4. يهوشوه يحضر العيد
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كان مطلوبا من اليهود أن يصعدوا إلى أورشليم ثلاث مرات في السنة لأغراض دينية . أن قائد العبرانيين غير المنظور والمحتجب في عمود السحاب أعطى التعليمات والتوجيهات الخاصة بتلك المحافل . وفي أثناء سبي اليهود لم يكن ممكنا إقامة تلك الاحتفالات ولكن بعدما رد سبيهم وعادوا إلى بلادهم بدئ بالاحتفال بتلك التذكارات مرة أخرى ، وكان قصد يهوه من تلك الأعياد السنوية هو تذكير الشعب بالسيَد إلههم . ولكن ، باستثناء جماعة قليلة ، غاب هذا الغرض عن أذهان كهنة الأمة ورؤسائها . فذاك الذي قد رسم هذه المحافل القومية وعرف مدلولاتها رأى مواطن الضعف والانحراف فيها . كان عيد المظال خاتمة أعياد السنة . وقد قصد يهوه أن يتأمل الشعب في هذا الوقت في ذكريات خلاصه وصلاحه ورحمته . كانت البلاد كلها تحت حراسته ورعايته وكان الناس ينعمون ببركاته . وقد ظلت عينه الحارسة ترعاهم نهارا وليلا أمدا طويلا . فالشمس والمطر جعلا الأرض تعطي ثمارها ، وقد جمع الحصاد من كل أودية فلسطين وسهولها ، وجمعت ثمار الزيتون ووضع الزيت في الأواني ، كما أثمرت أشجار النخيل ثمارا وفيرة وديست ثمار الكروم- الثمار الأرجوانية اللون ، في معاصر الخمر .

استمر العيد سبعة أيام . ولأجل إحياء هذا العيد ترك سكان فلسطين وغيرهم من البلدان الأخرى بيوتهم وأتوا إلى أورشليم . فجاء الناس من قرب ومن بعد حاملين هداياهم دليلا على فرحهم . فالكبار والصغار والأغنياء والفقراء جميعهم أتوا بتقدماتهم كفريضة شكر لذاك الذي قد كلل السنة بوجوده وآثاره تقطر دسما . وجلبوا من الغابات كل ما يسر النظر وما يدل على الفرح الشامل ، وبذلك بدت المدينة كغابة جميلة .

ولم يكن هذا العيد موسم الشكر على الحصاد وحده ، بل كان أيضاً تذكارا لحفظ يهوه ورعايته للعبرانيين في البرية . ولأجل تذكار معيشتهم في الخيام كان الإسرائيليون يسكنون مظال أو خيام مصنوعة من أغصان الأشجار العظيمة . وكانت هذه المظال تقام في الشوارع وأروقة الهيكل أو فوق سطوح المنازل . وكان يرى كثير من تلك المظال منتشرة في الوديان وفوق التلال المحيطة بأورشليم فكانت تغص بالسكان وتنبض بالحياة و الفرح .

عيد شكر

كان العابدون يحيون هذا العيد ويحتفلون بهذه المناسبة بأغاني وتسابيح الشكر . وقبل هذا العيد بأيام كان يوم الكفارة ، إذ بعدما يعترف الشعب بخطاياهم كان يعلن لهم أنهم قد صار لهم سلام مع السماء . وهكذا كان يمهد الطريق للفرح بالعيد: "اِحْمَدُوا يهوه لأَنَّهُ صَالِحٌ ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ"(مزمور 106: 1) . كانت تسبيحة الانتصار هذه تسمع من أفواه الشعب في حين كانت تمتزج نغمات آلات الطرب المختلفة بهتافات الشعب القائلة أوصنا بفم واحد وقلب واحد . لقد كان الهيكل مركز فرح الشعب كله . وفي الهيكل كانت تتجلى أبهة الطقوس الكفارية . وكانت ترى على جانبي سلم الهيكل المصنوعة من الرخام الأبيض في ذاك البيت المقدس فرقة الترنيم المكونة من اللاويين الذين كانوا يقومون بخدمة التسبيح . وإذ كان العابدون يلوحون بسعوف النخل وأغصان الآس يشتركون في التسبيح بإنشاد القرار ، وهكذا كان القريبون والبعيدون يشتركون في تسبيح السيَد فكانت التلال تردد صدى ترانيم الحمد ليهوه .

وفي الليل كانت الأنوار الاصطناعية تضيء الهيكل وتحيل الليل إلى نهار . فأصوات الموسيقى ، والتلويح بسعوف النخل ، وهتافات الفرح ، واجتماع الشعب معا حيث كانت تغمرهم أنوار مصابيح الهيكل ، وملابس الكهنة وجلال الطقوس كل ذلك أضفى على العبادة هيبة وخشوعا ، وأثَّر في المشاهدين تأثيرا عميقا . ومن أروع طقوس العيد والتي سببت للشعب فرحا عظيما كانت طقسا يذكِّر الشعب بحادث حدث في أثناء غربتهم في البرية .

فعند بدء ظهور نور الفجر كان الكهنة يبوقون بصوت عظيم مجلجل طويل في أبواقهم الفضية ، والأبواق الأخرى التي تجاوبها وهتافات الفرح من أفواه الشعب الذين في المظال والتي كان يرن صداها من التلال وبطون الأودية- كل هذه كانت ترحب بيوم العيد . حينئذٍ كان الكاهن يملأ دورقا بالماء الجاري من جدول في وادي قدرون ، وإذ يرفعه عاليا عندما تدوي أصوات الأبواق يصعد على الدرج العريض على توقيعات الموسيقى بخطوات متئدة متزنة وهو يترنم قائلاً: "تَقِفُ أَرْجُلُنَا فِي أَبْوَابِكِ يَا أُورُشَلِيمُ" (مزمور 122: 2) .

وكان يحمل الدورق إلى المذبح الذي كان يتوسط دار الكهنة . وهنا كان يوجد طستان من الفضة يقف على جانب كل منهما كاهن ثم يصب الماء الذي في الدورق في أحدهما ويصب دورق خمر في الآخر ، ثم يجري الماء والخمر كلاهما في أنبوبة كانت متصلة بجدول قدرون حتى يصل إلى البحر الميت . وهذا الاستعراض للماء المكرس للسيَد كان يرمز إلى الينبوع الذي جرى من الصخرة بأمر يهوه لإرواء عطش بني إسرائيل . وحينئذٍ يرن صوت تلك التسبيحة المبهجة القائلة: "لأَنَّ يَاهَ يَهْوَهَ قُوَّتِي وَتَرْنِيمَتِي" ، "فَتَسْتَقُونَ مِيَاهًا بِفَرَحٍ مِنْ يَنَابِيعِ الْخَلاَصِ" (إشعياء 12: 2, 3).

"أَظْهِرْ نَفْسَكَ لِلْعَالَمِ"

لما استعد أبناء يوسف للذهاب للاحتفاء بعيد المظال رأوا أن المسيا لم يبدُ منه ما يدل على أنه ينوي حضور العيد . وقد كانوا يراقبونه بجزع . إنه منذ شفى المريض عند بركة بيت حسدا لم يحضر تلك الاحتفالات القومية . لقد قصر خدماته على الجليل تجنبا للمنازعات التي لا جدوى منها مع الرؤساء في أورشليم . وإن إهماله الظاهر لتلك المواسم الدينية العظيمة والعداوة التي كان يبديها نحوه الكهنة والمعلمون كانا سبب ارتباك للشعب من نحوه وحتى لتلاميذه وأقربائه . ففي تعاليمه تكلم كثيرا عن بركات الطاعة لشريعة يهوه ، ومع ذلك فإنه هو نفسه بدا عليه أنه لا يكترث لتلك الخدمة التي رسمها يهوه . ثم أن اختلاطه بالعشارين وغيرهم من ذوي السمعة الرديئة ، وعدم اكتراثه لتقاليد المعلمين وتحرره من طرح الوصايا التقليدية الخاصة بيوم السبت ، الأمور التي أوقفته موقف العداء من الرؤساء الدينيين ، أثارت كثيرا من التساؤل بين الناس . وقد ظن إخوته أنه من الخطإ أن يجافي علماء الأمة وعظماءها . وأحسوا بأن أولئك الرجال لابد من أن يكونوا على صواب وأن يهوشوه مخطئ لوقوفه منهم موقف العداء . غير أنهم راقبوا حياته التي بلا لوم ، ومع أنهم لم يكونوا بين صف تلاميذه فقد تأثروا من أعماله تأثرا عظيما . إن شهرته المطبقة في الجليل أشبعت وأرضت طموحهم ، وكانوا لا يزالون يؤملون أنه سيقدم برهانا على قدرته يقنع الفريسيين بأنه صادق في ادعائه . وماذا لو أنه كان هو مسيا ، ملك إسرائيل! لقد احتضنوا هذا الفكر برضى وفخر .

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس يوم السبت الحالي (Saturday).  يجب أيضاً الأخذ في الاعتبار أنّ السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الغريغوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائماً في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر قمري، الأمر الذي لا يستطيع أن ينجزه أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.

كانوا مهتمين بهذا الأمر اهتماما عظيما حتى لقد ألحوا على يهوشوه في الذهاب إلى أورشليم قائلين له: "انْتَقِلْ مِنْ هُنَا وَاذْهَبْ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ ، لِكَيْ يَرَى تَلاَمِيذُكَ أَيْضًا أَعْمَالَكَ الَّتِي تَعْمَلُ ، لأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَعْمَلُ شَيْئًا فِي الْخَفَاءِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلاَنِيَةً . إِنْ كُنْتَ تَعْمَلُ هذِهِ الأَشْيَاءَ فَأَظْهِرْ نَفْسَكَ لِلْعَالَمِ" (يوحنا 7: 3, 4) . إن كلمة "إِنْ" هذه تعبر عن الشك وعدم الإيمان . لقد نسبوا إليه الجبن والضعف . فإذا كان يعرف أنه هو مسيا فلماذا هذا التحفظ وهذا الجمود الغريب؟ إن كان حقا يملك هذه القوة العظيمة فلماذا لا يذهب إلى أورشليم وبكل شجاعة يثبت صدق ادعاءاته؟ ولماذا لا يصنع في أورشليم القوات والمعجزات التي اشتهر بها في الجليل؟ قالوا له: لا تُخفِ نفسك في أقاليم نائية منعزلة لتجري آياتك وقواتك لأجل خير الصيادين والفلاحين الجهلاء ، بل قدم نفسك في العاصمة واجتهد لتظفر بمعاضدة الكهنة والرؤساء ووحِّد الأمة لإقامة الملكوت الجديد .

إن إخوة يهوشوه هؤلاء تباحثوا معه مدفوعين ببواعث أنانية كالتي توجد غالبا في قلوب أولئك الذين تستهويهم المظاهر ، ولكن هذه الروح هي الروح المتحكمة في أهل العالم . لقد استاءوا لأن يهوشوه بدلا من أن يحاول الجلوس على عرش أرضي أعلن أنه خبز الحياة ، وانهارت آمالهم عندما هجره كثيرون من تلاميذه . وهم أنفسهم تحولوا عنه هروبا من صليب الاعتراف بما أعلنته وشهدت به أعماله- أي أنه مرسل من يهوه .

اجتناب التصادم

"فَقَالَ لَهُمْ يهوشوه:«إِنَّ وَقْتِي لَمْ يَحْضُرْ بَعْدُ ، وَأَمَّا وَقْتُكُمْ فَفِي كُلِّ حِينٍ حَاضِرٌ . لاَ يَقْدِرُ الْعَالَمُ أَنْ يُبْغِضَكُمْ ، وَلكِنَّهُ يُبْغِضُنِي أَنَا ، لأَنِّي أَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ أَعْمَالَهُ شِرِّيرَةٌ . اِصْعَدُوا أَنْتُمْ إِلَى هذَا الْعِيدِ . أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هذَا الْعِيدِ ، لأَنَّ وَقْتِي لَمْ يُكْمَلْ بَعْدُ» . قَالَ لَهُمْ هذَا وَمَكَثَ فِي الْجَلِيلِ" (يوحنا 7: 6- 9) . كان إخوته يخاطبونه بهذا الكلام بنغمة السلطان وكأنهم بذلك يرسمون له الطريق الذي عليه أن يسلكه . وقد رد عليهم توبيخهم وألقى به في وجوههم إذ لم يعتبرهم ضمن تلاميذه المنكرين لذواتهم بل حسبهم من العالم إذ قال لهم: "لاَ يَقْدِرُ الْعَالَمُ أَنْ يُبْغِضَكُمْ ، وَلكِنَّهُ يُبْغِضُنِي أَنَا ، لأَنِّي أَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ أَعْمَالَهُ شِرِّيرَةٌ" . إن العالم لا يبغض أولئك الذين يشبهونه في روحه ، بل يحبهم لأنهم خاصته .

لم يكن العالم في نظر المسيا مكانا للراحة وتعظيم الذات . فلم يكن يتحين الفرص للحصول على سلطان أو مجد عالمي . ولم يقدم له العالم شيئا من ذلك . لقد كان العالم هو المكان الذي أرسله الآب إليه . ولقد بذل لأجل حياة العالم وليتمم تدبير الفداء العظيم . فكان يتمم عمله لأجل جنسنا الساقط . ولكنه لم يكن ليتهور أو يلقي بنفسه في الخطر والتهلكة أو ليخلق أزمة . فكل عمل من أعمال حياته كانت له ساعته المحددة ، فكان عليه ان ينتظر بصبر . لقد عرف أن العالم سيقابله بالكراهية والجفاء ، وعرف كذلك أن نتيجة عمله ستكون موته . أما أن يعرض نفسه للموت قبل الأوان فهذا ما لم يكن من إرادة يهوه .

لقد انتشرت أنباء معجزات المسيا من أورشليم إلى كل الأماكن التي كان اليهود مشتتين فيها . ومع أنه تغيب عن الأعياد شهورا طويلة فإن الاهتمام به لم يقل . لقد أتى كثيرون من أنحاء العالم كافة لإحياء عيد المظال على أمل أن يروا يهوشوه . وفي بدء أيام العيد جعل كثيرون يسألون عنه . كان الفريسيون والرؤساء ينتظرون مجيئه على أمل أن يجدوا فرصة سانحة لإدانته . فبكل اهتمام سألوا قائلين: "أَيْنَ ذَاكَ؟" (يوحنا 7: 11) . ولكن أحدا من الناس لم يكن يعرف . أما الجميع فكانت أفكارهم متجهة نحوه وبسبب خوف الشعب من الكهنة والرؤساء لم يكن أحد يجرؤ على الاعتراف به كمسيا . ولكن في كل مكان كانت توجد مباحثات هادئة وجادة بخصوصه . فقد دافع كثيرون عنه كمن هو مرسل من قبل يهوه بينما وشى به آخرون كمن يضل الشعب .

وفي تلك الأثناء وصل يهوشوه إلى أورشليم بكل هدوء ، وقد اختار طريقا غير مطروق ليسير فيه حتى يتجنب مقابلة الوافدين إلى المدينة من كل البلاد . فلو كان قد انضم إلى قافلة من القوافل الصاعدة إلى العيد لاتجهت إليه أنظار الجماهير عند دخوله المدينة وكان الناس يلتفون حوله في مظاهرة لصالحه ، وكان ذلك يثير حنق السلطات ضده . فلكي يتجنب كل ذلك اختار السفر وحده .

كلام بسلطان

وعندما انتصف العيد وحينما بلغ الاهتياج بخصوصه أشده دخل إلى دار الهيكل أمام جموع الشعب . إنه بسبب غيابه من العيد أكد كثيرون أنه لا يجرؤ على أن يضع نفسه تحت رحمة سلطان الكهنة والرؤساء ، ولذلك فوجئ الجميع بحضوره ، فصمتت كل الأصوات وتعجب الجميع من شجاعته وجلال هيئته وهو محاط بأعدائه الأشداء المتعطشين لقتله والقضاء عليه .

فإذ وقف يهوشوه هكذا في الوسط وتركزت عليه كل العيون والعقول جعل يخاطبهم كما لم يتكلم قط أي إنسان . وقد دل كلامه على معرفته ودرايته بشرائع إسرائيل وقوانينه وبالخدمة الكفارية وتعليم الأنبياء . وكانت معرفته تلك أسمى وأرفع بكثير من معرفة الكهنة والمعلمين . لقد نقض سياجات الطقوس والتقاليد ، وبدا كأنه مطلع على أسرار الحياة العتيدة . وكمن يرى ما لا يرى تكلم عن الأمور الأرضية والسماوية والجانب البشري والجانب الإلهي بسلطان قاطع . كان كلامه واضحا كل الوضوح ومؤثرا في النفوس أبلغ تأثير . ومرة أخرى تعجب الناس من كلامه: "لأَنَّ كَلاَمَهُ كَانَ بِسُلْطَانٍ" (لوقا 4: 32) ، كما كان الحال في كفرناحوم . وبأمثال متنوعة حذر سامعيه من الكارثة التي ستحل بكل من يرفضون الهبات التي جاء إلى العالم ليقدمها لهم . فقدم لهم كل البراهين الممكنة على كونه قد خرج من قبل يهوه ، وبذل كل جهد ممكن ليقودهم إلى التوبة . وما كان ليرفض ويقتل بأيدي بني أمته لو أمكنه أن يحول بينهم وبين ارتكاب تلك الجريمة النكراء .

تعجب الجميع من معرفته للناموس والنبوات وجعل الناس يتساءلون فيما بينهم قائلين: "كَيْفَ هذَا يَعْرِفُ الْكُتُبَ ، وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ؟" (يوحنا 7: 15) . لم يكن أحد يعتبر مؤهلا لأن يكون معلما للدين ما لم يكن قد تهذب في مدارس معلمي إسرائيل ، وكان يهوشوه ويوحنا المعمدان كلاهما معتبرين جاهلين لكونهما لم يتلقيا العلم على أيدي أولئك الأحبار . فالذين سمعوا كلامهما اندهشوا من معرفتهما للكتب "وهما لم يتعلما" . نعم إنهما لم يتعلما من الناس ولكن إله السماء كان معلمهما . وقد تلقيا منه أسمى حكمة .

عندما تكلم يهوشوه في رواق الهيكل ذهل الشعب . إن أولئك الذين كانوا أشد الناس عنفا وقسوة عليه أحسوا بعجزهم عن إيقاع أي أذى به . لقد نسيت كل المصالح والمهام الأخرى مؤقتا .

ينبوع الحياة

واظب يهوشوه على تعليم الشعب يوما بعد يوم إلى "الْيَوْمِ الأَخِيرِ الْعَظِيمِ مِنَ الْعِيدِ" (يوحنا 7: 37) . وفي صبيحة ذلك اليوم كان الشعب متعبين وضجرين من طول موسم العيد . وفجأة رفع يهوشوه صوته في نغمات رن صداها في أروقة الهيكل قائلا:

"إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ . مَنْ آمَنَ بِي ، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ" (يوحنا 7: 37, 38) . وقد جعلت حالة الشعب هذا التصريح قويا وفعالا . لقد كانوا منصرفين إلى مناظر لا نهاية لها من الأبهة ومسببات البهجة . فبهرت عيونهم الأنوار والألوان الزاهية ، وطنت آذانهم من أصوات الموسيقى المطربة . ولكن لم يكن في كل تلك الاحتفالات التي لا تنتهي ما يسد حاجة الروح ، ولا شيء يطفئ ظمأ النفس إلى الأشياء التي لا تفنى . فدعاهم يهوشوه ليأتوا إليه ويشربوا من نبع الحياة الذي يصير فيهم ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية .

كان الكاهن قد أقام الاحتفال الذي كان تذكارا لضرب الصخرة في البرية . وكانت الصخرة رمزا لذاك الذي بموته سيجعل ينابيع الخلاص الحية تفيض لإرواء جميع الظامئين . كان كلام المسيا هو ماء الحياة . وهناك على مرأى من ذلك الجمع الحاشد أفرز يهوشوه نفسه ليضرب حتى تفيض مياه الحياة للعالم . إن المسيا حين ضرب كان الشيطان يقصد أن يهلك رئيس الحياة . ولكن من تلك الصخرة التي ضربت فاض الماء الحي . وإذ خاطب يهوشوه الشعب بهذا الكلام اختلجت في قلوبهم أحاسيس الرهبة ، وكثيرون كانوا مزمعين أن يصرخوا مع المرأة السامرية حين قالت: "يَا سَيِّدُ أَعْطِنِي هذَا الْمَاءَ ، لِكَيْ لاَ أَعْطَشَ" (يوحنا 4: 15) .

لقد عرف يهوشوه حاجة كل نفس . إن الأبهة والغنى والكرامة لا يمكنها أن تشبع القلب . يقول يهوشوه: "إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ" ، وهو يرحب بالأغنياء والفقراء والعالي والدون على السواء . إنه يعد بالراحة للعقل المجهد المثقل ويعزي كل حزين ويمنح الرجاء لليائسين . إن كثيرين ممن سمعوا أقوال يهوشوه كانوا نائحين لخيبة آمالهم ، وآخرون كان يربض في أعماقهم حزن دفين ، وآخرون حاولوا إشباع أشواقهم التي لا تعرف الشبع بأمور العالم ومديح الناس ، ولكنهم بعدما حصلوا على ما كانوا يشتهون وجدوا أنهم كانوا يتعبون ليحصلوا على آبار مشققة لا تضبط ماء ، ولذلك لم يمكنهم إرواء عطشهم . ففي وسط بريق المناظر المفرحة الخلابة وقفوا غير قانعين وتعساء . فتلك الصرخة المفاجئة القائلة "إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ" أفزعتهم وأيقظتهم من أفكارهم الكئيبة . فلما سمعوا ما قاله بعد ذلك اضطرم في قلوبهم أمل جديد . إن الروح القدس قدَّم إليهم الرمز حتى رأوا فيه هبة الخلاص المجانية التي لا تقدر بثمن .

إن دعوة المسيا للنفوس الظامئة لا يزال يرن صداها في الآذان والقلوب ، وهي اليوم تقدم لنا بقوة أعظم مما إلى أولئك الذين سمعوها في الهيكل في اليوم الأخير العظيم من العيد . إن الينبوع مفتوح للجميع . فالمتعبون والمعيون يقدم لهم ماء الحياة الأبدية المنعش ويهوشوه لا يزال يصرخ قائلا: "إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ" ، "مَنْ يَعْطَشْ فَلْيَأْتِ . وَمَنْ يُرِدْ فَلْيَأْخُذْ مَاءَ حَيَاةٍ مَجَّانًا" ، "مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (رؤيا 22: 17؛ يوحنا 4: 14) .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App