5. هزيمة المتآمرين
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إن يهوشوه طوال أيام وجوده في أورشليم في العيد كان الجواسيس يتعقبونه . ويوما بعد يوم كانت المؤامرات تحاك ضده بقصد إسكاته . كان الكهنة والرؤساء يراقبونه ليصطادوه . وكانت خطتهم هي منعه بالقوة ، ولكن تلك القوة لم تقتصر على هذا ، فلقد أرادوا إذلال هذا المعلم الجليلي وتحقيره أمام الشعب .

ففي أول يوم حضر فيه يهوشوه إلى العيد أتاه الرؤساء وسألوه بأي سلطان كان يعلم ، حيث أرادوا تحويل انتباه الناس عنه إلى السؤال عن حقه في التعليم ، وهكذا يوجهون الناس إليهم وإلى مكانتهم وسلطانهم .

فقال لهم يهوشوه: "تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي . إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ ، هَلْ هُوَ مِنَ يهوه ، أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي" (يوحنا 7: 16, 17) . لقد واجه يهوشوه سؤال هؤلاء المماحكين ليس بالإجابة على تلك المماحكة بل بتقديم الحق الذي هو حيوي لخلاص النفس . قال لهم إن فهم الحق وتقديره لا يتوقف كله على العقل بل بالأكثر على القلب . ينبغي قبول الحق في النفس فهو يتطلب ولاء الإرادة . فلو أمكن إخضاع الحق للعقل وحده فلن تقف الكبرياء عائقا في طريق قبوله . بل ينبغي قبوله بواسطة عمل النعمة في القلب ، وقبوله يتوقف على نبذ كل خطية يكشفها روح يهوه للإنسان . إن مزايا قبول معرفة الحق مهما تكن عظيمة سيتبرهن عدم نفعها ما لم يفتح القلب لقبول الحق وما لم يكن هنالك تصميم حقيقي ، كما يتطلب الضمير الحي ، على التخلص من كل عادة وعمل مضاد لمبادئ الحق . فالذين يخضعون ذواتهم هكذا ليهوه والذين عندهم رغبة مخلصة لمعرفة إرادته والعمل بها ينكشف لهم الحق على أنه قوة يهوه لخلاصهم . وهؤلاء سيكونون قادرين على التمييز بين من يتكلم في جانب يهوه وبين من يتكلم فقط لأجل نفسه . ولكن الفريسيين لم يجعلوا إرادتهم تتمشى مع إرادة يهوه . فهم لم يطلبوا معرفة الحق بل كانوا ينتحلون الأعذار لتجنبه والتملص منه . وقد أبان لهم المسيا أن هذا هو السبب في عدم فهمهم لتعاليمه.

حق أو خداع 

والآن قدم لهم اختبارا به يتميز المعلم الحقيقي من المعلم المخادع ، فقال: "مَنْ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ يَطْلُبُ مَجْدَ نَفْسِهِ ، وَأَمَّا مَنْ يَطْلُبُ مَجْدَ الَّذِي أَرْسَلَهُ فَهُوَ صَادِقٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ" (يوحنا 7: 18) . إن من يطلب مجد نفسه يتكلم من نفسه فقط . إن روح طلب ما للذات تفضح نفسها . ولكن المسيا كان يطلب مجد يهوه . لقد تكلم بكلام يهوه . وكان هذا هو البرهان على أن له سلطانا لأن يكون معلما للحق .

قدم يهوشوه للمعلمين البرهان على ألوهيته بكونه أراهم أنه قد عرف ما في قلوبهم . فمنذ شفى المريض عند بركة بيت حسدا ظلوا يتآمرون على قتله ، وهكذا كانوا ينقضون الناموس الذي ادعوا أنهم حماته . قال لهم: "أَلَيْسَ مُوسَى قَدْ أَعْطَاكُمُ النَّامُوسَ؟ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَعْمَلُ النَّامُوسَ! لِمَاذَا تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي؟" (يوحنا 7: 19) .

وكنور سريع خاطف كشف هذا القول للمعلمين عن هوة الهلاك الرهيبة التي كانوا مزمعين أن يطرحوا أنفسهم فيها . ولمدى برهة امتلأت قلوبهم رعبا ، ورأوا أنهم في حالة حرب مع قوة يهوه غير المحدودة . ولكنهم رفضوا قبول الإنذار . فلكي يظلوا محتفظين بسلطانهم ونفوذهم على الشعب كان ينبغي أن يبقوا نواياهم الإجرامية طي الخفاء . ولكي يتملصوا من سؤال يهوشوه صاحوا قائلين: "بِكَ شَيْطَانٌ . مَنْ يَطْلُبُ أَنْ يَقْتُلَكَ؟" (يوحنا 7: 2) . وهم هنا يلمحون إلى أن عجائب يهوشوه كان مدفوعا إليها بروح شرير .

لم يلتفت المسيا إلى هذا التلميح ، بل استمرَّ يقول إن معجزة الشفاء التي كان قد أجراها في بيت حسدا كانت على وفاق مع شريعة السبت ، وقد بررها وزكاها التفسير الذي فسروا به الناموس . فقال لهم: "لِهذَا أَعْطَاكُمْ مُوسَى الْخِتَانَ . فَفِي السَّبْتِ تَخْتِنُونَ الإِنْسَانَ" (يوحنا 7: 22) . كان ينبغي أن يختن كل طفل في اليوم الثامن بموجب الناموس . فإذا وقع ذلك اليوم في يوم السبت فينبغي إجراء تلك الفريضة . فما ضرَّ إذا أني "شَفَيْتُ إِنْسَانًا كُلَّهُ فِي السَّبْتِ" أليس عملا كهذا هو على وفاق مع روح الشريعة؟ ثم أنذرهم قائلا: "لاَ تَحْكُمُوا حَسَبَ الظَّاهِرِ بَلِ احْكُمُوا حُكْمًا عَادِلاً" (يوحنا 7: 23, 24) . 

وإذ أبكم الرؤساء صاح كثيرون من الشعب قائلين: "أَلَيْسَ هذَا هُوَ الَّذِي يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ؟ وَهَا هُوَ يَتَكَلَّمُ جِهَارًا وَلاَ يَقُولُونَ لَهُ شَيْئًا! أَلَعَلَّ الرُّؤَسَاءَ عَرَفُوا يَقِينًا أَنَّ هذَا هُوَ الْمسيا حَقًّا؟" (يوحنا 7: 25, 26) .

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس يوم السبت الحالي (Saturday).  يجب أيضاً الأخذ في الاعتبار أنّ السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الغريغوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائماً في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر قمري، الأمر الذي لا يستطيع أن ينجزه أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.

بين الشك والإيمان

إن كثيرين من سامعي تعاليم المسيا الساكنين في أورشليم ولم يكونوا يجهلون مؤامرات الرؤساء ضده ، أحسوا بقوة جاذبة لا تقاوم تجذبهم إليه ، واقتنعوا اقتناعا قويا بأنه ابن يهوه ولكن الشيطان كان مستعدا دائما لأن يملأهم بالشكوك ، والذي مهد الطريق لهذه الشكوك آراؤهم الخاطئة عن مسيا ومجيئه . لقد كان الاعتقاد السائد عن المسيا أنه يولد في بيت لحم ، ولكن بعد وقت يختفي وعندما يظهر ثانية لا يعلم أحد من أين أتى . وكانت هنالك جماعة غير قليلة اعتقد أفرادها أن مسيا لن تكون له أية صلة طبيعية بالبشرية . وبالنظر للفكرة الرائجة أن للمسيا مجدا لم يتوافر في يهوشوه الناصري ، فالكثيرون قبلوا بالرأي العام واستفهموا قائلين: "وَلكِنَّ هذَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ ، وَأَمَّا الْمسيا فَمَتَى جَاءَ لاَ يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنْ أَيْنَ هُوَ" (يوحنا 7: 27) .

وفيما كانوا يتأرجحون بين الشك والإيمان التقط يهوشوه أفكارهم وقال لهم: "تَعْرِفُونَنِي وَتَعْرِفُونَ مِنْ أَيْنَ أَنَا ، وَمِنْ نَفْسِي لَمْ آتِ ، بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَقٌ ، الَّذِي أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ" (يوحنا 7: 28) . لقد ادعوا أنهم يعرفون ما يجب أن يكون أصل المسيا ولكنهم كانوا يجهلون ذلك جهلا تاما . ولو عاشوا طبقا لإرادة يهوه لكانوا قد عرفوا ابنه عندما أعلن لهم .

أمكن أولئك السامعون أن يفهموا معنى أقوال المسيا إذ كانت تكرارا واضحا لما قد صرح به أمام السنهدريم مند شهور طويلة عندما أعلن لهم أنه ابن يهوه . وكما حاول الرؤساء أن يقضوا عليه بالموت كذلك ها هم الآن يحاولون أن يأخذوه . ولكن قوة غير منظورة منعتهم من ذلك ، تلك القوة جعلت حدا ونهاية لغضبهم قائلة لهم: "إِلَى هُنَا تَأْتِي وَلاَ تَتَعَدَّى" (أيوب 38: 11) .

كان بين الشعب كثيرون آمنوا به وقالوا: "أَلَعَلَّ الْمسيا مَتَى جَاءَ يَعْمَلُ آيَاتٍ أَكْثَرَ مِنْ هذِهِ الَّتِي عَمِلَهَا هذَا؟" (يوحنا 7: 31) . إن رؤساء الفريسيين الذين كانوا يراقبون سير الحوادث بلهفة سمعوا من الجمع كلاما يدل على عطفهم على المسيا . فأسرعوا إلى رؤساء الكهنة واعدوا خطتهم للقبض عليه . ورتبوا أن يمسكوه حين يكون وحده لأنه لم تكن لديهم الشجاعة الكافية للقبض عليه أمام الشعب . ومرة أخرى برهن لهم يهوشوه على علمه بنواياهم ، فقال لهم: "أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا يَسِيرًا بَعْدُ ، ثُمَّ أَمْضِي إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي . سَتَطْلُبُونَنِي وَلاَ تَجِدُونَنِي ، وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا" (يوحنا 7: 33, 34) . فبعد قليل سيجد ملجأً بعيدا عن متناول الاحتقار والبغضاء . سيصعد إلى الآب ليكون مرة أخرى معبود الملائكة ، ولن يستطيع قاتلوه الوصول إلى هناك .

قال أولئك المعلمون ساخرين: "إِلَى أَيْنَ هذَا مُزْمِعٌ أَنْ يَذْهَبَ حَتَّى لاَ نَجِدَهُ نَحْنُ؟ أَلَعَلَّهُ مُزْمِعٌ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى شَتَاتِ الْيُونَانِيِّينَ وَيُعَلِّمَ الْيُونَانِيِّينَ؟" (يوحنا 7: 35) . ولم لكن يخطر ببال أولئك المماحكين أنه بكلامهم الساخر كانوا يصوِّرون رسالة المسيا . لقد بسط يديه طول النهار إلى شعب معاند ومقاوم ، ومع ذلك فقد وجد من الذين لم يطلبونه وصار ظاهرا للذين لم يسألوا عنه (رومية 10: 20, 21) .

الإنسان يختار لنفسه

إن كثيرين ممن قد آمنوا بأن يهوشوه هو ابن يهوه أضلهم الكهنة والمعلمون بسوء تفكيرهم . كان أولئك المعلمون قد رددوا بحماسة شديدة ، النبوات الخاصة بمسيا من أنه سيملك "فِي جَبَلِ صِهْيَوْنَ وَفِي أُورُشَلِيمَ ، وَقُدَّامَ شُيُوخِهِ مَجْدٌ" ، وأنه "يَمْلِكُ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ ، وَمِنَ النَّهْرِ إِلَى أَقَاصِي الأَرْضِ"(إشعياء 24: 23؛ مزمور 72: 8) . ثم جعلوا يعملون مفارقات محقرة بين المجد الموصوف هنا وحقارة مظهر يهوشوه . إن نفس كلمات النبوة كانت قد حرفت بحيث أقرت الخطأ . ولو كان الشعب قد درسوا الكلمة لأنفسهم بإخلاص لما انساقوا وراء الضلال . إن الإصحاح الحادي والستين من إشعياء يشهد بأن المسيا كان سيعمل نفس العمل الذي قد عمله . أما الإصحاح الثالث والخمسون ففيه نجد رفض العالم له والآلام التي كان لابد له أن يتحملها في العالم ، في حين أن الإصحاح التاسع والخمسين يصف أخلاق الكهنة والمعلمين .

إن يهوه لا يرغم الناس على ترك عدم إيمانهم . إن أمامهم النور والظلمة ، الحق والخطأ . ولهم أن يختاروا أي الاثنين ليقبلوه . إن عقل الإنسان مزود بقوة بها يمكنه أن يميز بين الصواب والخطإ . ويهوه لا يقصد أن يقرر الناس بموجب دوافع فورية بل بناء على رجاحة البرهان بكل حرص قارنين أقوال الكتاب ببعضها البعض . فلو أن اليهود طرحوا التعصب جانبا وقارنوا النبوات المكتوبة بالحقائق المميزة لحياة يهوشوه لرأوا توافقا بين النبوات وإتمامها في حياة ذلك الجليلي المتواضع وخدمته .

كثيرون ينخدعون في هذه الأيام بنفس الطريقة التي قد انخدع بها اليهود . إن معلمي الدين يقرأون الكتاب في نور فهمهم وتقاليدهم ، ولكن الشعب لا يفتشون الكتب لأنفسهم ولا يحكمون لأنفسهم فيما هو حق بل يتخلون عن حكمهم ويسلمون نفوسهم بين أيدي رؤسائه . إن الكرازة وتعليم كلمة يهوه هما من الوسائل التي رسمها يهوه لنشر النور . ولكن علينا نحن أن نختبر تعليم كل إنسان بمحك الكلمة الإلهية . فالذي يدرس الكتاب المقدس بروح الصلاة مشتاقا إلى معرفة الحق لكي يطيعه سيحصل على النور الإلهي ويفهم الكتب: "إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ ، هَلْ هُوَ مِنَ يهوه ، أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي" (يوحنا 7: 17) .

وفي اليوم الأخير من العيد رجع الخدام الذين كان الكهنة قد أرسلوهم للقبض على يهوشوه ، بدونه . فسألهم الرؤساء بغضب قائلين: "لِمَاذَا لَمْ تَأْتُوا بِهِ؟" (يوحنا 7: 45) . أجابوهم قائلين بوقار: "لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هكَذَا مِثْلَ هذَا الإِنْسَانِ!" (يوحنا 7: 46) .

ومع قساوة قلوبهم فقد أذاب كلامه تلك القلوب . فإذ كان يهوشوه يتكلم في رواق الهيكل انتظر أولئك الخدام قريبا لعلهم يسمعون شيئا يؤخذ حجة ضده ، ولكن فيما كانوا يستمعون لكلامه نسوا الغرض الذي قد أرسلوا لأجله ، ووقفوا ذاهلين حيث أعلن المسيا نفسه لنفوسهم فرأوا ما لم يره الكهنة أو الرؤساء- رأوا البشرية مغمورة بمجد الألوهية ، فعادوا ممتلئين بهذا الفكر ومتأثرين بكلامه حتى لقد أجابوا عن سؤال الرؤساء بقولهم: "لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هكَذَا مِثْلَ هذَا الإِنْسَانِ!" .

الحق ليس بكثرة العدد

إن الكهنة والرؤساء عندما مثلوا أمام المسيا في البداية كان عندهم مثل هذا الاقتناع . لقد تأثرت قلوبهم تأثرا عميقا ، ووجد هذا الفكر طريقه إلى قلوبهم: "لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هكَذَا مِثْلَ هذَا الإِنْسَانِ!" ولكنهم أخمدوا هذا الاقتناع الذي أحدثه فيهم الروح القدس . والآن إذ كانوا مغتاظين لكون أعوانهم أولئك قد تأثروا من تعاليم ذلك الجليلي المكروه صاحوا قائلين: "أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا قَدْ ضَلَلْتُمْ؟ أَلَعَلَّ أَحَدًا مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَوْ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ آمَنَ بِهِ؟" (يوحنا 7: 47, 48) .

إن أولئك الذين تبلغ إليهم رسالة الحق قلما يسألون قائلين: "هل هذا هو الحق؟" بل يسألون قائلين: "من الذي نطق به؟" . إن كثيرين يقدِّرون الحق بنسبة عدد من يقبلونه . ولا يزال هذا السؤال يُسأل: هل آمن أحد العلماء أو الرؤساء الدينيين ؟ إن الناس في هذه الأيام ليسوا أكثر اندفاعا للتقوى الحقيقية ممن كانوا في أيام المسيا . إنهم منصبون على طلب الخيرات الزمنية فيهملون الغنى الأبدي . وليس مما يؤخذ حجة ضد الحق كون كثيرين من الناس غير مستعدين لقبوله أو أن عظماء هذا الدهر أو حتى الرؤساء الدينيين لم يقبلوه .

ومرة أخرى شرع الكهنة والرؤساء في رسم خطة للقبض على يهوشوه . وقد تشاوروا فيما بينهم قائلين إنه لو ترك حرا أكثر من ذلك فسيجتذب الشعب بعيدا عن الرؤساء الرسميين ، وإنَّ أسلم طريق يسلكونه هو أن يُسكتوه بلا إبطاء . ففيما كانوا في غمرة مؤامراتهم أوقفوا عند حدهم إذ سألهم نيقوديموس قائلا: "أَلَعَلَّ نَامُوسَنَا يَدِينُ إِنْسَانًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَوَّلاً وَيَعْرِفْ مَاذَا فَعَلَ؟" (يوحنا 7: 51) . فاستولى الصمت على تلك الجماعة . لقد لمس كلام نيقوديموس ضمائرهم . إنهم في الحقيقة لم يكونوا يستطيعون أن يدينوا إنسانا لم يسمعوه . ولكن لم يكن هذا هو السبب الذي لأجله ظل أولئك الرؤساء المتكبرون صامتين وهم يشخصون في ذاك الذي تجرأ على الدفاع عن العدالة . لقد فزعوا واغتنموا لأن واحدا منهم كان قد كان تأثر تأثرا بالغا بأخلاق يهوشوه إلى حد أنه تجرأ أن يقول كلمة مدافعا عنه . فلما أفاقوا من دهشتهم خاطبوا نيقوديموس بتهكم جارح قائلين: "أَلَعَلَّكَ أَنْتَ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ؟ فَتِّشْ وَانْظُرْ! إِنَّهُ لَمْ يَقُمْ نَبِيٌّ مِنَ الْجَلِيلِ" (يوحنا 7: 52) .

ومع ذلك فإن هذا الاحتجاج أوقف إجراءات المجلس . فلم يستطع الرؤساء أن ينفذوا غرضهم ويدينوا يهوشوه بدون أن يسمعوا منه . فلما انهزموا إلى حين "مَضَى كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ . أَمَّا يهوشوه فَمَضَى إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ"  (يوحنا 7: 53؛ 8: 1) .

تحول يهوشوه بعيدا عن المدينة بما فيها من هيجان وتشويش ، بعيدا عن الجموع المشتاقة والمعلمين الغادرين ، وانطلق إلى حدائق الزيتون الساكنة لينفرد مع يهوه . ولكن في بكور اليوم التالي عاد إلى الهيكل ، وإذ اجتمع الشعب حوله جلس ليعلمهم .

امرأة أمسكت في الخطية

ولكنه سرعان ما قوطع . ذلك أن جماعة من الفريسيين والكتبة اقتربوا إليه وهم يسحبون امرأة مرتعبة وبأصوات محمومة قاسية راحوا يتهمونها بتعدي الوصية السابعة . فإذ دفعوها إلى أمام يهوشوه قالوا له باحترام تصنعي ريائي: "مُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ تُرْجَمُ . فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟" (يوحنا 8: 5) .

إن احترامهم التصنعي له كان يخفي وراءه مؤامرة جد خبيثة للقضاء عليه . لقد انتهزوا هذه الفرصة لكي يحصلوا على حكم بإدانة المسيا إذ ظنوا أنه مهما يكن قراره فسيجدون مجالا لاتهامه . فإذا أطلق سراح تلك المرأة فسيتهم باحتقار شريعة موسى ، أما إذا أعلن أنها تستحق الموت فسيقدمون في حقه شكوى إلى الرومان مفادها أنه ينتحل لنفسه سلطانا هو من حقهم وحدهم .

ولمدى لحظة تطلع يهوشوه إلى ذلك المنظر- إلى تلك الضحية المرتعبة وهي مجللة بعارها ، وإلى أولئك الرؤساء الصارمي الوجوه والنظرات ، الذين خلت قلوبهم حتى من الشفقة الإنسانية ، فانكمشت روحه الكلية الطهارة من ذلك المنظر . لقد عرف جيدا الغرض الحقيقي الذي حداهم على أن يعرضوا عليه هذه القضية . لقد عرف ما في القلوب كما عرف أخلاق وتاريخ حياة كل واحد من أولئك الماثلين أمامه . إن هؤلاء الأدعياء الذين يتشدقون قائلين إنهم حماة العدالة هم أنفسهم الذين ساقوا فريستهم هذه لارتكاب الخطية لكي يمكنهم أن ينصبوا شركا ليهوشوه . وإذ لم يبد منه ما يدل على أنه قد سمع سؤالهم انحنى وثبَّت عينيه على الأرض وجعل يكتب في التراب .

وإذ نفد صبرهم من تأخره وعدم اكتراثه الظاهري اقترب منه أولئك المشتكون وألحوا عليه في الالتفات إلى الأمر . ولكن حالما راقبت عينهم عيني يهوشوه نظروا إلى الأرض عند قدميه وتغيرت ملامح وجوههم . فلقد رأوا أمامهم أسرار حياتهم الآثمة مسطورة على الأرض . وقد رأى الشعب المراقب التبدُّل الذي ظهر على وجوه أولئك الرؤساء وتزاحموا ليروا ما هو ذلك الشيء الذي كانوا ينظرونه في دهشة وخجل .

إن هؤلاء المعلمين مع كل ادعائهم بحفظ الناموس واحترامه فإنهم إذ قدموا تلك التهمة ضد المرأة كانوا يحتقرون نصوص الناموس . إن زوج تلك المرأة هو الذي كان عليه أن يتخذ تلك الإجراءات ضدها وكان يجب معاقبة الفريقين المذنبين بالتساوي . ولكن عمل أولئك المشتكين كان كله غير مشروع . ومع ذلك قابلهم يهوشوه في ميدانهم . لقد نصت الشريعة على أنه في عقوبة الرجم كان على الشهود في القضية أن يكونوا أول من يرمون المتهم بحجر . فلما انتصب يهوشوه ثبت عينيه في أولئك الشيوخ المتآمرين وقال لهم: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!" (يوحنا 8: 7) . ثم انحنى إلى أسفل واستمر يكتب على الأرض .

إنه لم يغفل الناموس ولا ألقى بتلك الشريعة المعطاة بواسطة موسى جانبا ، كلا ولا تعدى سلطان روما . انهزم أولئك المشتكون ، والآن إذ تمزق رداء قداستهم المتصنعة وقفوا مذنبين ومحكوما عليهم في حضرة الطهارة الكاملة . لقد ارتعبوا خشية أن تنكشف آثامهم المستورة عن العيون أمام جمهور الشعب فتسللوا واحدا فواحدا مطأطئي الرؤوس وخافضي العيون تاركين ضحيتهم أمام المخلص الرحيم .

"اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا" 

ثم إذ انتصب يهوشوه والتفت إلى المرأة سألها: "يَا امْرَأَةُ ، أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟ فَقَالَتْ: «لاَ أَحَدَ ، يَا سَيِّدُ!» . فَقَالَ لَهَا يهوشوه:«وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ . اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا»" (يوحنا 8: 10, 11) .

وقفت المرأة أمام يهوشوه ثم جثت وهي مرتعبة خوفا . عندما قال للمشتكين: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!" . بدا لها كأن هذه الكلمات هي حكم الموت عليها . ولم تجرؤ على أن ترفع عينيها إلى وجه المخلص بل بكل سكون انتظرت مصيرها . لكنها اندهشت حين رأت أولئك المشتكين يخرجون صامتين ومرتبكين ، ثم سمعت من فم السيد هذا القول وفيه رجاء لها: "وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ . اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا" . لقد ذاب قلبها فألقت نفسها عند قدمي يهوشوه ساكبة أمامه محبتها وشكرها . وبدموع غزيرة اعترفت بخطاياها وهي مرة النفس .

كان ذلك اليوم بدء حياة جديدة بالنسبة إليها ، حياة طهارة وسلام مكرسة لخدمة يهوه . إن يهوشوه إذ رفع هذه النفس الساقطة من أوحال الدنس أجرى معجزة أعظم مما لو شفى أعظم الأمراض المستعصية . لقد شفى ذلك المرض الروحي الذي نهايته الموت الأبدي . فصارت هذه المرأة التائبة من أعظم تابعيه ثباتا . وبمحبة مضحية وتكريس كامل وفَّت دين رحمته الغافرة .

إن يهوشوه إذ غفر لهذه المرأة وشجعها على أن تحيا حياة أفضل ظهرت صفاته تتألق في جمال بره الكامل . ففي حين أنه لا يلتمس عذرا للخطية ولا يقلل من الشعور بالذنب فإنه لا يقصد أن يدين بل أن يخلص . كان العالم يضمر لهذه المرأة المخطئة الاحتقار والازدراء أما يهوشوه فيكلمها بكلام العزاء والرجاء . إن السيد المعصوم يعطف على تلك الخاطئة الضعيفة ويقدم لها يد المعونة . وفي حين أن الفريسيين المرائين يشتكون عليها يقول هو لها: "اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا" .

إن تابع المسيا لا يغض الطرف عن المخطئين تاركا إياهم دون رادع ليسيروا في طريقهم المنحدر إلى أسفل . فأولئك الذين يسارعون إلى اتهام الآخرين ويحرصون على تسليمهم ليد العدالة هم في غالب الأحيان أعظم جرما من المخطئين . إن الناس يبغضون الخاطئ وهم في نفس الوقت يحبون الخطية . أما المسيا فيكره الخطية ويحب الخاطئ . وهذه هي روح كل أتباعه . إن المحبة المسيحية هي مبطئة في الاتهام والتوبيخ ، ولكنها مسرعة في ملاحظة التوبة ، ومستعدة أبدا لأن تغفر وتشجع الضال وتعيده إلى طريق القداسة وتثبت خطواته فيها .

 
حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App