبة وأخيرا تفعم القلب بالشكران كان قلب المخلص يمتلئ بهجة وحبورا . وعندما كان يجول ببصره ليرى جموع سامعيه ويعرف بينهم الناس الذين سبق أن رآهم كان وجهه يلمع بنور الفرح ، فلقد كان يرى في هؤلاء من يرجى دخولهم إلى الملكوت . وعندما يصدم الحق الذي ينطق به بكل صراحة صنما محبوبا ومتربعا في القلب كان السيد يرى التغيير الذي يبدو على وجه ذلك الإنسان ، وتلك النظرة الفاترة التي كانت تدل على عدم قبوله للحق . فحينما كان الناس يرفضون رسالة السلام كان ذلك طعنة نجلاء توجه إلى  قلب الفادي .

الرجل المجنون

وإذ كان يهوشوه في المجمع تكلم عن الملكوت الذي قد أتى ليثبته ويوطد دعائمه وعن كونه مرسلا ليحرر أسرى الشيطان . وإذ به على حين فجأة يقاطع إذ سمعت في وسط ذلك السكون صرخة رعب عظيمة . وإذا برجل مجنون يندفع إلى الأمام من وسط الشعب صارخا وقائلا:" آهِ ! مَا لَنَا وَلَك َيَا يهوشوه النَّاصِرِيُّ ؟ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا ! أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ : قُدُّوسُ يهوه !" (لوقا  4: 34) .

وقد حدث تشويش عظيم وامتلأت القلوب هلعاً ورعباً ، وتحولت أنظار الناس بعيداً عن يهوشوه ولم يلتفت أحد إلى كلامه . كان هذا ما يبغيه الشيطان من إتيانه بذلك المجنون (فريسته) إلى المجمع . ولكن يهوشوه انتهر الشيطان قائلا:"اخْرَسْ! وَاخْرُجْ مِنْهُ ! فَصَرَعَهُ الرُّوحُ النَّجِسُ وَصَاحَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَخَرَجَ مِنْهُ" (لوقا 4: 35) .

كان الشيطان قد أظلم وشوَّش عقل ذلك الرجل المعذب ، ولكن عندما مثل في حضرة المخلص تبددت الظلمة أمام شعاعة من نوره . لقد أوقظ شعوره لكي يتوق إلى التحرر من قوة الشيطان ، ولكن الشيطان قاوم سلطان المسيا . وعندما طلب معونة يهوشوه وضع الروح الشرير كلاما في فم الرجل فصرخ وهو معذب من الخوف . عرف ذلك المجنون جزئيا أنه في حضرة ذاك الذي يستطيع أن يحرره . ولكن عندما حاول أن يقترب لكي يكون في مـتناول تلك اليد القوية منعته إرادة أخرى أقوى منه ونطق شخص آخر بكلام أخر وضعه في فمه ، فكان الصراع بين قوة الشيطان وبين رغبة الرجل في التحرر منها صراعا رهيبا .

إن ذاك الذي قهر الشيطان في برية التجربة نراه الآن يقف أمام عدوه وجها لوجه . ولقد بذل الشيطان كل ما في طوقه من حيلة وقوة لإبقاء فريسته تحس تحت سلطانه . فلو تراجع الآن لانتصر يهوشوه . وقد بدا كأن ذلك الرجل المعذب سيفقد حياته في صراعه مع العدو الذي كان العامل الأكبر في ضياع رجولته . ولكن المخلص تكلم بسلطان وحرر ذلك الأسير ، ووقف ذلك الرجل الذي كان فيه الشيطان أمام الجمع المندهش فرحا بالحرية التي نالها وبقواه المعلية التي عادت إليه . حتى الشيطان نفسه شهد لقدرة ألوهية المخلص .

شكر ذلك الرجل يهوه على خلاصه . فتانك العينان اللتان كانتا ملتهبتين بنار الجنون صارت تشع منهما أنوار الفهم والذكاء وامتلأتا بدموع الشكر . وقد أبكمت الدهشة جمهور الشعب . فلما أفاق الناس من ذهولهم صرخوا قائلين:"مَا هذَا ؟ مَا هُوَ هذَا التَّعْلِيمُ الْجَدِيدُ ؟ لأَنَّهُ بِسُلْطَانٍ يَأْمُرُ حَتَّى الأَرْوَاحَ النَّجِسَةَ فَتُطِيعُهُ !" (مرقس 27:1) .

عاقبة عدم الاعتدال

إنّ السبب الخفي في البلية التي جعلت هذا الرجل منظره مخيفا لأصدقائه وعبئا ثقيلا على نفسه كان في حياته . لقد بهرته ملذات الخطية وخلبت لبه فأراد أن يجعل حياته مسرحا دائما للأكل والسكر والعربدة . لم يكن يعلم بأنه سيصير رعبا للعالم وعارا على أسرته . لقد ظن أنه سيقضي أيامه في اللهو البريء ، ولكن ما أن خطا أول خطوة في الطريق المنحدر حتى أسرع يهوي إلى أسفل . لقد أفسد الإفراط والطيش صفات طبيعته النبيلة ، وسيطر عليه الشيطان سيطرة كاملة .

ندم الرجل وتحسر ولكن بعد فوات الأوان . فعندما كان مستعدا لأن يضحي بالثروة والملذات لكي يستعيد رجولته الضائعة صار عاجزا إذ كان ممسكا في قبضة الشرير . لقد دخل بنفسه إلى أرض العدو فسيطر الشيطان على كل قوى عقله ونفسه ، إذ أغواه المجرب بكثير من العروض المغرية . ولكن حالما صار ذلك المسكين تحت سلطانه صار العدو عديم الرحمة في قسوته ومرعبا عندما كان يفتقده بحضوره . وهكذا ستكون الحال مع كل من يخضعون للشر ، فإن الملذات الفاتنة التي انغمسوا فيها في بكور حياتهم تنتهي بظلمة اليأس أو الجنون الذي يهاجم العقل ويحطمه .

إن نفس الروح الشرير الذي جرب المسيا في البرية والذي تحكم في قوى ذلك المجنون في كفرناحوم هو ذاته الذي سيطر على اليهود العديمي الإيمان . ولكن بالنسبة إليهم تزيّا بزي التقوى إذ خدعهم فيما يختص ببواعثهم في رفض المخلص . فكانت حالتهم ميئوسا منها أكثر من حالة ذلك المجنون إذ لم يكونوا يحسون بحاجتهم إلى المسيا ولذلك تمكنت منهم قوة الشيطان .

خبث الشيطان

إن مدة خدمة المسيا بين الناس كانت هي الفرصة التي نشطت فيها جنود مملكة الظلمة بأكثر قوة . ولمدى دهور طويلة حاول الشيطان وملائكته الأشرار استرقاق الناس والسيطرة على أجسامهم وأرواحهم لكي يوقعوهم تحت سلطان الخطية والآلام ، وحينئذٍ حاول أن يلقي اللوم في كل هذا الشقاء على يهوه . ولكن يهوشوه كان يعلن للناس صفات يهوه وكان يحطم قوة الشيطان ويحرر أسراه ، فكانت حياة جديدة ومحبة جديده وقوة جديدة ترف على قلوب الناس . ولهذا ثار سلطان الظلمة وناضل لكي تسود مملكته . وقد عبأ الشيطان كل جيوشه وفي كل خطوة كان يحارب عمل المسيا.

وهكذا ستكون الحال في النضال الأخير العظيم بين البر والخطية . فعندما ينبثق نور وحياة وقوة جديدة من الأعالي على تلاميذ المسيا تنهض قوة معاكسة من أسفل لتنعش أعوان الشيطان وتنشطهم . إن القوة والعنف يسيطران على كل عنصر أرضي . وإن رئيس قوات الشر بخداعه الذكي الذي قد أكتسبه مدى أجيال الصراع الطويلة يعمل عمله متنكرا ، فهو يظهر في شبه ملاك نور . ولذلك تنجذب جماهير غفيرة من الناس "تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ " (1 تيموثاوس 4: 1) .

وفي أيام المسيا كان رؤساء إسرائيل ومعلموهم عاجزين عن مقاومة عمل الشيطان .  فلقد أهملوا الوسيلة الوحيدة التي بواسطتها يستطيعون أن يصمدوا للأرواح الشريرة . إن المسيا غلب الشرير بقوة كلمة يهوه . وقد ادعى رؤساء إسرائيل أنهم مفسرو كلمة يهوه ، ولكنهم درسوها فقط لكي يعاضدوا تقاليدهم ويلزموا الشعب بحفظ وصايا الناس . ولكن تفسيرهم الذي ما أنزل يهوه به من سلطان ، جعل الحق الإلهي مشوَّها . وتفسيرهم الغامض زاد من تعقيد الحق الذي قد أوضحه يهوه . وكانت مجادلاتهم تدور حول اصطلاحات تافهة ولكنهم بالفعل أنكروا الحقائق الجوهرية . وهكذا استشرى الإلحاد . فلقد جُرِّدَت كلمة يهوه من قوتها فنجحت بذلك مقاصد الأرواح الشريرة .

تضليل الناس

والتاريخ يعيد نفسه . إن كثيرين من المعلمين الدينيين في هذه الأيام والذين كتاب يهوه مفتوح بين أيديهم ويعترفون بأنهـم يوقرون تعاليمه ، هم مع ذلك يقوضون إيمان الناس بكلمة يهوه . إنهم يشغلون أنفسهم في تشريح كلمة يهوه ويجعلون آراءهم أعلى وأسمى من تعاليمه الواضحة كل الوضوح . وفي أيديهم تجرد كلمة يهوه من قوتها المجددة . هذا هو سبب تفشي الإلحاد وتسلطه على عقول الناس .

إن الشيطان عندما يقوض الإيمان بالكتاب المقدس فهو يوجه الناس إلى مصادر أخرى للحصول على النور والقوة . وهكذا يتسلل إلى القلوب بنفسه . فأولئك الذين يرتدون عن تعاليم الكتاب الصريحة وقوة روح يهوه القدوس المبكت يفتحون الباب لدخول الأبالسة إلى القلب واحتلاله . فالانتقاد والمجادلات والمماحكات فيما يختص بالكتاب هي فتح الطريق على سعته أمام مناجاة الأرواح والتصوُّف- تلك الأشكال الوثنية القديمة المستحدثة تثبت أقدامها حتى في الكنائس المعترفة بالسيَد يهوشوه المسيا فإلى جوار الكرازة بالإنجيل توجد قوات هدامة ، التي هي مجرد آلات في يد الأرواح الشريرة ، وكثيرا ما يتقرب إنسان إلى هؤلاء القوم لا لشيء إلا لمجرد حب الاستطلاع ، ولكنه إذ يرى برهانا على وجود قوة عاملة تفوق قوة البشر فإنه يُغوى ويُستهوى إلى أن تتحكم فيه قوة  تفوق قوته ولا يستطيع التملص من تلك القوة الخفية .

إن حصون النفس تنهدم ،  فلا حواجز تحول بينها وبين الخطية ، فما إن يرفض الإنسان ضوابط كلمة يهوه وروحه حتى يغوص إلى أعماق الفساد السحيقة التي لا يعرف أحد لها قرارا . فالخطية السرية أو الشهوة المتحكمة تأسره وتصيّره عاجزا تماما كما كان الرجل المجنون في كفرناحوم . ومع ذلك فإن حالته لا تدعو إلى اليأس .

إن وسيلة انتصارنا على الشرير هي نفس الوسيلة التي بها انتصر المسيا- بقوة كلمة يهوه . إن يهوه لا يضبط عقولنا أو يسيطر عليها بغير رضانا ، ولكن إذ رغبنا في معرفة مشيئته والسير بموجبها فإن مواعيده تكون لنا . "تَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ "  "إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ" (يوحنا 8: 32؛ 7: 17) . فبالإيمان بهذه المواعيد يمكن لكل إنسان أن ينجو من أشراك الخطأ وسلطان الخطية .

نجاة وخلاص

لكل إنسان كامل الحرية في اختيار القوة التي يريد أن تتحكم فيه . إنه لم ينحدر أحد إلى دركة سحيقة جدا ولا صار فاسدا وشريرا جدا إلى حد إنه لا يستطع أن يجد النجاة والخلاص في المسيا . إن الرجل الذي كان فيه الروح النجس وهو في موضع الصلاة لم يستطع أن ينطق إلا بكلام الشيطان ، ومع ذلك فإن صرخة قلبه التي لم ينطق بها سمعت . إنه لا توجد صرخة تصدر عن نفس محتاجة حتى ولو عجزت عن التعبير عنها بالكلام إلا ويلتفت السيَد إليها ويجيبها . والذين يرغبون في الدخول في عهد مع سيَد السماء لا يتركون تحت رحمة الشيطان أو أي ضعف في طبيعتهم . فالمخلص يدعوهم قائلا: "يَتَمَسَّكُ بِحِصْنِي (بقوتي) فَيَصْنَعُ صُلْحًا مَعِي . صُلْحًا يَصْنَعُ مَعِي" (إشعياء 27: 5) . إن الأرواح الشريرة ستحارب للسيطرة على النفوس التي كانت قبلا تحت سلطانها . ولكن ملائكة يهوه يحاربون عن تلك النفوس بقوتهم القاهرة . يقول السيَد:"هَلْ تُسْلَبُ مِنَ الْجَبَّارِ غَنِيمَةٌ؟ وَهَلْ يُفْلِتُ سَبْيُ الْمَنْصُورِ؟ فَإِنَّهُ هكَذَا قَالَ يهوه: حَتَّى سَبْيُ الْجَبَّارِ يُسْلَبُ ، وَغَنِيمَةُ الْعَاتِي تُفْلِتُ . وَأَنَا أُخَاصِمُ مُخَاصِمَكِ وَأُخَلِّصُ أَوْلاَدَكِ "(إشعياء 49: 24، 25) .

وإذ كان الشعب الذين في المجمع لا يزالون في ذهولهم وقد ملكتهم الرهبة تسلل يهوشوه إلى الخارج وذهب إلى بيت بطرس ليسترح قليلا . ولكن حتى في ذلك البيت خيم الحزن والألم على ساكنيه فلقد كانت حماة بطرس مريضة بـ " حُمَّى شَدِيدَةٌ " فإذ انتهر يهوشوه الحمى قامت المريضة وصارت تخدم المعلم وتلاميذه .

الشافي العظيم

وبسرعة ذاعت أنباء خدمة المسيا وقدرته في كل كفرناحوم . ولكن خوفا من المعلمين لم يجرؤ المرضى على المجيء إليه في طلب الشفاء في يوم السبت . ولكن ما إن اختفت الشمس خلف الأفق حتى حدث هرج ومرج عظيم وسارع الناس إلى يهوشوه من البيوت والحوانيت والأسواق وجاء سكان المدينة يتزاحمون عليه في ذلك البيت المتواضع الذي أوى إليه . حيث أُتي إليه بالمرضى محمولين على أسرة أو متوكئين على عصيهم أو مستندين على أصدقائهم وساروا بتثاقل ووهن حتى مثلوا في حضرة المخلص.

وساعة بعد ساعة كان الناس يجيئون ويروحون بينما لم يكن أي واحد منهم يعلم  ما إذا كان ذلك الشافي العظيم سيظل معهم إلى الغد أم يرحل عنهم . ولم يسبق لمدينة كفرناحوم أن رأت يوما كهذا اليوم- فقد امتلأ الجو بأصوات الانتصار وهتافات الفرح بالنجاة والشفاء  كما فرح المخلص بهذا الفرح الذي أوجده ، إذ حين رأى آلام من قد أتوا إليه امتلأ قلبه حنانا وعطفا ، وقد فرح بالقوة التي منحتهم العافية والسعادة .

لم يكف يهوشوه عن مزاولة عمله حتى شفي آخر مريض . ولم تترك الجماهير ذلك المكان حتى كان قد مضى شطر كبير من الليل . وحينئذٍ ساد السكون في بيت سمعان . لقد انقضى ذلك اليوم الطويل المثير فطلب يهوشوه الراحة . ولكن فيما كان أهل المدينة لا يزالون هاجعين في مضاجعهم: "فِي الصُّبْحِ بَاكِرًا جِدًّا قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ ، وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ" (مرقس 1: 35 ) .

هكذا كان يهوشوه يقضى أيام حياته على الأرض . وفي أحيان كثيرة كان يصرف تلاميذه ليزوروا عائلاتهم ويستريحوا بعض الوقت ، ولكنه بكل لطف عارض في الاستجابة إلى محاولاتهم في إبعاده عن عمله . كان يتعب طول اليوم وهو يعلم الجهال ويشفي المرضى ، ويفتح أعين العميان ويشبع الجموع ، وفي وقت المساء أو في الصباح الباكر كان ينطلق إلى مقادس الجبال ليكون في شركة مع أبيه . وكثيرا ما كان يقضي الليل كله في الصلاة والتأمل ليعود في بكور اليوم لمزاولة عمله بين الشعب.

الشهرة نقيض الخدمة

وفي الصباح باكرا أتى بطرس ورفاقه إلى يهوشوه قائلين له إن شعب كفرناحوم قد جاءوا يطلبونه . لقد كان التلاميذ قبل ذلك يحسون بخيبة أمل مريرة من سوء استقبال الناس للمسيا . فلقد حاولت السلطات في أورشليم أن تقتله ، بل حتى مواطنوه الذين عاش بينهم حاولوا القضاء عليه بالموت . أما في كفرناحوم فقد استقبلوه بحماسة وفرح فاضطرمت نار الرجاء في قلوب التلاميذ من جديد ، إذ قد يكون بين أهل الجليل محبي الحرية ، من يهبون لمعاضدة هذا الملكوت الجديد . ولكن تلاميذه ذهلوا حينما سمعوه يقول: " لِنَذْهَبْ إِلَى الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ لأَكْرِزَ هُنَاكَ أَيْضًا ، لأَنِّي لِهذَا خَرَجْتُ " (مرقس 1: 38) .

ففي الثورة التي شملت مدينة كفرناحوم كان يخشى لئلا يختفي غرض رسالته ويغيب عن الأنظار . لم يكن يهوشوه قانعا باجتذاب الأنظار إلى شخصه على أنه مجرد إنسان يصنع المعجزات ويشفي أمراض الجسد ، ولكنه كان يقصد أن يجتذبهم إلى نفسه كالمخلص . ففي حين كان الناس يتوقون إلى الإيمان بأنه قد أتى كملك ليقيم ملكوتا أرضيا كان هو يتوق إلى تحويل عقولهم وصرفها عن الأرضيات إلى الروحيات . فقد كان يمكن أن مجرد النجاح المادي الصرف يعطل عمله .

وقد أثرت في روحه دهشة الشعب العديم الاكتراث . فلم تمتزج بحياته أية غطرسة . إن ابن الإنسان لم يكن يقدم ولاءه للمركز أو الثروة أو العبقرية كما يفعل العالم ، ولم يستخدم يهوشوه الوسائل التي يستخدمها الناس للظفر بإكرام الشعب وولائه . فقبل ميلاده بقرون عديدة تنبأ عنه النبى قائلا:"لاَ يَصِيحُ وَلاَ يَرْفَعُ وَلاَ يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ . قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ . إِلَى الأَمَانِ يُخْرِجُ الْحَقَّ . لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ "(اشعياء 42: 2- 4) .

فقد طلب الفريسيون الشهرة والعظمة عن طريق التدقيق في حفظ الطقوس في عبادتهم وتقديم صدقاتهم ، وبرهنوا على غيرتهم على الديانة بجعلها موضوعا للجدل ، فثارت المنازعات وعلت الأصوات في الجدل بين الأحزاب المختلفة . وقد كان أمرا عاديا أن يسمع الإنسان في الشوارع المشادات الكلامية الغاضبة بين كبار معلمي الناموس .

ولكن حياة يهوشوه كانت تختلف اختلافا بينا عن كل هذا . ففي حياته لم تكن تسمع مجادلات صاخبة ولا عبارة متفاخرة ، ولا عمل عملا لينال به استحسان الناس . لقد كان المسيا مستترا في يهوه فأُعلن يهوه وأُظهر في صفات ابنه . وقد رغب المسيا في أن تتجه عقول الشعب إلى هذا الإعلان وأن يقدموا له ولاءهم .

إن شمس البر (يهوشوه) لم يشرق على العالم في كمال طهارته ليبهر الأنظار بمجده . بل جاء عن المسيا:"خُرُوجُهُ يَقِينٌ كَالْفَجْرِ" (هوشع 6: 3) . فنور النهار يشرق على الأرض بكل هدوء ولطف مبددا الظلمات وموقظا العالم إلى الحياة . وهكذا:"تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا" (ملاخي 4: 2).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
5
27
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
08
19
Calendar App