2. الخدمة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

قضى الليل كله في الجبل ، وعندما أشرقت الشمس نزل يهوشوه وتلاميذه إلى السهل . وإذ كان التلاميذ غارقين في تأملاتهم كانوا صامتين وشاعرين بالرهبة . حتى بطرس نفسه لم يكن لديه ما يقوله . لقد كانوا بكل سرور يودون البقاء في ذلك المكان المقدس الذي لمسه نور السماء والذي فيه كشف ابن يهوه عن مجده . ولكن الشعب كانوا بحاجة إلى العمل والخدمة ، كانوا يبحثون عن يهوشوه هنا وهناك .

وعند سفح الجبل كان جمع كبير من الناس إذ اجتذبهم إلى هناك وجود باقي التلاميذ الذين تخلفوا في أسفل الجبل ، وكانوا يعرفون إلى أين ذهب يهوشوه . وفيما كان يهوشوه ورفاقه الثلاثة يقتربون من ذلك الجمع أوصاهم ألا يقولوا شيئا عما قد شاهدوه قائلا: "لاَ تُعْلِمُوا أَحَدًا بِمَا رَأَيْتُمْ حَتَّى يَقُومَ ابْنُ الإِنْسَانِ مِنَ الأَمْوَاتِ" (متى 17: 9) . كان على أولئك التلاميذ الذين رأوا تلك الرؤيا أن يتأملوا ويفكروا فيها في قلوبهم لا أن يذيعوها على الناس . فلو حدثوا بها الشعب لأثار ذلك السخرية أو الدهشة العاطلة . حتى التلاميذ التسعة لم يكونوا ليستطيعوا معرفة المنظر على حقيقته حتى يقوم المسيا من الأموات . ولكي نعرف إلى أي حد كان التلاميذ الثلاثة المقربون أنفسهم بطيئي الفهم علينا أن نلاحظ هذه الحقيقة وهي أنه بالرغم من كل ما قاله لهم يهوشوه عن الأحداث التي تنتظره جعلوا يتساءلون فيما بينهم عن ما هو القيام من الأموات . ومع ذلك فهم لم يطلبوا من يهوشوه تفسيرا . إن كلامه فيما يختص بالمستقبل ملأ قلوبهم حزنا ، فلم يطلبوا منه إعلانا جديدا عن أمر سروا بأن يصدقوه ولكنهم اعتقدوا أنه لن يحدث أبدا .

وإذ لمح الناس الذين في السهل يهوشوه قادما إليهم ركضوا للقائه وجعلوا يحيونه بعبارات التوقير والفرح . ولكن عينه السريعة أدركت أنهم كانوا مرتبكين ارتباكا عظيما . لقد بدا الاضطراب على التلاميذ إذ عرضت لهم حالة جلبت عليهم الخيبة المريرة والإذلال المهين .

هزيمة التلاميذ

ففيما كانوا منتظرين في أسفل الجبل أحضر رجل ابنه إليهم ليحرروه من روح نجس أخرس كان يعذبه . لقد كان السلطان على إخراج الأرواح النجسة معطى للتلاميذ عندما أرسل يهوشوه الاثني عشر ليكرزوا في كل الجليل . فعندما خرجوا وهم أقوياء بالإيمان خضعت الأرواح الشريرة لسلطانهم . والآن هاهم يأمرون ذلك الروح المعذب باسم يهوشوه أن يخرج من الصبي ، ولكن الشيطان جعل يسخر بهم بإظهار قوته من جديد . وإذ لم يكن التلاميذ يستطيعون أن يعرفوا سبب هزيمتهم أحسوا بأنهم قد جلبوا العار على أنفسهم وعلى معلمهم . وكان بين ذلك الجمع قوم من الكتبة الذين أرادوا انتهاز تلك الفرصة لإذلالهم . فإذ ازدحموا حول التلاميذ جعلوا يمطرونهم بالأسئلة محاولين إثبات كونهم هم ومعلمهم قوما مخادعين . ثم أعلن الكتبة قائلين بنغمة الانتصار: ها روح شرير لا يستطيع التلاميذ ولا المسيا نفسه أن يقهروه . وكان الناس يميلون للانحياز إلى جانب الكتبة فشمل ذلك الجمع روح الازدراء والاحتقار .

ولكن فجأة كفت تلك الاتهامات ، فلقد رؤي يهوشوه وتلاميذه الثلاثة يقتربون من الجمع فحدث انقلاب سريع في مشاعر الناس فنهضوا لاستقبال أولئك القادمين . إن الليلة التي قضوها في شركة مع المجد السماوي تركت آثارها على المخلص ورفاقه ، فعلى جباههم شوهد نور أوقع الرهبة في قلوب المشاهدين . فتراجع الكتبة الخائفين بينما رحب الشعب بيهوشوه .

وكأنه كان المخلص قد شاهد كل ما حدث ، فتقدم إلى منظر ذلك الصراع وثبت نظره على الكتبة قائلا لهم: "بِمَاذَا تُحَاوِرُونَهُمْ؟" (مرقس 9: 16) لكن تلك الأصوات التي كانت قبلا جريئة ومتحدية صمتت الآن .

وقد شمل الصمت ذلك الجمع كله . وإذا بوالد ذلك الصبي المعذب يشق لنفسه طريقا في وسط الجمع ، وإذ يسقط عند قدمي يهوشوه يفضي إليه بقصة اضطرابه وخيبته .

قال الرجل: "يَا مُعَلِّمُ ، قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكَ ابْنِي بِهِ رُوحٌ أَخْرَسُ ، وَحَيْثُمَا أَدْرَكَهُ يُمَزِّقْهُ ... فَقُلْتُ لِتَلاَمِيذِكَ أَنْ يُخْرِجُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا"(مرقس 9: 17, 18) .

تطلع يهوشوه في من حوله فرأى الجمع المندهش والكتبة المماحكين والتلاميذ المرتبكين . ورأى عدم الإيمان رابضا في كل قلب . وبصوت شاعت فيه نغمة الحزن صاح قائلا: "أَيُّهَا الْجِيلُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ ، إِلَى مَتَى أَكُونُ مَعَكُمْ؟ إِلَى مَتَى أَحْتَمِلُكُمْ؟" ثم أمر ذلك الأب المتضايق قائلا: "قَدِّمِ ابْنَكَ إِلَى هُنَا !" (مرقس 9: 19؛ لوقا 9: 41) .

"كل شيء مستطاع" 

فأتى بالصبي وحالما وقعت عليه عينا المخلص صرعه الشيطان فوقع على الأرض في حالة تشنج ونزاع وأخذ يتمرغ ويزبد ويملا الجو بصرخات شيطانية .

ومرة أخرى تقابل رئيس الحياة مع رئيس قوات الظلام في حومة القتال- فالمسيا إتماما لرسالته قال: أرسلت "لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ... وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ" (لوقا 4: 18) . وكان الشيطان يحاول التسلط على فريسته ويبقيها تحت سيطرته . وكان ضمن من ازدحموا في ذلك المكان ليروا نتيجة ذلك الصراع وإن لم يرهم أحد ، ملائكة النور وجنود الملائكة الأشرار . ولمدى لحظة سمح يهوشوه للروح الشرير أن يستعرض قوته حتى يدرك المشاهدون الخلاص الذي كان مزمعا أن يصنعه .

كان الناس ينتظرون وقد حبسوا أنفاسهم ، وكان أبو الولد موزع القلب بين الأمل والألم . فسأله يهوشوه: "كَمْ مِنَ الزَّمَانِ مُنْذُ أَصَابَهُ هذَا؟" (مرقس 9: 21) ، فأخبره ذلك الأب بقصة سني الألم الطويلة . ثم كمن لم يعد له طاقة على الاحتمال أكثر من ذلك صرخ قائلا: "إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ شَيْئًا فَتَحَنَّنْ عَلَيْنَا وَأَعِنَّا" (مرقس 9: 22) . "إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ" حتى في تلك الساعة كان الرجل يشك في قدرة المسيا .

فأجابه يهوشوه بقوله: "إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ . كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ" (مرقس 9: 23) . إن المسيا لا تنقصه القوة ولكن شفاء ذلك الابن موقوف على إيمان أبيه . فانهمرت الدموع من عيني الأب وقد أدرك ضعفه ولكنه ألقى بنفسه على رحمة المسيا وصرخ قائلا: "أُومِنُ يَا سَيِّدُ ، فَأَعِنْ عَدَمَ إِيمَانِي" (مرقس 9: 24) .

فالتفت يهوشوه إلى ذلك الصبي المعذب وانتهر الروح النجس قائلا: "أَيُّهَا الرُّوحُ الأَخْرَسُ الأَصَمُّ ، أَنَا آمُرُكَ: اخْرُجْ مِنْهُ وَلاَ تَدْخُلْهُ أَيْضًا !" (مرقس9: 25) . وهنا تسمع صرخة ويرى صراع مصحوب بالعذاب والألم . إن ذلك الشيطان وهو يخرج بدا كأنه يريد انتزاع الحياة من فريسته . وحينئذٍ انطرح الصبي بلا حراك وكأنه قد فارق الحياة . وهنا يتهامس الناس قائلين: "إِنَّهُ مَاتَ !" (مرقس 9: 26) . ولكن يهوشوه يمسك بيده ويقيمه ويسلمه إلى أبيه في ملء صحة الجسد والعقل . فشكر الأب وابنه ذلك المحرر العظيم ، "فَبُهِتَ الْجَمِيعُ مِنْ عَظَمَةِ يهوه" (لوقا 9: 43) ، بينما انصرف الكتبة مطأطئي الرؤوس .

من أرفع مجد إلى أدنى اتضاع

"إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ شَيْئًا فَتَحَنَّنْ عَلَيْنَا وَأَعِنَّا" ، ما أكثر ما تردد النفوس المثقلة بالخطايا هذه الصلاة! وهذا ما يجيب به السيد ، مشفقا ، على كل تلك الابتهالات: "إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ . كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ" . إن الإيمان هو الذي يربطنا بالسماء ويمنحنا قوة بها نكافح ضد قوات الظلمة . إن يهوه في المسيا قد أعد الوسائل لإخضاع كل الميول الخاطئة ومقاومة كل التجارب مهما كانت قوتها . إلا أن كثيرين يعوزهم الإيمان ولذلك يظلون بعيدين عن المسيا . فلتلق هذه النفوس ذواتها على رحمة المخلص الرقيق القلب ، في عجزها وعدم استحقاقها . لا تنظروا إلى أنفسكم بل إلى المسيا . إن ذاك الذي شفى المرضى وأخرج الشياطين عندما كان يسير بين الناس هو نفس الفادي القدير اليوم . إن الإيمان يأتي بكلمة يهوه . إذاً تمسك بهذا الوعد: "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا" (يوحنا 6: 37) . واطرح نفسك عند قدميه واصرخ قائلا: "أُومِنُ يَا سَيِّدُ ، فَأَعِنْ عَدَمَ إِيمَانِي" . إنك لن تهلك أبدا إن فعلت ذلك .

إن تلاميذ المسيا المقربين رأوا في فترة قصيرة أرفع مجد وأدنى اتضاع . رأوا البشرية متغيرة إلى صورة يهوه ، كما رأوها منحطة حتى صارت شبيهة بالشيطان . فمن الجبل حيث تحدث السيد مع الرسولين السماويين وشهد له بصوت آت من المجد الأسنى بأنه ابن يهوه ، رأوا يهوشوه ينزل ليلتقي بمنظر محزن ومنفر للغاية- الولد المجنون بوجهه المشوه وهو يصر بأسنانه في نوبات ألم وتشنج ، لم يستطع أي إنسان أن يشفيه أو يغيثه منها . وإذا بالفادي القدير ، الذي منذ ساعات قليلة وقف في ملء مجده أمام تلاميذه المندهشين ، ينحني ليقيم أسير الشيطان من الأرض المتمرغ فيها . وفي أتم صحة جسدية وقوة عقلية يعيده إلى أبيه وإلى عائلته .

كان هذا تعليما عظيما عن الفداء- الشخص الإلهي ينحني من مجد الآب ليخلص الهالكين . ثم إن ذلك العمل مثل رسالة التلاميذ أيضاً . فحياة خدام المسيا ينبغي ألا تقضي كلها فوق الجبل مع يهوشوه في ساعات استنارة وبهجة ومجد ، بل بقي لهم عمل يعملونه في السهل . إن النفوس التي أسرها الشيطان تنتظر كلمة الإيمان والصلاة لتحررها .

"حَبَّةِ خَرْدَل" 

كان التلاميذ التسعة لا يزالون مستغرقين يفكرون في حقيقة فشلهم المرير . فلما عاد يهوشوه ليجتمع بهم وحدهم سألوه: "لِمَاذَا لَمْ نَقْدِرْ نَحْنُ أَنْ نُخْرِجَهُ؟ فَقَالَ لَهُمْ يهوشوه:«لِعَدَمِ إِيمَانِكُمْ . فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ ، وَلاَ يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ . وَأَمَّا هذَا الْجِنْسُ فَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ»" (متى 17: 19- 21) . إن عدم إيمانهم الذي حال بينهم وبين العطف على المسيا والتجاوب معه ، وعدم الاكتراث الذي به قابلوا العمل المقدس المسند إليهم كان هو السبب في هزيمتهم عندما اشتبكوا في صراع مع قوات الظلمة .

إن كلام المسيا الذي نطق به مشيرا إلى موته جلب على التلاميذ الأحزان والشكوك . وإن اختيار المسيا للتلاميذ الثلاثة ليصحبوه في الصعود إلى الجبل أثار حسد التسعة الباقين . وبدلا من تقوية إيمانهم بالصلاة والتأمل في كلام المسيا جعلوا يتأملون في المفشلات والظلم الواقع عليهم . فإذ كانوا في هذه الحالة النفسية المظلمة الكريهة شرعوا في النضال مع الشيطان .

فلكي ينتصروا في ذلك الصراع كان ينبغي لهم أن يقبلوا على هذا العمل بروح المسيا التي تخالف روحهم هذه . كان ينبغي أن يتقوى إيمانهم بالصلاة الحارة والصوم واتضاع القلب . كان ينبغي لهم أن يتخلصوا من الأنانية ويمتلئوا بروح المسيا وقوته . فالتضرع إلى يهوه بغيرة ومواظبة وإيمان- ذلك الإيمان الذي يقود إلى الاعتماد الكامل على يهوه وتكريس النفس لعمله في غير تحفظ- هذا وحده هو الذي يضمن للناس معونة الروح القدس في حربهم مع الرياسات والسلاطين ومع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات.

قال يهوشوه: "لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ" . ومع أن حبة الخردل صغيرة جدا فإنها تحتوي على مبدأ الحياة السري الذي به تنمو أعلى الأشجار . وعندما تلقى حبة الخردل في الأرض فإن البذرة الصغيرة تمسك بكل عنصر أعده يهوه لتغذيتها . وسرعان ما تنمو حتى تصير شجرة عظيمة . فإن كان عندك مثل هذا الإيمان فأنت تتمسك بكلمة يهوه وبكل العوامل المرجَّوة التي عينها . وهكذا يتقوى إيمانك ويأتيك بقوة السماء لمعونتك . وكل العوامل التي كوَّمها الشيطان في طريقك مع أنه يبدو أنها مما لا يمكن تخطيه كالجبال الدهرية ستختفي أمام الإيمان "وَلاَ يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ" (متى 17: 20) .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App