8. الرحيل عن الجليل لآخر مرة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

حدث تغيير في الأسلوب الذي اتبعه المسيا في العمل عندما أوشكت خدمته على الانتهاء . كان إلى ذلك الحين يتجنب الدعاية والشهرة . لقد رفض الولاء الذي قدمه له الشعب وكان ينتقل بسرعة من مكان إلى آخر عندما التهبت قلوب الشعب حماسة له بحيث لم يستطيعوا السيطرة على عواطفهم . ومرارا كثيرة كان يأمر الناس ألاّ يعلنوا عنه أنه هو المسيا .

عندما حل ميعاد عيد المظال سافر إلى أورشليم بسرعة وبدون أن يعلم أحد . وحين ألح عليه إخوته أن يعلن على رؤوس الملإ أنه مسيا أجابهم قائلا: "إِنَّ وَقْتِي لَمْ يَحْضُرْ بَعْدُ" (يوحنا 7: 6) . سافر إلى أورشليم دون أن يلاحظ الناس ذلك ، ودخل المدينة دون أن يعلن أحد خبر قدومه ودون أن يقدم له الشعب الإكرام اللائق به . ولكن رحلته الأخيرة كانت تختلف عن سابقاتها . لقد ترك أورشليم بعض الوقت بسبب حقد الكهنة . أما الآن فها هو يعود بطريقة أشد ما تكون علنية جهارية سائرا في طريق دائري ، يتقدمه رسل ليعلنوا عن مجيئه ، الأمر الذي لم يسبق له أن فعله . كان يتقدم إلى مشهد كفارته العظيم الذي كان ينبغي أن تتجه إليه انظار الناس جميعهم .

"وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ" (يوحنا 3: 14) . فكما اتجهت أنظار كل شعب إسرائيل إلى الحية المرفوعة التي كانت هي الرمز المعين من يهوه لشفائهم ، كذلك ينبغي أن تتجه كل الأنظار إلى المسيا الذي هو الذبيحة التي أتت بالخلاص للعالم الهالك .

إن ما دعا إخوة يهوشوه إلى أن يلحوا عليه في إعلان نفسه للناس في عيد المظال كان فهمهم المخطئ لعمل مسيا وعدم إيمانهم بألوهيته . وفي روح قريبة الشبه بهذه حاول التلاميذ منع السيد من السفر إلى أورشليم . لقد ذكروا كلامه الذي قاله عما سيحدث له هناك ، وعرفوا العداء الرهيب الذي يضمره له الرؤساء الدينيون ولذلك حاولوا إقناعه بالعدول عن السفر إلى هناك .

يهوشوه ينطلق إلى أورشليم

كان أمراً مريراً على قلب المسيا أن يتقدم إلى الأمام غير عابئ بالمخاوف أو الخيبة أو عدم الإيمان التي كانت تكتنف تلاميذه المحبوبين . وكان أمراً شاقا جدا عليه أن يسير في طليعتهم إلى الأمام حيث الأحزان والآلام التي كانت تنتظرهم في أورشليم . كان الشيطان قريبا ليمطر ابن الإنسان بوابل من تجاربه- لماذا يذهب الآن إلى أورشليم حيث يلاقي الموت المحقق؟ لقد كانت حوله في كل مكان نفوس جائعة إلى خبز الحياة . وفي كل مكان كان أناس متألمون ومعذبون ينتظرون أن ينالوا منه الشفاء . إن العمل الذي كان يجب أن يتم بواسطة إنجيل نعمته كان في أول مراحله ، كما أنه هو كان في ملء نشاط رجولته . فلماذا لا يذهب إلى حقول العالم الواسعة حاملا رسالة نعمته ومقدما بلمسته الشفاء للمرضى؟ ولماذا لا يتمتع بفرح إيصال النور والسعادة إلى ملايين الناس الجالسين في كورة الظلام والأحزان؟ ولماذا يترك جمع الحصاد لتلاميذه الضعفاء في الإيمان المتباطئين في الفهم والمتلكئين في العمل؟ ولماذا يواجه الموت الآن تاركا العمل في بدئه؟ إن العدو الذي نازل المسيا في البرية نراه يحاربه هنا بتجاربه القوية الماكرة . فلو أذعن له يهوشوه لحظة واحدة ، أو غيَّر اتجاهه في أقل شيء لينجي نفسه لانتصر أعوان الشيطان وهلك العالم .

ولكن يهوشوه "ثَبَّتَ وَجْهَهُ لِيَنْطَلِقَ إِلَى أُورُشَلِيمَ" (لوقا 9: 51) . إن قانون حياته الوحيد هو مشيئة الآب . فإنه عندما زار الهيكل في صباه قال لمريم: "أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟" (لوقا 2: 49) . وإذ كان في قانا وهو في العرس إذ كانت مريم تتوق إلى أن يظهر قدرته المعجزية قال لها: "لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ" (يوحنا 2: 4) . وقد أجاب على إلحاح إخوته عليه في الذهاب إلى العيد بنفس أسلوب الكلام . ولكن في تدبير يهوه العظيم كانت قد حددت الساعة التي فيها يبذل نفسه لأجل خطايا الناس ، وكانت تلك الساعة قريبة . إنه لم يفشل . كلا ، ولا تردد . وها هو يسير إلى أورشليم حيث ظل أعداؤه يتآمرون طويلا على قتله ، وبعد قليل سيضع حياته . لقد ثبّت وجهه لينطلق إلى حيث الاضطهاد والإنكار والرفض والإدانة والموت .

السامريون يرفضونه

"وَأَرْسَلَ أَمَامَ وَجْهِهِ رُسُلاً ، فَذَهَبُوا وَدَخَلُوا قَرْيَةً لِلسَّامِرِيِّينَ حَتَّى يُعِدُّوا لَهُ"(لوقا 9: 51) . ولكن أهل تلك القرية رفضوا قبوله لأن وجهه كان متجها إلى أورشليم . وقد فسّروا هذا على أن المسيا يفضل عليهم اليهود الذين كان السامريون يبغضونهم بغضة مريرة . فلو أنه جاء لكي يبني لهم الهيكل على جبل جرزيم ويعيد إليه العبادة لقبلوه بكل سرور ، ولكنه كان منطلقا إلى أورشليم فرفضوا إكرامه والترحيب به . ولم يكونوا يدرون أنهم بهذا التصرف قد ردوا عن أبوابهم أثمن هبة يمكن أن تقدمها السماء لبني الإنسان . لقد دعا يهوشوه الناس لقبوله وطلب منهم معروفا حتى يمكنه الاقتراب منهم ليقدم لهم أثمن البركات . فكل معروف أسدي إليه منح صاحبه أثمن النعم وأغناها . ولكن السامريين خسروا كل شيء بسبب تحاملهم وتعصبهم .

اغتاظ يعقوب ويوحنا رسولا المسيا أشد الغيظ من جراء الإهانة التي لحقت بسيدهما . فامتلأا غضبا لأن أولئك السامريين عاملوه بمثل ذلك الجفاء وتلك القسوة ، مع أنه كان قد أكرمهم بمجيئه إليهم . لقد كان ذانك التلميذان مع السيد فوق جبل التجلي منذ عهد قريب ورأياه ممجدا من يهوه ومكرما من موسى وإيليا . فهذه الإهانة من جانب السامريين كان ينبغي ألاّ تمر بدون قصاص رادع- هكذا ظن يعقوب ويوحنا .

فإذ أتيا إلى يهوشوه قصا عليه ما قاله لهما السامريون قائلين له إنهم قد رفضوا حتى قبوله ضيفا ليلة واحدة ، فأحسا بقسوة تلك الإهانة . وإذ رأيا جبل الكرمل على مسافة قريبة حيث كان إيليا قد قتل الأنبياء الكذبة قالا له: "ياسيَد ، أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ ، كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضًا؟" (لوقا 9: 54) . لكنهما اندهشا لأن يهوشوه تألم من كلامهما ، وزاد اندهاشهما عندما سمعاه ينتهرهما قائلا: "لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ ، بَلْ لِيُخَلِّصَ" (لوقا 9: 55, 56) . فمضى إلى قرية أخرى .

ليس من شأن رسالة المسيا أن ترغم الناس على قبوله . إن الشيطان والناس الذين يدينون بمبادئه هم الذين يلجأون إلى القسر والإرغام لإخضاع ضمائر الناس . فالناس المتحالفون مع الملائكة الأشرار يوقعون الآلام على بني جنسهم تحت ستار الغيرة على البر ليجعلوهم يدينون بمبادئهم ، ولكن المسيا يصنع رحمة دائما ويحاول كسب القلوب بمحبته التي يظهرها للناس . إنه لا يسمح بوجود منافس له في القلب ولا يقبل خدمة ناقصة . ولكنه يقبل الخدمة الطوعية وتسليم القلب بمحض الاختيار تحت إلزام المحبة . إنه لا يوجد دليل أنصع يبرهن على أن فينا روح الشيطان أكثر من كوننا نحاول ايذاء وإهلاك كل من لا يشجعوننا في عملنا ومن يتصرفون تصرفا مناقضا لآرائنا .

كل كائن بشري هو ملك ليهوه جسدا ونفسا وروحا . وقد مات المسيا ليفتدي الكل . إنه لا يوجد شيء أكثر اغاظة ليهوه من أن يحاول الناس ، مدفوعين بدافع التعصب الديني ، أن يجلبوا الآلام والمتاعب على أولئك اللذين افتداهم المخلص بدمه .

إرسال السبعين

"وَقَامَ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ إِلَى تُخُومِ الْيَهُودِيَّةِ مِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ . فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ أَيْضًا ، وَكَعَادَتِهِ كَانَ أَيْضًا يُعَلِّمُهُمْ" (مرقس 10: 1) .

قضى المسيا الجانب الأكبر من شهور خدمته في بيرية "فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ" بعيداً عن اليهودية . وفي ذلك المكان تبعته الجموع كما حدث عند بدء خدمته في الجليل كما ردد كثيرا عن تعاليمه السالفة .

وكما أرسل الاثني عشر كذلك عيَّن "سَبْعِينَ آخَرِينَ أَيْضًا ، وَأَرْسَلَهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَمَامَ وَجْهِهِ إِلَى كُلِّ مَدِينَةٍ وَمَوْضِعٍ حَيْثُ كَانَ هُوَ مُزْمِعًا أَنْ يَأْتِيَ" (لوقا 10: 1) . لقد ظل هؤلاء التلاميذ ملازمين ليهوشوه بعض الوقت لكي يتدربوا على القيام بخدمة الملكوت . وحين أرسل التلاميذ الاثنا عشر في حملتهم الأولى المنفصلة كان تلاميذ آخرون يرافقون يهوشوه وهو يجول في بلاد الجليل . وهكذا تمتعوا بامتياز الصحبة الوثيقة معه والتعلم منه مباشرة . أما الآن فقد حان الوقت الذي فيه يخرج هذا العدد الأكبر من التلاميذ في حملة منفصلة .

إن التوجيهات التي قدمها السيد للتلاميذ السبعين كانت قريبة الشبه بتلك التي قدمها للاثني عشر ، إلاّ إنه سمح لهم بزيارة مدن الأمم والسامريين وكان هذا مغايرا لما أوصى به الاثنى عشر . ومع أن السامريين قد رفضوه وطردوه من تخومهم منذ عهد قريب فإن محبته لهم لم تتغير . فلما خرج السبعون باسمه زاروا أول ما زاروا مدن السامرة .

إن زيارة المخلص نفسه للسامرة ، والمثل الذي نطق به بعد ذلك في مدح السامري الصالح ، ومجيء السامري الأبرص ليشكر المسيا الذي شفاه إذ لم يرجع من أولئك العشرة الذين قد شفاهم سواه ليقدم له شكر قلبه- كل هذه الأمور كانت حوادث ذات مغزى في نظر التلاميذ ، فرسخ ذلك الدرس في أذهانهم . وفي وصية المسيا لهم قبيل صعوده ذكر لهم السامرة مع أورشليم واليهودية ضمن الأماكن التي كان عليهم أن يقدموا لها رسالة الإنجيل أولا . وقد أعدتهم تعاليمه لتنفيذ تلك الوصية . فلما ذهبوا باسم لسيدهم إلى بلاد السامرة كان الناس مستعدين لقبولهم والترحيب بهم . كان السامريون قد سمعوا عن كلمات المديح التي نطق بها المسيا وأعمال الرحمة التي عملها مع بعض مواطنيهم ، ورأوا أنه برغم الجفاء الذي عاملوه به كان لا يزال يحبهم وبذلك كسب قلوبهم . وبعد صعود المسيا رحب السامريون برسله فجمع التلاميذ حصادا ثمينا للنفوس من بين أولئك الذين كانوا قبلا ألد أعدائهم: "قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ . إِلَى الأَمَانِ يُخْرِجُ الْحَقَّ" ، "وَعَلَى اسْمِهِ يَكُونُ رَجَاءُ الأُمَمِ" (إشعياء 42: 3؛ متى 12: 21) .

"وَيْلٌ لَكِ..."

وإذ أرسل يهوشوه تلاميذه السبعين أمرهم كما سبق له أن أمر الاثني عشر ألاّ يفرضوا أنفسهم على من لم يرحبوا بهم فقال: "وَأَيَّةُ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمُوهَا وَلَمْ يَقْبَلُوكُمْ ، فَاخْرُجُوا إِلَى شَوَارِعِهَا وَقُولُوا: حَتَّى الْغُبَارَ الَّذِي لَصِقَ بِنَا مِنْ مَدِينَتِكُمْ نَنْفُضُهُ لَكُمْ . وَلكِنِ اعْلَمُوا هذَا إنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ يهوه" (لوقا 10: 10، 11) . ولكنهم لم يكونوا ليفعلوا ذلك مدفوعين بدافع الغضب أو لأن كبرياءهم قد جرحت ، بل لكي يبرهنوا لهم على شناعة رفضهم لرسالة السيَد ورسله . فإن رفضهم لخدام السيَد هو رفض للسيَد نفسه .

ثم أضاف يهوشوه: "وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَكُونُ لِسَدُومَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً مِمَّا لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ" (لوقا 10: 12) . وبعد ذلك انصرف تفكيره إلى مدن الجليل حيث قضى شطرا طويلا من سني خدمته . فبنغمة حزينة باكية صاح قائلا:  (لوقا"وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ! وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا! لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا ، لَتَابَتَا قَدِيمًا جَالِسَتَيْنِ فِي الْمُسُوحِ وَالرَّمَادِ . وَلكِنَّ صُورَ وَصَيْدَاءَ يَكُونُ لِهُمَا فِي الدِّينِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً مِمَّا لَكُمَا . وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةُ إِلَى السَّمَاءِ! سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ"13:10- 15) .

لقد أغدقت السماء أغنى بركاتها بكل سخاء على تلك المدن المتاخمة لبحر الجليل والمزدحمة بالسكان . ويوما بعد يوم كان رئيس الحياة يدخل ويخرج أمامهم . ومجد يهوه الذي اشتهى ملوك وأنبياء أن يروه أشرق على تلك الجموع التي كانت تتبع المخلص ، ومع ذلك فقد رفضوا هبة السماء .

إن معلمي إسرائيل الذين كانوا يدعون الحكمة حذروا الشعب من قبول التعاليم الجديدة التي كان يكرز بها هذا المعلم الجديد لأن تعاليمه وأعماله كانت مخالفة لما كان يعلم به الآباء . وقد صدق الشعب ما كان يعلم به الكهنة والفريسيون بدلا من أن يحاولوا فهم كلمة يهوه لأنفسهم . كانوا يكرمون الكهنة والرؤساء بدلا من إكرام يهوه ، ورفضوا الحق في سبيل الإبقاء على تقاليدهم . كثيرون تأثروا وكادوا يقتنعون ولكنهم لم يتعرفوا بموجب اقتناعهم ولم يقفوا إلى جانب المسيا . فلقد عرض الشيطان عليهم تجاربه إلى أن بدا النور أمامهم قريب الشبه بالظلام . وهكذا رفض كثيرون الحق الذي كان يمكن أن يخلص نفوسهم .

يقول الشاهد الأمين: "هَأَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ ..." (رؤيا 3: 20) . فكل إنذار أو توبيخ أو توسل في كلمة يهوه أو عن طريق رسله هو قرعة على باب القلب . إنه صوت يهوشوه يطلب الدخول . وفي كل مرة لا يكترث الإنسان فيها للقرع يصير ميله لفتح الباب أضعف مما كان . إن تأثيرات الروح القدس إذا أهملت اليوم لا يكون لها نفس القوة في الغد . والقلب يصبح أقل قبولا للتأثيرات وينزلق إلى حالة عدم المبالاة الخطرة تجاه قصر العمر ، وبمدى الأبدية العظيم . والحكم علينا في يوم الدين لن يكون لأننا كنا مخطئين بل لأننا أهملنا السماء وأضعنا الفرص التي كان يمكننا فيها تعلم الحق .

عدو مهزوم

أعطي التلاميذ السبعون قوة فائقة الطبيعة كختم لرسالتهم كما كانت الحال مع الرسل . فلما أنجزوا عملهم رجعوا بفرح قائلين: "يَاسيَد ، حَتَّى الشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِاسْمِكَ!" فأجابهم يهوشوه قائلا: "رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ" (لوقا 17:10, 18) .

كانت مناظر الماضي والمستقبل ماثلة أمام ذهن يهوشوه . فلقد رأى لوسيفر عندما طرد أولا من المواطن السماوية . كما نظر إلى الأمام إلى مشاهد آلأمه هو عندما ينكشف الستار عن صفات المخادع الأعظم أمام المسكونة كلها . لقد سمع الصرخة القائلة: "قَدْ أُكْمِلَ" (يوحنا 19: 30) معلنة أن فداء جنسنا الساقط صار حقيقة واقعة وثابتة إلى الأبد . وأن السماء صارت بمأمن إلى الأبد من كل الاتهامات والمخادعات والمزاعم التي يثيرها الشيطان ويحرض عليها .

وخلف صليب جلجثة بكل آلامه وعذاباته وعاره نظر يهوشوه إلى الأمام ، إلى اليوم الأخير العظيم عندما يلاقي رئيس سلطان الهواء هلاكه المحتوم في الأرض التي عاث فيها مفسدا أمدا طويلا بتمرده وعصيانه . لقد رأى يهوشوه عمل الشر ينتهي إلى الأبد وسلام يهوه يملأ السماوات والأرض .

كان على أتباع المسيا فيما بعد أن ينظروا إلى الشيطان على أنه عدوٌّ منهزم . وعلى الصليب كان يهوشوه سيحرز النصرة لأجلهم ، فرغب في أنهم يقبلون تلك النصرة على أنها لهم . قال: "هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُوِّ ، وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ" (لوقا 10: 19).

إن قوة الروح القدس القادر على كل شيء هى الحصن الحصين لكل نفس منسحقة . ليس أحد يطلب حماية المسيا بانسحاق وإيمان إلاّ ويحفظه ولا يسمح بوقوعه تحت رحمة العدو . إن المخلص يقف دائما إلى جانب شعبه المجربين . وإذ يكونون تحت حمايته فلن يذوقوا طعم الفشل أو الخسارة أو الهزيمة ، ولن يكون شيء غير ممكن لديهم . إننا نستطيع كل شيء في المسيا الذي يقوينا . فعندما تهاجمك المحن والتجارب لا تنتظر حتى تسوى كل مشكلاتك بل التفت إلى معينك يهوشوه .

هنالك بعض المسيحيين الذين يفكرون ويتكلمون عن قوة الشيطان بكثرة زائدة . إنهم يفكرون في خصمهم ويصلون عنه ويتحدثون عنه حتى يبدو متزايد القوة في تصورهم . نعم إن الشيطان هو كائن قوي ، ولكن شكرا ليهوه فإن لنا مخلصا قديرا استطاع أن يطرد ذلك العدو الشرير من السماء . إن الشيطان يفرح ويسر عندما نُهوِّل ونعظم قوته . ولكن لماذا لا نتحدث عن يهوشوه ، نعظم قدرته ونمجد محبته؟

إن قوس قزح الوعد المحيطة بعرش السماء هي علامة أبدية على أنه "هكَذَا أَحَبَّ يهوه الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنا 3: 16) ، وهي شهادة للكون كله على أن يهوه لن يترك شعبه في نضالهم مع الشر ، وهي اليقين الثابت الذي يضمن لنا القوة والحماية طالما عرش يهوه نفسه باق .

الروح الحقيقي للفرح

ثم أضاف يهوشوه قائلا: "وَلكِنْ لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ ، بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ" (لوقا 10: 20) . لا تفرحوا لكونكم تملكون القوة لئلا تغيب عن أذهانكم حقيقة اعتمادكم على يهوه . احترسوا لئلا يتسلل إلى قلوبكم الاتكال على الذات فتخدمون بقوتكم بدلا من الاتكال على روح سيدكم وقوته . إن الذات هي أبدا مستعدة لأن تنفرد بالمجد والمديح عندما تصيب أي قدر من النجاح . والنفس تنخدع وتتكبر فلا يعود العقل يقتنع بأن يهوه هو الكل في الكل . يقول بولس الرسول: "لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ" (2 كورنثوس 12: 10) . فعندما نكون متحققين من ضعفنا نتعلم الاستناد على قوة ليست فطرية فينا . ليس ما يمكن أن يمسك بالقلب بكل قوة مثل شعورنا الدائم بأننا مسؤولون أمام يهوه . وليس هنالك ما يمكن أن يرسخ في أعماق دوافع تصرفاتنا كالإحساس بمحبة المسيا الغامرة . ينبغي لنا أن نكون على اتصال بيهوه وحينئذ نمتلئ بروحه القدوس الذي يجعلنا قادرين على الاتصال ببني جنسنا . إذاً فافرحوا لأنكم بواسطة المسيا صرتم في صلة مع يهوه وأعضاء في الأسرة السماوية . إنك عندما تنظر إلى ما هو أسمى من نفسك ستشعر شعورا دائما بضعف البشرية . وكلما أقللت من تدليلك للذات ازددت إدراكا واضحا وكاملا لعظمة مخلصك . وكلما كان ارتباطك بمصدر النور والقوة وثيقا كلما زاد النور عليك إشراقا وكلما خدمت يهوه بأكثر قوة . فافرح باتحادك بيهوه وبالمسيا وبكل أسرة السماويين .

وإذ كان السبعون يصغون إلى أقوال المسيا كان الروح القدس يعمق في قلوبهم الاقتناع بالحقائق الحية ويكتب الحق على ألواح قلوبهم . ومع أنهم كانوا محاطين بجماهير الشعب فقد بدأ كأنهم منفردون مع يهوه .

وإذ أدركوا وحي الساعة: "تَهَلَّلَ يهوشوه بِالرُّوحِ وَقَالَ:«أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ ، سيَد السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ . نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ ، لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ ... كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي . وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ الابْنُ إِلاَّ الآبُ ، وَلاَ مَنْ هُوَ الآبُ إِلاَّ الابْنُ ، وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ"(لوقا 21:10, 22) .

عقول مستنيرة

إن شرفاء هذا العالم ومن يدعون عظماء وحكماء بكل حكمتهم التي يفخرون بها لم يستطيعوا أن يدركوا صفة المسيا . لقد حكموا عليه حسب مظهره الخارجي واتضاعه كإنسان . ولكن الصيادين والعشارين هم الذين أُعطِي لهم أن يروا ما لا يُرى . بل حتى التلاميذ أنفسهم لم يستطيعوا أن يفهموا كل ما أراد يهوشوه أن يعلنه لهم . ولكن من حين لآخر عندما أخضعوا أنفسهم لقوة الروح القدس استنارت عقولهم . وتحققوا أن الإله القدير ، متسربلا بثوب البشرية ، كان في وسطهم . فرح يهوشوه لأنه مع كون هذه المعرفة قصرت عن إدراكها عقول الحكماء والفهماء فقد أعلنت لهؤلاء الناس المساكين الوضعاء . ومرارا كثيرة عندما كان يشرح لهم ما جاء في اسفار العهد القديم ويريهم أن ما ورد فيها ينطبق عليه وعلى عمل الكفارة كان روحه يوقظهم ويرفعهم إلى جو سماوي . أما التعاليم الروحية التي نطق بها الأنبياء فقد فهمها التلاميذ فهما أوضح ممن قد كتبوها أصلا . وكانوا بعد ذلك يقرأون أسفار العهد القديم ليس على أنها شبيهة بتعاليم الكتبة والفريسيين ولا كأقوال الحكماء الذين قد واراهم التراب بل كانوا يقرأونها على أنها إعلان جديد من يهوه . لقد شاهدوا ذاك: "الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ" (يوحنا 14: 17) .

إن الطريقة الوحيدة التي بها يمكننا الحصول على مزيد من الإدراك الكامل للحق هي حفظ القلب رقيقا وخاضعا بواسطة روح المسيا . ينبغي أن تتطهر النفس من البطل والكبرياء ومن كل الأشياء التي استعبدتها . كما ينبغي أن يجلس المسيا على عرش النفس . إن المعرفة البشرية محدودة بحيث تقصر عن فهم الكفارة . وإن تدبير الفداء سامٍ جدا وشامل حتى أن الفلسفة يقصر باعها دون الوصول إليه أو إيضاحه . وسيظل إلى الأبد سرا يعجز جبابرة الحقول عن سبر غوره . إن علم الخلاص لا يمكن إيضاحه ، إنما يمكن معرفته بالاختبار . والذي يرى شر قلبه هو وحده الذي يفهم قيمة المخلص العظيمة .

كانت الدروس التي نطق بها المسيا غنية بالتعليم فيما سار على مهل من الجليل إلى أورشليم . وكان الناس يصغون إلى كلامه بكل لهفة واهتمام . وفي بيرية كما في الجليل كان تعصب اليهود أخف وطأة على الناس مما في اليهودية . فاستجابت قلوب الناس لتعاليمه .

دروس من المعلم الأعظم

نطق المسيا بكثير من الأمثال في خلال أشهر خدمته الاخيرة . وكان الكهنة والمعلمون يتعقبونه بمرارة زائدة وكان هو يخفي إنذاراته لهم تحت الرموز . ولم يخطئوا فهم معاني أقواله ومع ذلك فلم يجدوا فيها ما يمكن أن يبنوا عليه تهمة يوجهونها إليه . وفي مثل الفريسي والعشار كانت صلاة الفريسي المتكل على نفسه وبره التي قال فيها: "يهوه أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ" على نقيض توسل العشار التائب الذي صرخ قائلا:"يهوه ارْحَمْنِي ، أَنَا الْخَاطِئَ"(لوقا 18: 11, 13) . وهكذا وبخ المسيا رياء رؤساء اليهود . وتحت رمز التينة العقيمة والعشاء العظيم تنبأ عن الهلاك العظيم الموشك أن ينقض على تلك الأمة غير التائبة . وأولئك الذين رفضوا بكل ازدراء قبول الدعوة إلى وليمة الإنجيل سمعوا منه كلمات الإنذار القائلة: "أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْ أُولئِكَ الرِّجَالِ الْمَدْعُوِّينَ يَذُوقُ عَشَائِي" (لوقا 14: 24) .

كانت التعاليم التي تلقنها التلاميذ عظيمة القيمة جدا . وإن مثل الأرملة اللجوجة والصديق الطارق في نصف الليل ملتمسا خبزا اعطيا قوة لكلام السيد القائل: "اسْأَلُوا تُعْطَوْا ، اُطْلُبُوا تَجِدُوا ، اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ" (لوقا 11: 9) . وفي أحيان كثيرة كان إيمان التلاميذ المتزعزع يتقوى عندما كانوا يذكرون قول المسيا: "أَفَلاَ يُنْصِفُ يهوه مُخْتَارِيهِ ، الصَّارِخِينَ إِلَيْهِ نَهَارًا وَلَيْلاً ، وَهُوَ مُتَمَهِّلٌ عَلَيْهِمْ؟ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يُنْصِفُهُمْ سَرِيعًا!" (لوقا 7:18, 8) .

كرر المسيا مثل الخروف الضال ، ذلك المثل الجميل حمل معناه إلى مدى بعيد عندما نطق بمثل الدرهم المفقود والابن الضال . لم يكن التلاميذ يقدرون قيمة هذه الدروس ولا قوتها التقدير الكامل اللائق بها ، ومن بعد انسكاب الروح القدس عليهم إذ رأوا الأمم ينضمون إلى حظيرة الملكوت أفواجا ، الأمر الذي أثار غضب اليهود وحسدهم ، فهموا حينئذٍ ، فهما أفضل ، مثل الابن الضال والدروس التي يمكن استخلاصها منه ، وأمكنهم أن يحسوا بهزة الفرح الظاهرة في كلام المسيا عندما قال: "كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ" ، "لأَنَّ ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ" (لوقا 32:15, 24) . وعندما خرجوا باسم سيدهم ليواجهوا الشر والفقر والاضطهاد كانوا كثيرا ما يسندون قلوبهم بترديد كلامه الذي نطق به في رحلته الأخيرة هذه حين قال: "لاَ تَخَفْ ، أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ ، لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ . بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً . اِعْمَلُوا لَكُمْ أَكْيَاسًا لاَ تَفْنَى وَكَنْزًا لاَ يَنْفَدُ فِي السَّمَاوَاتِ ، حَيْثُ لاَ يَقْرَبُ سَارِقٌ وَلاَ يُبْلِي سُوسٌ ، لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكُمْ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكُمْ أَيْضًا" (لوقا 12: 32- 34).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App