9. لمسة الإيمان
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إن يهوشوه إذ عاد من كورة الجرجسيين إلى الشاطئ الغربي وجد جمعاً من الناس محتشدين لاستقباله ، وقد رحبوا به فرحين . فلبث بجوار الشاطئ بعض الوقت يعلم الناس ويشفي المرضى . وبعد ذلك توجه إلى بيت متى اللاوي ليلتقي بالعشارين الذين كانوا قد تعرفوا به في وليمة متى . وفي هذا المكان وجده يايرس رئيس المجمع .

لقد أتى هذا الشيخ اليهودي إلى يهوشوه وهو في أشد حالات الضيق وخر عند قدميه صارخاً: "ابْنَتِي الصَّغِيرَةُ عَلَى آخِرِ نَسَمَةٍ . لَيْتَكَ تَأْتِي وَتَضَعُ يَدَكَ عَلَيْهَا لِتُشْفَى فَتَحْيَا!" (مرقس 5: 23) .

ففي الحال مضى يهوشوه مع ذلك الرئيس إلى بيته . ولكن مع أن التلاميذ كانوا قد رأوا كثيراً من أعمال رحمته فقد اندهشوا من استجابته لتوسل ذلك المعلم المتعجرف . إلا أنهم رافقوا معلمهم وتبعهم جمع من الناس المشتاقين المنتظرين .

لم يكن بيت الرئيس يبعد كثيراً عن ذلك المكان ، ومع ذلك فقد سار يهوشوه ومرافقوه متمهلين ، لأن الجمع كان يزحمه من كل جانب . فنفد صبر ذلك الأب الجزع بسبب هذا التأخير ، ولكن يهوشوه إذ كان مدفوعا بدافع العطف على الشعب كان يتوقف من حين لآخر ليخفف آلام المتألمين أو ليعزي القلوب المضطربة .

"قد ماتت ابنتك"

وفيما كانوا سائرين في الطريق تقدم رسول وشق لنفسه طريقاً إلى حيث كان يايرس يحمل إليه خبراً يقول إن ابنته قد ماتت ولا جدوى من كونه يتعب المعلم بعد . وإذ سمع يهوشوه ذلك الكلام قال له: "لاَ تَخَفْ! آمِنْ فَقَطْ ، فَهِيَ تُشْفَى" (لوقا 8: 50) .

زاد اقتراب يايرس من المخلص فأسرعا معاً إلى بيت الرئيس- وكأن النائحون المأجورون والمزمرون قد وصلوا من قبل إلى ذلك البيت ، و ملأوا البيت بضجيجهم ، فأثر وجود ذلك الجمع والضجيج الحادث تأثيرا سيئا في روح يهوشوه . وقد حاول إسكاتهم بقوله: "لِمَاذَا تَضِجُّونَ وَتَبْكُونَ؟ لَمْ تَمُتِ الصَّبِيَّةُ لكِنَّهَا نَائِمَةٌ" (مرقس 5: 39) ، فأغضبهم كلام ذلك الغريب . لقد رأوا الصبية في أحضان الموت فضحكوا منه ساخرين به . وإذ أمر يهوشوه بإخراج ذلك الجمع أخذ معه أبا الصبية وأمها وتلاميذه الثلاثة بطرس ويعقوب ويوحنا ، ثم دخلوا غرفة الموت معاً .

حياة لفاقد الحياة

اقترب يهوشوه من السرير وإذ أمسك يد الصبية بيده فبكل رقة ولطف وبلغة بيتها المألوفة نطق بهذه الكلمات: "يَا صَبِيَّةُ ، لَكِ أَقُولُ: قُومِي!" (مرقس 41: 5) .

ففي الحال حدثت رعشة في ذلك الجثمان المُسجَّى العديم الحياة . ثم عادت نبضات القلب كما كانت ، ثم انفرجت الشفتان عن ابتسامة . وقد فتحت الفتاة عينيها على سعتهما كما لو كانت قد أفاقت من نومها . وشخصت باندهاش إلى تلك الجماعة الواقفة إلى جوار سريرها . ثم قامت فاحتضنها أبواها وهما يبكيان من فرط السرور .

من الضعف إلى نشاط العافية

وإذ كان يهوشوه في طريقه إلى بيت الرئيس التقى في وسط ذلك الجمع بامرأة مسكينة كانت قد تألمت مدى اثنتي عشرة سنة من مرض جعل حياتها عبئاً ثقيلا عليها . لقد أنفقت كل معيشتها على الأطباء والعقاقير ولكنهم أجمعوا على أن مرضها عديم الشفاء ، إلا أن آلامها انتعشت عندما سمعت عن معجزات الشفاء التي أجراها يهوشوه ، وقد كانت مؤمنة أنها لو ذهبت إليه فستشفى . ففي ضعفها وآلامها ذهبت إلى شاطئ البحر حيث كان السيد يعلم فحاولت أن تشق لنفسها طريقاً بين الجمع ولكن بلا جدوى . ثم سارت وراءه من بيت لاوي متى ولكنها مع ذلك لم تستطع الوصول إليه . فبدأ اليأس يتسلل إلى قلبها ، وإذا به وهو يسير في وسط ذلك الجمع يقترب منها .

لقد حانت فرصتها الذهبية . فها هي الآن في حضرة ذلك الطبيب العظيم! ولكن في وسط تلك الضجة العظيمة لم تستطع التحدث معه وإنما فقط لمحت منه نظرة عابرة . فلخوفها من أن تضيع فرصتها الوحيدة للشفاء تقدمت إلى الأمام قائلة لنفسها: "إِنْ مَسَسْتُ وَلَوْ ثِيَابَهُ شُفِيتُ" (مرقس 5: 28) . فإذ كان مارا في طريقه تقدمت إلى الأمام واستطاعت أن تلمس هدب ثوبه . وفي تلك اللحظة علمت أنها قد برئت من الداء . في تلك اللمسة تركز إيمان حياتها ، وفي الحال زايلها ضعفها وآلامها وامتلأ جسمها بقوة نشاط الصحة الكاملة .

وإذ امتلأ قلبها شكرا حاولت أن تتسلل بعيدا عن ذلك الجمع ، ولكن فجأة وقف يهوشوه في مكانه ووقف كل ذلك الجمع معه . ثم جعل السيد يتلفت هنا وهناك ، وبصوت علا فوق ضجيج الجمع سأل: "مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي؟" (لوقا 8: 45) . فأجاب الناس عن هذا التساؤل بنظرات بدا فيها الاندهاش . فإذ كان الجمع يزحمه من كل جانب والناس يضيقون عليه ظهر أن ذلك السؤال كان سؤالا غريبا .

وإذا ببطرس الذي كان دائما مستعدا للكلام يقول له: "يَامُعَلِّمُ ، الْجُمُوعُ يُضَيِّقُونَ عَلَيْكَ وَيَزْحَمُونَكَ ، وَتَقُولُ: مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي؟" (لوقا 8: 45) . فقال يهوشوه: "قَدْ لَمَسَنِي وَاحِدٌ ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي" (لوقا 8: 45) . لقد استطاع المخلص أن يميز بين لمسة الإيمان وبين الاتصال العرضي من ذلك الشعب العديم الاكتراث . ومثل تلك الثقة لا يمكن أن تمر دون أن يعلق السيد عليها . إنه يريد أن يكلم تلك المرأة الوضيعة بكلام العزاء الذي سيصير نبع فرح ينبع من أعماقها- ذلك الكلام الذي سيكون بركة لتابعيه إلى انقضاء الدهر.

وإذ اتجه يهوشوه ببصره نحو تلك المرأة أصر على معرفة من قد لمسه ، فإذ وجدت المرأة أنها عبثا تحاول أن تختفي جاءت مرتعدة وخرت عند قدميه . وإذ كانت دموع الشكر تنهمر من عينيها أخبرته بقصة آلامها وكيف وجدت الشفاء . فقال لها بكل رقة: "ثِقِي يَا ابْنَةُ ، إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ" (لوقا 8: 48) . إنه لم يعط المجال للاعتقاد الخرافي بأن القوة الشافية أتت نتيجة مجرد لمس ثيابه . لقد وصل الشفاء إليها ليس بواسطة اللمس الخارجي بل بواسطة لمسة الإيمان التي تمسك بقوة ألوهيته.

إيمان حي

إن ذلك الجمع المندهش الذي كان يزحم المسيا لم يكن يحس بقوة حياة أو نشاط . ولكن تلك المرأة المتألمة حينما مدت يدها لتلمسه مؤمنة بأنها ستشفى أحست بقوته الشافية . كذلك الحال في الناحية الروحية . فكون الإنسان يتكلم عن الديانة في غير اكتراث ، وكونه يصلي بدون جوع في النفس وبدون إيمان حي فكل ذلك لا يجدي النفس فتيلا . إن الإيمان الأسمى بالمسيا الذي يقبله على أنه مجرد مخلص للعالم لا يمكنه أن يمنح الناس الشفاء . فالإيمان الذي للخلاص ليس هو مجرد قبول الحق قبولا عقليا ، فذاك الذي ينتظر أن يعرف كل شيء قبلما يدرب إيمانه لا يمكنه أن ينال بركة من يهوه . لا يكفي كوننا نؤمن عن المسيا بل علينا أن نومن به . إن الإيمان الوحيد الذي يمكن أن ينفعنا هو الذي يعانق يهوشوه ويقبله كمخلص شخصي ، الإيمان الذي يخصص استحقاقات الفادي لأنفسنا . كثيرون يتمسكون بالإيمان كفكرة أو رأي . ولكن الإيمان المخلص هو اتفاقية بموجبها كل من يقبلون المسيا يرتبطون بصلة عهد مع يهوه . إن الإيمان الصحيح هو حياة ، والإيمان الحي معناه مزيد من النشاط والاتكال الواثق الذي بموجبه تصير النفس قوة غالبة .

بعدما شفى المسيا المرأة طلب منها الاعتراف بالبركة التي قد نالتها . إن البركات التي يمنحها الإنجيل ينبغي ألا ننالها بالاختلاس ولا أن نتمتع بها في الخفاء . وهكذا السيَد يدعونا للاعتراف بصلاحه: "أَنْتُمْ شُهُودِي ، يَقُولُ يهوه ، وَأَنَا الإله" (إشعياء 43: 12) .

شهود من حجارة

إن اعترافنا بأمانة يهوه هو الوسيلة التي قد اختارتها السماء لإعلان المسيا للعالم . علينا  أن نعترف بنعمته كما قد أعلنها القديسون مند القدم . ولكن ما يمكن أن يكون أعظم فاعلية هو شهادتنا الاختبارية . إننا نكون شهودا ليهوه عندما نعلن في ذواتنا فاعلية القوة الإلهية . إن كل فرد له حياة تختلف عن حياة الآخرين واختبار يختلف اختلافا بينا عن اختباراتهم . ويهوه يرغب في أن يرتفع تسبيحنا إليه وأن يكون مميزا لشخصياتنا . فهذه الاعترافات الثمينة في تسبيح مجد نعمته متى كانت تسندها حياة شبيهة بحياة المسيا ستكون لها قوة لا تقاوم تعمل لخلاص النفوس .

إن البرص العشرة عندما أتوا إلى يهوشوه في طلب الشفاء أمرهم بأن يذهبوا ويروا أنفسهم للكاهن  . وفيما هم منطلقون طهروا . ولكن واحدا منهم فقط رجع ليمجده ، أما الباقون فمضوا في طريقهم وقد نسوا ذاك الذي قد شفاهم . كم منا ما زالوا يتصرفون نفس هذا التصرف! إن السيَد لا يكف عن عمل ما فيه خير البشرية وهو على الدوام يوزع بركاته. فهو يقيم المرضى من فراش الألم والضنى وهو يجنب الناس المخاطر المستورة عن أنظارهم ويرسل ملائكة السماء ليخلصوهم من الكوارث ويحرسوهم من أي "وَبَإٍ يَسْلُكُ فِي الدُّجَى" ومن أي "هَلاَكٍ يُفْسِدُ فِي الظَّهِيرَةِ" (مزمور 91: 6) ، غير أن قلوبهم لا تتأثر . لقد بذل أثمن كنوز السماء ليفتديهم ومع ذلك فهم لا يكترثون لحبه العظيم . إنهم بجحودهم يغلقون قلوبهم حتى لا تدخلها نعمة يهوه . إنهم يشبهون مرجا في البرية فلا يعلمون متى يجيء الخير . ونفوسهم تسكن الأماكن اليابسة في البرية .

علينا لأجل منفعتنا الشخصية أن نظل ذاكرين على الدوام كل عطية يمنحها لنا يهوه . وبهذه الكيفية يتقوى إيماننا ليطلب ويقبل من يهوه مزيدا من تلك الهبات . لنا في أقل بركة من البركات التي ننالها من يهوه تشجيع أعظم من كل ما نقرأه أو نسمعه من أخبار إيمان الآخرين واختباراتهم . إن النفس التي تستجيب لنعمة يهوه تكون كجنة ريا . ومثل ذلك الإنسان تنبت صحته سريعاً ونوره يشرق في الظلمة ويُرى عليه مجد السيَد . إذاً فلنتذكر رأفة السيَد وكثرة مراحمه . وكما فعل بنو إسرائيل علينا أن نقيم من الحجارة أعمدة لتكون شهودا ونكتب عليها قصة صنائع السيَد ومراحمه نحونا . وإذ نراجع معاملاته معنا في غربتنا فمن أعماق قلوبنا التي يغمرها ويصهرها الشكر نعلن قائلين: "مَاذَا أَرُدُّ ليهوه مِنْ أَجْلِ كُلِّ حَسَنَاتِهِ لِي؟ كَأْسَ الْخَلاَصِ أَتَنَاوَلُ ، وَبِاسْمِ يهوه أَدْعُو. أُوفِي نُذُورِي ليهوه مُقَابِلَ كُلِّ شَعْبِهِ" (مزمور 116: 12- 14).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App