6. نُورُ الْحَيَاةِ
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

"ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يهوشوه أَيْضًا قَائِلاً:«أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ . مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ»" (يوحنا 8: 12) .

عندما تكلم يهوشوه بهذا الكلام كان في رواق الهيكل الذي له علاقة خاصة بخدمة عيد المظال . في وسط هذا الرواق نصب عمودان عاليان علقت فيهما منارتان كبيرتا الحجم . فبعد خدمة المساء كانت تنار المصابيح فترسل أنوارها إلى مدينة أورشليم . وكانت هذه الخدمة تذكارا لعمود النور الذي قاد العبرانيين في البرية ، كما كان يشير إلى مجيء مسيا . ففي المساء عندما أضيئت الأنوار كانت تلك الدار مسرحا للفرح العظيم . فالرجال الذين كلل الشيب رؤوسهم وكهنة الهيكل ورؤساء الشعب اتحدوا معا في الرقص المبهج على أصوات آلات الطرب وأغاني اللاويين .

وإذ استنارت المدينة بذلك النور عبر الشعب عن أملهم في مجيء مسيا ليضيء بنوره على إسرائيل . أما بالنسبة إلى يهوشوه فقد كان لذلك معنى أوسع . فكما أن مصابيح الهيكل المضيئة أنارت كل ما حولها كذلك المسيا مصدر النور الروحي ينير مبددا ظلمات العالم . ومع ذلك فقد كان الرمز ناقصا . فذلك النور العظيم الذي ثبتته يمناه في جلد السماء كان تمثيلا أصدق لمجد رسالته .

جاء الصباح وأشرقت الشمس لتوها على جبل الزيتون ووقعت أشعتها التي تبهر الأبصار على القصور المرمرية ، وقد عكست جدران الهيكل المذهبة أنوار الشمس عندما أشار يهوشوه إليها قائلا: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" .

إن واحدا ممن كانوا يصغون إلى هذا القول عاد فردد صداه في كلامه الجليل حين قال: "فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ ، وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ" ، "كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ" (يوحنا 1: 4, 5, 9) . وبعد صعود يهوشوه إلى السماء بوقت طويل كتب بطرس الرسول أيضاً مستنيرا بإلهام الروح الإلهي ذاكرا الرمز الذي استعمله المسيا فقال: "وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ ، وَهِيَ أَثْبَتُ ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا ، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ" (2 بطرس 1: 19) .

النور يكتسح الظلمة

في إعلان يهوه لشعبه كان النور دائما رمزا لحضوره . وبكلمته الخالقة في البدء أشرق نور من ظلمة . لقد كان النور محتجبا في عمود السحاب نهارا وعمود النار ليلا وهو يقود جيوش العبرانيين العظيمة . وقد أشرق النور بجلال رهيب حول السيَد على جبل سيناء . واستقر النور على غطاء التابوت في خيمة الاجتماع . كذلك ملأ النور هيكل سليمان عند تدشينه . وأشرق النور فوق تلال بيت لحم عندما أبلغ الملاك رسالة الفداء للرعاة الساهرين على رعيتهم .

يهوه نور ، فإذ قال المسيا: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" أعلن وحدانيته بيهوه وعلاقته بالأسرة البشرية جمعاء . وهو الذي في البدء أمر أَنْ "يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ" (2 كورنثوس 4: 6). إنه هو نور الشمس والقمر والنجوم . كان هو الضوء الروحي الذي أضاء على إسرائيل في الرموز والظلال والنبوات . ولكن النور لم يعطَ للأمة الإسرائيلية وحدها . فكما أن أشعة الشمس تصل إلى أقصى زوايا الأرض كذلك يشرق نور شمس البر على كل نفس .

"كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ" . لقد كان للعالم معلموه العظام وكانوا رجالا من جبابرة العقول ولهم بحوث عظيمة مدهشة ، وهم الذين قد أيقظت أقوالهم الفكر الإنساني وفتحت أمام الناس مجالات المعرفة الواسعة ، فحصل أولئك الناس على كرامة عظيمة كقادة للفكر البشري وكمحسنين . ولكن هنالك من يسمو عليهم جميعا ، "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ يهوه" ."يهوه لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ . اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يوحنا 1: 12, 18) . يمكننا أن نتتبع صفوف معلمي العالم العظماء منذ فجر التاريخ . ولكن النور سبق وجودهم . فكما أن القمر والنجوم في النظام الشمسي تضيء بالنور المنعكس عليها من الشمس ، فكذلك مفكرو العالم العظام على قدر ما عندهم من تعليم صحيح يعكسون نور شمس البر . فكل درة من درر الأفكار وكل نور من أنوار العبقرية والنبوغ هو مقتبس من نور العالم . في هذه الأيام نسمع الكثير عن (التعليم العالي) ، ولكن (التعليم العالي) الحقيقي هو مستمد من ذاك "الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ" الذي "فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ" (كولوسي 2: 3؛ يوحنا 1: 4) . لقد قال يهوشوه: "مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ" (يوحنا 8: 12) .

قلوب مغلقة

إن المسيا إذ قال: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" أعلن عن نفسه أنه هو مسيا . وسمعان الشيخ في نفس الهيكل الذي كان يعلم فيه المسيا قال: "لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ . نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ" (لوقا 2: 30, 32) .

فلقد أعلن الروح القدس على لسان إشعياء قائلا: "قَلِيلٌ أَنْ تَكُونَ لِي عَبْدًا لإِقَامَةِ أَسْبَاطِ يَعْقُوبَ ، وَرَدِّ مَحْفُوظِي إِسْرَائِيلَ . فَقَدْ جَعَلْتُكَ نُورًا لِلأُمَمِ لِتَكُونَ خَلاَصِي إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (إشعياء 49: 6) . لقد فهم الجميع أن هذه النبوة تتحدث عن مسيا . فعندما قال يهوشوه: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" فهم الشعب أنه يقول عن نفسه أنه هو السيد الموعود به .

رأى الفريسيون والرؤساء أن تصريح يهوشوه هذا هو ادعاء وعجرفة . إنهم لم يستطيعوا السكوت عندما رأوا إنسانا مثلهم يقدم على مثل تلك الادعاءات . فإذ تظاهروا أنهم يتجاهلون كلامه سألوه قائلين: "مَنْ أَنْتَ؟" وأصروا على إرغامه على إعلان كونه هو المسيا . لقد كان مظهره وعمله يختلفان عما كان يتوقعه الشعب حتى ، كما كان أعداؤه الماكرون يعتقدون ، إذا أعلن عن نفسه إعلانا مباشرا أنه هو المسيا فإن ذلك يكون مدعاة رفضه كمحتال .

ولكن عندما سأله أولئك الرؤساء قائلين: "مَنْ أَنْتَ؟" أجابهم قائلا: "أَنَا مِنَ الْبَدْءِ مَا أُكَلِّمُكُمْ أَيْضًا بِهِ" (يوحنا 8: 25) . إن ما أعلنه بكلامه أعلنته أيضاً صفاته . لقد كان هو تجسما للحقائق التي علم بها . ثم استطرد يقول: "مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ ، وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي ، بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي . وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي ، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي ، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ"  (يوحنا 8: 28, 29) . إنه لم يحاول إثبات صدق ادعائه بأنه هو مسيا بل كشف لهم عن اتحاده بيهوه . فلو كانت عقولهم وقلوبهم مفتوحة لقبول محبة يهوه لقبلوا يهوشوه .

كان بين سامعيه كثيرون قد انجذبوا إليه بفعل الإيمان فقال لهم: "إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي ، وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" (يوحنا 31:8, 32) .

ناموس الحرية

هذا الكلام أغضب الفريسيين . لقد غضوا الطرف عن حقيقة أن الأمة كانت خاضعة مدة طويلة تحت نير دولة غريبة ، فصاحوا يقولون في حنق: "إِنَّنَا ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ ، وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ قَطُّ! كَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: إِنَّكُمْ تَصِيرُونَ أَحْرَارًا؟" (يوحنا 8: 33) . فنظر يهوشوه إلى أولئك الرجال الذين كانوا عبيدا للحقد والذين كانوا يضمرون نية الانتقام وأجابهم بحزن: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ" (يوحنا 8: 34) . لقد كانوا في أحط حالات العبودية- إذ كانوا تحت سيطرة روح الشر .

إن كل من يرفض تسليم نفسه ليهوه هو تحت سلطان قوة أخرى ، فهو ليس ملكا لنفسه . قد يتحدث عن الحرية ولكنه في أقسى حالات الإذلال والعبودية فلا يسمح له برؤية جمال الحق لأن عقله خاضع لسلطان الشيطان . ففي حين أنه يخدع نفسه بأنه يتبع ما تمليه عليه بصيرته وحكمه فإنه في الواقع يطيع مشيئة سلطان الظلمة . ولكن يهوشوه قد أتى ليحطم أصفاد عبودية الخطية عن النفس . "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" (يوحنا 8: 36) . "لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمسيا يهوشوه قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ" (رومية 8: 2) .

في عمل الفداء ليس إرغام ، ولا تستخدم أية قوة خارجية . فتحت تأثير روح يهوه تترك للإنسان الحرية ليختار السيد الذي سيخدمه . وفي التغيير الذي يحدث عندما تسلم النفس إرادتها للمسيا هناك أسمى معاني الحرية . ثم إن طرد الخطية وطرحها بعيدا هو عمل النفس ذاتها . نعم إنه ليست فينا قوة بها نحرر أنفسنا من سلطان الشيطان ، ولكن الإنسان عندما يرغب في التحرر من الخطية ، وفي حاجتنا العظمى نصرخ في طلب قوة خارجة عنا وأسمى منا فإن قوى النفس تستمد القوة من الروح القدس فنطيع أوامر الإرادة لإتمام إرادة يهوه .

إن الشرط الوحيد الذي بموجبه تصير حرية الإنسان في حيز الإمكان هو كونه يصير واحدا مع المسيا . "الْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" ، والمسيا هو الحق . إن الخطية يمكنها أن تنتصر فقط بإضعاف العقل وملاشاة حرية النفس . ولكن الخضوع ليهوه هو إرجاع الإنسان لنفسه- لمجد الإنسان وكرامته الحقيقيين . إننا نُحاكم "بِنَامُوسِ الْحُرِّيَّةِ" ولهذا الناموس يجب أن نخضع ، لأنه يتضمن الشريعة الإلهية (يعقوب 2: 12) .

أولاد إبراهيم

لقد أعلن الفريسيون انهم أولاد ابراهيم . ولكن يهوشوه أخبرهم أن هذا الادعاء لا يمكن تأييده ما لم يعملوا أعمال ابراهيم . إن أولاد ابراهيم الحقيقيين لابد أن يعيشوا كما عاش هو حياة الطاعة ليهوه . وطبعا لا يحاولون اغتيال ذاك الذي كان يتكلم بالحق الذي تسلمه من يهوه . إن معلمي إسرائيل بتآمرهم على المسيا لم يكونوا يعملون أعمال ابراهيم . ومجرد كونهم من نسل إبراهيم كان أمرا عديم القيمة إذا لم تكن له صلة روحية به ، تلك الصلة التي تظهر في امتلاك نفس روحه ومباشرة نفس أعماله وإلا فليسوا من أولاده .

هذا المبدأ يتساوى في وزنه وقيمته مع مسألة أربكت العالم المسيحي مدة طويلة- وهي مشكلة الخلافة الرسولة . إن التناسل من إبراهيم لم يكن يتبرهن بالاسم والسلالة ، بل بالتشابه في الصفات . وكذلك الخلافة الرسولية لا تستند على نقل السلطة الإكليريكية ، بل على الصلة الروحية . إن الحياة التي تحركها روح الرسل والعقائد وتعاليم الحق التي علموها للناس- هذا هو البرهان الحقيقي على الخلافة الرسولية . هذا هو الذي يقيم الناس لكي يكونوا خلفاء رسل الإنجيل الإلهي .

أنكر يهوشوه ادعاء اليهود بأنهم أولاد إبراهيم فقال لهم: "أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ أَبِيكُمْ" . فأجابوه في سخرية قائلين: "إِنَّنَا لَمْ نُولَدْ مِنْ زِنًا . لَنَا أَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ يهوه" (يوحنا 8: 41) . هذا الكلام الذي يلمح إلى ظروف ولادة يهوشوه كان المقصود منه أن يكون طعنة موجهة إليه أمام أولئك الذين بدأوا يؤمنون به . ولم يلق يهوشوه بالا إلى ذلك التلميح الدنيء بل قال لهم: "لَوْ كَانَ يهوه أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي ، لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ يهوه وَأَتَيْتُ" (يوحنا 8: 42) .

لقد شهدت أعمالهم على صلتهم بذاك الذي كان كذابا وقتالا للناس . قال لهم يهوشوه: "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا . ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ . وَأَمَّا أَنَا فَلأَنِّي أَقُولُ الْحَقَّ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي"  (يوحنا 8: 44، 45) . إن حقيقة كون يهوشوه قد نطق بالحق بكل يقين كانت هي سبب عدم قبول رؤساء اليهود له . فالحق هو الذي أغضب أولئك الرجال الأبرار في أعين أنفسهم . لقد فضح الحق مغالطة الخطإ وسفسطته ، كما دان تعاليمهم وأعمالهم ، ولم يكن مقبولا لديهم . كانوا يفضلون أن يغمضوا عيونهم لكي لا يروا الحق على أن يتواضعوا معترفين بأنهم على خطإ . إنهم لم يحبوا الحق ولا رغبوا فيه حتى مع علمهم بأنه الحق .

حكم المرء على نفسه

"مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؟" (يوحنا 8: 46) . إن أعداء المسيا ظلوا يتعقبونه يوما فيوما مدة ثلاث سنين ليلا ونهارا محاولين أن يجدوا لطخة واحدة في حياته . وحاول الشيطان وكل حلفاء الشر طويلا أن ينتصروا عليه ولكنهم لم يجدوا شيئا في حياته يمكنهم الاستفادة منه . بل حتى الشياطين نفسها كانت مضطرة لأن تعترف قائلة: "أَنْتَ: قُدُّوسُ يهوه!"(مرقس 1: 24) . لقد عاش يهوشوه بموجب الشريعة أمام السماء وأمام العوالم غير الساقطة وأمام الناس الخطاة . فأمام الملائكة والناس والشياطين تكلم كلاما لم يراجعه فيه أحد ، كلاما لو تكلم به أي إنسان آخر كان يعتبر مجدفا إذ قال: "أَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ" (يوحنا 8: 29) .

إن حقيقة كون اليهود لم يقبلوا يهوشوه مع أنهم لم يستطيعوا أن يجدوا فيه علة واحدة أو خطية واحدة برهنت على أنهم هم أنفسهم لم تكن لهم أية صلة بيهوه . لم يستطيعوا أن يميزوا صوته في رسالة ابنه ، فكانوا يظنون أنهم يحكمون على المسيا ولكنهم برفضهم إياه حكموا على أنفسهم "اَلَّذِي مِنَ يهوه يَسْمَعُ كَلاَمَ يهوه . لِذلِكَ أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَسْمَعُونَ ، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ يهوه" (يوحنا 8: 47) .

إن هذا الدرس ينطبق على كل العصور . كثيرا ما يحدث أن إنسانا ممن يسرون بالمماحكة والانتقاد يطلب ما يساعده على التساؤل والشك في كلمة يهوه . مثل هذا الرجل يظن أنه بهذا يقدم البرهان على استقلاله بالتفكير وعلى حدة ذكائه العقلي ، ويظن أنه يصدر حكمه على الكتاب المقدس . والحقيقة هي أنه إنما يحكم على نفسه . وهو بهذا يبرهن على عدم أهليته لتقدير الحقائق التي تصدرها السماء وتتناول الأبدية . إن نفسه لا تخشع أمام بر يهوه وجلاله العظيم . وهو يشغل نفسه في جمع الحصي والهشيم ، وبهذا يكشف عن طبيعته الأرضية الضيقة وقلبه يفقد مقدرته بسرعة على إدراك أمور يهوه . أما الذي استجاب قلبه للمسة يهوه فسيطلب ما يزيد معرفته ليهوه وما يمحص الخلق ويسمو به . فكما أن الزهرة تتجه نحو الشمس حتى تلمس أشعتها (تلك الزهرة) بألوان الجمال كذلك تتجه النفس إلى شمس البر حـتى تجمِّل أنوار السماء الخلق بجمال صفات المسيا .

دروس من حياة إبراهيم

وقد استطرد يهوشوه فأورد مباينة لاذعة بين مركز اليهود ومركز إبراهيم فقال لهم:  "أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ" (يوحنا 8: 56) .

لقد تاق إبراهيم لرؤية المخلص الموعود به فقدم صلاة غاية في الحرارة حتى يرى مسيا قبل موته . فرأى المسيا . لقد أُعطِي له نور فائق الطبيعة فاعترف بألوهية المسيا . لقد رأى يومه وفرح ، كما أعطيت له فكرة عن كفارة يهوه عن الخطية . وبالنسبة إلى هذه الذبيحة كان له مثال من واقع اختباره . لقد جاءه أمر من يهوه يقول له: "خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ ، الَّذِي تُحِبُّهُ ، إِسْحَاقَ . وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ" (تكوين 22: 2) . فعلى مذبح المحرقة قدم ابن الموعد الذي فيه تركزت كل آماله وانتظاراته . وإذ كان واقفا منتظرا أمام المذبح وقد رفع السكين بيده ليذبح ابنه إطاعة لأمر يهوه سمع صوتا من السماء قائلا له: "لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا ، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ يهوه ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي"(تكوين 22: 12) . فهذه التجربة الهائلة جرب بها إبراهيم حتى يرى يوم المسيا ، ويتحقق من محبة يهوه الفائقة للعالم ، محبة بلغت درجة بذل ابنه الوحيد ليقاسي موتا مشينا وذلك من أجل رفع العالم من الانحطاط .

تعلم إبراهيم من يهوه أعظم درس يمكن أن يتعلمه إنسان . وقد أجيبت صلاته التي طلب فيها أن يرى المسيا . فلقد رأى المسيا ، رأى كل ما يمكن أن تراه عين إنسان ويعيش . فإذ خضع ليهوه خضوعا كاملا أمكنه أن يفهم رؤيا المسيا التي أعطيت له . لقد أراه يهوه أنه في بذله أبنه الوحيد ليخلص الخطاة من الهلاك الأبدي أقدم على تضحية أعظم وأعجب من كل ما يمكن أن يقدم عليه أي إنسان .

لقد جاء اختبار إبراهيم جوابا على هذا السؤال: "بِمَ أَتَقَدَّمُ إِلَى يهوه وَأَنْحَنِي لِلإِلهِ الْعَلِيِّ؟ هَلْ أَتَقَدَّمُ بِمُحْرَقَاتٍ ، بِعُجُول أَبْنَاءِ سَنَةٍ؟ هَلْ يُسَرُّ يهوه بِأُلُوفِ الْكِبَاشِ ، بِرِبَوَاتِ أَنْهَارِ زَيْتٍ؟ هَلْ أُعْطِي بِكْرِي عَنْ مَعْصِيَتِي ، ثَمَرَةَ جَسَدِي عَنْ خَطِيَّةِ نَفْسِي؟" (ميخا 6: 6، 7) . في كلام إبراهيم عندما قال لابنه: "يهوه يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي" (تكوين 22: 8) ، وفي تدبير يهوه للذبيحة عوضا عن اسحق أعلن أنه لا يمكن لإنسان أن يقدم كفارة عن نفسه . إن نظام الذبائح عند الأمم لم يكن مقبولا لدى يهوه ، ولم يكن لأي إنسان أن يقدم ابنه أو ابنته ذبيحة خطية . ولكن ابن يهوه وحده هو الذي يستطيع أن يحمل خطية العالم .

استطاع إبراهيم عن طريق آلامه أن يرى مهمة المخلص المضحية ، ولكن إسرائيل لم يفهموا ما كانت تنفر منه قلوبهم المتكبرة . إن كلام المسيا عن إبراهيم لم يكن له معنى عميق في نظر سامعيه ، ولم يرَ الفريسيون فيه إلا أساسا جديدا للمماحكة ، فجاوبوه في سخرية وكأنهم يبرهنون على أن يهوشوه إنسان مجنون قائلين: "لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ ، أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟" (يوحنا 8: 58) .

فبعظمة وجلال مقدس أجابهم يهوشوه قائلا: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ" (يوحنا 8: 58) .

استولى الصمت على ذلك الجمع الغفير . فها هو المعلم الجليلي يطلق على نفسه اسم يهوه المعطى لموسى للتعبير عن فكرة وجود يهوه السرمدي ، وها هو يعلن عن نفسه أنه الإله القيوم والموعود به لإسرائيل الذي "مَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ" (ميخا 5: 2) .

ومرة أخرى صاح الكهنة والمعلمون ضد يهوشوه كمن يجدف . إن ادعاءه السابق أنه واحد مع يهوه كان قد أثارهم حتى حاولوا أن يقضوا عليه بالموت ، وبعد ذلك بأشهر قليلة قالوا له بصراحة: "لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا" (يوحنا 10: 33) . فلأنه كان ابن يهوه وجاهر بذلك صمموا على إهلاكه . وقد انحاز كثيرون من الشعب إلى الكهنة والمعلمين ورفعوا حجارة ليرجموه . "أَمَّا يهوشوه فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازًا فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هكَذَا" (يوحنا 8: 59) .

كان النور يضيء في الظلمة ، "وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ" (يوحنا 1: 5) .

تزييف الحق

"وَفِيمَا هُوَ (يهوشوه) مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَانًا أَعْمَى مُنْذُ وِلاَدَتِهِ ، فَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ:«يَا مُعَلِّمُ ، مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟» . أَجَابَ يهوشوه:«لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ يهوه فِيهِ . يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ . يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ . مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ» . قَالَ هذَا وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى . وَقَالَ لَهُ: «اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: مُرْسَلٌ ، فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيرًا" (يوحنا 9: 1- 7) .

كان هنالك اعتقاد سائد بين اليهود أن الخطية تعاقب في هذه الحياة . فكل تجربة أو بلية كانت تعتبر قصاصا لعمل خاطئ شرير ارتكبه إما المتألم نفسه أو أبواه . نعم إن كل ألم هو نتيجة التعدي على شريعة يهوه . ولكن هذا الحق قد أفسد وحرف . إن الشيطان الذي هو أصل كل خطية والمتسبب في كل عواقبها ساق الناس إلى أن ينظروا إلى الأمراض والموت على أنها صادرة من يهوه- كقصاص استبدادي تعسفي يحل بالإنسان عقابا للخطية . ولذلك فالإنسان الذي تحيق به تجربة أو كارثة عظيمة كان يقع تحت عبء إضافي وهو أنه يعتبر خاطئا عظيما .

وهكذا صار الطريق معبدا أمام اليهود لرفض يهوشوه . فالذي حمل "أَحْزَانَنَا ... وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا"حسبه اليهود "مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ يهوه وَمَذْلُولاً" فستروا وجوههم عنه (إشعياء 53: 3, 4) .

أعطى يهوه للناس درسا كان القصد منه أن يلاشي هذا الاعتقاد . فلقد برهن تاريخ أيوب على أن الآلام والضيقات تحل بالناس نتيجة لعمل الشيطان ولكن يهوه يسيطر عليها لأغراض رحيمة . غير أن بني إسرائيل لم يفهموا هذا الدرس . فنفس الغلطة التي وبخ يهوه عليها أصحاب أيوب كررها اليهود حين رفضوا المسيا .

إن اعتقاد اليهود الخاص بارتباط الآلام بالخطية كان هو الاعتقاد الذي رسخ في عقول تلاميذ المسيا . وفي حين أصلح يهوشوه خطأهم لم يوضح لهم أسباب البلية التي حلت بالأعمى بل أخبرهم بنتائجها إذ بسبب تلك البلية ستظهر أعمال يهوه . ثم قال لهم: "مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ" (يوحنا 9: 5) . وبعدما طلى بالطين عيني الأعمى أرسله إلى بركة سلوام ليغتسل فاستعاد الرجل بصره . وبهذا أجاب يهوشوه عن سؤال التلاميذ بطريقة عملية ، كما اعتاد أن يجيب عن الأسئلة المقدمة إليه بدافع الفضول . إن التلاميذ لم يطلب منهم أن يتناقشوا في السؤال عمن قد أخطأ أو من لم يخطئ بل أن يفهموا ويدركوا قدرة يهوه ورحمته في إعطاء البصر للأعمى . كان واضحا أن الطين لم تكن فيه قوة شافية ولا في البركة التي أرسل الأعمى ليغتسل فيها ولكن القوة الشافية كانت في المسيا نفسه .

أيقدر خاطئ أن يصنع معجزات كهذه؟

لم يسع الفريسيين إلاّ أن يندهشوا من معجزة الشفاء هذه ، ومع ذلك فقد زادوا بغضا له أكثر مما في أي وقت مضى لأن المعجزة أجريت في يوم السبت.

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس يوم السبت الحالي (Saturday).  يجب أيضاً الأخذ في الاعتبار أنّ السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الغريغوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائماً في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر قمري، الأمر الذي لا يستطيع أن ينجزه أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.

سأل جيران ذلك الأعمى والذين كانوا يعرفونه وهو أعمى: "أَلَيْسَ هذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ وَيَسْتَعْطِي؟" (يوحنا 9: 8) . نظروا إليه بارتياب لأنه عندما فتحت عيناه تغيرت هيئة وجهه الذي اكتسى تألقا وسرورا وتراءى لهم كأنه إنسان آخر . وتناقلت الألسنة ذلك السؤال . فقال بعضهم: "هذَا هُوَ" وآخرون قالوا: "إِنَّهُ يُشْبِهُهُ" وأما الذي نال البركة العظيمة فقد أنهى كل تساؤل إذ قال: "إِنِّي أَنَا هُوَ" ، وبعد ذلك أخبرهم عن يهوشوه وكيف منحه الشفاء . فلما سألوه قائلين: "أَيْنَ ذَاكَ؟" قال: "لاَ أَعْلَمُ" (يوحنا 9: 9- 12) .

وبعد ذلك أتوا به إلى مجمع الفريسيين ومرة أخرى سئل كيف أبصر . "فَقَالَ لَهُمْ: «وَضَعَ طِينًا عَلَى عَيْنَيَّ وَاغْتَسَلْتُ ، فَأَنَا أُبْصِرُ» . فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ:«هذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ يهوه ، لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ»" (يوحنا 9: 15, 16) . كان الفريسيون يريدون أن يخرجوا اسم يهوشوه كشرير ويترتب على ذلك أنه ليس مسيا . لم يعرفوا أن ذاك الذي وضع السبت وعرف كل مطاليبه هو الذي شفى الأعمى لقد بدا عليهم أنهم يغارون جدا على كرامة السبت ومع ذلك ففي نفس ذلك اليوم كانوا يتآمرون لارتكاب جريمة قتل . ولكن الكثيرون تأثروا بشدة لدى سماعهم نبأ تلك المعجزة واقتنعوا بأن من قد فتح عيني الأعمى هو أكثر من إنسان عادي . وجوابا على اتهام يهوشوه بأنه خاطئ لأنه لم يحفظ السبت قالوا: "كَيْفَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ خَاطِئٌ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هذِهِ الآيَاتِ؟" (يوحنا 9: 16) .

ومرة أخرى سأل المعلمون الرجل الذي كان قبلا أعمى قائلين: "مَاذَا تَقُولُ أَنْتَ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟" (يوحنا 9: 17) . وقد زعم الفريسيون حينئذ أنه لم يكن أعمى فأبصر فاستدعوا أبويه وسألوهما قائلين: "أَهذَا ابْنُكُمَا الَّذِي تَقُولاَنِ إِنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى؟ فَكَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ؟" (يوحنا 9: 19) . ولكن كان هنالك الرجل نفسه الذي كان يعلن أنه كان أعمى وقد ارتد بصيرا غير أن الفريسيين كانوا يفضلون إنكار برهان حواسهم على الاعتراف بخطئهم . إن التعصب قوي جدا وبر الفريسيين هو الاعوجاج نفسه .

"وَالآنَ أُبْصِرُ"

لم يبق أمام الفريسيين غير أمل واحد وهو إلقاء الرعب في قلب أبوي ذلك الشاب . فبإخلاص مصطنع سألوهما قائلين: "فَكَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ؟" وكان ذانك الأبوان يخشيان من تعريض نفسيهما للخطر ، لأنه قد أُعلن أنه إن اعترف أحدٌ بيهوشوه المسيا "يُخْرَجُ مِنَ الْمَجْمَعِ" أي يطرد من المجمع لمدة ثلاثين يوما . وفي خلال مدة العقوبة هذه لم يكن يسمح بختان طفل أو النوح على ميت في بيت الشخص المذنب . وكان هذا الحكم معتبرا كارثة عظيمة . وإذا لم ينتج عنه رجوع أو توبة فستتلوه عقوبة أعظم جدا . إن المعجزة التي حدثت لذلك الأعمى أقنعت أبويه ، ولكنهما مع ذلك أجابا قائلين: "نَعْلَمُ أَنَّ هذَا ابْنُنَا ، وَأَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى . وَأَمَّا كَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ فَلاَ نَعْلَمُ . أَوْ مَنْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَلاَ نَعْلَمُ . هُوَ كَامِلُ السِّنِّ . اسْأَلُوهُ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَنْ نَفْسِهِ" (يوحنا 9: 20, 21) . لقد تملصا من المسؤولية وألقياها كلها على ابنهما لأنهما لم يجسرا على الاعتراف بالمسيا .

إن الورطة التي وقع فيها جماعة الفريسيين وتشككهم وتعصبهم وعدم إيمانهم بالحقائق الواضحة في تلك القضية ، كل ذلك فتح عيون جماهير الشعب وعلى الخصوص عامتهم . إن يهوشوه كثيرا ما كان يصنع عجائبه علنا في الشوارع ، وكانت دوما لتخفيف آلام المتألمين . والسؤال الذي كان ماثلا في أذهان كثيرين هو هذا: هل يمكن أن صنع يهوه هذه المعجزات والقوات على يدي إنسان محتال كما أصر الفريسيون في اعتقادهم عن يهوشوه؟ وقد بدأت الحرب تشتد ويحمى وطيسها بين الفريقين .

رأى الفريسيون أنهم بتصرفهم كانوا يروجون للعمل الذي عمله يهوشوه . إنهم لم يستطيعوا إنكار المعجزة . لقد كان قلب الأعمى مفعما بالفرح وفائضا بالشكر . ها هو الآن يرى لأول مره عجائب الطبيعة فيمتلئ قلبه سرورا وهو يرى جمال الأرض والسماء . وها هو بكل حرية يحكي اختباره . وهنا يحاول الرؤساء مرة أخرى أن يسكتوه بقولهم له: "أَعْطِ مَجْدًا ليهوه . نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هذَا الإِنْسَانَ خَاطِئٌ" (يوحنا 9: 24) . وكأنما هم يقولون له: لا تعد تقول أن هذا الإنسان قد منحك البصر ، فإن يهوه هو الذي فعل ذلك .

فأجابهم الأعمى قائلا: "أَخَاطِئٌ هُوَ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ . إِنَّمَا أَعْلَمُ شَيْئًا وَاحِدًا: أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ" (يوحنا 9: 25) .

الكهنة يقعون في الفخ

فعادوا يستجوبونه قائلين: "مَاذَا صَنَعَ بِكَ؟ كَيْفَ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟" . جعلوا يمطرونه بأسئلتهم لعلهم يربكونه فيحسب نفسه قد خدع . وكان الشيطان وأعوانه من الأبالسة منحازين إلى الفريسيين . وقد وحّدوا كل جهودهم وخبثهم من المحاباة البشرية لكي يبطلوا مفعول تأثير المسيا . لقد أضعفوا الاقتناع الذي كان متأصلا في عقول الكثيرين . كما أن ملائكة يهوه كانوا هم أيضاً في ميدان القتال لتشديد عزيمة الذي أبصر .

كان الفريسيون موقنين أنهم لا يتعاملون مع أي واحد غير ذلك الرجل الجاهل المولود أعمى ، و لم يعرفوا ذاك الذي كانوا يناصبونه العداء . لقد أشرق النور الإلهي في مخادع نفس الرجل المولود أعمى ، وإذ حاول هؤلاء المنافقون أن يشككوه فيما قاله ويجعلوه ينكره فقد أعانه يهوه على أن يبرهن بقوة إجاباته السديدة على إنه لا يمكن أن يؤخذ في أشراكهم . فأجابهم بقوله: "قَدْ قُلْتُ لَكُمْ وَلَمْ تَسْمَعُوا . لِمَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تَسْمَعُوا أَيْضًا؟ أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَصِيرُوا لَهُ تَلاَمِيذَ؟" (يوحنا 9: 27- 29) .

لقد عرف السيَد يهوشوه المحنة التي كان يجتاز فيها ذلك الرجل فأعطاه نعمة وكلاما بحيث صار شاهدا للمسيا . لقد كانت إجاباته توبيخا جارحا لمستجوبيه . لقد كانوا يدَّعون أنهم مفسرو كلمة يهوه وقادة الأمة الدينيون ، ومع ذلك فها واحد يصنع المعجزات ومع ذلك كانوا يجهلون جهلا قاطعا مصدر قوته وكل ما يتعلق بصفاته وتصريحاته . قال لهم الرجل: "إِنَّ فِي هذَا عَجَبًا! إِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ هُوَ ، وَقَدْ فَتَحَ عَيْنَيَّ . وَنَعْلَمُ أَنَّ يهوه لاَ يَسْمَعُ لِلْخُطَاةِ . وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَّقِي يهوه وَيَفْعَلُ مَشِيئَتَهُ ، فَلِهذَا يَسْمَعُ . مُنْذُ الدَّهْرِ لَمْ يُسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا فَتَحَ عَيْنَيْ مَوْلُودٍ أَعْمَى لَوْ لَمْ يَكُنْ هذَا مِنَ يهوه لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا" (يوحنا 9: 30- 33).

لقد واجه الرجل مستجوبيه في ميدانهم ولم يستطيعوا الإجابة على حججه ، بل ذهل أولئك الفريسيون وسكتوا- لقد أبكمهم الذهول أمام كلامه الموجه القاطع الثابت . نعم صمتوا لمدى لحظات قصيرة ومن ثم لمَّ الكهنة والمعلمون العابسون أطراف ثيابهم كأنما كانوا يخشون من أن تصيبهم عدوى ذلك الرجل ونفضوا غبار أرجلهم وجعلوا يقذفونه بوابل من شتائمهم قائلين له: "«فِي الْخَطَايَا وُلِدْتَ أَنْتَ بِجُمْلَتِكَ ، وَأَنْتَ تُعَلِّمُنَا!» فَأَخْرَجُوهُ خَارِجًا" (حرموه) (يوحنا 9: 34).

فسمع يهوشوه بكل ما حدث ، وإذ وجد الرجل بعد قليل قال له: "أَتُؤْمِنُ بِابْنِ يهوه؟" (يوحنا 9: 35).

واهب النور

فلأول مرة شخص الرجل في وجه من قد شفاه . إنه إذ كان واقفا يحاكم أمام مجمع الفريسيين رأى أبويه مضطربين ومرتبكين ، وكان ينظر إلى وجوه المعلمين العابسة . أما الآن فها هو يرى وجه يهوشوه المحب الذي يتجلى فيه السلام . لقد سبق له أن اعترف بأنه مرسل من السماء ومزود بسلطان إلهي وإن كان ذلك قد كلفه ثمنا غاليا . أما الآن فها هو يتلقى إعلان أسمى .

فإذ سأله المخلص قائلا: "أَتُؤْمِنُ بِابْنِ يهوه؟" أجابة الأعمى على سؤاله بسؤال آخر قائلا: "مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟" فأجابه يهوشوه بقوله: "قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!" (يوحنا 9: 35- 37) . فخر الرجل عند قدمي المسيا وسجد له . ففضلا عن كون الرجل عاد بصيرا فقد فتحت عين ذهنه وفهمه . لقد أعلن المسيا لنفس ذاك الرجل فقبله كمن هو مرسل من قبل يهوه .

وكان جمع من الفريسيين مجتمعين هناك ، فإذ رآهم يهوشوه ارتسم في ذهنه التباين الدائم الوضوح كنتيجة لأقواله وأعماله . فقال: "لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ ، حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ" (يوحنا 9: 39) . أتى يهوشوه ليفتح أعين العميان ولينير على الجالسين في الظلمة . لقد أعلن نفسه أنه نور العالم ، وكانت المعجزة التي أجريت حينئذٍ خير شاهد على صدق رسالته . إن من قد رأوا المخلص في مجيئه ، كان لهم امتياز الإعلان الأكمل عن الحضور الإلهي أكثر مما قد تمتع ببر العالم من قبل . لقد أعلنت معرفة يهوه كمال أزيد ، ولكن في نفس هذا الإعلان قضى بالدينونة على الناس إذ اختبرت أخلاقهم وتقرر مصيرهم .

إن إعلان القوة الإلهية التي منحت للأعمى بصرا طبيعيا وروحيا . ذلك الإعلان ترك الفريسيين في ظلمة أشد ادلهماماً . وإذ أحس بعض السامعين أن كلام المسيا ينطبق عليهم سألوه قائلين: "أَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَيْضًا عُمْيَانٌ؟" فأجابهم يهوشوه: "لَوْ كُنْتُمْ عُمْيَانًا لَمَا كَانَتْ لَكُمْ خَطِيَّةٌ" ، أي لو كان يهوه قد جعل من المستحيل عليكم أن تروا الحق لما كان ينطوي على جهلكم خطية ، "وَلكِنِ الآنَ تَقُولُونَ إِنَّنَا نُبْصِرُ" . أنتم تعتقدون أنكم قادرون على أن تبصروا ولكنكم ترفضون الوسيلة التي بها دون سواها يمكنكم الحصول على البصر . لقد أتى المسيا بمعونة غير محدودة لكل من يعرفون حاجتهم ويحسون ويعترفون بها . أما الفريسيون فلم يعترفوا بحاجة إلى شيء . ولذلك رفضوا الإتيان إلى المسيا فتُرِكوا في عماهم- العمى الذي تقع عليهم وحدهم تبعته . فقال لهم يهوشوه: "خَطِيَّتُكُمْ بَاقِيَةٌ" (يوحنا 9: 40, 41).   

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App