1. تجلي المسيا
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

اقترب وقت المساء عندما دعا يهوشوه إلية ثلاثة من تلاميذه هم بطرس ويعقوب ويوحنا ، وسار في طليعتهم عبر الحقول ، ثم جعلوا يصعدون في طريق وعر على جانب جبل منعزل . كان المخلص وتلاميذه قد قضوا اليوم في السفر وفي تعليم الناس ، وقد زاد صعود الجبل من إرهاقهم . كان المسيا قد أزاح أثقالا عن كواهل كثيرين من المتألمين وعقولهم ، وبعث الحياة في أجسامهم الذابلة الكليلة المعروقة . وحيث أنه كان هو أيضاً محاطا بالضعف البشري فقد أحس هو وتلاميذه بالتعب وهم يصعدون فوق الجبل .

كانت الشمس الغاربة ترسل بعض أشعتها إلى قمة الجبل فتنير بنورها الضعيف طريقهم وهم يصعدون . ولكن سرعان ما تتراجع أشعة النور أمام جحافل الظلام الزاحفة على الجبل والسهل على السواء ، فتختفي الشمس خلف الأفق الغربي ، ويلف الليل أولئك المسافرين في رداء أسود من الظلام القاتم . كانت الظلمة المحيطة بهم متجاوبة مع حياتهم الكاسفة الحزينة ، إذ كانت الظلمات تتجمع وتتكاثف من حولهم .

لم يجرؤ التلاميذ على أن يسألوا المسيا إلى أين هو ذاهب أو لأي غرض هو سائر في ذلك الطريق ، لأنه كثيرا ما كان يقضي ليال بكاملها فوق الجبال . فذاك الذي قد كونت يداه الجبال والأودية كان يحب الوجود في أحضان الطبيعة حيث يستمتع بالهدوء . وها التلاميذ يتبعون المسيا إلى حيث يسير . ومع ذلك فهم يتساءلون لماذا يتقدمهم معلمهم في صعود ذلك الجبل الصعب المرتقى وهم متعبون ، كما أنه هو أيضاً بحاجة إلى الراحة .

صلاة على سفح جبل

وهنا يخبرهم المسيا أن لا يتقدموا إلى أبعد من ذلك . وإذ ينفصل عنهم قليلا يسكب رجل الأوجاع تضرعاته بدموع وصراخ شديد . إنه يصلي في طلب القوة لاحتمال التجربة لأجل البشرية . عليه أن يتمسك من جديد بقدرة يهوه إذ بذلك وحده يستطيع أن يواجه المستقبل . إنه يسكب أشواق قلبه لأجل تلاميذه حتى إذا هجمت عليهم يوما قوات الظلمة لا يفنى إيمانهم . فأخذ جسمه المنحني يبتل كله بالندى ولكنه لا يلاحظ ذلك ، وهوذا ظلمات الليل تتكاثف من حوله ولكنه لا يلاحظ شدة حلوكتها . وهكذا تمر الساعات متلكئة متباطئة . لقد شاركه التلاميذ في الصلاة في بادئ الأمر بكل تكريس وإخلاص ، ولكن بعد وقت نراهم يستبد بهم التعب والضنى ، فمع أنهم قد حاولوا أن يولوا ذلك المنظر اهتمامهم فقد غلبهم النوم . كان يهوشوه قد أنبأهم بآلامه فأخذهم معه ليشاركوه في الصلاة ، وحتى الآن هو يصلي من أجلهم . لقد رأى المخلص حزن التلاميذ فتاقت نفسه أن يخفف من هول أحزانهم بتأكيده لهم أن إيمانهم لم يكن باطلا . وقليلون حتى من بين الاثني عشر يستطيعون أن يتقبلوا الإعلان الذي يريد أن يخبرهم به . إنما التلاميذ الثلاثة فقط الذين سيشاهدون أحزانه وآلامه في جثسيماني اختيروا للصعود معه إلى الجبل . وقد توخى الآن في صلاته أن يعلن لهم المجد الذي كان له عند الآب قبل كون العالم لكي يعلن ملكوته للعيون البشرية ويتقوى تلاميذه حتى يستطيعوا مشاهدته . وهو يطلب أن يشاهدوا إعلان ألوهيته ، الأمر الذي لا شك سيساعدهم ويعزيهم في ساعة آلامه الرهيبة بيقين كونه ابن يهوه ، وإن موته المشين هو جزء من تدبير الفداء .

لقد سمعت صلاته ، ففيما كان جاثيا في تواضع وانسحاق على الأرض المحجرة إذا بالسماوات تنفتح فجأة والأبواب الذهبية ، أبواب مدينة يهوه تفتح على سعتها ويشرق على ذلك الجبل نور باهر يحيط بجسم المخلص ، فيشرق نور الألوهية من الداخل على البشرية ، ويلتقي بالمجد الآتي من فوق . وإذ ينهض عن الأرض يقف بجلاله الإلهي وقد زايله حزنه النفسي . وإذا وجهه يضيء "كَالشَّمْسِ" ، وثيابه تلمع "بَيْضَاءَ كَالنُّورِ" (متى 17: 2) .

السماوات تنفتح

فلما استيقظ التلاميذ رأوا فيض المجد الذي كان يغمر الجبل وينيره . وفي خوف وذهول يشخصون في سيدهم الذي يتألق بالنور . وإذ تقوى عيونهم على احتمال ذلك النور العجيب يكتشفون أن سيدهم ليس وحده إذ كان معه اثنان من السماويين يتحدثان معه وجها لوجه ، وهما موسى الذي كان قد تحدث مع يهوه على جبل سيناء ، وإيليا الذي منح امتيازا عظيما ، امتيازا لم يتمتع به أحد غيره هو وشخص آخر فقط من جميع بني آدم- ألا يسود عليهما الموت أبدا .

قبل ذلك التاريخ بخمسة عشر قرنا وعلى جبل الفسجة وقف موسى ينظر إلى أرض الموعد ، ولكن بسبب خطيته التي كان قد ارتكبها في مريبة لم يسمح له بالدخول إليها . فلم يكن له أن يتمتع بامتياز إدخال الشعب إلى ميراث آبائهم . وقد توسل إلى السيَد في حزن وانسحاق قائلا: "دَعْنِي أَعْبُرْ وَأَرَى الأَرْضَ الْجَيِّدَةَ الَّتِي فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ ، هذَا الْجَبَلَ الْجَيِّدَ وَلُبْنَانَ" (تثنية 34: 25) . ولكن طلبه رفض . لقد حرم حتى من ذلك الرجاء الذي أنار ظلمات تجوالهم في البرية مدى أربعين سنة . وكانت خاتمة تلك السنين سني التعب والمشقة والهموم الضاغطة على القلب في البرية قبرا في ذلك القفر . ولكن ذلك "الْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ" (أفسس 3: 20) أجاب صلاة عبده على هذا القياس . لقد خضع موسى للموت ولكن لم يكن له أن يبقى في القبر ، فلقد أعاده المسيا إلى الحياة . إن الشيطان المجرب كان قد ادعى لنفسه الحق في جسد موسى لأنه كان قد أخطأ . ولكن المسيا المخلص أخرجه من القبر (يهوذا 9) .

إن موسى وهو على جبل التجلي كان شاهدا لنصرة المسيا على الخطية والموت ، وهو يمثل أولئك الذين سيخرجون من قبورهم في قيامة الأبرار . أما إيليا الذي أصعد إلى السماء بدون أن يرى الموت فيمثل أولئك الذين سيكونون أحياء على الأرض عند مجيء المسيا ثانية ، والذين يتغيرون "فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ" عندما "هذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ" و"هذَا الْفَاسِدَ ... عَدَمَ فَسَادٍ" (1 كورنثوس 15: 52- 53) . كان يهوشوه محاطا بنور السماء ، كما سيظهر عند مجيئه "ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ" لأنه سيأتي "بِمَجْدِ أَبِيهِ مَعَ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ" (عبرانيين 9: 28؛ مرقس 8: 38) . لقد تم آنئذ وعد المخلص لتلاميذه . فعلى الجبل كان ملكوت المجد العتيد ممثلا بكيفية مصغرة- فالمسيا هو الملك ، وموسى يمثل القديسين المقامين من قبورهم ، وإيليا يمثل القديسين الذين ستتغير أجسادهم .

ثلاث مظال

إن الرسل لم يكونوا قد أدركوا المنظر على حقيقته ، ولكنهم يفرحون لأن معلمهم الصبور الوديع المتواضع الذي كان يجول من مكان إلى آخر كغريب لا حول له ولا قوة ، يحصل على كرامة من أولئك الذين تكرمهم السماء . وهم يعتقدون أن إيليا قد أتى لكي يعلن عن ملك مسيا وأن ملكوت يهوه على وشك أن يقام على الأرض . وهم سيتخلصون من ذكرى خوفهم وفشلهم إلى الأبد . إنهم يريدون أن يلبثوا هنا حيث قد أعلن مجد يهوه فها بطرس يهتف قائلا: "يَا سَيِّدِي ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا . فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةً ، وَلِمُوسَى وَاحِدَةً ، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً" (مرقس 9: 5) . إن التلاميذ واثقون من أن موسى وإيليا أرسلا لحماية معلمهم وتوطيد سلطانه كملك .

ولكن قبل الإكليل ينبغي أن يجيء الصليب . إن موضوع حديث موسى وإيليا مع يهوشوه لم يكن لتتويج المسيا ملكا بل كان لموته الذي كان عتيدا أن يكمله في أورشليم . إن يهوشوه إذ حمل ضعفات البشرية وكان مثقلا بأحزانها وخطاياها سار وحيدا بين الناس . فإذ ضغطت عليه ظلمة المحنة القادمة كان منعزلا بروحه في عالم لم يعرفه . بل حتى تلاميذه المحبوبون أنفسهم إذ كانوا مغرقين في شكوكهم وحزنهم وآمالهم وطموحهم لم يكونوا قد فهموا سر مهمته ورسالته . لقد كان يعيش محوطا بجو المحبة ، أما في العالم الذي قد خلقه فكان في عزلة . وها هي السماء ترسل رسلها إلى يهوشوه ، ولم يكن ذانك الرسولان من الملائكة بل كانا رجلين جازا في الآلام والأحزان حين كانا في العالم وكانا لذلك قادرين على أن يرثيا للمخلص في محنة حياته الأرضية . لقد كان موسى وإيليا عاملين مع المسيا وكانا مثله تائقين إلى خلاص الناس . لقد توسل موسى لأجل إسرائيل قائلا: "وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيَّتَهُمْ ، وَإِلاَّ فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ" (خروج 32: 32) . وقد عرف إيليا حياة العزلة . فمدى الثلاث سنين وستة أشهر التي اشتدت فيها وطأة الجوع حمل عبء كراهية الأمة وكل ويلاتها . وقد وقف وحده إلى جانب يهوه على جبل الكرمل كما هرب وحده إلى البرية في غم ويأس شديدين . هذان الرجلان اللذان وقع عليهما الاختيار دون كل الملائكة الواقفين حول العرش أتيا ليتحدثا مع يهوشوه عن مناظر آلامه وعذابه وليعزياه بيقين عطف السماء عليه . وقد كان عماد هذا الحديث هو رجاء العالم وخلاص كل الناس .

الكشف عن كنوز الحق

وإذ غلب التلاميذ النوم لم يسمعوا غير القليل من الحديث الذي دار بين المسيا وذينك الرسولين السماويين . فلكونهم لم يسهروا ولم يصلوا لم يحصلوا على ما قصد يهوه أن يمنحهم إياه عن معرفة آلام المسيا والأمجاد التي بعدها . لقد خسروا البركة التي كان يمكنهم الحصول عليها عن طريق الاشتراك معه في تضحية نفسه . كان هؤلاء التلاميذ بطيئي القلوب في الإيمان ، ولم يكونوا يقيمون كبير وزن للكنز الذي أرادت السماء أن تغنيهم به .

ومع ذلك فقد حصلوا على نور عظيم . وتأكد لهم أن كل السماء عرفت خطية الأمة اليهودية في رفضها للمسيا . ولقد أعطيت لهم بصيرة أنقى وأصفى لمعرفة عمل الفادي ، فرأوا بعيونهم وسمعوا بآذانهم أشياء لا يمكن أن تصل إليها أفهام الناس . لقد كانوا "مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ" (2 بطرس 1: 16) . وتأكدوا أن يهوشوه هو بالحقيقة مسيا الذي قد شهد له الآباء والأنبياء ، وأنه هكذا كانت تعتبره ديار السماء .

وإذ كان التلاميذ لا يزالون شاخصين في المنظر الذي رأوه على الجبل "إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ ، وَصَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً:«هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ . لَهُ اسْمَعُوا" (متى 17: 5) . وإذ شاهدوا سحابة المجد التي كانت أشد بهاء ونورا من السحابة التي لازمت أسباط إسرائيل في البرية . وسمعوا صوت يهوه يتكلم بجلال مهيب جعل الجبل كله يهتز ويرتجف سقط التلاميذ على وجوههم إلى الأرض كالمصعوقين ، وظلوا منطرحين ومخفين وجوههم إلى أن اقترب منهم يهوشوه ولمسهم مبددا مخاوفهم بصوته المعهود قائلا: "قُومُوا ، وَلاَ تَخَافُوا" (متى 17: 7) . وإذ اجترأوا ورفعوا عيونهم رأوا أن المرسلين السماويين قد انصرفا واختفيا عنهم ، فصاروا وحدهم على الجبل مع يهوشوه .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App