5. مواجهة الأزمة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إن المسيا عندما نهى الناس عن المناداة به ملكا كان يعلم أنه قد وصل إلى نقطة تحول حاسمة في تاريخه . فالجماهير التي ترغب في إجلاسه على العرش اليوم ستنصرف عنه غدا . والخيبة التي قضت على طموحهم الأناني ستقلب محبتهم له إلى بغضه ، وتمجيدهم إلى لعنات . ولكن مع علمه بكل ذلك لم يقم بأي إجراء لتفادي الأزمة . ومنذ البداية لم يقدم لتابعيه أي وعد أو أمل في مكافآت أرضية . فلقد أجاب الرجل الذي جاءه في أحد الأيام يعلن عن رغبته في أن يكون تلميذا له ، بقوله: "لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ ، وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" (متى 8: 20) . فلو أمكن الناس أن يحتفظوا بالعالم مع المسيا لكان ألوف منهم يأتون ليقدموا له ولاءهم ، ولكنه لم يقبل مثل تلك الخدمة . وكثيرون ممن كانت لهم صلة به حينئذٍ كان قد استهواهم الأمل في قيام مملكة عالمية . فكان عليه أن يصارحهم بالحقيقة . إنهم لم يفهموا الدرس الروحي العميق المتضمن في معجزة الأرغفة ، فكان يجب إيضاحه . ولا بد من أن يصحب هذا الإعلان الجديد اختبار أدق .

لقد ذاعت شهرة معجزة الأرغفة في كل مكان ، ففي صبيحة اليوم التالي تقاطر الناس من كل الأنحاء إلى بيت صيدا لكي يروا يهوشوه وكان عدد الآتين كبيرا ، فمنهم من جاء برا ، ومنهم من جاء عن طريق البحر . والذين كانوا قد تركوه في الليلة السابقة عادوا إلى هنالك على أمل أن يجدوه ، إذ لم تكن هناك سفينة يعبر فيها إلى الشاطئ الآخر . ولكن بحثهم كان غير مجد فوفد كثيرون منهم إلى كفرناحوم بحثا عنه .

يسعون وراء المنافع المادية

وفي غضون ذلك كان هو قد وصل إلى جنيسارت بعد غياب يوم واحد . فحالما عرف الناس أنه قد أرسى: "طَافُوا جَمِيعَ تِلْكَ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ ، وَابْتَدَأُوا يَحْمِلُونَ الْمَرْضَى عَلَى أَسِرَّةٍ إِلَى حَيْثُ سَمِعُوا أَنَّهُ هُنَاكَ" (مرقس 6: 55) .

وبعد وقت قصير ذهب إلى المجمع وهناك وجده القادمون من بيت صيدا . وقد أخبرهم  تلاميذه كيف عبر البحر . ثم أخبروا تلك الجموع المندهشة بكل أمانة عن شدة العاصفة والساعات الطوال التي قضوها وهم يجذفون بلا جدوى ضد الرياح المضادة ، وظهور المسيا ماشيا على الماء والمخاوف التي استبدت بهم عندما رأوه ، وكلامه المشجع المطمئن ، ومجازفة بطرس وما نجم عنها ، وهدوء العاصفة فجأة ووصول السفينة إلى الشاطئ بسلام . وإذ لم يقنع الناس بذلك تجمهر كثيرون منهم حول يهوشوه وسألوه قائلين : "يا معلم متى صرت هنا؟" (يوحنا 6: 25) . وكانوا يرجون أن يسمعوا من فمه تفاصيل تلك المعجزة .

ولكن يهوشوه لم يشبع فضولهم بل قال لهم بحزن: "أَنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي لَيْسَ لأَنَّكُمْ رَأَيْتُمْ آيَاتٍ ، بَلْ لأَنَّكُمْ أَكَلْتُمْ مِنَ الْخُبْزِ فَشَبِعْتُمْ" (يوحنا 6: 26) . إنهم لم يطلبوه بسبب باعث شريف ولكن حيث أنهم كانوا قد شبعوا من أرغفة الخبز كانوا ما زالوا يؤملون أنهم سيحصلون منه على خير زمني إذا كانوا يلازمونه . ولكن المخلص أمرهم قائلا: "اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" (يوحنا 6: 27) . لا تطلبوا الخيرات الزمنية وحدها ولا يكن اهتمامكم الرئيسي هو مطاليب هذه الحياة الحاضرة . بل اطلبوا الطعام الروحي والحكمة التي تبقى إلى الأبدية . وهذا ما لا يستطيع أن يعطيه غير ابن يهوه وحده ، "لأَنَّ هذَا يهوه الآبُ قَدْ خَتَمَهُ" (يوحنا 6: 27) .

ثمن السماء

لقد أوقظ اهتمام السامعين وقتيا فصاحوا قائلين: "مَاذَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ يهوه؟"  (يوحنا 6: 28) . كانوا يمارسون أعمالا كثيرة شاقة لكي ينالوا استحسان يهوه . وكانوا على استعداد لأن يسمعوا عن أي عمل جديد يمكنهم بواسطته أن يحصلوا على استحقاق أعظم . وكان معنى سؤالهم هو هذا: "ما الذي نفعله حتى نكون مستأهلين لدخول السماء؟ ما الثمن الذي علينا أن ندفعه ليكون لنا الحق في الحياة الأبدية؟".

أجاب يهوشوه وقال لهم: "هذَا هُوَ عَمَلُ يهوه: أَنْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِي هُوَ أَرْسَلَهُ" (يوحنا 6: 29) . إن ثمن السماء هـو يهوشوه .  والطريق إلى السماء هو طريق الإيمان بيهوشوه لأنه "حَمَلُ يهوه الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يوحنا 1: 29) .

لكن الشعب رفضوا قبول هدا الحق الإلهي . إن يهوشوه قد عمل نفس العمل الذي سبق الأنبياء بأن مسيا سيفعله ، ولكنهم لم يروا ما قد صورته لهم آمالهم الأنانية على أنه عمله . نعم إن المسيا قد أشبع مرة جمهورا غفيرا من بعض أرغفة الشعير ، ولكن الشعب ظل يقتات من المن أربعين سنة في عهد موسى ، فكانوا ينتظرون بركات أعظم من هذه على يدي مسيا . إن قلوبهم التي لم تكن تعرف القناعة أو الشبع كانت تتساءل  قائلة لماذا لا يستطيع يهوشوه أن يمنح كل شعبه الصحة والقوة والغنى ما دام قد استطاع أن يجري كل تلك العظائم والمعجزات التي قد شاهدوها ، ولماذا لا يحررهم من ظالميهم ومستعبديهم  ويسمو بهم إلى مراتب الكرامة والسلطان؟ إن حقيقة كونه قد صرح بأنه مرسل من يهوه ، ورفضه في نفس الوقت أن يكون ملكا على إسرائيل كان ذلك سرا عجزوا عن معرفته  وإدراكه . فحرفوا هذا الرفض ، واستنتج كثيرون أنه لم يجرؤ على تحقيق ادعاءاته لأنه هو نفسه كان يشك في كون رسالته هي من يهوه . وهكذا أفسحوا في قلوبهم مجالا لعدم الإيمان ، وذلك البذار الذي ألقاه الشيطان في قلوبهم أثمر ثمارا من جنسه ، ثمار سوء الفهم والارتداد .

خبز من السماء

وإذا بأحد معلمي الشعب يسأله بنغمة شاعت فيها السخرية قائلا: "أَيَّةَ آيَةٍ تَصْنَعُ لِنَرَى وَنُؤْمِنَ بِكَ؟ مَاذَا تَعْمَلُ؟ آبَاؤُنَا أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ خُبْزًا مِنَ السَّمَاءِ لِيَأْكُلُوا" (يوحنا 6: 30, 31) .

لقد أكرم اليهود موسى على اعتبار أنه هو معطي المن وبذلك نسبوا المجد لإنسان لم يكن غير مجرد آلة ، وغاب عن أنظارهم ذاك الذي قام بالعمل وأتمه . لقد تذمر آباؤهم على موسى وشكوا في كونه مرسلا من قبل يهوه وتنكروا لرسالته . وبنفس تلك الروح رفض الأبناء ذاك الذي حمل إليهم رسالة يهوه (يهوشوه) ، "فَقَالَ لَهُمْ يهوشوه:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الْخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ»" (يوحنا 6: 32) إن ذاك الذي كان قد أعطاهم المن كان واقفا حينئذٍ بينهم ، وهذا هو المسيا بالذات الذي كان قائدا للعبرانيين في البرية وكان يُؤَمَّن لهم يوميا الطعام الذي كان رمزا للخبز السماوي الحقيقي . إن الروح المانح الحياة الذي يفيض من ملء يهوه غير المحدود هو المن الحقيقي . قال يهوشوه: "لأَنَّ خُبْزَ يهوه هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ" (يوحنا 6: 33) .

وإذ كان بعض سامعيه لا يزالون يظنون أن يهوشوه يشير إلى الخبز المادي صاحوا قائلين: "يَا سَيِّدُ ، أَعْطِنَا فِي كُلِّ حِينٍ هذَا الْخُبْزَ" فقال لهم يهوشوه بكل وضوح: "أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ" (يوحنا 6: 34، 35).

كانت الاستعارة التي استعملها المسيا مألوفة لدى اليهود ، فقد قال موسى بوحي من الروح القدس: "لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ يهوه" . وكتب إرميا النبي يقول: "وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي" (تثنية 8: 3؛ إرميا 15: 16) . كان هنالك مثل يردده معلمو إسرائيل ويقول إن أكل الخبز بالمعنى الروحي هو درس الناموس وممارسة الأعمال الصالحة . وكثيرا ما كان يقال أنه عند مجيء مسيا سيأكل كل إسرائيل ويشبعون . وقد أوضحت تعاليم الأنبياء الدرس الروحي العميق الذي يستقي من معجزة الأرغفة . كان يهوشوه يحاول أن يوضح هذا الدرس لسامعيه في المجمع . فلو كانوا قد فهموا الكتب لفهموا كلامه عندما قال لهم: "أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ" . إن ذلك الجمع العظيم عندما كانوا معيين ومتعبين في اليوم السابق أكلوا وشبعوا من الخبز الذي قدمه لهم يهوشوه . وكما قد حصلوا على قوة وانتعاش لأجسادهم إذ أكلوا من الخبز فكذلك يمكنهم أن يحصلوا من المسيا على قوة روحية للحياة الأبدية . فلقد قال: "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا"  (يوحنا 6: 35) ولكنه أضاف: "إِنَّكُمْ قَدْ رَأَيْتُمُونِي ، وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ" (يوحنا 6: 36) .

لقد رأوا المسيا بشهادة الروح القدس وبإعلان يهوه لنفوسهم . إن البراهين الحية على قدرته كانت ماثلة أمام عيونهم يوما بعد يوم ، ومع ذلك طلبوا آية أخرى . ولكن لو أنه أراهم آية أخرى لظلوا في عدم إيمانهم كما كانوا . فما داموا لم يقتنعوا بما قد رأوه وسمعوه فلا جدوى من كونه يريهم عجائب أخرى . إن عدم الإيمان يجد دائما أعذارا للشك وينكر أقطع البراهين .

الحياة الأبدية مجانا للجميع

ومرة أخرى ناشد المسيا تلك القلوب القاسية المتمردة قائلا: "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا" (يوحنا 6: 37) . وقال إن كل من قد قبلوه بإيمان لهم حياة أبدية ، ولن يهلك واحد منهم . لا حاجة للفريسيين والصدوقيين أن يجادل بعضهم بعضا عن الحياة العتيدة ، ولا حاجة للناس بعد أن ينوحوا في حزن يائس على موتاهم . "هذِهِ مَشِيئَةُ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئًا ، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ"(يوحنا 6: 40) .

لكن رؤساء الشعب تذمروا واستاءوا قائلين: "أَلَيْسَ هذَا هُوَ يهوشوه بْنَ يُوسُفَ ، الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟" (يوحنا 6: 42) . لقد حاولوا أن يثيروا التعصب حين أشاروا بكل احتقار إلى أصل يهوشوه الوضيع . وبكل ازدراء لمحوا إلى حياته كعامل جليلي ، وإلى عائلته الفقيرة الوضيعة . وقالوا إن ادعاءات هذا النجار غير المثقف ليست جديرة باهتمامهم . وبالنسبة إلى ميلاده الغامض لمّحوا إلى أنه كان من أصل مشكوك فيه ، وهكذا صوروا ظروف ميلاده البشرية كأنها وصمة في تاريخه .

لم يحاول يهوشوه أن يوضح لهم سر ميلاده ، ولم يقدم جوابا عن شكوكهم في كونه قد نزل من السماء ، كما لم يجبهم بشيء عن تساؤلهم الخاص بعبوره البحر سيرا على الماء . كما أنه لم يوجه انتباههم إلى المعجزات التي قد انفردت بها حياته . إنه قبل طوعا أن يخلي نفسه آخذا صورة عبد . ولكن أقواله وأعماله كشفت عن حقيقته . غير أن كل من فتحت قلوبهم لقبول النور الإلهي ميزوه كما هو ممجدا "كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا" (يوحنا 1: 14) .

كان تعصب الفريسيين متأصلا فيهم إلى ما هو أعمق مما دلت عليه أسئلتهم إذ كان يغتذي من فساد قلوبهم . فكل كلمة نطق بها يهوشوه وكل عمل من أعماله أثار خصومتهم ، لأن الروح التي احتضنوها في قلوبهم لم تجد منه استجابة .

قال يهوشوه:"لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ . إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ: وَيَكُونُ الْجَمِيعُ مُتَعَلِّمِينَ مِنَ يهوه . فَكُلُّ مَنْ سَمِعَ مِنَ الآبِ وَتَعَلَّمَ يُقْبِلُ إِلَيَّ" (يوحنا 6: 44، 45) . لا يقدر أن يأتي إلى المسيا إلا أولئك الذين يستجيبون لجاذبية محبة الآب . ولكن يهوه يجتذب إليه كل القلوب ، أما الذين يقاومون جاذبيته فهم وحدهم الذين يرفضون المجيء إلى المسيا .

"من يؤمن بي"

إن يهوشوه قد أشار بقوله: "وَيَكُونُ الْجَمِيعُ مُتَعَلِّمِينَ مِنَ يهوه" إلى نبوءة إشعياء القائلة: "وَكُلَّ بَنِيكِ تَلاَمِيذَ يهوه ، وَسَلاَمَ بَنِيكِ كَثِيرًا" (إشعياء54: 13) . وقد طبق اليهود هذه النبوة على أنفسهم وكانوا يفتخرون بأن يهوه هو معلمهم . ولكن يهوشوه أبان لهم بطلان هذا الادعاء إذ قال: "فَكُلُّ مَنْ سَمِعَ مِنَ الآبِ وَتَعَلَّمَ يُقْبِلُ إِلَيَّ" . فعن طريق المسيا وحده كان يمكنهم أن يأخذوا العلم و المعرفة عن الآب . إن الطبيعة البشرية لا يمكنها احتمال رؤية مجده . فأولئك الذين قد تعلموا من يهوه كانوا يصغون إلى صوت ابنه ، وفي يهوشوه الناصري عرفوا ذاك الذي في الطبيعة والوحي قد أعلن يهوه الآب .

"اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ" (يوحنا 6: 17) . إن يوحنا الحبيب الذي كان قد سمع هذه الأقوال استخدمه الروح القدس في تقديم الإعلان التالي للكنائس: "وَهذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ: أَنَّ يهوه أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً ، وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ . مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ يهوه فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ" (1 يوحنا 5: 11, 12) . وقال يهوشوه: "وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" . لقد صار المسيا جسداً واحداً معنا لنصير نحن معه روحاً واحداً . إننا بقوة هذا الاتحاد سنقوم من قبورنا- ليس فقط لمجرد إظهار قدرة المسيا ، بل لأن حياته صارت حياتنا بالإيمان . إن من يرون المسيا في صفته الحقيقية ويقبلونه في قلوبهم لهم حياة أبدية . إن المسيا يسكن فينا بالروح القدس ، وإذ نقبل روح يهوه بالإيمان في قلوبنا يكون ذلك بداءة الحياة الأبدية .

كان الشعب قد وجهوا انتباه المسيا إلى المن الذي أكله آباؤهم في البرية ، كما لو أن إمدادهم بذلك الخبز كان معجزة أعظم من المعجزة التي أجراها يهوشوه ، ولكنه أبان لهم تفاهة تلك العطية بالمقارنة بالبركات التي قد أتى ليمنحها للعالم . فقد أمكن أن يسند المن حياتهم الأرضية فقط ، ولكنه لم يستطع أن يصد عنهم الموت أو يضمن لهم الخلود ، أما خبز السماء فيمكنه أن ينعش النفس حتى تتمتع بالحياة الأبدية . قال لهم المخلص: "أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ . آبَاؤُكُمْ أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ وَمَاتُوا . هذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ ، لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ . أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ . إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ" (يوحنا 6: 48- 51) . ثم أضاف المسيا إلى هذه الاستعارة استعارة أخرى ، فعن طريق الموت دون سواه كان يمكنه أن يمنح الحياة للناس . وفي الكلمات التالية أشار إلى موته كوسيلة للخلاص إذ يقول: "وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ" (يوحنا 6: 51) .

مأكل ومشرب

كان اليهود موشكين أن يحتفلوا بعيد الفصح في أورشليم ، تذكارا لليلة نجاة العبرانيين عندمـا ضرب الملاك المهلك بيوت المصريين . أراد السيَد أن يرشدهم إلى حمل يهوه عن طريق خروف الفصح ، و عن طريق الرمز يقبلون من قد بذل نفسه لأجل حياة العالم . ولكن اليهود كانوا يعلقون أهمية عظيمة على الرمز بينما أغفلوا معناه الحقيقي . لم يميزوا جسد السيَد . ونفس الحق الذي كان يرمز إليه في خدمة الفصح قدم إليهم في كلام المسيا ، ومع ذلك لم يميزوه . 

وهنا صاح المعلمون غاضبين: "كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ؟" (يوحنا 6: 52) . لقد تظاهروا بأنهم يفهمون كلامه بالمعنى الحرفي الذي فهمه نيقوديموس عندما سأل يهوشوه قائلا: "كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟" (يوحنا 3: 4) . لقد فهموا المعنى الذي قصده يهوشوه إلى حد ما ، ولكنهم لم يرغبوا في الاعتراف به ، إذ قصدوا بتحريفهم كلامه أن يؤلبوا الشعب ضده .

لم يرد المسيا أن يخفض من تصويره الرمزي بل ردد الحق على مسامعهم بلغة أقوى ، فقال: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ . مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ . مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يوحنا 6: 53- 56) .

إن أكل جسد المسيا وشرب دمه هو قبوله مخلصا شخصيا . فنؤمن بأنه يغفر خطايانا وأننا كاملون فيه . فإذ ننظر إلى محبته ونتأمل فيها ونرشفها نصير شركاء في طبيعته . ينبغي أن يكون المسيا للنفس كالطعام للجسم . فنحن لا ننتفع بالطعام ما لم نأكله وما لم يصر جزءا من كياننا . فكذلك المسيا لا يمكن أن يكون ذا قيمة بالنسبة إلينا ما لم نعرفه مخلصا شخصيا لنا . إن المعرفة النظرية لا تنفعنا في شيء بل ينبغي لنا أن نغتذي به ونقبله في قلوبنا بحيث تصير حياته حياتنا ، كما ينبغي لنا أن نهضم محبته ونعمته .

ولكن حتى هذه الأمور تقصر عن إيضاح امتياز علاقة المؤمن بالمسيا . لقد قال يهوشوه:"كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي" (يوحنا 6: 57) . فكما أن ابن يهوه يحيا بالإيمان بالآب كذلك علينا نحن أن نحيا بالإيمان بالمسيا . لقد سلم يهوشوه نفسه تسليما كاملا لمشيئة يهوه بحيث لم يظهر في حياته سوى الآب . فمع أنه كان مجربا في كل شيء مثلنا فقد وقف أمام العالم منزها عن الشر الذي كان يحيط به . كذلك علينا نحن أيضاً أن ننتصر كما قد انتصر المسيا .

كلمات الحياة

أفأنت مع المسيا؟ إذا فكل ما قد كتب عن الحياة الروحية موجه إليك ويمكنك أن تناله باتحادك بيهوشوه . هل فترت غيرتك أو تركت محبتك الأولى؟ إذا فاقبل من جديد محبة المسيا المقدمة إليك . كل من جسده واشرب من دمه وبذلك تصير واحدا مع الآب والابن.

لكن أولئك اليهود العديمي الإيمان رفضوا أن يروا شيئا آخر غير المعنى الحرفي لكلام المخلص . كان محرما عليهم بموجب الناموس الطقسي أن يشربوا الدم ، وهاهم الآن يؤولون أقوال المسيا بحيث تصير كلاما دنسا ، وبعد ذلك جعلوا يجادلون فيه فيما بينهم . بل أن كثيرين من التلاميذ أنفسهم قالوا: "هذَا الْكَلاَمَ صَعْبٌ ! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَهُ؟"  (يوحنا 6: 60) .

فأجابهم المخلص بقوله: "أَهذَا يُعْثِرُكُمْ؟ فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلاً ! اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي . أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا . اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ" (يوحنا 6: 61- 63) .

إن حياة المسيا التي تعطي حياة للعالم هي في كلمته . لقد شفي يهوشوه بكلمته الأمراض وأخرج الشياطين ، وبكلمته هدأ البحر وأقام الموتى . وشهد الشعب بأن كلامه كان بسلطان . لقد تكلم بكلام يهوه ، كما قد تكلم على أفواه الأنبياء ومعلمي العهد القديم . إن الكتاب كله هو إعلان المسيا فأراد المخلص أن يثبت إيمان تابعيه في صدق الكلمة الإلهية . وعندما يتركهم بالجسد ينبغي أن تكون الكلمة نبع قوة لهم . وكمعلمهم كان عليهم أن يحيوا "بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ يهوه" (متى 4: 4) .

وكما أن الطعام يسند حياتنا الجسدية ، كذلك حياتنا الروحية تسندها كلمة يهوه . فعلى كل إنسان أن يتناول الحياة لنفسه من كلمة يهوه . وكما يجب علينا أن نأكل لأنفسنا وبأنفسنا لكي نحصل على غذاء لأجسادنا ، كذلك علينا أن نقبل الكلمة لأنفسنا . وينبغي لنا ألا نقبلها عن طريق عقل إنسان آخر ، بل علينا أن ندرس الكلمة بكل اهتمام وحرص طالبين من يهوه أن يعيننا بروحه القدوس حتى نستطيع فهم كلمته . علينا أن نتناول آية واحدة ونركز أفكارنا في عملية التثبت من الفكرة الرئيسية التي وضحها يهوه في تلك الآية لأجلنا . وعلينا أن نتعمق في الفكرة نفسها إلى أن تصير هى فكرنا ، ونعرف "ما يقوله السيَد" .

مواعيد ثمينة

إن السيَد يهوشوه في وعوده وإنذاراته يقصدني أنا . إن يهوه هكذا احب العالم حتى بذل ابنه الوحيد كي لا أهلك أنا إذا ما آمنت بل تكون لي الحياة الأبدية . إن الاختبارات المذكورة في كلمة يهوه المقصود منها أن تكون هي اختباراتى أنا . فالصلوات والمواعيد والوصايا والانذارات هي لي ، "مَعَ الْمسيا صُلِبْتُ ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا ، بَلِ الْمسيا يَحْيَا فِيَّ . فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ ، إِيمَانِ ابْنِ يهوه ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي" (غلاطية 2: 20) . فإذ يقبل بالإيمان مبادئ الحق ويهضمها تصير جزءا من كيان الإنسان والقوة المحركة في الحياة . وإذ تقبل كلمة يهوه في النفس تشكل الأفكار وتتدخل في تكوين الخلق ونموه .

إننا إذ ننظر على الدوام إلى يهوشوه بعين الإيمان نتقوى . إن يهوه يقدم للجياع والعطاش من شعبه أثمن الإعلانات . وسيجدون أن المسيا هو مخلص شخصي . وإذ يغتذون بكلمته سيجدون أنها روح وحياة . إن الكلمة تلاشي الطبيعة البشرية الآثمة وتمنح الإنسان حياة جديدة في المسيا يهوشوه . والروح القدس يأتي إلى النفس كالمعزي وبقوة نعمته المغيرة تعود صورة يهوه لتطبع في نفس كل تلميذ من تلاميذ المسيا فيصير خليقة جديدة ، فتحل المحبة في موضع البغضة ويقبل القلب صورة يهوه . هذا هو معنى القول: "بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ يهوه" هذا هو الأكل من الخبز النازل من السماء .

امتحان الإيمان

لقد نطق المسيا بحق أبدي مقدس عن العلاقة الكائنة بينه وبين تابعيه ، كما عرف صفات أولئك الذين ادعوا أنهم تلاميذه ، وامتحن كلامه إيمانهم . لقد أعلن أن عليهم أن يؤمنوا به ويعيشوا بموجب تعاليمه وكل من قبلوه يصيرون شركاءه في طبيعته ويتشبهون به في صفاته . وهذا يتضمن أنهم يتركون مطامعهم التي يحبونها كما يتطلب أيضاً تسليم ذواتهم ليهوشوه تسليما تاما . لقد دُعُوا ليكونوا مضحين بأنفسهم وودعاء ومتواضعي القلب . وعليهم أن يسيروا في الطريق الضيق الذي سار فيه رجل جلجثة إذا أرادوا أن  يكون لهم نصيب في هبة الحياة و مجد السماء .

كان الامتحان فوق أطوارهم . إن حماس أولئك الذين أرادوا أن يختطفوه ليجعلوه ملكا بالقوة قد أخمد ، وقد أعلنوا أن هذا الحديث الذي سمعوه من يهوشوه في المجمع فتح عيونهم . فهم الآن غير مخدوعين . وقد تراءى لهم أن كلامه هذا كان اعترافا صريحا منه بأنه مسيا وأنهم لن يستطيعوا أن يحققوا أي مغنم أرضي إذا ظلوا أتباعا له . لقد رحبوا بقدرته على صنع المعجزات ، و كانوا يتوقون إلى التخلص من الأمراض والآلام ، ولكنهم لم يريدوا مشاركته في حياة التضحية . ولم يكونوا يكترثون للملكوت الروحي الغامض الذي كان يتحدث عنه . فالناس غير المخلصين والأنانيون الذين كانوا قبلا يطلبونه بلهفة ما عادوا الآن يرغبون فيه أو يشتهون الوجود معه . فإذا لم يكرس قوته ونفوذه ليحصل لهم على الحرية من الرومان فلن يكون لهم أي شأن به .

لقد صارحهم يهوشوه بالقول: "مِنْكُمْ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ" ثم أضاف قوله: لِهذَا قُلْتُ لَكُمْ: "إِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ أَبِي" (يوحنا 6: 64، 65) . ثم أرادهم إن يفهموا أنهم إذا لم يُجتذبوا إليه فسبب ذلك هو أن قلوبهم لم تفتح للروح القدس ، لأن "الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ يهوه لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا" (1 كورنثوس 2: 14) . فبالإيمان وحده تبصر النفس مجد يهوشوه . وهذا المجد مستتر إلى أن يضطرم الإيمان في النفس بالروح القدس .

إن هؤلاء التلاميذ إذ وبخ يهوشوه عدم إيمانهم أوغلوا في الابتعاد عنه . لقد استاءوا استياءً عظيما ، وإذ أرادوا أن يجرحوا شعور المخلص ويرضوا خبث الفريسيين رجعوا إلى الوراء وتركوه بكل أنفة وازدراء . لقد اختاروا لأنفسهم- تمسكوا بالصورة دون الروح ، اختاروا الأصداف و طرحوا اللآلئ جانبا . و لم يعدلوا عن هذا القرار فيما بعد لأنهم لم يعودوا يمشون مع يهوشوه .

"الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ ، وَيَجْمَعُ قَمْحَهُ إِلَى الْمَخْزَنِ" (متى 3: 12) . كان ذلك الوقت هو وقت التنقية أو التذرية . لقد عزل كلام الحق التبن بعيدا عن الحنطة . فلأنهم كانوا معجبين بأنفسهم وأبرارا في أعين أنفسهم إلى أقصى حد بحيث رفضوا التوبيخ ، وكانوا محبين للعالم جدا إلى حد أنهم رفضوا حياة التواضع فكثيرون منهم تركوا يهوشوه وارتدوا عنه . إن كثيرين من الناس ما زالوا يعملون نفس العمل . إن النفوس تمتحن في هذه الأيام كما قد امتحن أولئك التلاميذ في مجمع كفرناحوم . فعندما يمس الحق شغاف قلوبهم يرون أن حياتهم ليست منطبقة على إرادة يهوه . إنهم يرون حاجة نفوسهم إلى تغيير شامل ، ولكنهم لا يرغبون في ذلك العمل المنطوي على إنكار الذات . لذلك يغضبون عندما تكتشف خطاياهم فيمضون مستائين ويتركون يهوشوه قائلين مع أولئك التلاميذ: "إِنَّ هذَا الْكَلاَمَ صَعْبٌ ! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَهُ؟" .

لقد راق لهم أن يسمعوا عبارات المديح و الملق ، أما الحق فغير مقبول ولم يقدروا أن يسمعوه . فعندما تسير جماهير الناس في ركاب الحق ويأكلون للشبع وتسمع هتافات الانتصار فإنهم يهتفون بأصوات عالية . ولكن عندما يكشف روح يهوه الفاحص عن خطيتهم ويأمرهم بتركها يديرون للحق القفا ولا يعودون يمشون مع يهوشوه .

من أصدقاء إلى أعداء

وإذ ارتد أولئك التلاميذ الساخطون عن يهوشوه فإن روحا مخالفا لروح المسيا سيطر عليهم أما ذاك الذي كانوا قبلا مسرورين به فما عادوا الآن يرون فيه أية جاذبية . وقد خرجوا يطلبون أعداءه الذين كانت روحهم وعملهم منسجمين مع أولئك التلاميذ المرتدين . لقد حرفوا كلامه وزيفوا تصريحاته وطعنوا في غاياته وأهدافه ، كما دعموا تصرفهم هذا بأن جمعوا كل عبارة يمكن استخدامها ضده . فأثارت تلك البلاغات الكاذبة سخطا عظيما بحيث غدت حياة يهوشوه مهددة بالخطر .

وبسرعة عظيمة انتشر خبر مؤداه أن يهوشوه الناصري قد اعترف بفمه أنه ليس هو مسيا . وهكذا انقلب الشعور العام ضده في الجليل كما حدث في اليهودية قبل ذلك بعام . واأسفاه على إسرائيل ! لقد رذلوا مخلصهم لأنهم كانوا يتوقون إلى ظهور قائد فاتح يزودهم بسلطان زمني . كانوا يعملون للطعام البائد لا للطعام الباقي للحياة الأبدية .

وبقلب جزع نظر يهوشوه إلى أولئك الذين كانوا تلاميذ له يرتدون عنه الذي هو حياة ونور الناس . إن عدم تقديرهم لشفقته ورحمته وعدم استجـابة قلوبهم لنداء محبته واستهانتهم برحمته ورفضهم لخلاصه- كل ذلك ملأ قلبه بحزن لا يمـكن التعبير عنه . مثل هذه التطورات جـعلته رجل الأوجاع ومختبر الحزن .

بقية أمينة

وبدلا من أن يحاول يهوشوه الحيلولة بين أولئك المرتدين وبين تنفيذ غرضهم التفت إلى الاثنى عشر وسألهم قائلا: "أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟" (يوحنا 6: 67) .

فأجابه بطرس عن هذا السؤال بسؤال آخر قائلا: "يَاسيَد ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ ، وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمسيا ابْنُ يهوه الْحَيِّ" (يوحنا 6: 68، 69) .

"إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟" كان معلمو إسرائيل عبيدا للرسميات والطقوس . كما كان الفريسيون والصدوقيون في نزاع مستمر . فلو ترك الرسل يهوشوه فمعنى ذلك أنهم يقعون بين أيدي أولئك القوم المتشبثين بالرسميات والطقوس . والطامعين الذين كانوا يطلبون مجد أنفسهم . إن التلاميذ منذ قبلوا المسيا وجدوا سلاما وفرحا أكثر مما وجدوا في حياتهم السالفة . فكيف إذا يعودون إلى أولئك الذين احتقروا محب الخطاة واضطهدوه؟ لقد ظلوا ينتظرون مجيء  مسيا أمدا طويلا ، أما الآن وقد أتى فلم يعد يمنعهم أن يرتدوا عنه لينضموا إلى أولئك الذين كانوا يريدون أن يصطادوه والذين اضطهدوهم لأجل اتباعهم إياه .

"إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟" لا يمكننا أن نترك تعاليم المسيا أو الدروس التي قد لقننا إياها بمحبة ورحمة لنلقى بأنفسنا في أحضان ظلمة عدم الإيمان وشرور العالم . عندما ترك المخلص من قبل كثيرين ممن كانوا قد شاهدوا معجزاته و آياته ، عبر بطرس عن إيمان التلاميذ حين قال: "أَنْتَ الْمسيا" (يوحنا 6: 69) . إن مجرد التفكير في إفلات مرساة نفوسهم هذه من أيديهم ملأ قلوبهم بالخوف والحزن . إن حرمانهم من المخلص لابد أن يجعلهم تحت رحمة البحر الهائج في ليل حالك الظلام .

إن كثيرا من أقوال المسيا وأعماله يبدو غامضا أمام العقول المحدودة . ولكن كل كلمة وكل عمل كان له قصده المعين في تدبير فدائنا ، وكل منها كان معينا له أن ينتج نتائجه . فلو أمكننا ادراك مقاصد يهوه فكل شيء سيبدو هاما وكاملا ومنسجما مع مأمورية الفادي .

إننا وإن كنا لا نستطيع الآن أن ندرك أعمال يهوه وطرقه يمكننا أن نميز محبته العظيمة التي تستتر وراء كل معاملاته هذه مع الناس . إن من يعيش قريبا من يهوشوه سيفهم كثيرا من سر التقوى وسيدرك ويعرف الرحمة التي تنطق بالتوبيخ وتختبر الخلق وتنير خفايا القلب .

عندما قدم يهوشوه الحق الفاحص الذي جعل كثيرين من تلاميذه يرتدون ، عرف ماذا سينتج عن تصريحاته . ولكن كان أمامه غرض من أغراض الرحمة ليتممه . لقد سبق فرأى أنه في ساعة التجربة سيجرب كل واحد من تلاميذه المحبوبين بتجارب قاسية . إن آلامه وأحزانه في جثسيماني وتسليمه وصلبه ستكون بالنسبة إليهم محنة قاسية ، فلو لم يكونوا  قد امتحنوا من قبل فإن كثيرين ممن كانوا مسوقين ببواعث أنانية كانوا سيظلون مرتبطين بهم . وعندما حكم على سيدهم في دار الولاية ، وعندما انقلب الجمهور الذي كان قد هتف له كملك وسخروا به وشتموه ، وعندما صـاح الناس من حوله قائلين في تهكم لاذع: "اصلبه" ، وعندما خابت كل انتظاراتهم الدنيوية فإن هؤلاء الذين كانوا يطلبون ما لأنفسهم طارحين نير ولائهم ليهوشوه جلبوا على قلوب التلاميذ حزنا عظيما أثقل قلوبهم فوق حزنهم وخيبة آمالهم المحبوبة التي عاشوا في انتظار تحقيقها . وفي ساعة الظلمة تلك كان مثال أولئك المرتدين عنه كفيلا بأن يجعل كثيرين يرتدون . ولكن يهوشوه أحدث تلك الأزمة عندما كان بحضوره الشخصي يمكنه أن يشدد إيمان تابعيه الأمناء .

ما أعظم فادينا من سيد مشفق رحيم إذ وهو عالم بالحكم الصارم الذي كان سيحكم به عليه ، والموت الرهيب الذي كان سيقاسيه ، مهد بكل رقة وحب الطريق أمام التلاميذ ، وأعدهم لمواجهة التجربة القادمة عليهم وقواهم على احتمال الامتحان النهائي !   

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App