4. أسرار السعادة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كان المسيا نادرا ما يجمع تلاميذه وحدهم ليعلمهم ، ولم يكن يختار سامعيه ممن كانوا يعرفون طريق الحياة دون سواهم . ولكن قصده كان الوصول إلى جماهير الشعب الذين كانوا يعمهون في ظلمات الجهل والخطأ ، فقدم تعاليم الحق لذوي العقول المظلمة . لقد كان هو نفسه الحق واقفا ممنطقا حقويه وباسطا يديه ليبارك الناس ، محاولا بإنذارته وتوسلاته وتشجيعاته أن يسعى لرفع كل من يأتون إليه .

والموعظة على الجبل وإن لم يكن المقصود منها التلاميذ خصيصا ، فقد نطق بها السيد على مسامع الجماهير . وبعدما أقام يهوشوه رسله ذهب معهم إلى شاطئ البحر ، وكان الناس قد بدأوا يتجمعون في دلك المكان منذ الصباح الباكر . ففضلا عن الجماعات التي اعتادت الإتيان إليه من مدن الجليل جاء قوم من اليهودية ومن أورشليم نفسها ومن بيرية والمدن العشر وأدومية الواقعة في أقصى جنوب اليهودية ومن صور وصيداء المدينتين الفينيقيتين الواقعتين على شاطئ البحر الأبيض المتوسط ، "إِذْ سَمِعُوا كَمْ صَنَعَ أَتَوْا إِلَيْهِ"، "جَاءُوا لِيَسْمَعُوهُ وَيُشْفَوْا مِنْ أَمْرَاضِهِمْ ... لأَنَّ قُوَّةً كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَشْفِي الْجَمِيعَ" (مرقس 3: 8؛ لوقا 6: 17- 19).

ولكن الشاطئ الضيق لم يكن يتسع حتى ليقف الناس على أقدامهم بحيث يصل صوته إلى كل من يرغبون في سماعه . فسار يهوشوه متقدما أمام ذلك الجمع إلى الجبل . فإذ وصل إلى مكان فسيح منبسط يتسع لكل تلك الجماهير الغفيرة جلس يهوشوه على العشب فحذا التلاميذ والجموع حذوه.

كان التلاميذ في مكان قريب من يهوشوه ، وكان الناس يزحمونه ولكن التلاميذ رأوا أن أولئك الناس ينبغي ألا يزحفوا أكثر من ذلك لئلا يبعدوهم عن معلمهم . فجلسوا بالقرب منه حتى لا تفوتهم كلمة من كلامه ، وكانوا يصغون إلى كلامه بكل انتباه وكلهم شوق لفهم الحقائق التي كان عليهم أن ينشروها في كل البلدان فتتناقلها الأجيال .

يؤملون في مغانم مادية

وإذ كان التلاميذ يتوقعون حدوث أمر غير عادي زادوا اقتراباً من معلمهم . كانوا يعتقدون أن الملكوت عتيد أن يقام قريبا . واستخلصوا من أحداث الصباح أن إعلانا قد أوشك أن يصدر بشأنه ، فساد روح الانتظار على ذلك الجمع أيضا وارتسمت على الوجوه دلائل الاهتمام العميق . وإذ كان الناس جالسين على جانب الجبل المكتسي بالعشب الأخضر، منتظرين سماع أقوال ذلك المعلم الإلهي امتلأت عقولهم بالأفكار المبهجة عن الأمجاد المستقبلة . وكان هناك بعض الكتبة والفريسيين الذين كانوا يتطلعون إلى الأمام إلى اليوم الذي فيه يتسلطون على سادتهم الرومان المكروهين ويستحوذون على ثروات أعظم إمبراطورية عرفها التاريخ وعلى كل أمجادها . وكان القرويون الفقراء والصيادون يؤملون أن يسمعوا ما يؤكد لهـم أن أكواخهم الحقيرة وطعامهم الزهيد وحياة الكدح التي يعيشونها في الخوف من العوز والفاقة سيستعاض عنها بقصور تفيض بالخيرات وحياة الراحة والاطمئنان . وبدل من الثياب الخشنة التى كانوا يستترون بهـا في النهار ويلتحفون بها في الليل كانوا يؤملون بأن المسيا سيغدق عليهم من الحلل الثمينة التي لأعدائهم المتسلطين عليهم . ولقد اهتزت كل المشاعر والقلوب بذلك الأمل الفخور بأن إسرائيل موشك أن يرتفع ويتسامى فوق كل الشعوب كشعب السيَد المختار . وأن أورشليم ستصبح أمجد المدن لأنها ستصير قصبة المملكة التي ستشمل العالم كله .

ولكن المسيا خيب آمالهم في العظمة الدنيوية ، ففي موعظته على الجبل حاول أن يهدم كل ما بناه التعليم الكاذب ، وأن يعطى سامعيه فكرة صحيحة عن ملكوته وصفاته هو ، إلا أنه لم يهجم على أخطاء الشعب هجوما مباشرا . لقد رأى شقاء العالم الذي كانت الخطية سببه ، إلا أنه لم يقدم للشعب صورة واضحة لشقائهم . لقد علمهم شيئا أفضل بما لا يقاس من كل ما قد عرفوه . وبدلا من أن يجادلهم في آرائهم عن ملكوت يهوه بسط لهم شروط الدخول فيه ، تاركا إياهم ليستنتجوا ما يرونه عن طبيعته . وإن حاجتنا لتعلم أساس مبادئ ملكوت يهوه ليست أقل من حاجة أولئك الناس .

الكرامة في التواضع

إن أول كلام نطق به المسيا في مسامع تلك الجموع على ذلك الجبل كان كلام البركة فقال طوبى لمن يعترفون بأنهم مساكين روحيا ويحسون بحاجتهم إلى الفداء . إن الإنجيل كان سيكرز به إلى المساكين . فهو لا يعلن لمن قد أعمتهم الكبرياء الروحية الذين يدعون أنهم أغنياء ولا حاجة بهم إلى شيء ، ولكنه يعلن للمتواضعين والمنسحقي القلوب ، حيث يوجد ينبوع واحد مفتوح للخطية هو الينبوع المفتوح للمساكين بالروح .

إن القلب المتكبر يجاهد ليحصل على الخلاص باستحقاقه . ولكن وثيقة امتلاكنا للسماء وأهليتنا لها يوجدان كلاهما في بر المسيا . إن السيَد لا يمكنه أن يفعل شيئا لإرجاع الإنسان وتخليصه ما لم يسلم نفسه لسلطان يهوه وهو مقتنع بضعفه ومتجرد من الإحساس بكفايته الذاتية . وحينئذ يستطيع أن ينال العطية التي ينتظر السيَد أن يهبه إياها . إن يهوه لا يمنع شيئا عن النفس التي تحس بحاجتها . فيمكن أن يأتي ذلك الإنسان دون عائق إلى ذاك الذي فيه يحل كل الملء"لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الْعَلِيُّ الْمُرْتَفِعُ ، سَاكِنُ الأَبَدِ ، الْقُدُّوسُ اسْمُهُ: فِي الْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ الْمُقَدَّسِ أَسْكُنُ ، وَمَعَ الْمُنْسَحِقِ وَالْمُتَوَاضِعِ الرُّوحِ ، لأُحْيِيَ رُوحَ الْمُتَوَاضِعِينَ ، وَلأُحْيِيَ قَلْبَ الْمُنْسَحِقِينَ" (إشعياء 57: 15) .

الفرح في الحزن

"طُوبَى لِلْحَزَانَى ، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ" (متى 5: 4) . إن المسيا لا يعلمنا بهذا الكلام أن الحزن أو النوح يمكنه في ذاته أن يرفع جرم الخطية . إنه لا يصادق على الإدعاء أو الاتضاع الطوعي ، فالحزن أو البكاء الذي يتحدث عنه ليس هو في الكآبة أو العويل . وفي حين نحزن على الخطية فإننا نفرح بذلك الامتياز الثمين ، امتياز كوننا أولاد يهوه .

إننا في غالب الأحيان نحزن لأن أعمالنا الشريرة قد جلبت على أنفسنا عواقب وخيمة ومكدرة . ولكن هذه ليست توبة . إنما الحزن الحقيقي على الخطية يأتي نتيجة لعمل الروح القدس الذي يكشف لنا عن جحود قلوبنا الذي أهان المخلص وأحزنه ، ويأتي بنا في انسحاق تحت الصليب . إن كل خطية نرتكبها هي طعنة جديدة ليهوشوه . فإذ ننظر إلى ذاك الذي طعناه نحزن وننوح على خطايانا التي جلبت عليه العذاب والحزن . مثل هذا النوح سيجعلنا نترك الخطية .

قد يحسب الإنسان العالمي هذا الحزن ضعفا . ولكنه في الحقيقة هو القوة التي تربط التائب بالإله غير المحدود بربط وثيقة لا تنفصم ، ويبرهن على أن ملائكة يهوه يعيدون للنفس فضائلها التي إضاعتها بسبب قساوة القلب والعصيان . إن دموع التائب ما هي إلا قطرات المطر الني تسبق شروق شمس القداسة . فهذا الحزن هو بشير الفرح الذي سيكون نبـع ماء حي في النفس . "اِعْرِفِي فَقَطْ إِثْمَكِ أَنَّكِ إِلَى يهوه إِلهِكِ أَذْنَبْتِ" ، "لاَ أُوقِعُ غَضَبِي بِكُمْ لأَنِّي رَؤُوفٌ ، يَقُولُ يهوه" (ارميا 3: 12، 13 ) . وهو القائل: "لأَجْعَلَ لِنَائِحِي صِهْيَوْنَ ، لأُعْطِيَهُمْ جَمَالاً عِوَضًا عَنِ الرَّمَادِ ، وَدُهْنَ فَرَحٍ عِوَضًا عَنِ النَّوْحِ ، وَرِدَاءَ تَسْبِيحٍ عِوَضًا عَنِ الرُّوحِ الْيَائِسَةِ"(إشعياء 61: 3) .

وكل من ينوحون في تجاربهم وأحزانهم لهم العزاء . إن مرارة الحزن والانسحاق لأفضل بكثير من الانغماس في الخطية . إذ بواسطة الآلام يكشف يهوه لنا عن الأماكن الموبوءة في أخلاقنا حتى يمكننا أن ننتصر بنعمته علي أخطائنا . فالخطايا الكثيرة التي ارتكبناها ونسيناها ستظهر واضحة أمام أذهاننا ، ثم يجيء الامتحان فيظهر ما إذا كنا سنقبل توبيخ يهوه ومشورته أم لا . وعندما نقع في تجربة ينبغي ألا ننطق بكلام تفوح منه رائحة التبرم أو الشكوى . يجب ألا نتمرد أو نزعج أنفسنا إلى حد الإفلات من يد المسيا ، بل علينا أن نتذلل أمام يهوه . إن طرق السيَد تبدو غامضة وغير واضحة المعالم أمام ذلك الإنسان الذي يريد أن يرى الأشياء في النور الذي يروق له . إنها تبدو مظلمة وخالية من الفرح أمام طبيعتنا البشرية . ولكن طرق يهوه هي طرق الرحمة ونهايتها الخلاص . لم يكن إيليا يعلم ماذا يفعل عندما كان في البرية وقال إنه تكفيه السنون التي عاشها وطلب الموت لنفسه . ولكن السيَد في رحمته لم يجبه إلى طلبه ، إذ كان باقيا لإيليا عمل ليعمله ، فلما أتم ذلك العلم لم يكن من نصيبه أن يموت في وحدته ويأسه في البرية . لم يكن له أن يدفن في الأرض ويتوارى تحت الثرى ، بل كان سيصعد في مجد مع ركب من المركبات السماوية إلى دار الخلود .

وهذا ما يقوله يهوه للنائحين: "رَأَيْتُ طُرُقَهُ وَسَأَشْفِيهِ وَأَقُودُهُ ، وَأَرُدُّ تَعْزِيَاتٍ لَهُ وَلِنَائِحِيهِ"، "وَأُحَوِّلُ نَوْحَهُمْ إِلَى طَرَبٍ ، وَأُعَزِّيهِمْ وَأُفَرِّحُهُمْ مِنْ حُزْنِهِمْ" (اشعياء 57 : 18) ، (ارميا 31: 13) .

القوة في ضبط النفس

"طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ" (متى 5: 5) . إن المشاكل التي علينا أن نواجهها يمكن للوداعة التي تخفي نفسها في المسيا أن تخفف كثيرا من شدتها . فإن كانت لنا وداعة السيد فإننا سنسمو فوق الإهانات والصدمات والمضايقات التي نتعرض لها كل يوم ، ولا تعود تلقي ظلالها المحزنة الكثيفة على أرواحنا . إن أسمى برهان على النبل في حياة المسيحي هو ضبط النفس . إن ذاك الذي يخفق في إظهار الروح الهادئة الواثقة ، اذ يكون تحت ضغط الإهانات أو القسوة ، يسلب يهوه حقه في أن يعلن فيه كمال صفاته الإلهية . إن تواضع القلب هو القوة التي تعطي النصرة لاتباع المسيا ، وهو علامة ارتباطهم بالمواطن البهية في السماء .

"لأَنَّ يهوه عَال وَيَرَى الْمُتَوَاضِعَ" (مزمور 138: 6) . إن أولئك الذين يظهرون وداعة المسيا وروحه المتواضع يعاملهم يهوه بكل رفق ومحبة . قد ينظر إليهم العالم بازدراء ولكن يهوه يقدرهم تقديرا عظيما . إنه ليس الحكماء ولا العظماء ولا المحسنون وحدهم الذين سيسمح لهم بدخول مواطن السماء المجيدة . وليس فقط العامل المجد الممتلئ غيرة ونشاطا الذي لا يعرف الراحة . كلا ، فإن المساكين بالروح الذين يتوقون إلى وجود المسيا معهم وفيهم ، ومتواضعي القلب الذين غايتهم القصوى هي أن يحملوا إرادة يهوه- هؤلاء سيعطى لهم دخول بسعة إلى الملكوت السماوي . وسيكونون ضمن أولئك الذين قد غسلوا ثيابهم وبيضوها في دم الخروف: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ هُمْ أَمَامَ عَرْشِ يهوه ، وَيَخْدِمُونَهُ نَهَارًا وَلَيْلاً فِي هَيْكَلِهِ ، وَالْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ يَحِلُّ فَوْقَهُمْ" (رؤيا 7: 15)

الشعور بعدم الاستحقاق

"طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ" (متى 5: 6) . إن الإحساس بعدم الاستحقاق يقود القلب إلى أن يجوع ويعطش إلى البر . وهذا الشوق لن يخزى . فأولئك الذين يفسحون في قلوبهم مجالا ليهوشوه سيدركون محبته . والذين يشتاقون لأن يحملوا صورة صفات يهوه سيشبعون . إن النفس التي هي أبدا متطلعة إلى يهوشوه لن يتركها الروح القدس جائعة أو عطشى . إنه يأخذ مما للمسيا ويعطي ذلك الإنسان . وإذ تظل العين مثبتة في المسيا فإن الروح القدس لا يكف عن عمله حتى تصير تلك النفس على شبه صورته . إن عنصر المحبة الطاهر سيوسع طاقة النفس معطيا إياها قدرة لبلوغ مزيد من المعرفة الروحية حتى لا تقنع بأقل من الملء . "طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ" (متى 5: 6) .

الحرية في التحفظ

والرحماء سيرحمون ، والأنقياء القلب يعاينون يهوه . إن كل مكر نجس يدنس النفس ويضعف الحساسية الأدبية ويفضي إلى إزالة انطباعات الروح القدس ويظلم البصيرة الروحية بحيث لا يستطيع إنسان أن يرى يهوه . إن السيَد قد يغفر للخطاة التائبين وهو يفعل ذلك بكل تأكيد ، ولكن مع إن الإنسان يحصل على الغفران فإن النفس قد شوهت وأصابها العطب ، لذا يجب على كل من يريد أن يكون إدراكه للحق الروحي صافيا أن يطرح عنه كل نجاسة في القول أو الفكر.

ولكن كلام المسيا يشتمل على ما هو أكثر من التحرر من النجاسة الشهوانية ، ومن النجاسة الطقسية التي كان اليهود يتجنبونها بكل صرامة . إن الأنانية تحرمنا من رؤية يهوه . والإنسان الذي يطلب ما لنفسه يعتبر أن يهوه مثله محب للذات . فما لم ننبذ هذا لا يمكننا أن نفهم ذاك الذي هو محبة . إن القلب الخالي من الأنانية ، والروح المتواضع الواثقة ، هما وحدهما اللذان يعتبران أن يهوه "إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ" (خروج 34: 6) .

القوة في صنع السلام

"طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ" (متى 5: 9) . إن سلام المسيا هو وليد الحق . وهذا السلام هو التوافق والانسجام مع يهوه . إن العالم عدو لشريعة يهوه ، والخطاة هم في حالة عداء مع جابلهم ، ونتج عن ذلك أنهم صاروا أعداء بعضهم لبعض . ولكن صاحب المزامير يقول: "سَلاَمَةٌ جَزِيلَةٌ لِمُحِبِّي شَرِيعَتِكَ ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَعْثَرَةٌ" (مزمور 119: 165) . إن الناس لا يستطيعون أن يصنعوا السلام . والخطط البشرية لتطهير الأفراد والسمو بهم وبالمجتمع تقصر دون إيجاد السلام لأنها لا تمس القلب . ولكن القوة الوحيدة التي يمكنها أن تخلق سلاما حقيقيا دائما هي نعمة المسيا . فمتى غرست النعمة في القلب فستطرد كل الميول الشريرة التى تنشأ عنها المنازعات والانقسامات . "عِوَضًا عَنِ الشَّوْكِ يَنْبُتُ سَرْوٌ، وَعِوَضًا عَنِ الْقَرِيسِ يَطْلَعُ آسٌ" ، "تَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَالأَرْضُ الْيَابِسَةُ ، وَيَبْتَهِجُ الْقَفْرُ وَيُزْهِرُ كَالنَّرْجِسِ" (إشعياء 55: 13؛ 35: 1) .

بطلان المجد العالمي

بهتت الجموع من هذه التعاليم التي كانت تختلف اختلافا بينا عن وصايا الفريسيين ومثالهم . لقد كان الناس يعتقدون أن الغبطة تنحصر في حيازة متاع هذه الدنيا ، وأن الشهرة واحترام الناس ينبغي أن يشتهيهما الإنسان ، ولذا كان رؤساء اليهود يسرون ويبتهجون عندما يدعوهم الناس "سيدي" وعندما يمتدحونهم ويمجدونهم لحكمتهم وتدينهم إذ يعرضون فضائلهم أمام الجماهير ، فكان هذا معتبرا في نظرهم من أعظم أسباب السعادة لهم . ولكن يهوشوه أعلن أمام ذلك الجمهور العظيم أن الأرباح والكرامات الأرضية كانت هي كل الاجر الذي يحصل عليه أولئك المتفاخرون . كان يهوشوه يتكلم بكل يقين وكانت ترافق أقواله قوة إقناع عظيمة ، فأسكت الشعب وطغى على قلوبهم إحساس بالخوف والرهبة . كانوا يشخصون في وجوه بعضهم البعض وقد ساورتهم الشكوك: من منهم يمكن أن يخلص إذا كانت تعاليم هذا الإنسان حقيقية ؟ وقد اقتنع كثيرون منهم بأن هذا المعلم العظيم كان مسوقا بروح يهوه ، وأن التعاليم التي نطق لها هى تعاليم إلهية .    

بعدما شرح يهوشوه مقومات السعادة وكيف يمكن نيلها وجه أنظار تلاميذه بشكل قاطع إلى

واجبهم في إرشاد الآخرين إلى طريق البر والحياة الأبدية حيث قد اصطفاهم يهوه ليكونوا  

معلمين . لقد عرف أنهم أحيانا كثيرة سيقاسون آلام الخيبة وخوار العزم ، وسيلاقون

 مقاومة لا هوادة فيها ، وستنهال عليهم الإهانات وسيرفض الناس شهادتهم ، كما عرف جيدا أنهم إذ ينجزون مهمتهم ، فالناس المتواضعون الذين يستمعون لأقوالهم بكل انتباه

سيشي بهم الأشرار ، وسيعذبون ويطرحون في غياهب السجون ويموتون . ثم استطرد يقول:

بركات الاضطهاد

"طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ . طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ ، مِنْ أَجْلِي ، كَاذِبِينَ . اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا ، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ" (متى 5: 10- 12) .

إن العالم يحب الخطية ويبغض البر ، وكان هذا هو السبب في عدائه ليهوشوه . وكل من يرفضون محبة الفادي غير المحدودة سيجدون أن المسيحية هي عنصر مزعج . إن نور المسيا يكتسح الظلمات التي تستر خطايا الناس ، وتبدو حاجتهم إلى الإصلاح أمرا لازما كل اللزوم . ففي حين أن من يخضعون لتأثير الروح القدس تستعر في أعماقهم حرب شديدة ، فالذين يتشبثون بخطاياهم يحاربون الحق وكل الداعين إليه .

هكذا ينشأ الصراع ويُتَّهم أتباع المسيا بأنهم مكدرو الشعب . ولكن شركتهم مع يهوه ، هي التي تثير ضدهم عداوة العالم . إنهم يحملون عار المسيا ، وهم يسيرون في نفس الطريق الذي سبق أن سار فيه أنبل من قد أظلتهم السماء . فعليهم ألا يقابلوا الاضطهادات بالحزن والعويل بل بالفرح والتهليل . إن كل بلوى محرقة تحل بهم هي الوسيلة التي يستخدمها يهوه لتنقيتهم . وكل تلك التجارب تؤهلهم لأن يكونوا عاملين معه . فكل صراع له مكانة في حرب البر العظيمة ، وكل ذلك يزيد من فرح انتصارهم النهائي . وفي نور هذا الحق سيكون امتحان إيمانهم وصبرهم مقبول لديهم بكل فرح ، ولن يخافوا أو يتهربوا منه . إن عبيد يهوه إذ يـتوقون إلى القيام بالتزاماتهم للعالم ويثبتون أشواقهم في رضى يهوه واستحسانه عليهم أن يقوموا بكل واجباتهم دون ما التفات إلى خشية الناس أو رضاهم .

الأخلاق السامية البهية

قال يهوشوه: "أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ" (متى 5: 13) . لا تهجروا العالم هربا من الاضطهاد ، بل عليكم ان تلبثوا بين الناس حيث كنتم ، حتى يكون طعم رضى يهوه كالملح لحفظ العالم من الفساد.

إن القلوب التي تستجيب لنداء الروح القدس هي القنوات التي تجري فيها بركة يهوه . فلو أن من يخدمون يهوه هجروا العالم وارتحل روح السيَد من بين الناس فإن هذا العالم يترك للدمار والخراب اللذين هما الثمرة المرة لسيادة الشيطان . إن الناس الأشرار مدينون- وإن كانوا لا يعلمون ذلك- حتى ببركات هذه الحياة ، إلى وجود شعب يهوه الذين يحتقرونهم ويظلمونهم في هذا العالم . ولكن إذا كان المسيحيون لا يمتلكون من المسيحية غير اسمها فانهم يشبهون ملحا فقد ملوحته ، إذ لا يكون لهم تأثير صالح على العالم . وبسبب سوء تمثيلهم ليهوه يصيرون شرا من غير المؤمنين .

"أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ" (متى 5: 14) . لقد فكر اليهود في احتكار فوائد الخلاص لأمتهم ، ولكن المسيا أبان لهم أن الخلاص ملك لجميع الناس كنور الشمس ، إنه ملك العالم كله . فديانة الكتاب المقدس ينبغي عدم حصرها بين دفتي الكتاب ولا بين جدران كنيسة ، أو إخراجها من حين لأخر لأجل منـفعتنا الشخصية ، وبعد ذلك نلقي بها جانبا . ولكن القصد منها هو تقديس الحياة كل يوم ، وإظهار نفسها وتأثيرها في كل صفقة تجارية وفي جميع علاقاتنا الاجتماعية .

إن الخلق الحقيقي لا يصاغ من الخارج أو يلبس كرداء ، ولكنه يشع من الداخل . فإذا رغبنا في إرشاد غيرنا في طريق البر يجب أن تكون مبادئ البر مكنوزة في قلوبنا . إن اعترافنا قد يعلن مبادئ الدين ولكن تقوانا العملية هي التي تقدم للناس كلمة الحق . إن الحياة الثابتة على الحق والسيرة المقدسة والاستقامة التي لا انحراف فيها والروح النشيطة المحبة للخير والمثال الصالح هي النوافذ التي يشع منها النور إلى العالم .

إكرام المسيا للناموس

إن يهوشوه لم يتكلم كثيرا عن مطاليب الناموس ولكنة لم يعط لسامعيه المجال ليستنتجوا أنه قد جاء ليلقي بتلك المطاليب جانبا . لقد عرف أنه يوجد بين ذلك الجمع جواسيس هم على أتم استعداد للتمسك بأية كلمة يمكن استخدامها لتحقيق أغراضهم ، كما عرف التعصب الرابض في أذهان كثيرين من سامعيه ، ولذلك لم يقل شيئا ليزعزع إيمانهم في الدين أو النظم التي قد تسلموها من موسى . إن المسيا هو نفسه الذي قد سبق فأعطى الناموس الأدبي والطقسي . وهو لم يأت ليلاشي الثقة في ما سبق أن شرعه . إن السبب في إكرامه العظيم للناموس والأنبياء هو أن يهدم سياج الفرائض الطقسية التي كانت متأصلة في قلوب اليهود . وفي حين أنه ألقى جانبا تفسيراتهم الكاذبة للناموس فهو بكل حرص وقى تلاميذه من نبذ الحقائق الحيوية المسلمة للعبرانيين .

كان الفريسيون يفخرون بحفظهم للناموس ، ومع ذلك فإنهم لم يكونوا يعرفون من مبادئه إلا النزر اليسير للسير بموجبه في تصرفاتهم اليومية ، حتى لقد تراءى لهم كلام المخلص يشبه الهرطقات . وإذ اكتسح بعيدا النفاية التي كان الحق مدفونا تحتها كانوا يظنون أنه اكتسح الحق نفسه . وكانوا يتهامسون قائلين أنه يستخف بالناموس وقد عرف أفكارهم فأجابهم بقوله:

"لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ . مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ" (متى 5: 17) . وهنا دحض المسيا اتهام الفريسيين. إن مهمته التي لأجلها قد أتى إلى العالم هي أن يزكي المطاليب المقدسة لذلك الناموس الذي اتهموه ظلما بنقضه . فلو أمكن تغيير الناموس أو إلغاؤه لما كانت هنالك حاجة لأن يقاسي المسيا قصاص عصياننا . لقد أتى لكي يوضح علاقة الناموس بالإنسان ويوضح مبادئه بإطاعته وصايا الناموس .

لقد أعطانا يهوه وصاياه المقدسة. فلكي يعيننا من عواقب العصيان يعلن لنا مبادئ البر . إن الناموس يعبر عن فكر يهوه . فمتى قبلناه في المسيا يصير فكرنا ويرفعنا فوق مستوى الأميال والرغائب الطبيعية وفوق مستوى التجارب التي توقع الإنسان في الخطية . إن يهوه يريدنا أن نكون سعداء ، وقد أعطانا وصايا الناموس حتى اذا أطعناها يكون من نصيبنا الفرح والسعادة . إن الملائكة عندما ترنموا عند ميلاد المسيا قائلين: "الْمَجْدُ ليهوه فِي الأَعَالِي ، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ " (لوقا 2: 14) . كانوا يعلنون مبادئ الناموس الذي جاء هو ليعظمه ويكرمه وعندما أعلنت الشريعة من فوق جبل سيناء أعلن يهوه للناس قداسة صفاته حتى إذ يقارنون صفاته بصفاتهم يرون شر صفاتهم . لقد أعطى الناموس بقصد تبكيتهم على الخطية وإعلان حاجتهم إلى مخلص . وهو يفعل هذا عندما يطبق الروح القدس مبادئه على القلب . وما يزال يقوم بهذا العلم . وفي حياة المسيا وضحت مبادئ الناموس . وعندما يمس روح يهوه القدوس القلب ويكشف نور المسيا للناس حاجتهم إلى دمه المطهر وبره المبرر فإن الشريعة تظل وسيلة اجتذابنا إلى المسيا حتى نتبرر بالإيمان ."ناموس يهوه كامل يرد النفس" (مزمور 19: 7) .

الناموس- أبدي وعادل

قال يهوشوه: "إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ" (متى 5: 18). إن الشمس التي تشرق في السماء والأرض الصلبة التي تعيش عليها هما شاهدا يهوه على أن ناموسه لا يتغير بل هو أبدي . وحتى لو زال هذان الشاهدان فإن الوصايا الإلهية باقية . "إن زَوَالَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ تَسْقُطَ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ" (لوقا 16: 17) . إن نظام الرموز الذي كان يشير إلى يهوشوه كحمل يهوه كان سيبطل عند موته ، ولكن الوصايا العشر ثابتة ثبات عرش يهوه .

وحيث أنّ"ناموس يهوه كامل" فكل انحراف عنه هو شر . فأولئك الذين يعصون وصايا يهوه ويعلمون غيرهم أن يتمثلوا بهم سيدينهم المسيا . إن حياة الطاعة التي عاشها المخلص حفظت للناموس كرامته وبرهنت على إمكانية حفظ الناس للشريعة ، كما برهنت على سمو الأخلاق التي توجدها الطاعة . وكل من يطيعون كما قد أطاع هو يعلنون هم أيضا أن الوصية "مقدسة وعادلة وصالحة" (رومية 7: 12) . ومن الناحية الأخرى فكل من يتعدون وصايا يهوه يعاضدون ويؤيدون ادعاء الشيطان بأن الشريعة غير عادلة ولا يمكن إطاعتها . وهكذا يناصرون الخصم الأعظم في مخادعاته ويجلبون على يهوه الإهانات. إنهم بنو الشرير الذي كان أوّل من عصى شريعة يهوه . فلو سمح لهؤلاء بدخول السماء فمعنى ذلك إدخال عناصر النزاع والعصيان إلى موطن السلام والقداسة من جديد وتعريض سعادة الكون للخطر . لا يمكن أن أنسانا يستخف بمبدأ واحد من مبادئ الشريعة في إصرار ثم يدخل ملكوت السماوات.

ديانة بلا برفق

حسب معلمو الشريعة برهم جوازا به يدخلون السماء ، ولكن يهوشوه أعلن أنه غير جدير أو كاف . فالطقوس الخارجية والمعرفة النظرية للحق هي التي تكونت منها عناصر بر الفريسيين . لقد ادعوا أنهم قديسون عن طريق اجتهادهم في حفظ الناموس . ولكنهم بأعمالهم فصلوا البر عن الديانة . وإذ كانوا مدققين في ممارسة الفرائض والطقوس كانت حياتهم حياة الانحطاط والنجاسة . وبرهم الذي كانوا يتشدقون به لن يدخلهم إلى ملكوت السماوات .

إن أعظم خداع للعقل البشري في أيام المسيا كان اعتقاد الناس أن مجرد الموافقة على الحق يكون البر . وفي كل اختبارات الناس تبرهن أن معرفة الحق معرفة نظرية غير كافية لتخليص النفس ، ولا تثمر ثمار البر . إن التحمس في مراعاة ما يسمى بالحق اللاهوتي مصحوب دائما بكراهة الحق الجوهري الحقيقي الظاهر في الحياة ، كما أن أشد صفحات التاريخ سوادا مشحونة بأنباء الجرائم التي قد ارتكبها قوم متدينون متعصبون لمبادئهم . لقد ادعى الفريسيون أنهم أولاد إبراهيم ، وكانوا يفخرون بأنهم قد استؤمنوا على أقوال يهوه ، ولكن هذه الامتيازات لم تحفظهم من الأنانية أو الخبث أو الطمع في المكسب الحرام ، وأحط الرياء . لقد تصوروا أنهم أعظم أهل الدنيا تدينا ، ولكن الاستقامة التي كانوا يدعونها لأنفسهم ساقتهم أخيرا إلى أن يصلبوا سيَد المجد .

إن نفس هذا الخطر لا يزال باقيا . فكثيرون يعتبرون أنه أمر مسلم به أنهم مسيحيون لمجرد كونهم يعتنقون عقائد لاهوتية خاصة ، ولكنهم لم يمارسوا الحق في حياتهم العملية . فهم لم يؤمنون به ولا أحبوه ولذلك لم يحصلوا على القوة والنعمة اللتين تأتيان عن طريق تقديس الحق . قد يعترف الناس بإيمانهم بالحق ، و لكن إذا لم يجعلهم الحق مخلصين ومشفقين وطويلي الأناة ، وما لم يجعل تفكيرهم سماويا فإنه يصير لعنة عليهم ، وعن طريق قدوتهم وتأثيرهم يصير لعنة للعالم .

أما البر الذي علم به المسيا فهو جعل القلب والحياة في وفاق مع إرادة يهوه المعلنة . ويمكن للناس الخطاة أن يصيروا أبرارا فقط لكونهم يؤمنون بيهوه ويتصلون به اتصالا حيويا . حينئذ ترفع التقوى الحقيقية أفكارهم وتسمو بها وتجعل حياتهم حياة النبل والإصلاح . وحينئذ تصير طقوس الديانة الخارجية في حالة توافق مع طهارة المسيحى القلبية . وعندئذ لا تصبح الطقوس المطلوبة في خدمة يهوه طقوسا عديمة المعنى كطقوس الفريسيين المرائين .

الطاعة من القلب

إن يهوشوه يتناول الوصايا كلا على حدة ويوضح عمق كل وصية واتساعها . وبدلا من أن يجردها من حرف أو نقطة من قوتها فهو يرينا مدى اتساع مبادئها ، ويشهر بخطأ اليهود القاتل في تظاهرهم الخارجي بالطاعة . كما يعلن أن الإنسان قد يتعدى شريعة يهوه عندما يفكر أفكارا شريرة أو ينظر نظرة شهوانية . والإنسان الذي ينحاز إلى أقل ظلم هو كاسر للشريعة ومنحدر بطبيعته الأدبية إلى أعماق الهوان . إن جريمة القتل تُنسج خيوطها أولا في العقل . فالذي يفسح المجال للبغضة في قلبه هو سائر في طريق القتلة المجرمين . وذبائحه وتقدماته تمسي كريهة في نظر يهوه .

كان اليهود يضمرون حب الانتقام . ففي كراهيتهم للرومان كانوا يشهرون بهم بكلام قاس . وقد أرضوا عدو الخير في التشبه به في إظهار صفاته الشريرة . وهكذا كانوا يدربون أنفسهم على القيام بالأعمال المخيفة التي كان يقودهم إليها ، فلم يكن في حياة الفريسيين الدينية ما يحبب الأمم في التقوى . وقد أمرهم يهوشوه بألا يخدعوا أنفسهم بفكرة كونهم في قلوبهم يثورون على غاضبيهم ومضطهديهم ويحتضنون الشوق للانتقام للمظالم التي قد وقعت عليهم .

أجل ، إنه يوجد غضب مشروع حتى ولو كان بين أتباع المسيا . فعندما يرون اسم يهوه مهانا وخدمته محتقرة ، وحين يرون الظلم يحيق بالأبرياء فإن الغضب المقدس يضطرم في نفوسهم . مثل هذا الغضب الذي مبعثه الأخلاق الحساسة ، يعتبر خطية . ولكن أولئك الذين لدى أقل إثارة أو إغاظة يطلقون لسخطهم العنان ويسمحون لأنفسهم بالتورط في الغضب أو الحنق يعطون إبليس في قلوبهم مكانا . فينبغي لنا أن نبعد عن نفوسنا كل مرارة وعداء إذا أردنا أن نكون في حالة وفاق مع السماء .

ثم استطرد المخلص إلى التصريح بما هو أبعد من ذلك فقال . " فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ " (متى 5: 23، 24) . إن كثيرين من الغيورين في خدماتهم الدينية توجد بينهم وبين أخوتهم خلافات محزنة كان يمكنهم تسويتها . إن يهوه يريدهم أن يبذلوا كل ما في طوقهم لإقرار السلام . وما لم يفعلوا ذلك فلا يمكنه أن يقبل خدماتهم أو يرضى عنها . إن الواجب المسيحي لواضح من هذا القبيل .

المقياس الذي يريده يهوه

إن يهوه يغدق بركاته على الجميع: " يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ " (متى 5: 45) ، وهو " مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ الشَّاكِرِينَ وَالأَشْرَارِ " (لوقا 6: 35) . وهو يأمرنا بأن نتمثل به ، فلقد قال يهوشوه: " بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ . أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ ... لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ " (متى 5: 44، 45) . هذه هي مبادئ الشريعة وهي ينبوع الحياة . إن مقياس يهوه لأولاده هو أسمى من كل ما يمكن أن يصل إليه الفكر البشري: " فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ " (متى 5: 48) . هذا الأمر هو وعد . إن تدبير الفداء يشمل تحررا كاملا لنا من سلطان الشيطان . لأن المسيا دائما يعزل النفس المنسحقة ويفصلها عن الخطية . لقد أتى لكي ينقض أعمال إبليس ، وقد أعد العدة لكي يمنح الروح القدس لكل نفس تائبة لحفظها من ارتكاب الخطية .

إن وجود عمل المجرب ينبغي ألا يكون عذرا لأي إنسان لكي يرتكب خطية واحدة . والشيطان يفرح جدا عندما يسمع أولئك الذين يعترفون بأنهم أتباع المسيا يعتذرون عن أخلاقهم المشوهة الضعيفة ، فهذه الأعذار هي التي تقود إلى الخطية . ولكن ليس لأي إنسان أي عذر لارتكاب الخطية . إن الخلق المقدس والطبع الوديع والحياة المسيحية هي في متناول كل ابن يهوه تائب ومؤمن .

إن مقياس الخلق المسيحي هو التمثل بالمسيا . فكما كان ابن الإنسان كاملا في حياته كذلك يجب على كل تابعيه أن يكونوا كاملين في حياتهم . لقد كان يهوشوه شبيها بإخوته في كل شيء . فلقد صار جسدا مثلنا . جاع وعطش وتعب . وقد أسند قلبه بالطعام وانتعش بالنوم وقاسم الناس في نصيبهم ، ومع ذلك فقد كان هو ابن يهوه الذي بلا عيب . كان هو ابن يهوه الظاهر في الجسد ، وينبغي أن تكون صفاته لنا . إن السيَد يقول عمن يؤمنون به: " إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا ، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا " (2 كورنثوس 16:6) .

المسيا هو السلم التي رآها يعقوب ترتكز بقاعدتها على الأرض ورأسها تمس السماء ، حتى إلى أعتاب المجد . فلو قصرت هذه السلم دون الوصول إلى الأرض درجة واحدة لكنا قد هلكنا . ولكن المسيا يصل إلينا في مستوانا . لقد اتخذ طبيعتنا وانتصر حتى إذا أخذنا طبيعته ننتصر . ومع إن يهوه "أرسل ابنه في شبه جسد الخطية" (رومية 8: 3) فقد عاش بلا خطية . والآن هو بألوهيته يمسك بعرش السماء ، بينما ببشريته يتصل بنا . وهو يأمرنا أن نبلغ مجد صفات يهوه بالإيمان به . لذلك يقول متشددا: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" .

الإخلاص في الخدمة

لقد سبق يهوشوه فأبان لنا في أي شيء ينحصر البر ، كما أشار إلى يهوه على اعتبار أنه مصدره . والآن ها هو يتجه إلى الواجبات العملية . ففي الصدقات والصلوات والأصوام قال لنا لا تفعلوا شيئا لكي تسترعوا انتباه الناس إليكم أو لتحصلوا على المديح والمجد العالمي . قدم عطاياك لي بإخلاص في الخفاء لإسعاف المساكين المتألمين . وفي الصلاة لتكن النفس في شركة مع يهوه . وفي الصوم لا تسر في طريقك خافض الرأس وقلبك ممتلئ بتفكيرك في نفسك . إن قلب الفريسي هو تربة قاحلة لا نفع فيها ولا يمكن أن ينمو فيها بذار الحياة الالهية . ولكن ذاك الذي يسلم نفسه ليهوه بدون تحفظ هو الذي يقدم لجلاله أعظم خدمة مقبولة ، لأنه عن طريق الشركة مع يهوه يصير الناس عاملين معه في إظهار صفاته في البشرية .

والخدمة التي تقدم بإخلاص القلب لها جزاؤها "أبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانية" (متى 6: 4) . فبالحياة التي نحياها بنعمة المسيا تتكون أخلاقنا ، وسيعود إلى النفس جمالها الأصلي ، وتغرس فينا صفات المسيا ، والصورة الإلهية يبدأ سناها يشع من قلوبنا . إن وجوه الرجال والنساء الذين يسيرون ويحملون مع يهوه تعبر عن سلام السماء ويكونون محاطين بجو سماوي . فلمثل هؤلاء الناس قد بدأ ملكوت يهوه . إن لهم فرح المسيا ، فرح كونهم بركة للآخرين ، ولهم فخر كونهم قد قبلوا لخدمة السيد ، واستؤمنوا على عمله ليعملوه باسمه .

التكريس الكامل

"لا يقدر أحد أن يخدم سيدين" (متى 6: 24) . إننا لا يمكننا أن نخدم يهوه بقلب منقسم . وديانة الكتاب ليست عاملا بين عوامل أخرى كثيرة بل ينبغي أن يكون تأثيرها هو السائد متغلغلا في القلوب ومسيطرا على كل تأثير آخر . يجب ألا تكون كلمسات أحد الألوان ترى على الشاشة في بعض نواحيها ، بل يجب أن تسيطر على الحياة بجملتها كما لو أن الشاشة تنغمس في ذلك اللون الواحد حتى تصطبغ كل أجزاء ذلك النسيج بلون لا يزول .

"فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا"(متى 6: 22 ، 23) . إن الطهارة والثبات في المبدأ هما الشرطان اللذان بموجبهما نحصل على نور من يهوه . فكل من يريد أن يعرف الحق ينبغي أن يكون راغبا في قبول كل ما يعلنه الحق . ينبغي ألا يعقد مساومة مع الخطأ . إن كون الإنسان مذبذبا منقسم القلب ومترددا في إظهار ولائه للحق معناه اختيار ظلمة الخطأ وخداع الشيطان . إن السياسة واللباقة العالمية لا يمكن اندماجهما مع مبادئ البر الراسخة بحيث يريان كشيء واحد كألوان قوس قزح . فبين الاثنين فاصل كبير واضح رسمه يهوه السرمدي . إن صورة المسيا هي على عكس صورة الشيطان والفرق بينهما واضح وجلي كالفرق بين نور الظهيرة وظلام نصف الليل . والذين يحيون حياة المسيا هم وحدهم شركاؤه في العمل . فإذا احتضن إنسان خطية واحدة في قلبه أو أبقى على عمل واحد خاطئ في حياته فإن كيانه كله يتلوث بحيث يصير ذلك الإنسان آلة لعمل الإثم .

عناية يهوه بالإنسان

على كل من اختاروا خدمة يهوه إن يستريحوا إلى عنايته ورعايته . وقد أشار المسيا إلى طيور السماء وزنابق الحقل ، وأمر سامعيه أن يتأملوا في هذه الخلائق ، ثم قال: "أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟" (متى 6: 26) . إن مقياس التفات يهوه إلى أي شيء يتناسب مع مكانته في ميزان الوجود . وعناية يهوه ترعى الطائر الصغير وتسهر عليه . وزنابق الحقل والعشب الذي يكسو الأرض بحلة خضراء يانعة لها نصيب في اهتمام الأب السماوي ورعايته . إن المهندس الأعظم فكّر في الزهور وزنابق الحقل فجمّلها بحيث فاق جمالها مجد سليمان . فكم وكم يهتم بالإنسان الذي هو صورة مجد يهوه . وهو يتوق لأن يرى أولاده متشبهين به في الصفات . ومثلما تعطي أشعة الشمس للزهور ألوانها الناصعة هكذا يعطى يهوه للروح الوديعة جمال صفاته الإلهية .

إن كل من يختارون ملكوت المسيا الذي هو ملكوت المحبة والبر والسلام ويجعلون مطاليبه ومصالحه فوق كل ما عداها هم مرتبطون بالعالم السماوي ، وكل بركة يحتاجون إليها في هذه الحياة هي لهم . وفي سفر عناية يهوه ، سفر الحياة ، خصص لكل منا صفحة فيه . وفي تلك الصفحة تكتب كل تفاصيل تاريخنا ، وحتى شعور رؤوسنا جميعها محصاة . إن يهوه لا ينسى أولاده أبدا .

"فلا تهتموا للغد" (متى 6: 34) . علينا أن نتبع المسيا يوما فيوما . إن يهوه لا يمنحنا عونا للغد . وهو لا يعطي أولاده كل التعليمات اللازمة لسماحتهم مدى الحياة مرة واحدة لئلا يصيبهم الارتباك والحيرة . ولكنه يخبرهم على قدر ما يستطيعون تذكره والعمل به . فالقوة والحكمة اللتان تمنحان لهم هما لأجل الحاجة الراهنة: " إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ يهوه الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ ، فَسَيُعْطَى لَهُ " (يعقوب 1: 5) .

 لاَ تَدِينُوا 

"لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا" (متى 7: 1) . لا تحسب نفسك أفضل من غيرك فتقيم نفسك قاضيا عليه . وحيث أنك لا تستطيع تمييز البواعث فأنت غير أهل للحكم على الآخرين . أنت يا من تدين أخاك تحكم على نفسك ، وأنت بذلك تبرهن على أنك شريك الشيطان المشتكي على الإخوة . والسيَد يقول: "جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ" هذا هو عملنا وواجبنا . "لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا" (2 كورنثوس 13: 5؛ 1 ‎كورنثوس 11: 31) .

إن الشجرة الجيدة تصنع ثمارا جيدة . فإذا كان الثمر لا يذاق ولا ينفع في شيء كانت الشجرة رديئة . وكذلك ثمار الحياة تشهد على حالة القلب وسمو الخلق إن الأعمال الصالحة لا يمكنها أبدا أن تشتري الخلاص ، ولكنها برهان على الإيمان العامل بالمحبة الذي يطهر النفس . ومع أن الجزاء الأبدي لا يمنح لنا لاستحقاقنا إلا أنه سيكون بنسبة العمل الذي قد عملناه بنعمة المسيا .

وهكذا أعلن المسيا مبادئ ملكوته وأعلن أنها دستور الحياة العظيم . ولكي يعمق هذه التعاليم في القلوب أورد مثلا ، فقال أنه لا يكفي أنكم تسمعون أقوالي بل ينبغي أن تجعلوها أساس أخلاقكم وطاعتكم . إنّ الذات ما هي إلا رمال سائبة. فإذا بنيتم على النظريات والمخترعات البشرية فسيسقط بناؤكم لأن رياح التجارب وعواصف البلايا تكتسحه . أما المبادئ التي قدمتها لكم فستبقى . فاقبلوني وابنوا بناءكم على أقوالي .

"فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا ، أُشَبِّهُهُ بِرَجُل عَاقِل ، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ . فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَوَقَعَتْ عَلَى ذلِكَ الْبَيْتِ فَلَمْ يَسْقُطْ، لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّسًا عَلَى الصَّخْرِ" (متى 7: 24، 25) .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
5
27
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
08
19
Calendar App