3. أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كان المسيا قد ذهب مع تلاميذه إلى مكان خلاء ليعتكفوا ، ولكن فرصة الهدوء هذه سرعان ما انقضت . ظن التلاميذ أنهم في مكان لا يمكن لأحد أن يعرفه . ولكن ما إن أحست الجموع بغياب المعلم الإلهي حتى تساءلوا قائلين: "أين ذاك؟" وقد عرف بعضهم الجهة التي انطلق إليها المسيا وتلاميذه ، فذهب كثيرون إلى هناك مشاة ، بينما ركب غيرهم السفن وعبروا بها البحيرة ليصلوا إليهم . وكان عيد الفصح قريبا ، فجاءت جموع المعيدين من قرب ومن بعد في طريقهم إلى أورشليم واجتمعوا حول يهوشوه . ثم تقاطرت إلى هناك جموع أخرى حتى بلغ عددهم خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأولاد . فقبلما وصل يهوشوه إلى الشاطئ كان جمع غفير من الناس في انتظاره . ولكنه نزل من السفينة دون أن يلاحظوه فقضى بعض الوقت مع تلاميذه منفردين .

ومن جانب الجبل تطلع يهوشوه إلى ذلك الجمع القادم إليه فامتلأ قلبه عطفا وحنانا عليهم . ومع أنه قوطع وضاعت عليه فرصة الراحة فإنه لم يتضجر أو يتململ . إذ رأى ضرورة أعظم تتطلب اهتمامه ، وعندما كان الناس يأتون إليه زرافات تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ "إِذْ كَانُوا كَخِرَافٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا" (مرقس 6: 34) . وحين ترك معتكفه وجد مكانا ملائما فيه يمكنه أن يخدمهم . إنهم لم يحصلوا على أي عون من الكهنة أو الرؤساء ولكن مياه الحياة الشافية فاضت من قلب المسيا وهو يعلم ذلك الجمع طريق الخلاص.

أصغى الناس إلى كلام الرحمة الذي كان يفيض بغزارة من بين شفتي ابن يهوه ، واستمعوا إلى كلام النعمة الذي كان غاية في البساطة والوضوح ، فكان كبلسان جلعاد لنفوسهم . إن لمسة يده الإلهية الشافية جاءت بالبهجة والحياة لمن كانوا يحتضرون ، وبالراحة والصحة لمن كانت تعذبهم أمراضهم ، فكان يومهم كأيام السماء على الأرض ، إذ لم يشعروا البتة بمرور الوقت منذ أن أكلوا آخر وجبة .

سمكتان وأرغفة شعير

كان معظم النهار قد انقضى وأوشكت الشمس على الأفول ، ومع ذلك لم يترك الناس أماكنهم ، فظل يهوشوه يتعب ويخدم كل النهار دون أن يستريح أو يتناول طعاما . كان شاحب الوجه من فرط الإعياء والجوع فالتمس منه التلاميذ أن يكف عن العمل . ولكنه لم يستطع الانسحاب من وسط ذلك الجمع الذي كان يزحمه .

أخيرا جاء التلاميذ إليه يلحون عليه أن يصرف الجموع رحمة بهم ، إذ كان كثيرون منهم قد أتوا من بعيد ولم يتناولوا أي طعام منذ الصباح . فيمكنهم أن يبتاعوا طعاما من المدن والقرى المجاورة . ولكن يهوشوه قال لهم: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا؟" (مرقس 6: 37) . وإذ التفت إلى فيلبس سأله قائلاً: "مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزًا لِيَأْكُلَ هؤُلاَءِ؟" (يوحنا 6: 5) . قال يهوشوه هذا ليمتحن إيمان ذلك التلميذ . فنظر فيلبس إلى ذلك البحر الزاخر من الناس وقدر أنه من المستحيل تدبير طعام يكفي لإشباع تلك الجموع الغفيرة . فأجاب قائلا إنه لا يكفيهم خبز بمئتي دينار ليأخذ كل منهم شيئا يسيراً . فسأل يهوشوه كم من الخبز يمكن الحصول عليه من ذلك الجمع . فأجاب أندراوس قائلاً: "هُنَا غُلاَمٌ مَعَهُ خَمْسَةُ أَرْغِفَةِ شَعِيرٍ وَسَمَكَتَانِ ، وَلكِنْ مَا هذَا لِمِثْلِ هؤُلاَءِ؟" (يوحنا 6: 9). فأمر يهوشوه بأن يحضروها إليه وطلب من تلاميذه أن يجلسوا الناس رفاقا رفاقا على العشب الأخضر مئة مئة وخمسين خمسين حفاظا للنظام وليرى الجميع ما هو مزمع أن يصنع . فلما تم هذا واستتب النظام أخذ يهوشوه الأرغفة والسمكتين "رَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى الأَرْغِفَةَ لِلتَّلاَمِيذِ ، وَالتَّلاَمِيذُ لِلْجُمُوعِ" "فَأَكَلَ الْجَمِيعُ وَشَبِعُوا . ثُمَّ رَفَعُوا مِنَ الْكِسَرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مَمْلُوَّةً ، وَمِنَ السَّمَكِ" (لوقا 9: 16؛ مرقس 6: 42، 43).

درس في البساطة

إن ذاك الذي قد علم الشعب طريق الحصول على السلام والسعادة كان مهتما نفس الاهتمام بحاجاتهم الزمنية قدر اهتمامه بحاجاتهم الروحية . كان الناس متعبين ومعيين . كانت توجد أمهات يحملن أطفالهن على أذرعهن وأولاد صغار يتعلقون بأذيالهن . وقد ظل البعض واقفين على أقدامهم ساعات طويلة . وكانوا متلهفين لسماع أقوال المسيا فلم يفكروا قط في الجلوس . كان الجمع غفيرا حتى لقد كان يخشى لئلا يدوسوا بعضهم بعضا ، لهذا أراد يهوشوه أن يعطيهم فترة راحة فأمرهم بالجلوس . وكان تحت أقدامهم بساط كثيف من العشب الأخضر فكان يمكن للجميع أن يجلسوا ويستريحوا .

إن المسيا لم يصنع قط معجزة إلا ليسد حاجة حقيقية . فكانت كل معجزة من شأنها أن ترشد الشعب إلى شجرة الحياة التي ورقها لشفاء الأمم . إن ذلك الطعام البسيط الذي قدمه التلاميذ للشعب الجائع كانت فيه كنوز غنية بالتعاليم . فذلك الطعام الذي أمكن تقديمه للشعب كان طعاما متواضعا ، حيث كان السمك وأرغفة الشعير هى الطعام اليومي الذي اعتاد جماعة الصيادين الساكنين بالقرب من بحر الجليل أن يتناولوه . لقد كان المسيا قادرا على أن يقدم للشعب طعاما فخما دسما ، ولكن مثل ذلك الطعام الذي كان الغرض منه التلذذ وإشباع النهم ما كان ليحمل دروسا نافعة ، علمهم المسيا في هذا الدرس أن المؤونة الطبيعية التي أعدها يهوه للناس قد فسدت . والناس لم يتلذذوا قط بالولائم الفخمة المعدة لإشباع الذوق الذي فسد بقدر ما تمتع هذا الشعب بالراحة والطعام البسيط الذي أعده المسيا في ذلك المكان المنقطع البعيد عن العمران .

لو كان الناس في هذه الأيام يمشون بالبساطة وفي حالة انسجام مع قوانين الطبيعة كما كان آدم وحواء في فجر التاريخ لَوُجِد الكثير من المؤونة لسد حاجة الأسرة البشرية ، ولقلت المطاليب الوهمية ، وتوفرت فرص أخرى للعمل بالطرق المعينة من يهوه . ولكن الأنانية والانغماس في اللذائذ غير الطبيعية ، كل ذلك جلب على العالم الخطية والشقاء بسبب الإفراط من الجانب الواحد والعوز والفاقة من الجانب الآخر .

لم يكن يهوشوه يريد أن يجتذب الناس إليه بإشباع شوقهم إلى الرفاهية والتنعم . كذلك الطعام البسيط الذي قدمه لذلك الجمع العظيم المتعب الجائع بعد يوم طويل مثير ، كان برهانا لا على قدرته فحسب بل على رعايته الرقيقة في احتياجات الحياة اليومية . إن المخلص لم يمد تابعيه بتنعمات العالم فقد يكون نصيبهم بسيطا وشحيحا وقد يكون نصيبهم الفقر . ولكن كلمته كانت عهدا أخذه على نفسه بأنه سيسد احتياجهم بل لقد وعدهم بما هو أفضل جدا من كل البركات الدنيوية- وعدهم بالتعزية المرجوة من حضوره معهم .

مصدر كل الأشياء

إن يهوشوه بإشباعه الخمسة الآلاف يرفع الستار عن عالم الطبيعة ويكشف عن القوة التي يستخدمها أبدا لخيرنا . وإن يهوه إذ يجعل الأرض تعطي قوتها وثمارها الوفيرة للإنسان يصنع كل يوم معجزة . وعن طريق العوامل الطبيعية تتم نفس المعجزة التي أجريت عند إشباع الجماهير . الناس يعدون الأرض ويبذرون البذار ، ولكن الحياة التي مصدرها يهوه هي التي تجعل البذار ينبت . فالمطر والهواء والشمس بنورها وحرارتها ، وكلها مرسلة من يهوه ، تجعل النبات يطلع ، "أَوَّلاً نَبَاتًا ، ثُمَّ سُنْبُلاً ، ثُمَّ قَمْحًا مَلآنَ فِي السُّنْبُلِ" (مرقس 4: 28). إن يهوه هو الذي في كل يوم يشبع ملايين الناس من محاصيل الحقول. والمطلوب من الناس هو أن يتعاونوا مع يهوه في رعاية الحبوب وإعداد رغيف الخبز ، ولأجل هذا ينسون يد يهوه العاملة في كل ذلك . إنهم لا يعطون يهوه المجد الذي يستحقه اسمه القدوس . إنهم ينسبون عمل قوته إلى عوامل طبيعية أو إلى الإنسان نفسه ، فالمجد يعطى للإنسان لا ليهوه ، والناس يفسدون هبات يهوه إذ يستخدمونها لغايات أنانية وبذلك تصير لعنة بدل كونها بركة . ولكن يهوه مهتم بتغيير ذلك كله . إنه يرغب في أن تتنبه حواسنا البليدة لتميز شفقته ورحمته وتمجده لأجل عمل قدرته . إنه يرغب في أن نعرفه عن طريق عطاياه حتى تكون بركة لنا كما قد قصد هو . فلأجل تحقيق هذا الغرض أجرى المسيا معجزاته .

بعدما شبعت الجموع بقيت كمية من الطعام . ولكن ذاك الذي كل مصادر القوة غير المحدودة تحت أمرته قال: "اجْمَعُوا الْكِسَرَ الْفَاضِلَةَ لِكَيْ لاَ يَضِيعَ شَيْءٌ" (يوحنا 6: 12) . كان يهوشوه يعني بهذا القول شيئا أكثر من مجرد وضع الكسر في السلال . لقد كان الدرس يعني أمرين . ينبغي ألا يضيع شيء وعلينا ألا نفلت من أيدينا أي ربح زمني . ويجب ألا نهمل شيئا يمكن أن يكون فيه نفع لأي إنسان . يجب أن نجمع كل ما يمكن أن يسد احتياج الجائعين من بني الإنسان . ثم ينبغي أن يكون عندنا نفس هذا الحرص بالنسبة إلى البركات الروحية . عندما جمعت الكسر فكر الناس في أصدقائهم الذين في بيوتهم ، فأرادوا أن يشركوهم معهم في التناول من الخبز الذي قد باركة المسيا . وقد وزعت تلك الكسر على ذلك الجمع المشتاق فحملوها إلى كل ذلك الإقليم . فكان على من قد أكلوا وشبعوا من تلك الوليمة أن يعطوا للآخرين من ذلك الخبز النازل من السماء لإشباع نفوسهم الجائعة . كما كان عليهم أن يرددوا ما قد تعلموه من عظائم يهوه ، فكان ينبغي ألا يضيع شيء ، وألا تسقط كلمة واحدة مما يتعلق بخلاصهم الأبدي إلى الأرض بلا فائدة .

مواعيد بالإنقاذ

إن معجزة الأرغفة تعلمنا درس الاعتماد على يهوه . عندما أشبع المسيا الخمسة الآلاف لم يكن الطعام في متناول اليد . وحسب الظاهر لم تكن هنالك أية وسيلة طوع أمره . لقد كان هو ومعه الخمسة الآلاف عدا النساء والأولاد في البرية . إنه لم يدع كل ذلك الجمع ليتبعه ، ولكنهم أتوا من تلقاء أنفسهم دون دعوة أو أوامر ، ولكنه كان يعلم أنهم بعدما استمعوا لتعاليمه طول تلك المدد كانوا يحسون بالجوع والإعياء ، لأنه كان مثلهم يحس بالجوع . وكانوا بعيدين عن بيوتهم وكان الليل مقبلا عليهم . وكثيرون منهم لم يكن لديهم ما يشترون به طعاما . إن ذاك الذي لأجلهم صام أربعين يوما في البرية لم يسمح بعودتهم إلى بيوتهم صائمين . فسمحت إرادة يهوه وعنايته أن يكون يهوشوه حيث كان ، واعتمد هو على أبيه السماوي ليدبر لهم ما يسد تلك الحاجة .

ونحن عندما نقع في أي مأزق علينا بالاعتماد على يهوه ، علينا أن نتصرف بحكمة وروية في كل عمل من أعمال الحياة لئلا بتصرفاتنا الطائشة نوقع أنفسنا في المحن والتجارب . علينا ألا نوقع أنفسنا في الصعوبات بإهمالنا للوسائط التي قد أعدها يهوه أو بإساءة استعمال القوى والمواهب المعطاة لنا . على خدام المسيا أن يطيعوا إرشاداته بكل دقة . إن العمل هو عمل يهوه فإذا أردنا أن نبارك الآخرين علينا باتباع كل تعليماته . علينا ألا نركز كل شيء في الذات ، فالذات لن تنال أية كرامة . وإذا كنا نرسم خططنا كما يخطر لنا فالسيَد يتركنا لنحصد ثمار أخطائنا . ولكن إذا كنا نقع في مأزق بعدما اتبعنا تعليمات السيَد فإنه يخلصنا . علينا ألا نستسلم لليأس ، ولكن في كل مأزق أو طارئ لنطلب العون من ذاك الذي تحت يده موارد لا تنفد ولا تنضب . إننا في كثير من الأحيان نحاط بظروف مغيظة ومثيرة وقاسية ، فعلينا حينئذٍ أن نعتمد على يهوه بكل ثقة . إنه يحفظ كل نفس يكتنفها الارتباك بسبب اجتهادها في حفظ طريق السيَد .

بركات العطاء والإحسان

يوصي المسيا بأن "تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ" وتشبع "النَّفْسَ الذَّلِيلَةَ" و"إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ" و"أن تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ" (إشعياء 58: 7- 10) . وهو يقول أيضاً: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مرقس 16: 15) . ولكن كم مرة تغوص قلوبنا في أعماقنا ويخذلنا إيماننا عندما نرى ضآلة الموارد التي بين أيدينا في مواجهة حاجة العالم العظيمة الهائلة . إننا نصرخ مع أندراوس عندما رأى خمسة الأرغفة والسمكتين قائلين: "ما هذا لمثل هؤلاء؟" كثيراً ما نتردد ونحن غير راغبين في تقديم كل ما نملك ونخشى أن ننفِق ونُنفَق لأجل الآخرين . ولكن يهوشوه يأمرنا قائلاً: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا". إن أمره هو وعد ، وخلف الوعد توجد تلك القوة التي أشبعت ذلك الجمع بجانب البحر .

إن عمل المسيا في سد حاجة ذلك الجمع الجائع إلى الخبز ينطوي على درس روحي عميق لكل العاملين معه . لقد أخذ المسيا من الآب وأعطى تلاميذه ، والتلاميذ قدموا للجموع ، والجموع كانوا يعطون بعضهم بعضا . كذلك كل من هم متحدون بالمسيا يأخذون منه خبز الحياة ثم يقدمون هذا الخبز السماوي للآخرين .

وإذ كان يهوشوه معتمدا على الآب اعتمادا كاملا أخذ الأرغفة القليلة ، ومع أنها لم تكن كافية لسد حاجة التلاميذ أنفسهم فلم يدعهم ليأكلوا بل بعدما أعطاهم الخبز أمرهم بأن يوزعوه على الشعب . وقد تكاثر الخبز وتبارك بين يديه . وأيدي التلاميذ التي مدوها إليه الذي هو خبز الحياة لم ترجع فارغة قط . لقد كان ذلك القليل كافيا لإشباع الجميع . وبعدما شبع ذلك الجمع كله جمعت الكسر الفاضلة فأكل المسيا وتلاميذه معا من ذلك الطعام الثمين المرسل لهم من السماء .

عاملون مع يهوه

كان التلاميذ هم قنوات الاتصال بين المسيا والشعب . وهذا ينبغي أن يكون مشجعا عظيما لتلاميذه في هذه الأيام . إن المسيا هو مركز الدائرة العظيم ونبع كل قوة . وعلى تلاميذه أن يتناولوا كل احتياجاتهم منه . إن أعظم الناس ذكاء ونبوغا وروحانية يمكنهم أن يعطوا بقدر ما يأخذون فقط . إنهم من ذواتهم لا يستطيعون أن يسدوا حاجات النفس . ونحن يمكننا أن نوزع على الآخرين ما نأخذه فقط من المسيا . ونحن نأخذ بقدر ما نعطي للآخرين . وطالما نحن نوزع فإننا نأخذ . وكلما وزعنا أكثر أخذنا أكثر . وهكذا يمكننا باستمرار أن نؤمن ونثق ونأخذ ونعطي .

إن عمل بناء ملكوت المسيا سيتقدم إلى الأمام وإن تكن الظواهر كلها تدل على أنه يتحرك ببطء ، والمستحيلات تعيق تقدمه . إن العمل هو من يهوه فهو سيدبر الوسائل وسيرسل مساعدين من التلاميذ الأمناء الغيورين الذين ستمتلئ أيديهم بالخبز هم أيضاً ليقدموه للجموع الجائعة . ويهوه ليس بغافل عن أولئك الذين يتعبون في محبة ليقدموا كلمة الحياة للنفوس الهالكة التي هي بدورها تمد أيديها في طلب الطعام لنفوس أخرى جائعة .

في خدمتنا ليهوه خطر منشأه الاعتماد أكثر من اللازم على ما يستطيع الإنسان أن يفعله بكل قواه ومواهبه . وهكذا يغيب عن عقولنا السيد الذى هو العامل الأوحد . في غالب الأحيان لا يتحقق العامل لأجل المسيا من مسؤوليته الشخصية ، فيكون في خطر التحايل بالاعتماد على التنظيمات بدلا من الاعتماد على ذاك الذي هو نبع كل قوة . ففي عمل يهوه يكون الاعتماد على الحكمة البشرية أو كثرة العدد خطأ جسيما . إن العمل الناجح للمسيا لا يتوقف على كثرة العدد أو المواهب قدر ما يستند على خلوص النية واستقامة الغرض والبساطة الحقة في الإيمان المليء بالثقة . فينبغي تحمل المسئوليات الشخصية والقيام بالواجبات ، وبذل الجهود لمن لا يعرفون المسيا . فبدلا من إلقاء التبعة على إنسان آخر تظن أنه موهوب أكثر منك ، اعمل بقدر ما تستطيع.

التقدم بإيمان

وعندما يخطر لقلبك هذا السؤال: "من أين نبتاع خبزا ليأكل هؤلاء؟" فلا يكونن جوابك دليلا على عدم الإيمان . إن التلاميذ عندما سمعوا المخلص يأمرهم قائلاً: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا"، ثارت في عقولهم شتى الصعوبات . فجعلوا يتساءلون قائلين: "أنذهب إلى القرى لنشتري طعاما؟" وكذلك الحال اليوم عندما يكون الناس محرومين من خبز الحياة يتساءل أولاد يهوه قائلين: "أنرسل في طلب إنسان من مكان بعيد لكي يأتي ويطعمهم؟" ولكن ماذا قال يهوشوه؟ قال: "اجْعَلُوا النَّاسَ يَتَّكِئُونَ" ثم أشبعهم هناك . وهكذا أنت عندما تكون محاطا بنفوس محتاجة اعلم أن المسيا هناك . فتحدث معه ، ثم ضع أرغفة الشعير التي معك بين يدي يهوشوه .

قد تبدو الوسائل التي في حوزتنا غير كافية للعمل . ولكن إذا تقدمنا إلى الأمام بإيمان متكلين على قوة يهوه الكافية لسد كل حاجة فستنفتح أمامنا ينابيع غنية وفياضة . فإذا كان العمل عمل يهوه فهو بنفسه سيدبر الوسائل لإنجازه . إنه سيكافئ من يتكلون عليه بالأمانة والبساطة . إن القليل الذي يستعمل بحكمة وحرص في خدمة سيَد السماء سيزيد ويتبارك عند توزيعه . وإن القليل من الطعام الذي كان في يد المسيا بقي كاملا لم ينقص منه شيء حتى شبع كل ذلك الشعب الجائع . فإذا كنا نذهب إلى مصدر القوة ونمد يد الإيمان منتظرين أن نأخذ ما يسد الحاجة فسنجد معاضدة في عملنا حتى في أقسى الظروف ، وسنكون قادرين على تقديم خبز الحياة للآخرين .

يقول السيَد: "أَعْطُوا تُعْطَوْا" ، "مَنْ يَزْرَعُ بِالشُّحِّ فَبِالشُّحِّ أَيْضًا يَحْصُدُ ، وَمَنْ يَزْرَعُ بِالْبَرَكَاتِ فَبِالْبَرَكَاتِ أَيْضًا يَحْصُدُ ... ويهوه قَادِرٌ أَنْ يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ ، لِكَيْ تَكُونُوا وَلَكُمْ كُلُّ اكْتِفَاءٍ كُلَّ حِينٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، تَزْدَادُونَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ . كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«فَرَّقَ . أَعْطَى الْمَسَاكِينَ . بِرُّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ»" (لوقا 6: 38؛ 2 كورنثوس 9: 6- 11).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App