2. تعالوا استريحوا قليلاً
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

عند عودتهم من حملتهم التبشيرية"اجْتَمَعَ الرُّسُلُ إِلَى يهوشوه وَأَخْبَرُوهُ بِكُلِّ شَيْءٍ ، كُلِّ مَا فَعَلُوا وَكُلِّ مَا عَلَّمُوا . فَقَالَ لَهُمْ:«تَعَالَوْا أَنْتُمْ مُنْفَرِدِينَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَاسْتَرِيحُوا قَلِيلاً» . لأَنَّ الْقَادِمِينَ وَالذَّاهِبِينَ كَانُوا كَثِيرِينَ ، وَلَمْ تَتَيَسَّرْ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلأَكْلِ" (مرقس 6: 30, 31).

لقد أتى التلاميذ إلى يهوشوه وأخبروه بكل شيء . إن صلتهم الوثيقة به شجعتهم على أن يخبروه بكل اختباراتهم المشجعة وغير المشجعة ، وبفرحهم عندما كانوا يجدون نتائج حسنة ويجتنون ثمار جهودهم ، وحزنهم عندما كانوا يفشلون ، كما أخبروه بأخطائهم وضعفاتهم . لقد ارتكبوا أخطاء في بدء عملهم ككارزين . وإذ أخبروا المسيا باختباراتهم بكل صراحة رأى أنهم بحاجة  إلى كثير من الإرشادات . وقد رأى أيضاً أنهم قد تعبوا في عملهم وأنهم بحاجة إلى الراحة .

ولكن المكان الذي كانوا فيه حينئذ لم يكن يصلح للخلوة التي كانوا ينشدونها . "لأَنَّ الْقَادِمِينَ وَالذَّاهِبِينَ كَانُوا كَثِيرِينَ ، وَلَمْ تَتَيَسَّرْ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلأَكْلِ". كان الشعب يتجمعون حول يهوشوه مشتاقين إلى الشفاء وإلى سماع أقواله . وقد أحس كثيرون منهم بجاذبية تجذبهم إليه لأنه قد بدا لهم كنبع لكل البركات . وكثيرون ممن اجتمعوا حول المسيا لينالوا شفاء لأجسادهم قبلوه مخلصا لهم ، وكثيرون آخرون لخوفهم من الاعتراف به بسبب الفريسيين اهتدوا إلى يهوه عند حلول الروح القدس ، واعترفوا به كابن يهوه أمام الكهنة والرؤساء الغاضبين الناقمين.

"إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ" 

أما الآن فقد كان يهوشوه يتوق إلى خلوة يعتكف فيها مع تلاميذه لأنه كان لديه كثير ليقوله لهم . إنهم في عملهم اجتازوا في اختبار المصارعات وقد وجدوا مقاومة في أشكال مختلفة . كانوا قبل ذلك يستشيرون المسيا في كل شيء ، ولكنهم ظلوا وحدهم بعض الوقت . وفي بعض الأحيان كان يعتريهم اضطراب عظيم إذ كانوا في حيرة من جهة ما يجب عليهم أن يفعلوه . وقد وجدوا تشجيعا كبيرا في عملهم لأن المسيا لم يرسلهم دون أن يزودهم بروحه ، وبالإيمان به صنعوا معجزات كثيرة . ولكنهم آنئذ كانوا بحاجة إلى أن يتغذوا بخبز الحياة . كانوا يحتاجون إلى الذهاب إلى موضع خلاء يعتكفون فيه ويتحدثون مع يهوشوه ليتقبلوا منه التوجيهات الخاصة بعملهم في مستقبل الأيام .

"تَعَالَوْا أَنْتُمْ مُنْفَرِدِينَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَاسْتَرِيحُوا قَلِيلاً". إن قلب المسيا مفعم بالعطف والإشفاق على كل الذين يخدمونه . لقد أراهم أن يهوه يريد رحمة لا ذبيحة . إنهم وضعوا كل قلوبهم في العمل لأجل الشعب وذلك أنهك قواهم العقلية والجسدية ، فكان الواجب يقضي بأن يستريحوا .

ولكن التلاميذ إذ رأوا أنهم أصابوا نجاحا في عملهم صاروا في خطر أن ينسبوا الفخر لأنفسهم ويبقوا على الكبرياء الروحية في قلوبهم وهكذا يتعرضون لتجارب الشيطان . لقد كان أمامهم عمل عظيم . فعليهم أول كل شيء أن يعلموا أن قوتهم ليست في ذواتهم بل في يهوه . فكموسى في برية سيناء وكداود بين تلال اليهودية وكإيليا عند نهر كريت كان على التلاميذ أن ينعزلوا عن دائرة عملهم ونشاطهم ليتحدثوا مع المسيا ومع الطبيعة ومع قلوبهم .

تكاثف الظلال

فيما كان التلاميذ متغيبين في حملتهم الكرازية زار المسيا مدنا وقرى أخرى كارزا بإنجيل الملكوت . ونحو هذا الوقت وصله خبر موت المعمدان ، فأظهرت له هذه المأساة بكل جلاء النهاية التي كان هو سائرا إليها . كانت تتفاقم الظلمات وتتجمع حول طريقه ، فقد كان الكهنة والمعلمون يتحينون الفرص ليقضوا عليه بالموت ، وكان هنالك جواسيس يترصدون خطواته ، ومن كل جانب تجمعت القوات المتآمرة لإهلاكه . وقد بلغت مسمع هيرودس أنباء كرازة الرسل في كل أنحاء الجليل فثار اهتمامه بيهوشوه وبعمله . فقال الملك: "هذَا هُوَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ قَدْ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ!" (متى 14: 2) . وكان يريد أن يرى يهوشوه . كان هيرودس يلازمه الخوف من أن تنشب ثورة في الخفاء يكون هدفها خلعه عن العرض و كسر نير الرومان عن أعناق الشعب اليهودي . كانت روح التذمر و الثورة متفشية بين الشعب . وقد بات واضحاً أن خدمات المسيا العلنية في الجليل لن يطول أمدها. و كانت مشاهد آلامه تدنو وتقترب ، ولهذا اشتاق إلى الاختلاء لبعض الوقت بعيداً عن ضجيج الجموع.

وبقلوب مثقلة بالحزن حمل تلاميذ يوحنا جثته ليدفنوها. "ثُمَّ أَتَوْا وَأَخْبَرُوا يهوشوه" (متى 14: 13). لقد حسد هؤلاء التلاميذ المسيا حين تراءى لهم أنه يبعد الشعب عن يوحنا . وقد انحازوا إلى جانب الفريسيين في اتهامه عندما جلس مع العشارين والخطاة على مائدة متى ، وساورتهم الشكوك في كونه مرسلا من قبل يهوه لأنه لم يطلق سراح يوحنا المعمدان . أما الآن وقد مات معلمهم وكانوا يتوقون إلى السلوان والعزاء عن حزنهم العظيم وإلى النصح والإرشاد فيما يختص بعملهم مستقبلا فقد أتوا إلى يهوشوه و ربطوا مصالحهم بمصالحه . وقد كانوا هم أيضاً في حاجة إلى فترة هدوء ليتحدثوا مع المخلص.

وقت للتأمل

وبالقرب من بيت صيدا وفي نهاية البحيرة من الشمال كان إقليم خلاء . وكان في ذلك الوقت مزدانا بخضرة الربيع اليانعة فصار معتكفا مناسبا ليهوشوه وتلاميذه . فانطلقوا إلى ذلك المكان وركبوا سفينته ليعبروا البحيرة . ففي ذلك المكان سيكونون بعيدين عن الطريق العام وعن ضجة المدن وضوضائها المثيرة  ، كما كانت مناظر الطبيعة في ذاتها مصدر راحة لهم . فتغيير المناظر يبهج الحواس . وفي هذا المكان كان يمكنهم أن يصغوا إلى أقوال يهوشوه دون أن يقاطعهم أحد أو يسمعوا الكلام القاسي أو رد الإهانات والاتهامات من أفواه الكتبة والفريسيين . هنا يمكنهم أن يتمتعوا بفرصة ثمينة في صحبة سيدهم.

إن فرصة الراحة التي تمتع بها المسيا وتلاميذه لم تكن راحة استرخاء أو تكاسل ، فوقت الاختلاء ذاك لم يكرسوه للملذات السارة ولكنهم تحادثوا عن عمل يهوه وإمكانية الحصول على كفاءات أعظم للعمل . كان التلاميذ مع المسيا ولذلك أمكنهم أن يفهموه ، ولم تكن ثمة حاجة لأن يـكلمهم بأمثال ، فصحح أخطاءهم وأوضح لهم الطريق الصائب للاقتراب من الشعب  ، وكشف لهم عن كنوز الحق الإلهي الغنية بأكثر وضوح  ، فانتعشوا ونالوا حياة بقوة يهوه وألهموا بالرجاء والشجاعة .

ومع أن يهوشوه كان يستطيع أن يجري المعجزات وقد زود تلاميذه بنفس تلك القوة فقد أشار على خدامه المتعبين أولئك أن يمضوا إلى موضع خلاء ليستريحوا . وحين قال لهم أن الحصاد كثير والفعلة قليلون لم يلزم تلاميذه بضرورة العمل في الخدمة بدون توقف بل قال لهم: "اطْلُبُوا مِنْ سيَد الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ" (متى 9: 38) . لقد عين يهوه لكل إنسان عمله حسب إمكانياته (أفسس 4: 11- 13) . وهو لا يريد أن تضطلع جماعة  قليلة بمسؤوليات جسام في حين أن الآخرين لا يحملون أثقالا ولا يتمخضون لتولد نفوس .

الحاجة إلى الصلاة

هذا ، وإن المسيا يوجه نفس كلام الرفق والحنان إلى خدامه اليوم تماما كما قد وجهه إلى تلاميذه . فهو يقول لكل المنهوكين والمتعبين . "تعالوا أنتم منفردين ... واستريحوا". ليس من الحكمة أن يكون الإنسان دائما تحت إجهاد العمل وضغطه المثير حتى وهو يخدم حاجات الناس الروحية ، لأن الخادم في هذه الحالة يهمل التقوى الشخصية ويحل الإرهاق الشديد بقوى العقل والنفس والجسد . نعم إنه يطلب من تلاميذ المسيا أن ينكروا ذواتهم ولابد لهم من أن يضحوا بأشياء ، إنما يجب الحذر لئلا بسبب الغيرة الزائدة عن الحد يستفيد الشيطان من ضعف البشرية فيشوه عمل يهوه أو يتعطل .

وفي تقدير معلمي اليهود كانت خلاصة الدين أن يعيش الإنسان في غمرة ضجيج النشاط والعمل . وكانوا يعتمدون على بعض الممارسات الخارجية للإعلان عن تقواهم الممتازة . وهكذا فصلوا أرواحهم عن يهوه واتكلوا على الكفاية الذاتية . ولا تزال نفس تلك المخاطر باقية . فإذ يزيد نشاط الناس وينجحون في أي عمل يقومون به ليهوه فهناك يكمن خطر الإركان إلى الخطط والوسائل البشرية . والإنسان في هذه الحالة يقلل من الصلاة والإيمان . فنحن كالتلاميذ معرضون لخطر إغفال الاستناد على يهوه والسعي في جعل نشاطنا مخلِّصا لنا . إننا بحاجة دائمة للنظر إلى يهوشوه موقنين بأن قوته هي التي تنجز العمل . ففي حين أنه ينبغي لنا أن نكد ونتعب بكل غيرة لأجل خلاص الهالكين علينا أيضاً أن نقضي وقتا في التفكير والتأمل والصلاة ودرس كلمة يهوه . إن العمل الذي يتم بقوة الصلاة الحارة بدون ملل ، والذي يتقدس باستحقاق المسيا هو وحده الذي يتبرهن في النهاية أنه فعال للخير .

إنه لم تكن هنالك حياة مزدحمة بالأعمال والمسئوليات كما كانت حياة يهوشوه ، ومع ذلك فما أكثر المرات التي وجد فيها وهو يصلي! وكم كانت شركته مع يهوه متصلة ودائمة! ومرارا عديدة في تاريخ حياته الأرضية نجد مثل هذه الشهادات "وَفِي الصُّبْحِ بَاكِرًا جِدًّا قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ ، وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ". "فَاجْتَمَعَ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ لِكَيْ يَسْمَعُوا وَيُشْفَوْا بِهِ مِنْ أَمْرَاضِهِمْ . وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَعْتَزِلُ فِي الْبَرَارِي وَيُصَلِّي" ، "وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ . وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ ليهوه" (مرقس 1: 35؛ لوقا 5: 15, 16؛ 6: 12).

إن المخلص في حياته التي كرسها بجملتها لخير الآخرين وجد أنه من الضروري له أن يعتزل بعيدا عن ضجة العالم وضوضائه ، وبعيدا عن الجموع التي كانت تتبعه يوما بعد يوم ، رأى أنه يجب عليه أن يتنحى عن حياة النشاط الذي لا ينقطع والاتصال بالناس المحتاجين ليطلب مكانا يعتكف فيه ليتحدث مع الآب حديثا متصلا . وكواحد منا يشاطرنا حاجاتنا وضعفاتنا كان معتمدا بالتمام على يهوه  ، وفي مخدع الصلاة كان يطلب قوة يهوه لكي يتشدد في القيام بواجباته ويصمد أمام التجارب . وفي عالم الإثم هذا احتمل يهوشوه المصارعات والعذاب النفسي . وفي حديثه مع الآب كان يطرح عن كاهله الهموم والأحزان التي كادت تسحقه . وهنا كان يجد العزاء والفرح .

القوة تأتينا من يهوه

وعن طريق المسيا وصلت صرخات البشرية إلى الآب الكلي الرأفة . فكإنسان جعل يتوسل أمام عرش يهوه حتى سرى في جسم بشريته تيار سماوي ليوصل ويربط بين البشرية والألوهية ، وبواسطة الحديث المستمر مع يهوه أخذ منه حياة ليمنحها للعالم . فيجب أن يكون اختباره اختبارنا .

إنه يأمرنا قائلاً: "تعالوا أنتم منفردين" فإذا انتبهنا إلى كلامه فسننال قوة أعظم ونصبح أكثر نفعا . لقد طلب التلاميذ يهوشوه وأخبروه بكل شيء ، فشجعهم وعلمهم . فإذا كنا اليوم نقضى وقتا فيه نذهب إلى يهوشوه ونخبره بحاجاتنا فلن يخيب رجاءنا بل سيكون عن يميننا ليعيننا .

إننا بحاجة إلى مزيد من البساطة والاتكال والثقة بمخلصنا ، هذا المخلص المدعو "إِلهًا قَدِيرًا ، أَبًا أَبَدِيًّا ، رَئِيسَ السَّلاَمِ"  والمكتوب عنه "وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ" هو ذلك المشير العجيب الذي يدعونا لنطلب الحكمة منه لأنه "يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ ، فَسَيُعْطَى لَهُ" (إشعياء 9: 6؛ يعقوب 1: 5).

إن كل من هم تحت تدريب يهوه تظهر فيهم حياة لا تنسجم مع العالم أو عاداته أو أعماله. وكل واحد بحاجة إلى أن يكون عنده اختبار شخصي بمعرفة إرادة يهوه . فعلى كل منا أن يسمع صوته يهمس في قلبه. وعندما يصمت كل صوت آخر ونمثل أمام السيَد في خشوع وصمت فإن صمت النفس يجعل صوت يهوه أكثر وضوحاً. إنه يقول لنا: "كُفُّوا وَاعْلَمُوا أَنِّي أَنَا يهوه" (مزمور 46: 10). هنا فقط يمكن الحصول على الراحة الحقيقية . وهذا هو الإعداد الفعال لكل من يخدمون يهوه . ففي وسط الجموع المسرعة في سيرها ، وفي وسط الإجهاد العظيم الواقع على قوى الإنسان فالنفس التي تحصل على مثل هذا الانتعاش ستكون محاطة بجو كله نور وسلام . وسيصعد من النفس عبير زكي منعش وتعلن قوة يهوه التي تصل إلى قلوب الناس.

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App