1. ملكوت يهوه لا يأتي بمراقبة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

جاء إلى يهوشوه بعض الفريسيين وسألوه قائلين: "مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ يهوه؟" (لوقا 17: 20) . كان قد مضى أكثر من ثلاث سنين منذ أعلن يوحنا المعمدان رسالته التي كما ، بصوت بوق ، رنت قائلة: "قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ" (متى 3: 2) . ومع ذلك فإلى هذا الحين لم ير هؤلاء الفريسيون أي دليل على إقامة الملكوت . إن كثيرين ممن رفضوا يوحنا وفي كل خطوة كانوا يقاومون يهوشوه كانوا يلمحون إلى أن مهمته قد فشلت .

أجابهم يهوشوه بقوله: "لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ يهوه بِمُرَاقَبَةٍ ، وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا ههُنَا ، أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ ! لأَنْ هَا مَلَكُوتُ يهوه دَاخِلَكُمْ" (لوقا 17: 20, 21) . إن ملكوت يهوه يبدأ في القلب . لا تلتفتوا إلى هنا وهناك لتروا ظاهرة من مظاهر القوة الأرضية لتنبئ بمجيئه .

بعد ذلك التفت إلى تلاميذه وقال: "سَتَأْتِي أَيَّامٌ فِيهَا تَشْتَهُونَ أَنْ تَرَوْا يَوْمًا وَاحِدًا مِنْ أَيَّامِ ابْنِ الإِنْسَانِ وَلاَ تَرَوْنَ" (لوقا 17: 22) . فلكون ملكوتي لا تصحبه الأبهة العالمية فأنتم يخشى عليكم لئلا تعجزوا عن إدراك أنكم غير متحققين من عظمة امتيازكم الراهن في أن في وسطكم هذا الذي هو حياة الناس ونورهم وأن يكن محتجبا في ثياب البشرية . فستأتي أيام فيها تنظرون بشوق إلى هذه الفرص التي أنتم الآن متمتعون بها ، لتسيروا وتتحدثوا مع ابن يهوه .

إنه حتى تلاميذ يهوشوه أنفسهم بسبب أنانيتهم وتعلقهم بالأرضيات لم يستطيعوا إدراك الحق الروحي الذي حاول أن يعلنه لهم . ولم يستطيعوا أن يقدروا صفات المخلص وصفة ملكوته التقدير الكامل اللائق إلاّ بعد صعود المسيا إلى أبيه وانسكاب الروح القدس على المؤمنين . فبعد قبول معمودية الروح القدس بدأوا يتحققون أنهم كانوا في محضر سيَد المجد ذاته . وإذ بدأوا يستعيدون إلى ذاكرتهم أقوال المسيا تفتحت عقولهم لفهم النبوات والمعجزات التي صنعها . وقد مرت أمام أذهانهم عجائب حياته فكانوا كمن أوقظوا من حلم ، كما تحقق لهم أن معلمهم هو "الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا ، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا" (يوحنا 1: 14) . لقد أتى المسيا من حضن الآب فعلا إلى عالم الإثم ليخلص أبناء وبنات أدم الساقطين . وقد بدأ التلاميذ الآن أقل أهمية في نظر أنفسهم مما كانوا قبلما تحققوا من ذلك . ما عادوا الآن يحسون بالسآمة أو التعب من تلاوة أعماله وترديد تعاليمه التي لم يكونوا يفهمونها فهما كاملا واضحا وقد عادت اليهم كما لو كانت أعلانا جديدا . والكتاب المقدس اصبح في نظرهم كتابا جديدا .

تفتيش الكلمة باجتهاد

وإذ بدأ التلاميذ يفشون النبوات التي تشهد للمسيا دخلوا إلى مقادس اللاهوت ، وتعلموا من ذاك الذي صعد إلى السماء ليتمم العمل الذي كان قد بدأه على الأرض . وعرفوا أن فيه تحل الحكمة والعلم اللذان لا يمكن لبشري أن يدركهما ما لم يحصل على معونة إلهية . كانوا بحاجة إلى معونة ذاك الذي سبق فتنبأ عنه الملوك والأنبياء والأبرار . وبدهشة بالغة قرأوا وأعادوا قراءة الأقوال النبوية التي وصفت صفاته وعمله وصفا دقيقا . كم كان فهمهم للأقوال النبوية مظلما وغامضا ! وكم كانوا متباطئين في قبول الحقائق العظيمة التي تشهد للمسيا ، وإذ نظروا إليه في اتضاعه إذ كان يسير في العالم كإنسان بين الناس لم يكونوا يدركون سر تجسده ولا الصفة المزدوجة لطبيعته . لقد أمسكت أعينهم بحيث لم يستطيعوا رؤية الألوهية في البشرية ، ولكن بعدما أنارهم الروح القدس وكشف عن بصائرهم كم اشتاقوا إلى رؤية الفادي ثانية والجلوس عند قدميه ! وكم اشتهوا أن يأتوا إليه ليفسر لهم الأقوال الإلهية التي عسر عليهم فهمها ! وبأي انتباه كانوا يصغون إلى أقواله ! وماذا كان قصد المسيا من قوله لهم: "إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ ، وَلكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ" (يوحنا 16: 12) . وكم تاقت أنفسهم لمعرفة كل شيء ! وقد حزنوا لأن إيمانهم كان ضعيفا جدا ولأن آراءهم كانت بعيدة جدا عن الهدف وأنهم قصروا كل هذا التقصير عن إدراك الحقيقة .

لقد أرسل من قبل يهوه رسول ليعلن عن مجيء المسيا وليوجه انتباه الأمة اليهودية وكل العالم إلى رسالته ليتأهب الناس لاستقباله . إن الشخص العجيب الذي أعلن عنه يوحنا كان في وسطهم أكثر من ثلاثين سنة ولكنهم لم يعرفوه حقا كمن هو مرسل من قبل يهوه . أحس التلاميذ بالندم لأنهم سمحوا لعدم الإيمان المستشري بين الناس أن يخمر أفكارهم ويظلم عقولهم وأفهامهم . إن النور الذي أتى إلى هذا العالم المظلم كان ينير مبددا ظلماته ولكنهم لم يدركوا ولا فهموا من أين كانت تنبعث أشعته . وكانوا يسألون أنفسهم فيما بعد لماذا تصرفوا تصرف جعل المسيا ملزما بأن يوبخهم عليه . ومرارا كثيرة كانوا يرددون أحاديثه ويقولون لماذا سمحنا للاعتبارات الأرضية ومقاومة الكهنة والمعلمين أن تربك حواسنا حتى لقد غاب عن أفهامنا أن شخصا أعظم من موسى كان في وسطنا ، وأن معلما أعظم من سليمان كان يتولى أمر تعليمنا؟ كم كانت آذاننا غلفاء ! وكم كان فهمنا متعثرا وضعيفا!

يفرحون في الاضطهاد 

إن توما لم يؤمن إلاّ بعدما وضع إصبعه في مكان الطعنة التي أحدثتها حربة الجنود الرومانيين ، وقد أنكره بطرس عندما كان متضعا ومهانا ومرذولا . فعادت إليهم تلك الذكريات المحزنة بكل وضوح . كانوا معه ولكنهم لم يعرفوا قدره . ولكن كم أثارت هذه الأمور نفوسهم والهبت قـلوبهم الآن بعدما اكتشفوا عدم إيمانهم !

وعندما تضافر الكهنة والرؤساء ضدهم وأُوقِفوا أمام مجالس وطُرحوا في غياهب السجون فرح اتباع المسيا أولئك "لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ" (أعمال 5: 41) . فرحوا لأنهم برهنوا أمام الناس والملائكة أنهم قد أدركوا مجد يهوشوه واختاروا أن يتبعوه ولو كلفهم ذلك خسارة كل شيء .

وهذا حق الآن كما كان في عصر الرسل أنه بدون إنارة الروح الإلهي لا يستطيع الناس أن يروا مجد المسيا . إن المسيحية التي تثير الشكوك والمولعة بحب العالم لا يمكنها أن تقدر حق يهوه وعمله كما يجب . وإن أتباع السيد لا يوجدون بين أحضان الراحة أو الكرامة الأرضية أو التشبه بالعالم . ولكنهم يتقدمون سائرين في طريق الكدح والاتضاع والعار ، وإن مصارعتهم "لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ ، مَعَ السَّلاَطِينِ ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ" (أفسس 6: 12) . وإننا نجد الآن كما في أيام المسيا أن الكهنة والفريسيين هم الذين يسيئون فهم المؤمنين الذين في عصرهم ويعيرونهم ويضطهدونهم .

إن ملكوت يهوه لا يأتي بمراقبة . وإنجيل نعمة يهوه بروحه التي هي روح إنكار الذات لا يمكن أن يكون على وفاق مع روح العالم . فالمبدآن متناقضان . "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ يهوه لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا" (1 كورنثوس 2: 14) .

"لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ"

ولكن يوجد بين العالم المتدين اليوم كثيرون ممن يعتقدون أنهم يعملون على توطيد ملكوت المسيا كملكوت أرضي زمني ، فهم يتوقون إلى تمليك يهوشوه على مملكة هذا العالم فيسود على محاكمها ومعسكراتها ودور القضاء فيها وقصورها وأسواقها . وينتظرون أنه يملك بواسطة أوامر شرعية تنفذها سلطة بشرية . وحيث أن المسيا ليس بيننا الآن بجسده فهم أنفسهم سينوبون عنه في العمل وفي تنفيذ قوانين ملكوته . كان اليهود في أيام المسيا يتوقون إلى إقامة مثل هذا الملكوت . فلو رغب يهوشوه في إقامة ملكوت أرضي وفي تنفيذ ما قد اعتبروه قوانين يهوه ، وفي جعلهم مفسري شريعته وإرادته في السلطة لكانوا قبلوه . ولكنه قال: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ" (يوحنا 18: 36) . ولم يقبل العرش الأرضي .

إن الحكم الذي عاش يهوشوه في ظله كان حكما فاسدا وجائرا . ففي كل مكان كنت ترى سوء المعاملة الصارخة والاغتصاب والتعصب والقسوة الساحقة . ومع ذلك فلم يحاول المخلص القيام بأي إصلاح مدني . ولم يهاجم سوء المعاملة القومية ولا دان الأعداء القوميين . ولم يتدخل في سلطة ذوي السلطان أو سياستهم . فذاك الذي هو مثلنا الأعلى ترفع عن التدخل في شؤون الحكومات الأرضية ، ليس لأنه لم يكن يكترث لآلام الناس وبلاياهم بل لأن العلاج لم يكن ينحصر في الإجراءات البشرية الخارجية وحدها . فلكي يكون العلاج ناجعا كان ينبغي أن يصل إلى كل إنسان بمفرده ويجدد قلبه .

إن ملكوت المسيا لا يثبت بأحكام المحاكم أو المحافل التشريعية ولا برعاية عظماء هذا الدهر ومعاضدتهم بل بغرس طبيعة المسيا في القلوب البشرية بعمل الروح القدس "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ يهوه ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ . اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل ، بَلْ مِنَ يهوه" (يوحنا 1: 12, 13) . هنا نجد القوة الوحيدة التي تستطيع أن تسمو بالبشرية . والوسيلة البشرية لإنجاز هذا العمل هي تعليم كلمة يهوه والعمل بها .

عندما بدأ بولس الرسول خدمته في كورنثوس ، المدينة الكثيرة السكان الواسعة الثراء الممتلئة بالشر والتي انتشرت فيها مفاسد الوثنية ومباذلها التي ذكرها أيضا قبيح ، قال: "لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يهوشوه الْمسيا وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا" (1 كورنثوس 2: 2) . وإذ كتب بعد ذلك إلى بعض من كانوا قد تنجسوا بأقبح الخطايا قال: "لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ السيَد يهوشوه وَبِرُوحِ إِلهِنَا" ، "أَشْكُرُ إِلهِي فِي كُلِّ حِينٍ مِنْ جِهَتِكُمْ عَلَى نِعْمَةِ يهوه الْمُعْطَاةِ لَكُمْ فِي يهوشوه الْمسيا" (1 كورنثوس 6: 11؛ 1: 4) .

والآن كما كانت الحال في أيام المسيا لا ينحصر عمل يهوه في أولئك الذين يتحرقون شوقا إلى الشهرة ومعاضدة الحكام الأرضيين والشرائع الأرضية بل في أولئك الذين باسم السيَد يعلنون للناس تلك الحقائق الروحية التي تخلق في قلوب من يقبلونها نفس الاختبار الذي حدث لبولس عندما قال: "مَعَ الْمسيا صُلِبْتُ ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا ، بَلِ الْمسيا يَحْيَا فِيَّ"(غلاطية 2: 20) . وحينئذٍ سيعملون كما عمل بولس لأجل خير الناس . فقد قال: "إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمسيا ، كَأَنَّ يهوه يَعِظُ بِنَا . نَطْلُبُ عَنِ الْمسيا: تَصَالَحُوا مَعَ يهوه" (2 كورنثوس 5: 20) .  

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App