6. تقاليد الناس
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إن الكتبة والفريسيين إذ كانوا يتوقعون رؤية يهوشوه في الفصح أعدوا له شركا ، ولكن يهوشوه إذ كان يعلم نياتهم نحوه تغيب عن اجتماعهم ، "وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ وَقَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ" (مرقس 7: 1) . فإذ لم يذهب إليهم أتوا هم إليه . وقد بدا إلى حين كأن شعب الجليل سيقبلون يهوشوه كمسيا وأن سطوة الكهنة في ذلك الإقليم ستضمحل . إن إرسالية الاثني عشر التي دلت على مدى اتساع عمل المسيا ، والتي جعلت التلاميذ في نزاع وخلاف مباشر مع المعلمين- كل هذا أثار من جديد حسد رؤساء أورشليم وحفيظتهم . إن الجواسيس الذين كانوا قد أرسلوهم إلى كـفرناحوم في بدء سني خدمة السيد والذين حـاولوا أن يلصقوا به تهمة كسر شريعة السبت كان نصيبهم الارتباك والفشل ، ولكن المعلمين كانوا قد عقدوا العزم على تنفيذ مآربهم . فأرسلوا وفداً آخر ليراقبوا تحركات المسيا وليجدوا أية تهمة يوجهونها إليه.

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس يوم   السبت الحالي (Saturday).  يجب أيضاً الأخذ في الاعتبار أنّ السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الغريغوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائماً في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر قمري، الأمر الذي لا يستطيع أن ينجزه أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.

وكما حدث من قبل كذلك حدث الآن فكان أساس شكواهم عدم اكتراثه للشرائع التقليدية التي كانت معطلة ومربكة لشريعة يهوه . هذه الشرائع التي أعلن عنها كان القصد منها أن تكون واقية لحفظ الناموس ، ولكنها كانت معتبرة في نظرهم أقـدس من الناموس نفسه . ولما كانت تتعارض مع الوصايا المعطاة في سيناء كانت الأفضلية تعطى لوصايا المعلمين التقليدية .

جهالة التقاليد

وقد كان ضمن تلك الشرائع المفروض على الجميع حفظها تلك الشرائع الخاصة بالطهارة الطقسية . فإهمال تلك الطقوس التي كان ينبغي مراعاتها قبل الأكل كان يعتبر خطية هائلة لها جزاؤها في هذا العالم و في العالم الآتي ، وكان قتل وإهلاك من يتعدى تلك التقاليد معتبرا فضيلة .

وكانت القوانين الخاصة بالتطهير لا تعد ولا تحصى . وبالكاد كانت فترة العمر كلها تكفي لأن يتعلم الإنسان تلك القوانين كلها . وكانت حياة من كانوا يحاولون حفظ مطاليب المعلمين صراعا طويلا ضد النجاسة الطقسية ، فكانوا يقومون بغسلات وتطهرات لا تنتهي . فإذ انشغل الناس في خلافات تافهة وممارسات لم يأمر يهوه بها ابتعدت قلوبهم عن مبادئ شريعته العظيمة .

لم يكن المسيا ولا تلاميذه يراعون هذه الغسلات الطقسية فجعل الجواسيس هذا الإهمال أساسا لاتهامهم . قالوا له على مسمع من الجمع: "لِمَاذَا لاَ يَسْلُكُ تَلاَمِيذُكَ حَسَبَ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ ، بَلْ يَأْكُلُونَ خُبْزًا بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ؟" (مرقس 7: 5) .

إنه كلما لمست رسالة الحق نفس إنسان بقوة عظيمة يثير الشيطان أعوانه لخلق المنازعات في مسائل تافهة . وهو بهذا يحاول أن يصرف الانتباه عن المسألة الحقيقية والمطلب الهام . وكلما ابتدأ عمل صالح فهنالك قوم مماحكون هم على أتم استعداد لأن يشتبكوا في جدال عن الطقوس والتقاليد ليجتذبوا عقول الناس بعيدا عن الحقائق الحية . وعندما يبدو أن يهوه مزمع أن يعمل بكيفية خاصة لأجل شعبه ، فلا يغررن بهم أحد للدخول في جدال تكون عقباه هلاك النفوس . فالمسائل التي تهمنا أكثر من غيرها هي هذه هل أنا مؤمن بابن يهوه إيمانا خلاصيا؟ وهل حياتي منسجمة مع شريعة يهوه؟ "الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً" ، "وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ: إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ" (يوحنا 3: 36؛ 1 يوحنا 2: 3) .

وصايا الناس

لم يحاول يهوشوه أن يدافع عن نفسه أو عن تلاميذه . ولم يشر إلى التهم الموجهة إليه بل تقدم ليكشف عن الروح التي دفعت أولئك المتعصبين للدفاع عن الطقوس البشرية ، فقدم لهم مثالا لما كانوا يحملونه باستمرار وما قد عملوه قبيل مجيئهم إليه . فقال: "حَسَنًا ! رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ يهوه لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ ! لأَنَّ مُوسَى قَالَ: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ ، وَمَنْ يَشْتِمُ أَبًا أَوْ أُمًّا فَلْيَمُتْ مَوْتًا . وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: إِنْ قَالَ إِنْسَانٌ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ ، أَيْ هَدِيَّةٌ ، هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي فَلاَ تَدَعُونَهُ فِي مَا بَعْدُ يَفْعَلُ شَيْئًا لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ" (مرقس 7: 9- 12) . لقد ألقوا بالوصية الخامسة عرض الحائط كأن لا قيمة لها ، ولكنهم كانوا حريصين أشد الحرص على حفظ تقاليد الشيوخ . لقد علموا الشعب أن تكريس أموالهم للهيكل هو واجب أكثر قدسية من إعالة والديهم ، وأنه مهما كانت حاجة الوالدين فإن تقديم أي جزء للأب أو الأم مما قد كرسوه للهيكل كان يعتبر تدنيسا للأقداس . وما كان على الابن العاصي إلا أن  ينطق فقط بكلمة "قربان" على أملاكه مكرسا ما يملك ليهوه ، وكان له أن يبقيها لينتفع بها لنفسه مدى الحياة ، وبعد موته كانت تخصص لخدمة الهيكل . وهكذا كانت له الحرية في الحياة وبعد الموت لأن يهين أبويه ويغدر بهما تحت ستار تصنع التكريس ليهوه .

إن يهوشوه لم يقلل قط ، سواء بالقول أو العمل ، من التزام الإنسان بأن يقدم عطاياه وتقدماته ليهوه . إن المسيا هو الذي أعطى كل وصايا الناموس الخاصة بالعشور والتقدمات . وعندما كان على الأرض مدح الأرملة التي قدمت كل ما كانت تملكه لخزانة الهيكل . ولكن الغيرة الظاهرية ليهوه التي أبداها الكهنة والمعلمون كانت ادعاء منهم لستر رغبتهم في تمجيد أنفسهم . وقد خدعوا الشعب فحمَّلوهم أحمالا لم يفرضها يهوه عليهم . بل حتى تلاميذ المسيا أنفسهم لم يكونوا أحرارا تماما من النير الذي وضعه على أعناقهم التعصب الممقوت وسلطة معلمي الشعب . والآن إذ كشف يهوشوه عن حقيقة روح أولئك المعلمين حاول أن يحرر من عبء التقليد كل من كانوا راغبين رغبة صادقة في خدمة يهوه وعبادته .

ثم قال ، موجها كلامه إلى أولئك الجواسيس المحتالين: "يَا مُرَاؤُونَ ! حَسَنًا تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً: يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ ، وَيُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا . وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ" (متى 15: 7- 9) . لقد كان كلام المسيا انتقاضا لكل النظام الفريسي . وقد أعلن أن أولئك المعلمين إذ جعلوا تعاليمهم فوق وصايا يهوه وشريعته فقد وضعوا أنفسهم في مركز أعلى من مركز يهوه .

 يبغضون الحق

امتلأ أولئك المبعوثون القادمون من أورشليم غضبا . إنهم لم يستطيعوا أن يوجهوا إلى المسيا تهمة التعدي على شريعة يهوه المعطاة في سيناء لأنه دافع عنها وحارب تقاليدهم . فتلك الوصايا ، وصايا الناموس التي قدمها بدا الفرق عظيما ومدهشا بينهما وبين تلك الوصايا الحقيرة التي هي من اختراع الناس .

أوضح يهوشوه للشعب ، كما أوضح لتلاميذه بعد ذلك بكيفية أكمل ، أن النجاسة لا تأتي من الخارج بل من الداخل .. إن الطهارة والنجاسة هما شيئان يختصان بالنفس . فالذي ينجس الإنسان ليس هو إهمال الطقوس الخارجية التي هي من صنع الناس ، ولكن الذي ينجسه هو الأعمال والأقوال والأفكار الشريرة والتعدي على شريعة يهوه .

لاحظ التلاميذ غضب الجواسيس عندما فضحت تعاليمهم الكاذبة . ولاحظوا النظرات الغاضبة وسمعوا تمتمات السخط والانتقام التي لم يجرؤا على النطق بها علانية . فإذ نسي التلاميذ المرات العديدة التي برهن المسيا فيها على أنه يعرف أفكار القلب كما لو كان يقرأ من كتاب مفتوح بين يديـه أخبروه عن تأثير كلامه في أولئك الجواسيس . فإذ كانوا يرجون أنه سيسترضي أولئك المبعوثين الساخطين قالوا له: "أَتَعْلَمُ أَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمَّا سَمِعُوا الْقَوْلَ نَفَرُوا؟" (متى 15: 12) .

"فَأَجَابَ وَقَالَ:«كُلُّ غَرْسٍ لَمْ يَغْرِسْهُ أَبِي السَّمَاوِيُّ يُقْلَعُ»"(متى 15: 13) . إن العادات والتقاليد التي كان المعلمون يولونها أعظم اعتبار كانت من هذا العالم لا من السماء . ومهما كان سلطانها على الشعب عظيما فلا يمكنها أن تثبت أمام امتحان يهوه . فكل اختراع بشري يستعاض به عن وصايا يهوه سيظهر بطله وتفاهته وعدم جدواه في ذلك اليوم "لأَنَّ يهوه يُحْضِرُ كُلَّ عَمَل إِلَى الدَّيْنُونَةِ ، عَلَى كُلِّ خَفِيٍّ ، إِنْ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا" (جامعة 12: 14) .

إن إبدال وصايا يهوه بأوامر الناس لم ينته بعد . فحتى اليوم توجد بين المسيحيين قوانين وعادات لا أساس لها أكثر مما كان لتقاليد الآباء في إسرائيل . مثل تلك القوانين التي يسندها السلطان البشري قد احتلت مكان الشرائع التي أقرها يهوه . إن الناس يتعلقون بتقاليدهم ويوقرون عاداتهم ويضمرون الكراهية لمن يحاولون أن يبصروهم بخطئهم . ففي هذه الأيام عندما يطلب منا أن نسترعى انتباه الناس إلى وصايا يهوه وإيمان يهوشوه نرى نفس العداوة التي أظهرت في أيام المسيا . إنه مكتوب عن البقية الباقية من شعب يهوه: "فَغَضِبَ التِّنِّينُ عَلَى الْمَرْأَةِ ، وَذَهَبَ لِيَصْنَعَ حَرْبًا مَعَ بَاقِي نَسْلِهَا الَّذِينَ يَحْفَظُونَ وَصَايَا يهوه ، وَعِنْدَهُمْ شَهَادَةُ يهوشوه " (رؤيا 12: 17) .

ولكن "كُلُّ غَرْسٍ لَمْ يَغْرِسْهُ أَبِي السَّمَاوِيُّ يُقْلَعُ" (متى 19: 13) . فبدلا من قبول سلطان من يقال عنهم أنهم آباء الكنيسة يجب علينا أن نقبل كلمة الآب الأبدي سيَد السماء والأرض . هنا فقط يوجد الحق غير مشوب بالخطايا . قال داود: "أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ مُعَلِّمِيَّ تَعَقَّلْتُ ، لأَنَّ شَهَادَاتِكَ هِيَ لَهَجِي . أَكْثَرَ مِنَ الشُّيُوخِ فَطِنْتُ ، لأَنِّي حَفِظْتُ وَصَايَاكَ" (مزمور 99:119, 100) . ليحترس كل من ينحنون أمام السلطة البشرية وعادات الكنيسة وتقاليد الآباء ولينتبهوا إلى إنذار المسيا القائل: "بَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ" (متى 15: 19) .  

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App