9. ظلال الصليب
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كان عمل المسيا على الأرض يسرع إلى نهايته . لقد ظهرت أمامه في صورة واضحة الأماكن التي كان ينبغي أن تسير فيها قدماه . وحتى قبل تجسده رأى كل الطريق الذي كان يجب أن يسير فيه لكي يخلص ما قد هلك . فكل وخزة من الوخزات التي أدمت قلبه ، وكل إهانة وقعت عليه وكل عوز وكل حرمان كان عليه أن يتحمله- كل ذلك كان ماثلا أمام ناظريه قبلما خلع عنه ثياب الجلال وتاج الملك ونزل عن العرش ليخفي ألوهيته تحت سربال البشرية . إن الطريق من المذود إلى جلجثة كان واضحا أمامه . وقد عرف الآلام والأحزان التي ستحل به . عرف كل ذلك ومع هذا قال : "هأَنَذَا جِئْتُ . بِدَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّى: أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ ، وَشَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي" (مزمور 40: 7, 8).

كانت نتائج مهمته ماثلة أمامه أبداً . فحياته الأرضية التي كانت هكذا ملآنة كلها تعبا وتضحية كان يبهجها وينيرها الرجاء في أن كل آلامه وأوجاعه لن تذهب هباء . وإذ يبذل حياته لأجل خلاص بني الإنسان فسيعيد العالم إلى حالة الولاء ليهوه . ومع أنه ينبغي له أن يقبل صبغة الدم أولا ، ومع أن خطايا العالم كانت ستثقل وتضغط على نفسه البارة ، ومع أن ظلال الحزن والويل الذي لا يعبر عنه كانت ستقع عليه فإنه من أجل السرور الموضوع أمامه اختار أن يحتمل الصليب مستهينا بالخزي .

كانت المشاهد المؤلمة الرابضة أمام يهوشوه مستورة عن عيون تلاميذه الذين قد اختارهم رفقاء له في خدمته ، ولكن الوقت الذي فيه سيشاهدون آلامه وأحزانه كان قريبا . إنهم سيرونه هو الذي قد أحبوه ووثقوا به مسلما لأيدي أعدائه ومعلقا على صليب جلجثة . وبعد قليل عليه أن يتركهم ليواجهوا العالم دون أن يحصلوا على عزاء وجوده معهم بالجسد .

لقد عرف كيف سيضطهدون حين يواجهون عدم الإيمان والكراهية المرة ، ولذلك رأى أن يعدهم لمواجهة تجاربهم .

"مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟"

أتى يهوشوه وتلاميذه الآن إلى إحدى قرى قيصرية فيلبس ، وكانوا قد تجاوزوا تخوم الجليل وأتوا إلى إقليم تفشت فيه عبادة الأوثان . وهنا كان التلاميذ بعيدين عن تأثير الديانة اليهودية ، وهاهم قريبون جدا من العبادة الوثنية ، فتمثلت حولهم أشكال الخرافات التي كانت منتشرة في كل أنحاء العالم . أراد المسيا أن تشعرهم رؤيتهم لتلك الأباطيل بمسئوليتهم نحو الوثنيين . وفي أثناء وجوده في ذلك الإقليم أراد أن يكف بعض الوقت عن تبشير الشعب ليتفرغ لتلاميذه أكثر من ذي قبل .

كان على وشك إبلاغهم خبر الآلام التي تنتظره . ولكنه قبل ذلك ابتعد عنهم قليلا وانفرد بنفسه وصلى لكي تكون قلوبهم مهيأة لقبول كلامه . وعندما عاد إليهم لم يصارحهم في الحال بما كان ينوي أن يقوله لهم . بل قبل ذلك أعطاهم فرصة للاعتراف بإيمانهم به ليتشددوا لاحتمال التجربة القادمة عليهم . فسألهم قائلا: "مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟" (متى 16: 13) .

وبكل حزن اضطر التلاميذ للاعتراف بأن بني إسرائيل قد قصرت أفهامهم عن معرفة مسيا . صحيح أن بعض الناس عندما أبصروا معجزاته أعلنوا أنه ابن داود . والجموع الذين كانوا قد أكلوا وشبعوا من الخبز الذي باركه في مدينة بيت صيدا أرادوا أن ينادوا به ملكا على إسرائيل . وكثيرون كانوا على استعداد لأن يقبلوه كنبي ولكنهم لم يؤمنوا به على أنه مسيا.

أما الآن فقد وجه يهوشوه إليهم سؤالا خاصا بالتلاميذ أنفسهم فقال لهم: "وَأَنْتُمْ ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟"  فأجابه بطرس قائلا: "أَنْتَ هُوَ الْمسيا ابْنُ يهوه الْحَيِّ!" (متى 15:16، 16).

لقد آمن بطرس من البداءة أن يهوشوه هو مسيا . إن كثيرين آخرين ممن كانوا قد تأثروا بكرازة يوحنا المعمدان وقبلوا المسيا بدأوا يشكون في صدق رسالة يوحنا عندما زج به السجن ومات ، وهاهم الآن يشكون في أن يهوشوه هو مسيا الذي ظلوا ينتظرونه طويلا . وكثيرون من التلاميذ الذين كانوا بكل حرارة وحماسة ينتظرون من يهوشوه أن يعتلي عرش داود تركوه وما عادوا يمشون معه عندما رأوه زاهدا في الملك . أما بطرس ورفاقه فقد ظلوا على ولائهم له . إن الموقف المزعزع الذي وقفه أولئك الذين كانوا يمجدونه بالأمس وهاهم يدينونه اليوم ، لم يلاش إيمان تابع المخلص الأمين . فلقد أعلن بطرس قائلا: "أَنْتَ هُوَ الْمسيا ابْنُ يهوه الْحَيِّ!" إنه لم ينتظر أمجاد الملك لكي يتوج بها سيده بل قبله كما هو في حالة اتضاعه .

مصدر المعرفة الإلهية

كان بطرس يعبر عن إيمان الاثني عشر ، ومع ذلك فان التلاميذ كانوا لا يزالون بعيدين عن فهم مهمة المسيا . إن مقاومة الكهنة والرؤساء وتمويهاتهم وإن تكن لم تجعلهم يرتدون عن المسيا فقد أوقعتهم في حيرة وارتباك شديدين . لم يكونوا يرون الطريق واضحة أمامهم . إن تأثير تربيتهم الأولى وتعاليم معلمي إسرائيل وسلطان التقاليد- كل ذلك حال بينهم وبين رؤية الحق . ومع أن أشعة ثمينة كانت تسطع عليهم بين حين وآخر ، فإنهم كثيرا ما كانوا يشبهون قوما يتلمسون طريقهم في الظلام . ولكنهم في هذا اليوم قبلما وقفوا وجها لوجه أمام تجربة إيمانهم العظيمة استقر عليهم الروح القدس بقوة ، ولمدى وقت قصير تحولت أنظارهم عن "الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى ... إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى" (2 كورنثوس 4: 18) وتحت رداء البشرية رأوا مجد ابن يهوه .

أجاب يهوشوه بطرس قائلا: "طُوبَـى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا ، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (متى 16: 17) .

إن الحق الذي اعترف به بطرس هو أساس إيمان كل مؤمن . وهو الحق الذي أعلن المسيا نفسه أنه هو الحياة الأبدية . ولكن امتلاك هذه المعرفة ليس سببا لتمجيد الذات . إن هذا الإعلان لم يعط لبطرس لحكمة أو صلاح فيه . والبشرية في ذاتها لا يمكنها أبدا أن تبلغ إلى معرفة الأمور الإلهية . "هُوَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ ، فَمَاذَا عَسَاكَ أَنْ تَفْعَلَ؟ أَعْمَقُ مِنَ الْهَاوِيَةِ ، فَمَاذَا تَدْرِي؟" (أيوب 11: 8). إن روح التبني هو وحده الذي يعلن لنا أعماق يهوه: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ ... فَأَعْلَنَهُ يهوه لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ . لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ يهوه" (1 كورنثوس 2: 6, 10) . "سِرُّ يهوه لِخَائِفِيهِ" . وإن حقيقة كون بطرس أدرك مجد المسيا كانت برهانا على أنه من هؤلاء الذين كانوا "مُتَعَلِّمِينَ مِنَ يهوه" (مزمور 25: 14؛ يوحنا 6: 45) . نعم بكل تأكيد: "طُوبَـى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا ، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ".

"عَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ" 

واستطرد يهوشوه قائلا: "وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي ، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (متى 16: 18) . إن كلمة (بطرس) معناها حجر- حجر متدحرج . إن بطرس لم يكن هو الصخرة التي بنيت عليها الكنيسة ، فإن أبواب الجحيم قويت عليه عندما أنكر سيده باللعن والحلف . ولكن الكنيسة بنيت على ذاك الذي لم تستطع أبواب الجحيم أن تقوى عليه .

قبل مجيء المخلص بعدة قرون أشار موسى إلى صخر خلاص إسرائيل . وقد تغنى صاحب المزامير عن "صَخْرَةُ قُوَّتِي" كما كتب إشعياء يقول: "هكَذَا يَقُولُ السَّيِّدُ يهوه: «هأَنَذَا أُؤَسِّسُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرًا ، حَجَرَ امْتِحَانٍ ، حَجَرَ زَاوِيَةٍ كَرِيمًا ، أَسَاسًا مُؤَسَّسًا" (تثنية 32: 4؛ مزمور 62: 7؛ إشعياء 28: 16) . وبطرس نفسه إذ يكتب بوحي سماوي يطبق هذه النبوة على يهوشوه فيقول: "إِنْ كُنْتُمْ قَدْ ذُقْتُمْ أَنَّ السيَد صَالِحٌ . الَّذِي إِذْ تَأْتُونَ إِلَيْهِ ، حَجَرًا حَيًّا مَرْفُوضًا مِنَ النَّاسِ ، وَلكِنْ مُخْتَارٌ مِنَ يهوه كَرِيمٌ ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ ­كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ­ بَيْتًا رُوحِيًّا" (1 بطرس 2: 3- 5) .

"فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَ أَسَاسًا آخَرَ غَيْرَ الَّذِي وُضِعَ ، الَّذِي هُوَ يهوشوه الْمسيا"(1 كورنثوس 3: 11) . قال يهوشوه: "عَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي" . ففي محضر يهوه وكل أجناد السماء وفي محضر جيش الجحيم غير المنظور بنى المسيا كنيسته على الصخرة الحية . وتلك الصخرة كانت المسيا ذاته ،- جسده المكسور والمسحوق من أجلنا . إن الكنيسة المبنية على هذا الأساس لن تقوى عليها أبواب الجحيم .

ولكن كم كانت الكنيسة تبدو ضعيفة وواهنة القوى عندما نطق المسيا بهذا الكلام . فلم يكن هناك غير حفنة من المؤمنين الذين اصطفت ضدهم كل قوة الشيطان والناس الأشرار . ولكن أتباع المسيا لم يكن لهم أن يخافوا . فإذ كانوا مبنيين على صخرة خلاصهم لم يمكن أن ينقلبوا .

طوال ستة آلاف سنة بني الإيمان على المسيا ، وطوال ستة آلاف سنة كانت سيول وعواصف الشيطان الحانق الغاضب تصدم صخرة خلاصنا ولكنها ظلت راسخة لا تتزعزع .

إن بطرس قد نطق بالحق الذي هو أساس إيمان الكنيسة ، وها يهوشوه يكرمه الآن على أنه نائب عن جماهير المؤمنين فيقول له: "وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ . وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاوَاتِ" (متى 16: 19) .

إن "مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" هي كلام المسيا . فكل كلام الكتاب المقدس هو كلامه وهو متضمن هنا . فهذا الكلام له السلطان على أن يفتح السماء أو يغلقها ، وهو يعلن شروط قبول الإنسان أو رفضه . وهكذا نجد أن عمل من يكرزون بكلمة يهوه إما أن يكون رائحة حياه لحياة أو رائحة موت لموت . فعملهم ورسالتهم هي رسالة لها خطورتها إذ عليها تتوقف نتائج أبدية .

رأس الكنيسة

إن المخلص لم يسند عمل الإنجيل إلى بطرس وحده . فبعد مرور زمن إذ كرر نفس ما قاله لبطرس وجه الكلام مباشرة إلى الكنيسة . ومضمون هذا الكلام وجه إلى الاثني عشر كنواب عن جماهير المؤمنين . لو كان يهوشوه قد منح سلطة خاصة لواحد من التلاميذ فوق الباقين لما كنا نراهم مرارا عديدة يتشاجرون عمن منهم يكون الأعظم . فلا بد أنهم كانوا يخضعون لإرادة سيدهم ويكرمون من قد اختاره .

ولكن بدلا من إقامة واحد ليكون رئيسا قال لهم: "لاَ تُدْعَوْا سَيِّدِي" ، "وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ ، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمسيا" (متى 23: 8, 10) .

"رَأْسَ كُلِّ رَجُل هُوَ الْمسيا" . إن يهوه الذي وضع كل شئ تحت قدمي المخلص "إِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ" (1 كورنثوس 11: 3؛ أفسس 1: 22, 23) . لقد بنيت الكنيسة على الأساس الذي هو المسيا وعليها أن تطيع المسيا بوصفه رأسها . عليها ألا تعتمد على إنسان أو تخضع لسيطرة إنسان . كثيرون يدعون أن مركزهم المهم في الكنيسة يخول لهم سلطة لأن يملوا على الآخرين ما يجب أن يعتقدوه وما يجب أن يفعلوه . ولكن يهوه لا يصادق على مثل هذا الادعاء . إن المخلص يعلن قائلا: "أَنْتُمْ جَمِيعًا إِخْوَةٌ" (متى 23: 8) . الجميع معرضون للتجربة وللخطأ . ونحن لا نعتمد على إنسان محدود لإرشادنا . إن صخرة الإيمان هي وجود المسيا الحي في الكنيسة . فعلى هذه الصخرة يمكن لأضعف إنسان أن يستند . والذين يظنون أنفسهم أقوى الناس هم أضعف الناس ما لم يجعلوا المسيا قوتهم "مَلْعُونٌ الرَّجُلُ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَى الإِنْسَانِ ، وَيَجْعَلُ الْبَشَرَ ذِرَاعَهُ" . إن السيَد هو "الصَّخْرُ الْكَامِلُ صَنِيعُهُ" ،"طُوبَى لِجَمِيعِ الْمُتَّكِلِينَ عَلَيْهِ" (إرميا 17: 5؛ تثنية 32: 4؛ مزمور 2: 12) .

ينبئهم بآلامه

بعدما أدلى بطرس باعترافه أوصى يهوشوه تلاميذه ألا يقولوا لأحد أنه المسيا . وقد أوصاهم بذلك لأن الكتبة والفريسيين كانوا قد أصروا على مقاومته ، وأكثر من ذلك فإن الشعب وحتى التلاميذ أنفسهم كانت معرفتهم لمسيا زائفة ومشوهة بحيث أن المناداة به علنا لا تقدم للناس فكرة صحيحة عن صفاته أو عمله . ولكنه يوما بعد يوم كان يعلن نفسه لهم كالمخلص ، وهكذا أراد أن يقدم لهم فكرة صحيحة عن نفسه كمسيا .

كان التلاميذ لا يزالون ينتظرون أن يملك المسيا ملكا دنيويا . ومع أنه كان قد أخفى قصده أمدا طويلا فقد كانوا يعتقدون أنه لن يظل إلى الأبد فقيرا خامل الذكر ، فقد دنا الوقت الذي فيه يثبت ملكه . فبقاء عداوة الرؤساء والمعلمين قوية لن تقهر أبدا ، وبقاء المسيا مرفوضا من أمته ومحكوما عليه كمحتال ومخادع ويصلب كفاعل شر- مثل هذا الفكر لم يخطر للتلاميذ على بال . ولكن ساعة سلطان الظلمة كانت تدنو سريعا ، فوجب أن يصارح يهوشوه تلاميذه بالصراع القادم عليهم . وها قد اكتنفه الحزن وهو يتوقع قدوم التجربة.

إلى ذلك الحين لم يكن قد أطلعهم على شيء له علاقة بآلامه وموته . في حديثه مع نيقوديموس قال له: "كَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنا 3: 14, 15) . ولكن التلاميذ لم يسمعوا هذا ، حتى ولو سمعوه لما فهموه . أما الآن فها هم مع يهوشوه يصغون إلى أقواله ويشاهدون أعماله ، حتى أنهم ، بالرغم من وضاعة مظهره ومقاومة الكهنة والشعب له ، يمكنهم الآن أن يشتركوا مع بطرس في شهادته قائلين: "أَنْتَ هُوَ الْمسيا ابْنُ يهوه الْحَيِّ!" أما الآن فقد حان الوقت الذي فيه يكشف لهم الستار عن المستقبل "مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يهوشوه يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ ، وَيُقْتَلَ ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ"(متى 16: 21) .

يهوشوه ينتهر المجرب

وإذ أبكم التلاميذ من فرط الحزن والذهول ظلوا يصغون إلى كلامه . لقد قبل المسيا اعتراف بطرس بأنه ابن يهوه ، ولكن حديثه عن آلامه وموته بقي غير مفهوم تماما . ولم يستطع بطرس السكوت فأمسك معلمه وكأنما هو يحاول أن يباعد بينه وبين الموت الذي يتهدده فقال: "حَاشَاكَ يَاسيَد ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا !" (متى 16: 22) .

كان بطرس يحب سيده ، ولكن يهوشوه لم يمتدح تلميذه لإبداء رغبته في أن يحول بينه وبين الألم . إن كلمات بطرس لم تكن تحمل عونا أو عزاء ليهوشوه في المحنة الهائلة القادمة عليه . ولم تكن تلك الكلمات على وفاق مع مقاصد يهوه الرحيمة نحو العالم الهالك ، ولا مع درس التضحية الذي أتى يهوشوه ليعلمه للناس بمثاله . ولكن بطرس لم يكن يريد أن يرى الصليب متداخلا في عمل المسيا ، فكان تأثير كلامه على نقيض ما أراد يهوشوه أن يحدثه في عقول تابعـيه . تأثر المخلص بحيث اضطر لأن ينطق بأقسى انتهار خرج من بين شفتيه إذ قال له: "اذْهَبْ عَنِّي يَاشَيْطَانُ ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِـي ، لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا ليهوه لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ" (متى 16: 23) .

كان الشيطان يحاول أن يثبط عزم يهوشوه ويحوله عن مهمته . وكان بطرس في حـبه الأعمى يساند التجربة . لقد كان سلطان الشر هو منشئ تلك الفكرة ، وكان تحريضه خلف تلك الاستغاثة المؤثرة . إن المسيا إذ كان في البرية قدم له الشيطان ممالك العالم على شرط أن يتنحى عن طريق الاتضاع والتضحية . والآن هو يقدم نفس التجربة لتلميذ المسيا . كان يحاول أن يثبت نظر بطرس في المجد الأرضي حتى لا يرى الصليب الذي كان يهوشوه يريد أن يوجه نظره إليه . وعن طريق بطرس كان الشيطان يلح بالتجربة على يهوشوه . لكن المخلص لم ينظر إلى التجربة بل كان يفكر في تلميذه . لقد أقحم الشيطان نفسه بين بطرس وسيده حتى لا يتأثر قلب ذلك التلميذ من منظر اتضاع المسيا لأجله . ولم يكن كلام المسيا موجها إلى بطرس بالذات بل إلى ذاك الذي كان يحاول أن يفصله عن فاديه "اذْهَبْ عَنِّي يَاشَيْطَانُ !" أي لا تتدخل فيما بعد بيننا وبين خادمي المغرور . دعني أقف أمام بطرس وجها لوجه لكي أعلن له سر محبتي .

حتى الموت

لقد كان درسا قاسيا لبطرس ، درسا تعلمه ببطء وهو أن طريق المسيا على الأرض هو طريق محفوف بالآلام المبرحة والاتضاع . تراجع ذلك التلميذ عن اتباع سيده في طريق الآلام . ولكن في وسط آتون النار المحرقة كان عليه أن يكتشف بركة الألم . وبعد زمن طويل انحنت قامته القوية النشيطة تحت أثقال السنين والكفاح المرير فكتب يقول: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ ، لاَ تَسْتَغْرِبُوا الْبَلْوَى الْمُحْرِقَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ حَادِثَةٌ ، لأَجْلِ امْتِحَانِكُمْ ، كَأَنَّهُ أَصَابَكُمْ أَمْرٌ غَرِيبٌ ، بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمسيا ، افْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي اسْتِعْلاَنِ مَجْدِهِ أَيْضًا مُبْتَهِجِينَ" (1 بطرس 4: 12، 13) .

أوضح يهوشوه الآن لتلاميذه أن حياة إنكار الذات التي عاشها كانت مثالا لهم يجب أن يحتذوه . وإذ دعا إليه مع تلاميذه الناس الذين كانوا قريبين منه قال: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (لوقا 9: 23) . لقد كان الصلب من بين العقوبات التي فرضتها روما . وكان الصليب من أقسى آلات الإعدام المذلة للنفس . وكان على المجرمين الأدنياء أن يحملوا صلبانهم إلى ساحة الإعدام . وفي كثير من الأحيان عندما كانت الصلبان على وشك أن توضع على أكتافهم كانوا يقاومون بعنف مستيئس إلى أن يغلبوا على أمرهم وتربط آلات الرعب تلك على أجسامهم . ولكن يهوشوه يأمر تلاميذه أن يحمل كل منهم صليبه ويتبعه . ومع أن التلاميذ لم يدركوا جليا معنى كلام المسيا حينئذٍ فقد فهموا أنه يشير إلى وجوب الخضوع لأمر ألوان الإذلال والاتضاع- الخضوع حتى الموت لأجل المسيا . كان كلام المخلص هذا أبلغ كلام جامع في وصف الخضوع التام ، ولكنه هو قبل كل هذا لأجلهم . إن يهوشوه لم يكن يحسب السماء مكانا مرغوبا فيه بينما نحن على الأرض هالكون . لقد ترك السماء ليعيش على الأرض حياة مجللة بالعار والإهانات وليموت لأجلنا موتا مشينا مهينا . ذاك الذي كان غنيا بكل ما في خزائن السماء من كنوز لا تقدر ، افتقر من أجلنا لكي نستغني نحن بفقره . وعلينا أن نقتفي آثار خطواته .

إن محبتنا للنفوس التي مات المسيا لأجلها معناها صلب الذات . ومن هو ابن يهوه يجب عليه من الآن أن ينظر إلى نفسه على أنه حلقة في السلسلة المدلاة لتخليص العالم ، وأنه متحد بالمسيا في تدبير الرحمة يخرج معه لكي يطلب ويخلص الهالكين . على المسيحي أن يتحقق دائما من أنه قد كرس نفسه ليهوه ، وأنه في أخلاقه عليه أن يعلن المسيا للعالم . إن العطف والحب والتضحية التي ظهرت في حياة المسيا ينبغي أن تعود للظهور في حياة كل من يعملون لأجل يهوه .

"فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا ، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ الإِنْجِيلِ فَهُوَ يُخَلِّصُهَا" (مرقس 8: 35) . إن الأنانية هي الموت . لا يمكن لأي عضو في الجسم أن يحيا إذا كان يقصر خدمته على نفسه . فالقلب إذا لم يرسل الدم إلى اليد والرأس سرعان ما يضعف . وكالدم كذلك ينبغي أن تتغلغل محبة المسيا إلى كل أعضاء جسده الروحي . فنحن أعضاء بعضنا لبعض ، والنفس التي ترفض أن تعطي ستهلك . "لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟" (مرقس 8: 36) .

آمال تتحطم

ولكن بعد الفقر والاتضاع في الزمن الحاضر وجه السيد أنظار تلاميذه إلى مجيئه في مجده ، ليس في مجد عرش أرضي بل بمجد الآب والأجناد السماويين . ثم قال: "وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" (متى 16: 27) . ثم لأجل تشجيعهم قدم لهم هذا الوعد قائلا . "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ" (متى 16: 28) . ولكن التلاميذ لم يدركوا معنى كلام يهوشوه . لقد بدا كأن المجد بعيد جدا . كانت عيونهم مثبتة في المنظر الأقرب ، في الحياة الأرضية ، حياة الفقر والاتضاع والآلام . فهل يلتزمون بأن يتخلوا عن انتظاراتهم المشرقة عن ملكوت مسيا ؟ وهل لن يروا سيدهم ممجدا على عرش داود؟ وهل قدر المسيا أن يحيا كإنسان هائم على وجهه ووضيع بلا بيت يأوي إليه ليحتقر ويرفض ويموت ؟ لقد اعتصر الحزن قلوبهم لأنهم كانوا يحبون سيدهم . وضايقتهم الشكوك وأزعجت عقولهم لأنه بدا لهم أنه من غير المعقول أن يتعرض ابن يهوه لمثل ذلك الإذلال القاسي . فشرعوا يتساءلون فيما بينهم لماذا يذهب بمحض اختياره إلى أورشليم ليلاقي تلك المعاملة القاسية التي أخبرهم أنه سيعامل بها هناك ؟ وكيف يسلم نفسه إلى ذلك المصير ويتركهم في ظلمة داجية أشد ادلهماما من الظلمة التي كانوا فيها قبلما أعلن نفسه لهم ؟

في إقليم قيصرية فيلبس كان يهوشوه بعيدا عن متناول يد هيرودس وقيافا- هكذا كان التلاميذ يتناقشون . ليس ما يخافه من كراهية اليهود أو سلطان الرومان فلماذا لا يعمل هنا بعيدا عن الفريسيين ؟ ولماذا هو ملتزم أن يسلم نفسه للموت؟ وإذا كان سيموت فكيف يمكن أن تثبت مملكته وتتوطد بحيث أن أبواب الجحيم لن تقوى عليها ؟ كان هذا سرا ولغزا محيرا لعقول التلاميذ .

وهاهم الآن مسافرون بمحاذاة بحر الجليل صوب المدينة التي ستتحطم فيها كل آمالهم وتنهار . ولم يتجاسروا على الاعتراض على المسيا . ولكنهم كانوا يتحدثون معا بأصوات منخفضة حزينة عما سيحدث في المستقبل . وحتى في وسط تساؤلهم كانوا يتعلقون بهذا الأمل أنه ربما يحدث حادث لم يخطر لأحد ولم يكن في حسبانهم يبعد عن سيدهم المصير المرعب الذي ينتظره . وهكذا ظلوا نهبا للأحزان والشكوك والخوف والرجاء ستة أيام طويلة كئيبة.

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App