1. سفراء الحق
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كان الرسل أعضاء في أسرة يهوشوه وكانوا يرافقونه وهو يطوف في كل الجليل سيراً على قدميه ، كما شاركوه في الكدح وتحمل المشقات التي صادفتهم . لقد أصغوا إلى أحاديثه وساروا وتحدثوا مع ابن يهوه . ومن بين التعاليم التي كانوا يتلقونها كل يوم تعلموا كيف يعملون على رفعة شأن البشرية . وإذ كان يهوشوه يخدم الجموع الغفيرة التي ازدحمت حوله كان تلاميذه معه وهم مشتاقون إلى تنفيذ كل أوامره والتخفيف من أعبائه . كانوا يساعدون في تنظيم الجموع وفي الإتيان بالمتألمين والمرضى إلى المخلص وفي توفير الراحة والعزاء للجميع . كانوا يراقبون السامعين المهتمين ويفسرون لهم الكتب وبطرق مختلفة كانوا يخدمون مصالحهم الروحية . كذلك كانوا يعلمونهم ما قد تعلموه من يهوشوه . وفي كل يوم كانوا يحصلون على اختبار عظيم . ولكنهم أيضاً كانوا بحاجة إلى اختبار العمل وحدهم . وكانوا لا يزالون بحاجة إلى تعليم كثير وصبر ورقة وحنان عظيم . والآن إذ كان المخلص معهم بشخصه لينبههم إلى أخطائهم ولينصحهم ويصلح تلك الأخطاء ، أرسلهم كنواب عنه.

حين كان التلاميذ مع معلمهم كثيرا ما كانت تعاليم الكهنة والفريسيين تربكهم وتحيرهم ، ولكنهم كانوا يأتون بتلك التعاليم المربكة إلى يهوشوه ، وكان هو قد أورد لهم حقائق الكتاب ضداً للتقاليد . وهكذا قوى إيمانهم وثقتهم بكلمة يهوه وحررهم إلى حد كبير من الخوف من المعلمين وعبوديتهم لتقاليدهم . وفي تدريب التلاميذ كان مثال حياة المخلص أفعل من مجرد التعليم العقائدي . وعندما تركوه وخرجوا ليكرزوا تذكروا كل نظرة ونغمة صوت أو كلمة قالها يهوشوه . وفي أحيان كثيرة عندما كانوا يشتبكون في صراع مع أعداء الإنجيل كانوا يرددون أقواله . وعندما كانوا يرون تأثير تلك التعاليم في الشعب كانوا يفرحون فرحا عظيماً. 

"اثنين اثنين" 

وإذ دعا يهوشوه إليه الاثني عشر أمرهم بأن يذهبوا اثنين اثنين إلى كل المدن والقرى . ولم يرسل واحدا وحده ، ولكن الأخ كان يصاحب أخاه والصديق صديقه ، فكان كل منهما يعين الآخر ويشدده . فكانا يتشاوران ويصليان معا ، وكانت قوة الواحد تسند ضعف الآخر . وبنفس هذه الكيفية أرسل السيد السبعين فيما بعد . كان غرض المخلص أن رسل الإنجيل ينبغي لهم أن يتصاحبوا معا بهذه الكيفية . وفي أيامنا هذه كان يمكن أن الكرازة بالإنجيل تصيب نجاحا أعظم لو أتبع هذا المثال بأكثر دقة.

كانت رسالة التلاميذ هي نفس رسالة يوحنا المعمدان والمسيا نفسه: "قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ". لم يكن لهم أن يشتبكوا في جدال مع الشعب فيما إذا كان يهوشوه الناصري هو مسيا أم لا . ولكن كان عليهم باسمه أن يعملوا نفس أعمال الرحمة التي قد عملها هو . ثم أمرهم قائلاً: "اِشْفُوا مَرْضَى . طَهِّرُوا بُرْصًا . أَقِيمُوا مَوْتَى . أَخْرِجُوا شَيَاطِينَ . مَجَّانًا أَخَذْتُمْ ، مَجَّانًا أَعْطُوا" (متى 10: 8).

خدمة شفاء

إن يهوشوه في خلال سني خدمته كرس وقتا أطول لشفاء المرضى مما للكرازة . وقد شهدت معجزاته لصدق تعاليمه وأنه لم يأتِ ليهلك بل ليخلص . لقد سار بره أمامه ومجد يهوه جمع ساقته ، وأينما ذهب كانت تسبقه أخبار رحمته ، وأينما كان يمر كان الناس موضوع رحمته ورأفته يفرحون بالصحة ويستعملون قواهم الجديدة التي منحت لهم مجددا . كان جماهير الناس يزدحمون حول التلاميذ ليسمعوا منهم عن العظائم التي قد صنعها السيَد . فكان صوته أول صوت سمعه كثيرون منهم ، وكان اسمه أول كلمة نطقوا بها ، ووجهه أول وجه نظروه . إذاً فلماذا لا يحبون يهوشوه ويذيعون تسبيحه ؟ إنه عندما كان يجول في المدن والقرى كان يشبه تيارا حيويا ينشر الحياة والفرح أينما ذهب .

وعلى أتباع المسيا أن يخدموا المسيا كما قد خدم هو . علينا أن نطعم الجياع ونكسو العراة ونعزي المتألمين والمتضايقين . علينا أن نخدم اليائسين ونلهم القانطين بالرجاء . وسيتم لنا نحن أيضاً هذا الوعد القائل: "يَسِيرُ بِرُّكَ أَمَامَكَ ، وَمَجْدُ يهوه يَجْمَعُ سَاقَتَكَ" (إشعياء 58: 8) . إن محبة المسيا المقدمة في الخدمة المنكرة لذاتها هي أفعل في إصلاح فاعلي الشر من حد السيف أو منصة القضاء . إن القانون الذي لا يرحم والسيف الذي يهلك لازمان لردع من يتعدون القانون ، ولكن الخادم المحب يستطيع أن يفعل أكثر من هذا . إن القلب يتقسى غالبا أمام التوبيخ ، ولكنه يذوب انسحاقا أمام محبة المسيا . والرسول لا يستطيع أن يخفف آلام الجسم وحدها ومنه يستطيع أيضاً أن يرشد الخاطئ إلى الطبيب العظيم الذي يستطيع أن يطهر النفس من برص الخطية . ويهوه يقصد أنه عن طريق خدامه يسمع المرضى والعاثر والحظ والذين فيهم أرواح شريرة صوته . وعن طريق أتباعه يرغب السيَد أن يعزي النفوس بكيفية يجهلها العالم .

أول من يسمعون

وفي الحملة التبشيرية الأولى كان على التلاميذ أن يذهبوا فقط إلى "خراف بيت إسرائيل الضالة" (متى 10: 6) . فلو كرزوا بالإنجيل حينئذ للأمم أو السامريين لضاع تأثيرهم على اليهود ، لأنهم إذ يثيرون تعصب الفريسيين فسيشتبكون في مجادلات قد تثبط عزائمهم في بدء خدمتهم . وحتى الرسل أنفسهم كانوا متباطئين في فهم حقيقة كون الإنجيل هو لكل الأمم . وقبلما أمكنهم فهم هذا الحق لم يكونوا متأهبين للخدمة بين الأمم . فلو قبل اليهود الإنجيل كان يهوه يقصد أن يجعلهم رسله إلى الأمم . ولذلك كان يجب أن يكونوا هم أول من يسمعون الرسالة .

وفي كل حقل خدمة المسيا كانت هنالك نفوس استيقظت لتحس بحاجتها ، نفوس كانت جائعة وظمأى إلى الحق . وقد جاء الوقت الذي فيه ترسل أخبار محبته لتلك القلوب المشتاقة . وقد كان على التلاميذ أن يذهبوا إلى كل أولئك الناس كنواب عن المسيا . وهذا كان يجب أن يقود المؤمنين منهم إلى أن ينظروا إليهم كمعلمين مرسلين من قبل يهوه ، وعندما يؤخذ المخلص من بينهم لن يتركوا بدون معلمين.

ينادون بالحق

في تلك السفرة الأولى كان على التلاميذ أن لا يذهبوا إلا إلى الأماكن التي ذهب إليها يهوشوه قبلهم وكان له فيها أصدقاء . وكان تأهبهم للرحلة غاية في البساطة . لم يكن يسمح لهم بشيء من شأنه أن يبعد عقولهم عن عملهم العظيم أو يثير عداء الناس ومقاومتهم ويغلق باب الخدمة في المستقبل . ولم يكن يسمح لهم بأن يلبسوا ملابس معلمي الدين أو أي زي يميزهم عن طبقة الفلاحين الوضعاء ، كما لم يكن مسموحا لهم بدخول المجامع ليجمعوا الشعب لخدمة عامة ، بل كان يجب أن يقصروا عملهم على الكرازة في البيوت . ولم يكن لهم أن يضيعوا الوقت في تحيات لا داعي لها أو الانتقال من بيت إلى بيت ليستضيفهم الناس . ولكن في كل مكان كان عليهم أن يقبلوا كرم ضيافة من هم مستحقون أي من يرحبون بهم ترحيبا قلبيا كما لو كانوا هم المسيا نفسه . وعند دخولهم أي بيت كان عليهم أن يبادروا أهله بهذه التحية الجميلة: "سَلاَمٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لوقا 10: 5). فذلك البيت كان يبارك بصلواتهم وتسبيحاتهم وقراءة كلمة يهوه في محيط العائلة.

كان على هؤلاء التلاميذ أن ينادوا بكلمة الحق ويعدوا الطريق لمجيء معلمهم . والرسالة التي كان عليهم أن يحملوها كانت كلام الحياة الأبدية ، وكان مصير الناس معلقا على قبول السامعين للحق أو رفضه . ولكى يقنعوا الناس بعظمة كلمة يهوه أمر يهوشوه تلاميذه قائلاً: "وَمَنْ لاَ يَقْبَلُكُمْ وَلاَ يَسْمَعُ كَلاَمَكُمْ فَاخْرُجُوا خَارِجًا مِنْ ذلِكَ الْبَيْتِ أَوْ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ ، وَانْفُضُوا غُبَارَ أَرْجُلِكُمْ . اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: سَتَكُونُ لأَرْضِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ يَوْمَ الدِّينِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً مِمَّا لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ" (متى 10: 14, 15).

"كغنم في وسط ذئاب" 

هنا نرى عين المخلص تخترق حجب المستقبل . فهو يرى الحقول الأكثر اتساعا التي سيكون التلاميذ شهودا له فيها بعد موته . لقد شملت نظرته النبوية اختبار خدامه مدى العصور كلها إلى أن يأتي في مجيئه الثاني . إنه يطلع تابعيه على المحاربات التي عليهم أن يواجهوها ويكشف لهم عن صفة تلك المعارك وخطتها ، كما يريهم المخاطر التي ستعترضهم وإنكار الذات المطلوب منهم . وهو يريدهم أن يحسبوا النفقة حتى لا يأخذهم العدو على حين غرة . إن مصارعتهم "لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ ، مَعَ السَّلاَطِينِ ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ" (أفسس 6: 12) . عليهم أن يصارعوا مع قوات فوق قوة البشر ، ولكن السيَد مع ذلك يعدهم بالمعونة الإلهية . كل أجناد السماء هم في هذا الجيش الذي يحارب إلى جانبهم . كما أن بين تلك الصفوف من هو أعظم من الملائكة . فالروح القدس نائب رئيس جند السيَد ينزل ليقود المعركة . وقد تكون ضعفاتنا كثيرة ومحزنة ، وقد تكون خطايانا وأخطاؤنا شنيعة ولكن نعمة يهوه تقدم لكل من يطلبونها بانسحاق . إن قوة يهوه القادر على كل شيء هي في صف كل من يثقون به .

قال يهوشوه: "هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ كَغَنَمٍ فِي وَسْطِ ذِئَابٍ ، فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ" (متى 10: 16) . إن المسيا نفسه لم يخف أي جزء من الحق ولكنه كان دائما ينطق به في محبة . في حديثه مع الشعب استعمل أحسن لباقة وأعظم اهتمام رقيق رصين . فلم يكن قط فظا ولا نطق بكلمة قاسية البتة بدون مبرر ، كلا ولا آلم نفسا حساسة إطلاقا من دون داع . لم ينتقد الناس على ضعفهم . ولكنه كان يذم الرياء وعدم الإيمان والإثم بلا خوف ، إلا أن دموعه كانت تخنق صوته . بكى على أورشليم التي أحبها لأنها رفضت قبوله بوصفه الطريق والحق والحياة . لقد رذلوه بوصفه المخلص و لكنه كان رقيقا ومحبا لهم جدا ، وكـان حزنه عليهم من شدة العمق بحيث سحق قلبه . لقد كانت كل نفس عزيزة في عينيه ، ومع أنه كان دائما يحمل في نفسه الجلال الإلهي فقد كان بكل تقدير ورفق ينحني لمساعدة كل فرد في أسرة يهوه .  كان يرى في الجميع نفوسا ساقطة كان هو مكلفا بتخليصها .

على عبيد المسيا ألا يطيعوا توجيهات القلب الطبيعي . إنهم بحاجة إلى الشركة الوثيقة مع يهوه لئلا إذا أثيروا ترتفع الذات وتشمخ فيصبُّون سيلا من الكلام غير اللائق الذي لا يشبه الندى أو المطر الهادئ المحيي للأغراس الذابلة . هذا ما يريدهم الشيطان أن يفعلوه لأن ذلك هو أسلوبه . إن التنين هو الذي يغضب ، وروح الشيطان هي التي تعلن عن نفسها في الغضب والاتهام  ، أما عبيد يهوه فهم ممثلوه . وهو يريدهم أن يتعاملوا مع الناس بمعاملة السماء وحدها وبالحق الذي يحمل صورة يهوه واسمه . إن القوة التي بها يغلبون الشر هي قوة المسيا . إن مجد المسيا هو قوتهم ، وعليهم أن يثبتوا أنظارهم فيه ليتمتعوا بجماله . وحينئذ يمكنهم أن يقدموا الإنجيل باللباقة واللطف الإلهيين . إن الروح التي تظل لطيفة ورقيقة أمام الإغاظات سيكون كلامها مؤثرا وفعالا في جانب الحق أكثر من أية حجة مهما تكن قوية أو مقنعة .

والذين يلتزمون أن يواجهوا أعداء الحق ويشتبكوا معهم في مشادة عليهم أن يواجهوا لا الناس فقط بل أيضاً الشيطان وأعوانه . فليذكر أمثال هؤلاء ما قاله المخلص: "هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ مِثْلَ حُمْلاَنٍ بَيْنَ ذِئَابٍ" (لوقا 10: 13) . وليستريحوا في محبة يهوه فيحفظ أرواحهم  هادئة حتى ولو وقعت عليهم إهانات . إن السيَد سيسلحهم بسلاحه الكامل ، وروحه القدوس سيضبط العقل والقلب بحيث لا تصير أصواتهم كعواء الذئاب بل كهديل الحمام .

استطرد يهوشوه في إلقاء توجيهاته للتلاميذ فقال: "احْذَرُوا مِنَ النَّاسِ" (متى 10: 17) . لم يكن لهم أن يثقوا ثقة عمياء في من لم يعرفوا يهوه أو يطلعوهم على مقاصدهم لأن ذلك يكون في مصالح أعوان الشيطان . إن ابتكارات الإنسان كثيرا ما تناقض تدابير يهوه . والذين يبنون هيكل يهوه عليهم أن يبنوه حسب المثال الذي أظهر في الجبل- حسب المثال الإلهي . إن يهوه يهان والإنجيل يفشى سره ويغدر به عندما يعتمد عبيد يهوه على مشورة من لا يسيرون حسب إرشاد الروح القدس . إن الحكمة البشرية هي جهالة في نظر يهوه فالذين يعتمدون عليها يخطئون لا محالة .

جهالة الحكمة الدنيوية

"سَيُسْلِمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ ... وَتُسَاقُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ مِنْ أَجْلِي شَهَادَةً لَهُمْ وَلِلأُمَمِ" (متى 10: 17, 18) . إن الاضطهاد يذيع النور وينشره . وخدام المسيا سيوقفون أمام عظماء العالم الذين لولا هذا ما كانوا يسمعون الإنجيل البتة . لقد قدم الحق إلى أولئك الرجال محرفا ومشوها ، فأصغوا إلى التهم الكاذبة ضد إيمان تلاميذ المسيا وعقائدهم . وفي غالب الأحيان تكون الوسيلة الوحيدة التي بها يعرفون تلك العقائد على حقيقتها هي الشهادة التي يدلي بها أولئك الذين يوقفون أمامهم للمحاكمة لأجل إيمانهم ، وعند الفحص يطلب من هؤلاء أن يجيبوا وعلى القضاة أن يستمعوا لشهادتهم . وستمنح نعمة يهوه لخدامه لدفع تلك التهم . قال يهوشوه: "تُعْطَوْنَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا تَــتَكَلَّمُونَ بِهِ ، لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ" (متى 10: 19, 20) . وإذ ينير روح يهوه عقول خدامه فحقه الثمين سيقدم في قوته الإلهية . والذين يقاومون الحق سيتقدمون لاتهام التلاميذ واضطهادهم . ولكن تحت طائلة الخسائر والآلام وحتى الموت يجب على عبيد السيَد أن يظهروا وداعة مثالهم الإلهي الأعلى . وهكذا يرى الفرق بين أعوان الشيطان ونواب المسيا . وسيرفع اسم المخلص أمام الولاة والشعب.

ولكن التلاميذ لم يزودوا بشجاعة الشهداء وجلدهم إلى أن جاء الوقت الذي صاروا فيه بحاجة إلى تلك النعمة . وحينئذ أنجز المخلص وعده لهم . فحين شهد بطرس ويوحنا أمام مجمع السنهدريم فان أولئك الرجال "تعجبوا فعرفوهما أنهما كانا مع يهوشوه" (أعمال 4: 13) . وقد جاء هذا القول عن استفانوس: "فشخص إليه جميع الجالسين في المجمع ورأوا وجهه كأنه وجه ملاك" ، "ولم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلم به" (أعمال 6: 15, 10) . أما بولس فإذ يكتب عن محاكمته لدى بلاط القياصرة يقول: "فِي احْتِجَاجِي الأَوَّلِ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ مَعِي ، بَلِ الْجَمِيعُ تَرَكُونِي ... وَلكِنَّ السيَد وَقَفَ مَعِي وَقَوَّانِي ، لِكَيْ تُتَمَّ بِي الْكِرَازَةُ ، وَيَسْمَعَ جَمِيعُ الأُمَمِ ، فَأُنْقِذْتُ مِنْ فَمِ الأَسَدِ" (2 تيموثاوس 4: 16, 17).

 كنوز الحق

ولم يكن على خدام المسيا أن يعدوا خطبا ليتكلموا بها متى أُتِيَ بهم للمحاكمة ولكن كان يجب عليهم أن يستعدوا يوما بعد يوم بكونهم يكتنزون حقائق كلمة يهوه الثمينة في عقولهم وقلوبهم ، وبالصلاة يتقوى إيمانهم . فعندما كان يؤتى بهم ليحاكموا كان الروح القدس يذكرهم بنفس الحقائق التي كانوا يحتاجون اليها .

إن المحاولة الجادة الغيورة التي تبذلها النفس كل يوم لمعرفة يهوه ويهوشوه المسيا الذي قد أرسله لا بد أن تمنح النفس قوة وكفاءة . وإن المعرفة التي يحصل عليها الإنسان من فحصه للكتب بكل اجتهاد ستكون حاضرة في الذهن في الوقت المناسب . أما من قد أهملوا التعرف على أقوال المسيا ، فإنهم ما داموا لم يتذوقوا قوة نعمته في التجربة فلا ينتظروا أن يذكرهم الروح القدوس بكلام المسيا . كان يجب عليهم أن يخدموا يهوه ويعبدوه كل يوم بمحبة كاملة ومن ثم يثقون به .

إن العداء الذي يضمره العدو للإنجيل هو عداء مستحكم ومرير حتى أنه لن تراعى أرق الصلات الأرضية في تلك الحرب . فقد كان تلاميذ المسيا مزمعين أن يسلموا للموت بأيدي أفراد عائلاتهم . قال لهم السيد: "وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي . وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ" (مرقس 13: 13). إلا أنه أمرهم بألا يعرضوا أنفسهم للاضطهاد من غير داع . إنه هو نفسه كان أحيانا كثيرة يترك حقلا من حقول الخدمة ويذهب إلى حقل آخر لينجو بنفسه من شر من كانوا يريدون قتله . فعندما رفضه شعب الناصرة وحاول مواطنوه قتله نزل إلى كفرناحوم حيث بُهِت الناس من تعليمه ، لأن "كَلاَمَهُ كَانَ بِسُلْطَانٍ" (لوقا 4: 32) ، فعلى خدامه ألا يفشلوا أمام الاضطهاد ، بل أن يبحثوا عن مكان آخر حيث يواصلون جهودهم لأجل خلاص النفوس.

تحذير من المساومة

إن التلميذ ليس أفضل من معلمه . فملك السماء قد دعي بعلزبول (رئيس الشياطين) ، وكذلك سيسيء الناس تصوير تلاميذه على هذا النسق . ولكن مهما يكن الخطر فعلى أتباع المسيا أن يصرحوا بمبادئهم وأن ينبذوا التستر والتخفي . إنهم لا يستطيعون أن يظلوا غير ملتزمين أو في غير مكلفين بالاعتراف بالحق حتى يضمنوا لأنفسهم النجاة . لقد أقيموا كرقباء ليحذروا الناس من خطرهم . وينبغي لهم أن يقدموا مجانا وجهارا الحق الذي قد تسلموه من المسيا . لقد قال يهوشوه: "اَلَّذِي أَقُولُهُ لَـكُمْ فِي الظُّلْمَةِ قُولُوهُ فِي النُّورِ ، وَالَّذِي تَسْمَعُونَهُ فِي الأُذُنِ نَادُوا بِهِ عَلَى السُّطُوحِ" (متى 10: 27) .

إن يهوشوه نفسه لم يشتر السلام قط بالمساومة . لقد كان مفعم القلب حبا للجنس البشري كله ولكنه لم يتساهل قط مع خطايا الناس . كانت صداقته لهم عظيمة بحيث لم يستطع أن يظل صامتا في حين أنهم كانوا سائرين في طريق يؤدي إلى هلاك نفوسهم- تلك النفوس قد اشتراها بدمه. لقد  اجتهد في أن يجعل كل إنسان أمينا لنفسه ولمصالحه الأبدية السامية . وخدام المسيا مدعوون للقيام بنفس هذا العمل ، وعليهم أن يحترسوا لئلا وهم يحاولون فض المنازعات يضحون بالحق .  قال الرسول: "فَلْنَعْكُفْ إِذًا عَلَى مَا هُوَ لِلسَّلاَمِ"(رومية 14: 19) . ولكن السلام الحقيقي لا يمكن تحقيقه بتعريض المبادئ للمساومة . ولا يمكن أن إنسانا يكون أمينا للمبادئ الصالحة دون أن يثير على نفسه المقاومات . إن المسيحية الحقيقية لا بد من أن يقاومها أبناء المعصية . ولكن يهوشوه يقول لتلاميذه: "وَلاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلكِنَّ النَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا" (متى 10: 28). لا حاجة بمن هم أمناء ليهوه أن يخافوا من بطش الناس أو عداوة الشيطان . إن سلامتهم الأبدية مكفولة في المسيا . ولكن الشيء الوحيد الذي عليهم أن يخافوه ويحذروا منه هو التضحية بالحق ، إذا فعلوا ذلك فإنهم يخونون الأمانة التي قد أكرمهم السيَد بها.

موضوع اهتمام السماء

إن عمل الشيطان هو أن يملأ قلوب الناس بالشكوك . فهو يوهمهم بأن يهوه ديان صارم . وهو يجربهم لأن يخطئوا  ، وحينئذ يجعلهم يعتبرون أنفسهم في  منتهى الشر والنذالة بحيث لا يمكنهم الاقتراب من أبيهم السماوي أو استدرار عطفه وحنانه . ولكن السيَد يفهم كل هذا . ويهوشوه يؤكد لتلاميذه عطف يهوه عليهم في أعوازهم وضعفاتهم . إنه لا توجد آهة تخرج من قلب إنسان ولا ألم يحس به ولا حزن يصيب النفس إلا ويختلج له قلب الآب السماوي .

إن الكتاب يصور لنا يهوه في مقدسه العظيم المرتفع ، ليس كمن هو في حالة ركود أو سكون أو استغراق ، ولا كمن هو معتزل بنفسه بلا عمل ، ولكنه محاط بربوات ربوات من أجناد السماء القديسين الذين هم على أتم استعداد لتنفيذ إرادته . وعن طريق قنوات لا علم لنا بها هو على اتصال ناشط مع كل جزء من أجزاء ملكوته . ولكن في بقعة هذا الكوكب الصغير (الأرض) ، التي بذل ابنه الوحيد لكي يخلصها ، قد تركز اهتمامه واهتمام كل سكان السماء . إن يهوه ينحني من عرشه ليسمع أنين المظلومين . إنه يجيب على كل صلاة تقدم من قلب مخلص بقوله: "هأنذا". إنه يرفع المكروبين والمنسحقين . وفي كل ضيقنا يتضايق . وفي كل تجربة أو بلية ، ملاك حضرته قريب ليخلص .

وحتى العصفور الصغير لا يسقط إلى الأرض بدون علم الآب . إن عداوة الشيطان ليهوه تجعله يبغض كل من هم موضوع رعاية المخلص . وهو يحاول إفساد عمل يهوه ، بل إنه يسر حتى بقتل الحيوانات العجم . إن العصافير محفوظة برعاية يهوه وحدها لكي تشنف  آذاننها بألحانها المطربة إذ حفظها يهوه ويرعاها ، فهو لا ينسى حتى العصافير . "فَلاَ تَخَافُوا! أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ!" (متى 10: 31).

يعترف بمن يعترفون به

ويستطرد يهوشوه قائلاً: كما تعترفون بي قدام الناس فسأعترف أنا بكم أمام يهوه والملائكة القديسين . إنكم ستكونون شهودي على الأرض وقنوات تجري فيها نعمتي لأجل شفاء العالم . كذلك سأكون أنا نائبا عنكم وممثلا لكم في السماء . إن الآب لا ينظر إليكم في نقائصكم أو أخطائكم ولكنه يراكم وأنتم متسربلون بكمالاتي . إني أنا القناة التي فيها تنحدر بركات السماء إليكم. كل من يعترف بي بكونه يشاركني في التضحية لأجل الهالكين فسيُعتَرف به كمن هو شريك في أمجاد المفديين وفرحهم.

ولكن يجب على من يعترف بالمسيا أن يكون ساكنا في قلبه . إنه لا يستطيع أن يقدم للناس شيئا لم يحصل هو عليه . يمكن للتلاميذ أن يتكلموا عن العقائد بكل طلاقة وأن يرددوا نفس أقوال المسيا ، ولكن ما لم يملكوا وداعة ومحبة كوداعة المسيا ومحبته فإنهم لا يعترفون به . إن الروح المضاد لروح المسيا قد ينكره مهما يكن اعترافه . وقد ينكر الناس المسيا بالطعن في حق الآخرين وبكلام الجهالة والكذب والقساوة . وقد ينكرونه برفض حمل أعباء الحياة وانتهاج طريق الملذات الآثمة . وقد يشكرونه بمشاكلة أهل العالم وبتصرفهم الخالي من العطف وبالإصرار على أفكارهم الخاصة وبتزكية أنفسهم واحتضان الشكوك والبحث عن المتاعب والسلوك في الظلمة . بكلى هذه الوسائل يعلنون أن المسيا ليس فيهم . ثم يقول: "وَلكِنْ مَنْ يُنْكِرُنِي قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (متى 10: 33) .

المقاومة واللطف

قال المخلص لتلاميذه ألا يؤملوا بأنه يمكن التغلب على عداوة العالم للإنجيل ،  أو أن  الناس سيكفون عن المقاومة بعد قليل ، فلقد قال: "مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا" (متى 10: 34) . إن وجود هذه الحرب واشتدادها ليس بسبب تأثير الإنجيل بل هو نتيجة مقاومته . ومن بين كل الاضطهادات نجد أن أقسى ما يمكن احتماله منها هو الانقسام في العائلة والنفور الذي يفرق بين أخلص الأصدقاء. ولكن يهوشوه يعلن قائلاً:"مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي ، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي ، وَمَنْ لاَ يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنِي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (متى 10: 37, 38).

إن مهمة خدام المسيا هي كرامة عظيمة وعهدة مقدسة . فالمسيا يقول: "مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي ، وَمَنْ يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (متى 10: 40). وكل عمل من أعمال الشفقة والمحبة يقدم لهم باسمه لا بد أن يكون له تقدير ومكافأة . وبنفس هذا التقدير الرقيق هو يجمع أضعف الناس وأبسطهم إلى أسرة يهوه ، فيقول: "وَمَنْ سَقَى أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ" الذين يشبهون الأطفال في إيمانهم ومعرفتهم- "وَمَنْ سَقَى أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ كَأْسَ مَاءٍ بَارِدٍ فَقَطْ بِاسْمِ تِلْمِيذٍ ، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يُضِيعُ أَجْرَهُ"  (متى 10: 42).

هكذا انتهى المسيا من إلقاء تعليماته ، وخرج الاثنا عشر الذين اختارهم للبشارة وهم يرددون في قلوبهم: "رُوحُ يهوه عَلَيَّ ... لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ ... لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ يهوه الْمَقْبُولَةِ" (لوقا 4: 18, 19).

 
حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App