7. نقض السياجات
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

بعد الصدام مع الفريسيين ترك يهوشوه كفرناحوم مجتازا في الجليل إلى الإقليم الجبلي الواقع عند تخوم فينيقية . وإذ اتجه ببصره ناحية الغرب أمكنه أن يرى في السهل المنبسط أمامه مدينتي صور وصيداء العريقتين في القدم بهياكلهما الوثنية وقصورهما الفخمة وأسواق التجارة العامرة وموانئهما التي ازدحمت فيها السفن . وكان يمتد وراءهما البحر الأبيض المتوسط بمياهه الصافية الزرقاء ، الذي كان سيسافر فيه رسل الإنجيل حاملين البشائر المفرحة إلى عواصم الإمبراطورية العظيمة المترامية الأطراف . ولكن ذلك الوقت لم يكن قد جاء بعد . أما العمل الذي كان أمام السيد حينئذٍ فكان هو إعداد التلاميذ لحمل الرسالة . وإذ أتى إلى هذا الإقليم كان يرجو أن يجد فيه المعتكف الذي لم يجده في بيت صيدا . ولكن هذا لم يكن غرضه الوحيد من تلك الرحلة .

"وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ قَائِلَةً: «ارْحَمْنِي ، يَا سَيِّدُ ، يَا ابْنَ دَاوُدَ ! اِبْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدًّا»" (متى 15: 22) . كان شعب هذا الإقليم من سلالة الشعب الكنعاني القديم . كانوا يعبدون الأوثان وكان اليهود يبغضونهم ويحتقرونهم . وكانت المرأة التي أتت إلى يهوشوه من ذلك الشعب . كانت وثنية ، ولذلك حرمت من الامتيازات التي كان ينعم بها اليهود كل يوم . كان يوجد كثيرون من اليهود ساكنين بين الفينيقيين ، وقد وصلت أنباء عمل المسيا إلى هذا الإقليم ، فسمع بعض الناس أقواله وشهدوا آياته ومعجزاته . وقد سمعت هذه المرأة عن هذا النبي الذي قيل لها أنه يشفي من كل الأمراض . فلما سمعت عن قدرته امتلأ قلبها رجاء . وإذ ألهمتها محبة الأم عوَّلت على أن تعرض عليه حالة ابنتها ، فعقدت العزم على أن تتقدم بمحنتها إلى يهوشوه ولا بد له من أن يشفي ابنتها . كانت قد لجأت إلى الآلهة الوثنية ولكنها لم تجد عندها عونا . وفي بعض الأحيان جربت أن تفكر قائلة: ما الذي يستطيع هذا المعلم اليهودي أن يصنع لي؟ فجاءها الجواب: إنه يشفي كل مرض ، سواء أكان من يأتون إليه أغنياء أو فقراء . لقد عزمت على ألا تضيع رجاءها الوحيد .

سياجات التعصب

عرف المسيا موقف هذه المرأة ، كما عرف أنها كانت تتوق لرؤيته فوضع نفسه في طريقها . وهو إذ يرثي لحزنها ويجبر قلبها يقدم مثالا حيا للدرس الذي قصد أن يعلمه . فلأجل هذا أتى بتلاميذه إلى ذلك الإقليم . لقد أرادهم أن يلمسوا مقدار الجهل المتفشي في المدن والقرى المتاخمة لأرض العبرانيين . فالشعب الذي أعطيت لهم كل فرصة لفهم الحق لم يكونوا يعرفون شيئا عن حاجات من حولهم . فلم يبذل أي مسعى لخير أولئك الجالسين في الظلمة . إن السور السميك الفاصل الذي أقامته الكبرياء اليهودية حال حتى بين التلاميذ أنفسهم والعطف على العالم الوثني . ولكن كان لا بد من نقض هذه السياجات .

إن المسيا لم يجب تلك المرأة إلى طلبها لأول وهلة ، فقد استقبل هذه المرأة التي تمثل الجنس المحتقر كما كان يمكن أن يستقبلها اليهود . وبهذا قصد أن يتأثر تلاميذه بالمعاملة الفاترة التي كان لليهود أن يعالجوا بها مثل هذه الحالة كما يثبته استقباله لتلك المرأة ، والكيفية الرقيقة المشفقة التي أرادهم أن يعاملوا بها مثل هذه الضيقة كما يظهر من استجابته لطلبها بعد ذلك .

ولكن مع أن يهوشوه لم يجبها بكلمة فإن تلك المرأة لم تفقد إيمانها . فإذ كان سائرا في طريقه كمن لم يسمعها اتبعته المرأة وجعلت تلاحقه بتوسلاتها . فإذ تضايق التلاميذ من صراخها سألوه أن يصرفها . لقد رأوا أن معملهم قد عاملها بغير اكتراث ولذلك ظنوا أن التعصب اليهودي ضد الكنعانيين أمر يسره . ولكن تلك المرأة كانت تتوسل إلى مخلص شفوق . وإجابة على كلام التلاميذ قال يهوشوه: "لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ" (متى 15: 24) . ومع أنه بدا كأن هذا الجواب مطابق لتعصب اليهود فقد كان يتضمن توبيخا للتلاميذ ، وقد فهموه بعد ذلك على أنه مذكر لهم بما كان قد قاله لهم مرارا- أي أنه قد جاء إلى العالم ليخلص كل من يقبله .

فتات من المائدة

ظلت تلك المرأة تطلب إلى السيد بإلحاح متزايد جاثية عند قدميه وصارخة تقول: "يَا سَيِّدُ ، أَعِنِّي !" (متى 15: 25) . لكن يهوشوه ظل وكأنه يتغاضى عنها كمن يرفض توسلاتها . وطبقا لتعصب اليهود وجحود شعورهم أجابها قائلا: "لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَب" (متى 15: 26) . فكان هذا الجواب في الواقع تأكيدا أنه ليس من العدل أن يغدق البركات المرسلة لشعب يهوه المفضل على الأجانب ، والغرباء عن إسرائيل . هذا الجواب كان يمكن أن يكون كافيا لتثبيط من لم يكن في مثل غيرة وإلحاح المرأة . ولكن هذه المرأة رأت أن فرصتها قد حانت ، إذ رأت خلف رفض يهوشوه الظاهر رأفة لم يستطع إخفاءها ، فأجابته بقولها: "نَعَمْ ، يَا سَيِّدُ ! وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أسيادها !" (متى 15: 27) . ففي حين أن أبناء البيت يأكلون على مائدة أبيهم ، فالكلاب لا تترك بدون طعام ، فإن لها الحق في الفتات الساقط من تلك المائدة الحافلة بالطعام . وكذلك في حين توجد بركات وفيرة تعطى لإسرائيل أفلا توجد بركة لأجلها هي أيضاً؟ لقد كان ينظر إليها على أنها كلبة ، أفلا حق لها في الفتات الساقط من المائدة الذي هو من نصيب الكلاب والذي يفيض من فيض سخائه؟

إن يهوشوه كان قد ترك حقل خدمته لأن الكتبة والفريسيين كانوا يتعقبونه ليقتلوه . كانوا يتذمرون ويشتكون . لقد أظهروا عدم الإيمان والمرارة ورفضوا الخلاص المقدم لهم مجانا . وهنا يلتقي المسيا بواحدة من ذلك الجنس المحتقر المنكود الحظ ، لم يكن لها حق التمتع بنور كلمة يهوه ومع ذلك فهي في الحال تخضع لتأثير المسيا الإلهي ، وغدا إيمانها ثابتا لا يتزعزع بقدرته على أن يمنحها الإحسان الذي تطلبه . وهي تطلب أن يسمح لها بالتقاط الفتات الساقط من مائدته . فلو سمح لها بأن تنال حظوة الكلاب فهي تقبل أن يحسبها كالكلاب . ليس في قلبها أي تعصب قومي أو ديني ولا أي كبرياء لتؤثر في تصرفاتها ، وفي الحال اعترفت بيهوشوه كالفادي وكمن هو قادر على أن يجيبها إلى كل ما تطلبه منه .

اكتفى المخلص وشبعت نفسه . لقد امتحن إيمانها به . وبتصرفه معها برهن على أنها هي التي كانت معتبرة منبوذة من إسرائيل ما عادت غريبة بل صارت ابنة في بيت يهوه . وكابنة كان لها الامتياز أن تشترك في هبات يهوه . وها المسيا يمنحها الآن طلبها ويختتم الدرس المقدم لتلاميذه . وإذ يلتفت إليها بنظرة العطف والمحبة يقول: "يَا امْرَأَةُ ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ" (متى 15: 28) . وقد شفيت ابنتها من تلك الساعة وما عاد الشيطان يزعجها بعد ذلك . فعادت المرأة إلى بلدها معترفة بمخلصها وسعيدة لأن صلاتها قد استجيبت .

العمل لأجل الآخرين

هذه هي المعجزة الوحيدة التي أجراها يهوشوه في هذه الرحلة ، فلكي يتمم ذلك العمل ذهب إلى تخوم صور وصيداء . لقد أراد أن يغيث تلك الأم المعذبة القلب ، وفي نفس الوقت يقدم مثالا في عمل الرحمة لامرأة من شعب محتقر لكي يعلم تلاميذه ويتمثلوا به عندما ينطلق إلى السماء ويتركهم . لقد أراد أن يخرجهم من عزلتهم اليهودية حتى يهتموا بالعمل لخير الشعوب الأخرى فضلا عن شعبهم .

تاقت نفس يهوشوه لكشف الستار عن أسرار الحق العميقة التي ظلت مستورة عن العيون والأذهان أجيالا طويلة ، فللأمم الحق في أن يكونوا مع اليهود ورثة ويحصلون على "نَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمسيا بِالإِنْجِيلِ" (أفسس 3: 6) . كان التلاميذ متباطئين في فهم هذا الحق ، فقدم لهم معلمهم الإلهي درسا بعد آخر . وإذ كافأ إيمان قائد المئة في كفرناحوم وكرز بالإنجيل لأهل مدينة سوخار سبق فقدم البرهان على أنه لا يشارك اليهود في تعصبهم . ولكن السامريين كانت عندهم بعض المعرفة عن يهوه ، وقائد المئة أبدى شفقة وعطفا على شعب إسرائيل . وها المسيا الآن يقدم لتلاميذه امرأة كنعانية كانوا يعتبرون أنه لا يوجد سبب لأجله تنتظر من السيد إحسانا دون باقي شعبها ، فقدم لهم مثالا لما يجب أن يعامل به أمثال تلك المرأة . كان التلاميذ يظنون أن يهوشوه يغدق هبات نعمته بسخاء أكثر مما يجب . ولكنه أراهم أنه ينبغي ألا يقصر محبته على جنس واحد أو أمة واحدة .

عندما قال:" لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ" كان يقرر الحق . وفي عمله الذي عمله مع تلك المرأة الكنعانية كان يتمم مأموريته ورسالته . فلقد كانت هذه المرأة شاة ضالة وكان يجب على بني إسرائيل أن يخلصوها و يستردوها . كان المسيا يقوم بهذا العمل الذي كان منوطا بهم ولكنهم كانوا قد أهملوه .

فتح هذا العمل أذهان التلاميذ بدرجة أكثر جلاء لاكتشاف العمل الذي كان عليهم أن يقوموا به بين الأمم ، فوجدوا حقلا متسعا للخدمة والعمل النافع خارج حدود اليهودية . كما أنهم رأوا نفوسا ترزح تحت أثقال أحزان لم يكن يعرفها غيرهم من المحظوظين المنعم عليهم . كذلك كان يوجد بين أولئك الذين كانوا قد تعلموا أن يحتقروهم نفوس تتوق إلى المعونة والشفاء من الشافي المقتدر ، وكانوا جياعا إلى نور الحق الذي قد أغدق على اليهود بكل سخاء .

وبعد ذلك عندما انصرف اليهود عن التلاميذ بكل عناد لأنهم أعلنوا أن يهوشوه هو مخلص العالم ، وعندما نقض حائط السياج الكائن بين اليهود والأمم وانشق حجاب الهيكل من فوق إلى أسفل عند موت المسيا ، فإن هذا الدرس وغيره من الدروس التي تشير إلى عمل الإنجيل الذي لا ينحصر في قوميات خاصة كان له تأثير قوي في نواب المسيا ، في توجيههم في عملهم وخدماتهم .

الخلاص للجميع

ثم إن زيارة المخلص لفينيقية والمعجزة التي أجراها هناك كان لها غرض أوسع . إن السيد لم يقم بذلك العمل لتلك المرأة المعذبة وحدها ، ولا لأجل التلاميذ ومن قد تسلموا منهم العمل من بعدهم ، بل "لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يهوشوه هُوَ الْمسيا ابْنُ يهوه ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ" (يوحنا 20: 31) . إن نفس الناس الأشرار الذين قد أعاقوا غيرهم وأبعدوهم عن المسيا منذ تسعة عشر قرنا خلت لا يزال من على شاكلتهم يعملون نفس هذا العمل اليوم . والروح التي أقامت حائط السياج بين اليهود والأمم لا تزال تعمل بكل نشاط . لقد أقامت الكبرياء والتعصب جدرانا قوية للفصل بين طبقات الناس المختلفة ، كما حرف الناس وشوَّهوا المسيا ومهمته . وكثيرون يحسون بأنهم في الواقع محرومون من خدمة الإنجيل . ولكن ينبغي ألاّ يحس هؤلاء بأنهم حرموا من المسيا ، إذ لا توجد حواجز يمكن أن يقيمها الناس أو الشيطان إلا ويستطيع الإيمان أن يخترقها .

إن هذه المرأة الفينيقية ألقت بنفسها بالإيمان على الحواجز التي كانت قد أقيمت بين اليهود والأمم . لقد وثقت بمحبة المخلص غير مكترثة للمثبطات أو الظواهر التي كان يمكن أن تسوقها إلى الشك . وهكذا يريدنا المسيا أن نثق به . إن بركات الخلاص هي لكل نفس . ولا يوجد ما يحول بين أي إنسان من مانع كي يكون شريكا لمواعيد المسيا بالإنجيل إلا ما يختاره لنفسه .

إن نظام الطبقات كريه في عيني يهوه ، فهو يتجاهل كل ما يقوم به مثل هذا النظام . ويعتبر نفوس كل الناس ذات قيمة متساوية . إنه قد "صَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ ، لِكَيْ يَطْلُبُوا يهوه لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا"وبدون تمييز من ناحية العمر أو المقام أو الجنسية أو الامتيازات الدينية الجميع مدعوون لأن يأتوا إليه ويحيوا . "كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُخْزَى . لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ" ، "لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ . لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ" ، "اَلْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ يَتَلاَقَيَانِ ، صَانِعُهُمَا كِلَيْهِمَا يهوه" ، "لأَنَّ سيَد وَاحِدًا لِلْجَمِيعِ ، غَنِيًّا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ" . لأَنَّ «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ يهوه يَخْلُصُ»" (أعمال 17: 26, 27؛ غلاطية 3: 28؛ أمثال 22: 2؛ رومية 10: 11- 13).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App