8. عاصفة في الليل
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

لقد كان يوماً كثير الوقائع في حياة يهوشوه . فبجانب بحر الجليل كان قد ألقى أمثاله الأولى ، وبتشبيهات مألوفة فسر للشعب ثانية طبيعة ملكوته والكيفية التي بها سيثبت ويدوم . لقد شبه عمله بعمل الزارع ، كما شبه نمو ملكوته بنمو حبة الخردل وتأثير الخميرة في أكيال الدقيق . وذلك الانفصال النهائي العظيم بين الأبرار والأشرار صوره في مثل الحنطة والزوان وشبكة الصيد . وقيمة الحقائق الإلهية الغالية التي نطق بها شبهت بالكنز المخفي واللؤلؤة الكثيرة الثمن ، بينما في مثل سيَدنا البيت علم تلاميذه كيف يجب عليهم أن يكدوا ويعملوا كنواب عنه .

لقد ظل طوال اليوم يعمل ويشفي ، فلما أقبل المساء كانت الجموع لا تزال تتقاطر عليه . ويوما بعد يوم كان يخدم أولئك الناس حتى لم يكد يجد الوقت للراحة أو لتناول الطعام . ثم إن انتقاد الفريسيين اللاذع له وتحريفهم لكلامه وتشويههم لصفاته ، كل هذه الأمور التي كانوا يتعقبونه بها كل يوم بلا هوادة جعلت عمله أشد قساوة وإزعاجا له . ففي نهاية اليوم كان السيد مضنى ومرهقاً جداً حتى لقد عزم على الاعتكاف في مكان منعزل عبر البحيرة .

لم يكن شاطئ بحيرة جنيسارت الشرقي خاليا من السكان فقد كان بعض المدن والقرى هنا وهناك بجانب البحيرة ، ولكن بالمقابلة بالشاطئ الغربي كان هذا الشاطئ الشرقي يعتبر موحشا . ثم إن غالبية السكان كانت من الوثنيين ، أما اليهود فكانوا أقلية . ولم يكن لهذا الشاطئ اتصال كبير بالجليل . لذلك كان ذلك الجانب ملائما للعزلة التي طلبها يهوشوه ، ثم أمر تلاميذه بالذهاب معه إلى هناك.

نوء في البحيرة

بعدما صرف الجموع أخذوه "كما كان" في السفينة وأقلعوا بسرعة . ولكنهم لم يمضوا وحدهم  فقد كانت توجد قوارب صيد أخرى على الشاطئ سرعان ما امتلأت بالناس الذين تبعوا يهوشوه لأنهم كانوا لا يزالون مشتاقين لرؤيته وسماع تعاليمه.

أخيرا استطاع المخلص أن يستريح من ضغط الجموع عليه ، وإذ غلبه الإرهاق والجوع اضطجع في مؤخر السفينة وسرعان ما غلبه النوم . كان ذلك المساء هادئا وجميلا ، والسكون يخيم على البحيرة . ولكن فجأة اظلم الجو وهبت الرياح من أعالي الجبال على الشاطئ الشرقي فثارت على البحيرة عاصفة هوجاء.

كانت الشمس قد غابت فشمل الظلام تلك البحيرة المائجة وإذا بالأمواج تندفع بقوة وتصدم بعنف وقوة جوانب سفينة التلاميذ وتهددها بالإغراق في الماء . كان هؤلاء الصيادون الشجعان قد قضوا حياتهم في البحيرة ، وكانوا يسيرون بسفينتهم بسلام في وسط عواصف شديدة كثيرة . أما الآن فإن قوتهم ومهارتهم لم تجدياهم فتيلا . فكانوا عاجزين وهم في قبضة العاصفة وقد خذلهم الأمل عندما رأوا سفينتهم تكاد تمتلئ بالماء .

وإذ كانوا منهمكين في محاولتهم لإنقاذ أنفسهم نسوا أن يهوشوه كان على ظهر السفينة . أما الآن فإذ رأوا أن كل محاولاتهم إنما هي إلى العبث ، وليس أمامهم سوى الموت تذكروا بأمر من قد بدأوا في عبور البحر . كان رجاؤهم الوحيد في يهوشوه . ففي عجزهم ويأسهم صرخوا قائلين: "يا معلم . يا معلم!" ولكن الظلمة الحالكة حجبته عن أنظارهم . وقد ابتلعت صرخاتهم في وسط زئير العاصفة فلم يكن مجيب . وقد هاجمتهم الشكوك والمخاوف . فهل هجرهم يهوشوه أو تخلى عنهم؟ وهل ذاك الذي قهر الأمراض والشياطين وحتى الموت يعجز الآن عن تقديم العون لتلاميذه؟ وهل يغفل عنهم في ضيقهم؟

عادوا يصرخون مرة أخرى فلم يجبهم غير زئير ذلك النوء الغاضب . وها قد بدأت سفينتهم في الغرق . ولقد بدأ وكأنهم بعد لحظة ستبتلعهم المياه الفاغرة أفواها.

سيد البحر

ولكن فجأة يخترق وميض البرق أحشاء تلك الظلمات فيرى التلاميذ يهوشوه نائما لا تزعجه كل تلك الضجة ، وإذا بهم في ذهولهم ويأسهم يصرخون قائلين: "يَا مُعَلِّمُ ، أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ؟" (مرقس 4: 38) . كيف يستريح هادئا مطمئنا بهذا الشكل في حين أنهم في خطر يصارعون الموت؟

وقد أيقظ صراخهم يهوشوه . وإذ كشفه لهم نور البروق رأوا سلام السماء مرتسما على محياه ، وقرأوا نظراته المحبة الرقيقة التي لا تفكر في نفسها . وإذ اتجهوا إليه بقلوبهم صرخوا قائلين: "يَا سَيِّدُ ، نَجِّنَا فَإِنَّنَا نَهْلِكُ!" (متى 8: 25) .

لم يسبق لأي نفس أن صرخت مثل تلك الصرخة ولم يلتفت السيد إليها . وإذ يمسك التلاميذ بالمجاديف ليبذلوا آخر مجهود يقوم يهوشوه . إنه يقف في وسط تلاميذه والعاصفة تثور عليهم والأمواج تصدمهم والبروق تلمع على وجهه . وإذا به يرفع يده التي طالما استخدمها في أعمال الرحمة ، ثم يقول للبحر الغاضب الصاخب: "اسكت. ابكم" (مرقس 4: 39) وإذا بالعاصفة تهدأ والأمواج تسكن ، والسحب تنقشع والنجوم تلمع في السماء والسفينة تسير آمنة في ذلك البحر الهادئ . وإذ يلتفت يهوشوه إلى تلاميذه يسألهم قائلا في حزن: "مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ هكَذَا؟ كَيْفَ لاَ إِيمَانَ لَكُمْ؟" (مرقس 4: 40) .

فاستولى على التلاميذ صمت مهيب . حتى بطرس لم يحاول التعبير عن الرهبة التي ملأت قلبه . هذا وإن السفن التي كانت سائرة في البحر لمرافقة سفينة يهوشوه كانت واقعة في نفس الخطر الذي كان محدقا بسفينة التلاميذ . كان الرعب واليأس قد استوليا على قلوب كل من كانوا في تلك السفن ، ولكن أمر يهوشوه أدخل السلام والهدوء إلى مشهد الرعب ذاك . إن عنف العاصفة جعل السفن تتقارب من بعضها البعض ولذلك رأى من كانوا على ظهرها تلك المعجزة . ففي غمرة السكون الذي شمل البحر نسي الخوف . فجعل الناس يتهامسون قائلين: "مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضًا وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!" (مرقس 4: 41) .

عون في وقت الخطر

إن يهوشوه عندما أوقظ ليواجه تلك العاصفة كان يتمتع بسلام كامل . لم يكن هنالك أي أثر للخوف في كلامه أو نظراته لأن قلبه كان خاليا من الخوف . إلا أن راحته لم تكن بسبب  قوته الإلهية الجبارة . ولم يكن هادئا أو ساكنا لأنه كان "سيد الأرض والبحر والسماء" ، فلقد أخلى نفسه من ذلك السلطان ، وهو الذي قال: "أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا" (يوحنا 5: 30) . لقد وثق بقدرة أبيه . واستراح يهوشوه في الإيمان- الإيمان في محبة أبيه ورعايته ، وإن قوة تلك الكلمة التي هدأت البحر كانت قوة يهوه .

وكما استراح يهوشوه بالإيمان في رعاية الآب فكذلك علينا أن نطمئن إلى رعاية مخلصنا . لو كان التلاميذ قد اتكلوا عليه لكانوا قد حفظوا في سلام . فكشف خوفهم في ساعة الخطر عن عدم إيمانهم . وفي محاولتهم تخليص أنفسهم نسوا يهوشوه . وإذ كانوا يائسين من الاعتماد على أنفسهم اتجهوا إليه فأمكنه أن يعينهم .

كم من مرة يكون اختبار التلاميذ هو اختبارنا ! فعندما تتجمع عواصف التجارب وتلمع البروق المخيفة وتطغى علينا الأمواج فإننا نصارع مع العاصفة وحدنا وقد نسينا أن هنالك من يستطيع أن يعيننا . إننا نثق بقوتنا حتى يخيب رجاؤنا ونوشك على الهلاك ، وحينئذ نذكر يهوشوه . ومتى صرخنا إليه ليخلصنا فلن يكون صراخنا باطلا . ومع إنه يوبخنا بحزن على عدم إيماننا وثقتنا بذواتنا فإنه دائما يمنحنا العون الذي نحتاجه . وسواء كنا على اليابسة أو في عرض البحر فمتى كان المخلص ساكنا في قلوبنا ليس هناك ما يدعو إلى الخوف . إن الإيمان الحي بالفادي يهدئ بحر الحياة المضطرب وينقذنا من الخطر بالكيفية التي يرى هو أنها أفضل من سواها.

سلام مع يهوه

وهنالك درس روحي آخر من معجزة إسكات العاصفة . إن اختبار كل إنسان يشهد بصدق أقوال الكتاب المقدس: "أَمَّا الأَشْرَارُ فَكَالْبَحْرِ الْمُضْطَرِبِ لأَنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدَأَ ... لَيْسَ سَلاَمٌ ، قَالَ إِلهِي ، لِلأَشْرَارِ" (إشعياء 57: 20, 21) . لقد قضت الخطية على سلامنا . فما دامت الذات لم تخضع بعد فلا يمكننا أن نذوق طعم الراحة . لا يمكن لأية قوة بشرية أن تضبط الأهواء والشهوات المسيطرة على القلب . إننا في هذا نمسي عاجزين كما قد عجز التلاميذ عن تهدئة تلك العاصفة الهوجاء . ولكن ذاك الذي نطق بكلمة هدأت أمواج بحر الجليل ينطق بنفس كلمه السلام لكل إنسان . فمهما يكن عنف العواصف فإن كل من يصرخون إلى يهوشوه قائلين: "يَا سَيِّدُ نَجِّنَا" (متى 8: 25) سيجدون الخلاص . إن نعمته التي تصالح النفس مع يهوه تهدئ مصارعات الأهواء البشرية ، فيستريح القلب في محبته. "يُهْدِئُ الْعَاصِفَةَ فَتَسْكُنُ ، وَتَسْكُتُ أَمْوَاجُهَا . فَيَفْرَحُونَ لأَنَّهُمْ هَدَأُوا ، فَيَهْدِيهِمْ إِلَى الْمَرْفَإِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ"(مزمور 107: 29, 30). "فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ يهوه سيدنا يهوشوه الْمسيا" ، "وَيَكُونُ صُنْعُ الْعَدْلِ سَلاَمًا ، وَعَمَلُ الْعَدْلِ سُكُونًا وَطُمَأْنِينَةً إِلَى الأَبَدِ" (رومية 5: 1؛ إشعياء 32: 17).    

الشياطين تهاجمهم

وفي بكور اليوم التالي وصل المخلص ورفاقه إلى الشاطئ . وقد لمست أشعة الشمس المشرقة البحر والأرض بلمسة السلام . ولكن ما إن وصلوا إلى الشاطئ حتى وقعت عيونهم على منظر أشد رعباً من هول العاصفة . ذاك أن اثنين من المجانين خرجا من مخبأين من بين القبور واندفعا صوبهم كأنما يريدان أن يمزقا أجسامهم إربا . وقد كان عالقا بأيديهما وأرجلهما بعض السلاسل والقيود التي كانا قد كسراها عند هروبها من الحبس . وكان لحمهما ممزقا يسيل منه الدم إذ كانا قد جرحا نفسيهما بالحجارة الحادة . وكانت عيونهما تحملق في أولئك القادمين من خلال الشعر الطويل الأشعث . وقد بدأ كأن صورة الإنسانية فيهما قد محيت بأيدي الشياطين التي كانت تسكن فيهما . فكانا أقرب إلى الوحوش الضارية منهما إلى الناس .

هرب التلاميذ ورفاقهم من هول الرعب ، ولكنهم سرعان ما اكتشفوا أن يهوشوه قد تخلف عنهم فعادوا يبحثون عنه فوجدوه واقفا حيث تركوه . إن ذاك الذي سكن العاصفة ، والذي سبق أن واجه الشيطان وهزمه لم يهرب من تلك الشياطين . فعندما كان ذانك المجنونان يصران بأسنانهما والزبد يخرج من فم كل منهما واقتربا من يهوشوه رفع تلك اليد التي هدأت أمواج البحر ، وحينئذ لم يستطع ذانك المجنونان أن يقتربا منه أكثر من ذلك . وقفا أمامه وصدراهما يغليان ولكنهما كانا عاجزين عن عمل شيء .

وبكل سلطان أمر يهوشوه الأرواح النجسة أن تخرج منهما ، فتغلغل كلامه في أعماق العقل المظلم لكل من ذينك الرجلين التعيسين ، وتحققا ، وإن يكن بغير وضوح أن بالقرب منهما شخصا يمكنه أن يخلصهما من الشياطين التي تعذبهما ، فسقطا عند قدمي المخلص ساجدين أمامه . ولكن عندما انفرجت شفاهما لتطلب منه الرحمة تكلمت الشياطين فيهما صارخة بشدة وقائلة: "مَا لِي وَلَكَ يَا يهوشوه ابْنَ يهوه الْعَلِيِّ؟ أَسْتَحْلِفُكَ بيهوه أَنْ لاَ تُعَذِّبَنِي!"(مرقس 5: 7) .

تغيير مدهش

فسأله يهوشوه: "مَا اسْمُكَ" فأجابه قائلاً: "اسْمِي لَجِئُونُ ، لأَنَّنَا كَثِيرُونَ" (مرقس 5: 9) . وإذ استخدمت الشياطين ذينك المجنونين واسطة للاتصال والتخاطب توسلوا إلى يهوشوه ألا يرسلهم خارج الكورة . وعند سفح جبل غير بعيد عن ذلك المكان كان قطيع كبير من الخنازير يرعى . فطلبت منه الشياطين السماح لها بالدخول في الخنازير فأذن لها يهوشوه بذلك . ففي الحال شمل الرعب ذلك القطيع فاندفعت كل تلك الخنازير بسرعة جنونية إلى أسفل الصخور ، وإذ لم تستطع التوقف على الشاطئ اندفعت إلى أعماق البحيرة وغرقت .

وفي أثناء ذلك حدث تغيير عجيب للمجنونين . فقد أشرق النور على عقلهما وأضاء من عيونهما نور الذكاء . ووجهاهما اللذان كانا مشوهين كوجوه الشياطين ساد عليهما الهدوء فجأة . والأيدي الملوثة بالدماء عادت عديمة الأذى ، وبأصوات الفرح مجد ذانك الرجلان يهوه على خلاصهما .

ومن فوق الصخور شاهد رعاة الخنازير كل ما حدث فأسرعوا يقصون ذلك الخبر على أصحاب الخنازير وكل الناس ، فتجمع كل سكان المدينة حول يهوشوه في خوف ودهشة . لقد كان المجنونان مبعث الرعب لكل سكان ذلك الإقليم ، فلم يكن أحد يأمن على حياته بالمرور من طريقهما ، إذ كانا يهاجمان كل عابري الطريق بكل ما في الشيطان من غضب واهتياج . أما الآن فقد صار ذانك الرجلان لابسين وعاقلين جالسين عند قدمي يهوشوه يصغيان إلى أقواله ويمجدان اسم ذاك الذي قد حررهما وشفاهما . ولكن الناس الذين رأوا هذا المنظر العجيب لم يفرحوا . إن غرق الخنازير في البحيرة كان في نظرهم مصيبة أفدح ، لا تتناسب مع شفاء المجنونين اللذين كانا تحت أسر الشيطان .

ولكن خسارة الخنازير كانت رحمة من يهوه مقدمة لأصحابها . فلقد كانوا مرتبكين في الأرضيات ولم يكترثوا لمصلحتهم العظيمة التي هي مصلحة الحياة الروحية . ولقد رغب يهوشوه في تحطيم الأثرة وعدم المبالاة حتى يقبلوا نعمته . ولكن حسرتهـم وغيظهم بسبب خسارتهم الزمنية أعمت عيونهم فلم يروا رحمة المخلص .

يفضلون المصالح الزمنية

إن إظهار قدرة المسيا الفائقة الطبيعة أثارت الخرافات والمخاوف في نفوس أولئك الناس . فقد كانوا يخشون من وقوع كوارث جديدة لو ظل ذلك الغريب بينهم  . كانوا يخافون من الانهيار الاقتصادي فعقدوا العزم على التخلص من وجود السيد . إن من قد عبروا البحيرة مع يهوشوه أخبروا أهل تلك الكورة بما حدث في الليلة السابقة عن المخاطر التي اكتنفتهم عندما هجمت عليهم العواصف والأنواء وكيف هدأت كلها . ولكن كلامهم لم يكن له أي تأثير ، فتجمهر الناس حول يهوشوه وهم مرتعبون وسألوه أن يذهب عنهم . وقد أجابهم يهوشوه إلى طلبهم وركب السفينة ليعبر البحيرة إلى الشاطئ الآخر .

كان ماثلا أمام عيون أهل جرجسة مثال حي على قدرة المسيا ورحمته . رأوا الرجلين اللذين خرجت منهما الشياطين وقد صارا عاقلين . ولكنهم كانوا يخشون من تعريض مصالحهم الدنيوية للخطر حتى لقد عاملوا ذاك الذي قهر سلطان الظلمة أمام عيونهم كما لو كان إنسانا متطفلا عليهم ، فتحول ذاك الذي هو عطية السماء بعيدا عن دورهم .

ليس ما يدعونا إلى الابتعاد عن المسيا كما كانت الحال مع الجرجسيين ، ومع ذلك فيوجد كثيرون ممن يرفضون إطاعة كلامه لأن الطاعة تقتضي التضحية ببعض المصالح المالية . كثيرون يرفضون نعمة السيَد يهوشوه ويطردون روحه لئلا ينطوي حضوره على خسارة مادية تصيبهم .

لكن شعور ذينك المجنونين اللذين أعيد إليهما وعيهما وقواهما العقلية كان يختلف عن ذلك اختلافا بينا . كانا يتوقان إلى ملازمة من قد حررهما . ففي حضرته كانا يشعران بالراحة والأمان من الشياطين التي عذبتهما ومررت حياتهما وأذلت رجولتهما . ففيما كان يهوشوه يهم بالنزول في السفينة ظلا ملازمين له وجثيا عند قدميه طالبين منه أن يسمح لهما بالبقاء قريبا منه حيث يتسنى لهما سماع تعاليمه . ولكن يهوشوه أمرهما بالذهاب إلى بيتهما وأهلهما ليخبرا بكم صنع السيَد بهما ورحمهما .

شاهدان ليهوه

هاهو الآن يسند إليهما عملا يعملانه ، وهو أن يذهبا إلى بيت وثني أممي ليخبرا من فيه عن البركة التي نالاها منه . كانا يحسان بصعوبة الانفصال عن المخلص . فلابد من أن تواجههما صعاب عظيمة بسبب معاشرتهما لمواطنيهما الوثنيين . ثم أن اعتزالهما عن الناس أمدا طويلا بدا كأنه يقلل من أهليتهما للعمل الذي أسنده إليهما يهوشوه . ولكن حالما أرشدهما السيَد إلى واجبهما كانا على أتم استعداد لإطاعته . ولم يكتفيا بالتحدث مع عائلتيهما وأقربائهما وجيرانهما عن يهوشوه ولكنهما جالا في كل المدن العشر يعلنان في كل مكان عن قدرة المسيا على أن يخلص ، ويصفان للناس كيف حررهما من الأرواح الشريرة . وإذ قاما بذلك الحمل حصلا على بركة أعظم مما لو بقيا في حضرة السيد ليحصلا على نفع ومتعة لنفسيهما . إننا إذ نذيع بشرى الخلاص نصير قريبين من قلب المخلص .

إن ذينك المجنونين اللذين شفيا كانا في طليعة الرسل الذين أرسلهم المسيا للكرازة بالإنجيل في ذلك الإقليم الواقع شرقي الأردن . لقد أُعطي لهذين الرجلين امتياز سماع تعاليم المسيا لمدى لحظات قليلة . إنهما لم يسمعا من فمه عظة واحدة ، ولم يكونا يستطيعان أن يعلما الشعب كما كان يستطيع التلاميذ الذين كانوا يلازمونه كل الأيام . ولكنهما كانا يحملان في قلبيهما الدليل على كون يهوشوه هو مسيا . كانا يستطيعان أن يقولا ما يعرفانه وما قد رأياه وسمعاه وأحسا  به من قوة المسيا . وهذا ما يستطيع أن يفعله كل من مست نعمة يهوه قلبه . وقد كتب يوحنا التلميذ الحبيب يقول: "اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا ، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا ، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ  . . . الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ" (1 يوحنا 1: 1- 3) . فكشهود للمسيا علينا أن نشهد بما نعرفه وما قد سمعناه بآذاننا ورأيناه بعيوننا وما أحسسنا به . لو كنا سائرين وراء يهوشوه خطوة فخطوة فسنقول الصواب عن الطريق التي قادنا فيها . يمكننا أن نقول للناس إننا قد جربنا وعد يهوه فوجدناه صادقا . ويمكننا أيضا أن نشهد لما قد عرفناه من نعمة المسيا . هذه هي الشهادة التي يدعونا إليها السيد ، والتي لعدم توافرها يهلك العالم .

ومع أن أهل كورة جرجسة لم يقبلوا يهوشوه فهو لم يتركهم يعمهون في الظلمة التي اختاروها لأنفسهم . فعندما طلبوا منه أن ينصرف عن تخومهم ما عادوا يسمعون كلامه . لقد كانوا يجهلون قيمة من رفضوه ، ولهذا أرسل إليهم النور مرة أخرى بواسطة الرجلين اللذين ما كانوا ليرفضوا سماع كلامهما .

إن الشيطان كان يرمي من وراء إغراق الخنازير إلى إبعاد الناس عن المخلص وإلى منع الكرازة بالإنجيل في ذلك الاقليم . ولكن نفس هذا الحادث أيقظ كل تلك الكورة أكثر مما كان يمكن أن يفعله أي حادث آخر فاتجه انتباه الجميع إلى المسيا . فمع أن المخلص نفسه رحل عنهم فإن ذينك الرجلين اللذين كان قد شفاهما ظلا شاهدين لقدرته . فذانك اللذان كانا آلات في يد رئيس الظلمة صارا قنوات لإيصال النور لمواطنيهما ورسولين لابن يهوه . لقد اندهش الناس لدى سماعهم تلك الأخبار المدهشة . وانفتح باب لرسالة الإنجيل في كل تلك الكورة . ولما عاد يهوشوه إلى المدن العشر مرة أخرى تجمهر الناس حوله ، ولمدة ثلاثة أيام لم يسمع رسالة الخلاص سكان مدينة واحدة ، ولكن سمعها آلاف من كل أهل الكورة المجاورة . إنه حتى قوة الشيطان هي تحت سيطرة المخلص ، وعمل الشر يمكن أن يتحول إلى خير .

الواقي من قوة الشيطان

كان اللقاء مع مجنوني جرجسة درسا للتلاميذ ، إذ تبرهن لهم إلى أية دركة عميقة يحاول الشيطان أن يحدر كل الجنس البشري ، وأن مهمة المسيا هي تحرير الناس من سلطانه . فذانك الرجلان البائسان اللذان كانا يسكنان تحت القبور وقد تسلطت عليهما الشياطين وصارا مستعبدين لأهواء وشهوات كريهة وجامحة- ذانك الرجلان يصوران لنا المصير الذي كان يمكن للجنس البشري أن يصير إليه لو أُسلم لسلطان الشيطان . إن الشيطان يستخدم قوته على الدوام لكي يصيب كل قوى الإنسان وحواسه بالخبال ويوجه العقل إلى الشر ويحرضه على الالتجاء إلى العنف والظلم وارتكاب الجرائم . إنه يضعف الجسم ويظلم العقل ويشوشه ويحط من شأن النفس . وأينما يرفض الناس دعوة المخلص فهم بالفعل يخضعون للشيطان . إن كثيرين من الناس في كل نواحي الحياة ، في البيت وفي العمل وحتى في الكنيسة يعملون نفس هذا العمل في هذه الأيام . ولأجل هذا انتشرت القسوة والجرائم في كل الأرض ، ولفَّت الظلمة الخلقية عقول الناس وقلوبهم في أكفانها السوداء . إن الشيطان بواسطة تجاربه وتمويهاته يسوق الناس من شر إلى ما هو أدهى منه وأسوأ حتى في النهاية يسود الفساد والهلاك الشامل . ولكن الحارس والواقي الوحيد ضد قوة الشيطان هو وجود يهوشوه . لقد ظهر الشيطان على حقيقته أمام الناس والملائكة بأنه عدو الإنسان ومهلكه ، أما المسيا فقد برهن على أنه صديق الإنسان ومحرره . إن روحه يغرس وينمي في الإنسان كل ما من شأنه أن يجعل خلقه كريما ونبيلا ويعظم طبيعته ويسمو بها . وهذا يبني الإنسان في الجسم والروح لمجد يهوه ، "لأَنَّ يهوه لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ (الخوف) ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ" (2 تيموثاوس 1: 7) . لقد دعانا"لاقتناء مجد" (وخلق) سيَدنا يهوشوه المسيا ، دعانا لكي نكون "مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ" (2 تسالونيكي 2: 14؛ رومية 8: 29) .

هذا ، وإن النفوس التي قد انحطت بحيث صارت آلات يسخرها الشيطان لمآربه ، هذه النفوس بعينها تتغير بقوة المسيا حتى يصير أصحابها رسل البر يرسلهم ابن يهوه لكي "يحدثوا بكم صنع بهم السيَد ورحمهم".

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App