3. يعوزك شيء واحد
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

"وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ إِلَى الطَّرِيقِ ، رَكَضَ وَاحِدٌ وَجَثَا لَهُ وَسَأَلَهُ:«أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ ، ماذا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟"  (مرقس 10: 17) .

إن الشاب الذي سأل يهوشوه هذا السؤال كان رئيسا وكان ذا أموال كثيرة وفي مركز ذي مسؤولية . رأى المحبة التي أظهرها المسيا للأولاد الذين أتي بهم إليه ، ورأى كيف قبلهم بكل رقة ومحبة وأخذهم بين ذراعيه فالتهب قلب ذلك الشاب حبا للمخلص ، وقد نشأت في قلبه رغبة في أن يكون تلميذا له . وكان متأثرا تأثرا عميقا حتى أنه عندما رأى المسيا سائرا في طريقه ركض خلفه وإذ جثا عند قدميه سأله بكل اخلاص وغيرة ذلك السؤال الهام جدا لنفسه ولنفس كل إنسان قائلا: "ماذا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟" .

قال له المسيا: "لِماذا تَدْعُونِي صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ يهوه" (مرقس 10: 18) . لقد رغب يهوشوه أن يختبر إخلاص ذلك الرئيس ويستخلص من فمه السبب الذي جعله يعتبره صالحا . فهل تحقق من أن الشخص الذي كان يتحدث إليه هو ابن يهوه؟ ماذا كان فكر قلبه الحقيقي الذي كان يجول في خاطره؟

كان هذا الرئيس يقدر بره الذاتي تقديرا عظيما ولم يكن في الحقيقة يظن نفسه ناقصا في شيء ، ومع ذلك فهو لم يكن راضيا عن نفسه كل الرضى فلقد أحس بحاجته إلى شيء لم يكن يملكه . أفلا يمكن أن يباركه يهوشوه كما بارك الأولاد ويشبع حاجة نفسه .

وجوابا على سؤاله هذا أخبره يهوشوه أن الطاعة لوصايا يهوه واجبة عليه جدا إذا أراد أن ينال الحياة الأبدية . واقتبس عدة وصايا تري واجب الإنسان نحو بني جنسه . وقد جاء جواب ذلك الرئيس حاسما إذ قال: "هذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي . فَماذا يُعْوِزُنِي بَعْدُ؟" (متى 19: 20) .

قارئ القلوب

فشخص المسيا في وجه ذلك الشاب كأنما يقرأ تاريخ حياته ويفحص أخلاقه . وقد أحبه ، وكان يتوق إلى أن يمنحه السلام والنعمة والفرح الذي يغير خلقه تغييرا جوهريا فقال له: "يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ: إذهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلاً الصَّلِيبَ" (مرقس 10: 21) .

لقد انجذب قلب المسيا إلى ذلك الشاب . عرف أنه كان مُخلِصا حين قال: "هذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي" (مرقس 10: 20) . وتاق الفادي إلى أن يخلق في نفس الشاب بصيرة روحية تجعله قادرا على أن يرى ضرورة التعبد القلبي ولزوم الصلاح المسيحي . اشتاق إلى أن يرى فيه قلبا متواضعا منسحقا يحس بوجوب تقديم المحبة العظمى ليهوه ، وقلبا يخفي نقائصه في كمالات المسيا .

إن يهوشوه رأى في هذا الشاب الرئيس نفس المعونة التي يحتاجها الفادي لو أراد الشاب أن يصير عاملا معه في خدمة الخلاص . فلو رغب في أن يضع نفسه تحت إرشاد المسيا فسيصير قوة للغير . وبدرجة ممتازة كان يمكن لهذا الرئيس أن يكون نائبا عن المسيا لأنه كانت عنده مؤهلات ، لو ارتبط بالمخلص ، كان يمكن أن تُصيِّره قوة إلهية بين الناس . وإذ نظر يهوشوه خلقه أحبه . لقد بدأت المحبة للمسيا تستيقظ في نفس ذلك الرئيس لأن المحبة تلد محبة . واشتاق المسيا إلى أن يراه عاملا معه وإلى أن يجعله نظير نفسه مرآة تنعكس عليها صورة يهوه . اشتاق إلى أن ينمِّي جمال خلقه ويكرسه لخدمة السيد . فلو سلم ذلك الرئيس نفسه للمسيا وقتئذ لنما وترعرع في جو حضوره . ولو أنه اختار هذا النهج فكم كان مستقبله يختلف عما صار إليه !

قال له يهوشوه: "يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ" . "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَإذهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي" (مرقس 10: 21؛ متى 19: 20) . لقد قرأ المسيا مكنونات قلب ذلك الرئيس . كان يعوزه شيء واحد ولكن ذلك الشيء الواحد كان أمرا جوهريا . كان بحاجة إلى محبه يهوه في نفسه . وما لم تسد تلك الحاجة فقد يكون ذلك علة هلاكه . وقد تفسد كل طبيعته ، إذ بالإفراط تتقوى الأنانية . فلكي يحصل على محبة يهوه ينبغي إخماد حبه العظيم لنفسه .

"اخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمُ الْيَوْمَ مَنْ تَعْبُدُونَ"

قدم المسيا لهذا الرجل امتحانا فدعاه ليختار بين كنز السماء أو العظمة العالمية . وكان كنز السماء مضمونا له لو اتبع المسيا . ولكن ينبغي أن تخضع الذات وأن تكون إرادته تحت سيطرة المسيا . إن نفس قداسة يهوه قدّمت لذلك الرئيس الشاب وقدم له امتياز أن يكون ابنا ليهوه ووارثا مع المسيا الكنز السماوي . ولكن ينبغي له أن يأخذ الصليب ويتبع المخلص في طريق إنكار الذات .

وفي الواقع كان كلام المسيا لذلك الرئيس هو هذه الدعوة: "اخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمُ الْيَوْمَ مَنْ تَعْبُدُونَ" (يشوع 24: 15) . وقد ترك له حق في الاختيار . كان يهوشوه مشتاقا إلى هدايته وخلاصه . وقد أبان له نقطة الضعف في أخلاقه . وبأي اهتمام عميق كان يترقب النتيجة عندما وزن الشاب ذلك السؤال ! فلو قرر اتباع المسيا لوجب عليه أن يطيع كلامه في كل شيء . عليه أن يتخلى عن مشاريعه وطموحه . فبأي شوق جزع غيور وبأي جوع قلبي نظر المخلص إلى ذلك الشاب مؤملاً أنه سيستجيب لدعوة روح يهوه !

لقد قدم المسيا الشروط الوحيدة التي تمكّن ذلك الرئيس من أن يصبح ذا خلق مسيحي كامل . كان كلامه كلام الحكمة وإن كان يبدو قاسيا وملزما . فلو قبل الرئيس ذلك الكلام وأطاعه لكان ذلك رجاؤه الوحيد في الخلاص . كان مركزه الرفيع وأمواله الكثيرة تبذل جهدا ماكرا لتؤثر تأثيرا شريرا على أخلاقه . فلو أطاعها فستحتل مكان يهوه في عواطفه بطريقة خادعة . ولو استبقى لنفسه قليلا أو كثيرا ولم يعطه ليهوه فمعنى ذلك الإبقاء على ما من شأنه أن يضعف قوته الأدبية وكفاءته ، لأننا إذا أحببنا الأشياء الدنيوية مهما تكن زائلة تافهة فلابد من أن تسيطر علينا كل السيطرة .

كان ذلك الرئيس حاضر البديهة ففهم فحوى كلام المسيا كله ، فحزن . لو أنه عرف قيمة الهبة المقدمة له فسرعان ما كان ينضوي تحت لواء المسيا ويصير تابعا له . لقد كان أحد اعضاء مجمع اليهود الموقر وكان الشيطان يغويه بآمال وانتظارات المستقبل الخادعة . كان يرغب في امتلاك الكنز السماوي ولكنه في نفس الوقت كان يطمع في المزايا الزمنية التي تحققها له أمواله ، فأسف لوجود تلك الشروط . كان راغبا في الحياة الأبدية ولكنه لم يكن مستعدا للإقدام على تلك التضحية . لقد بدا له أن كلفة الحياة الأبدية عظيمة جدا ، فمضى حزينا "لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ" (متى 19: 22) .

قوة الأنانية

إن ادعاء ذلك الشاب أنه قد حفظ كل الوصايا كان خداعا خطرا ، إذ برهن على أن المال هو صنمه الذي كان يتعبد له . لم يستطع أن يحفظ وصايا يهوه ما دام العالم كان هو الأول في عواطفه ، فأحب عطايا يهوه أكثر مما أحب معطيها . لقد قدم المسيا لذلك الشاب هبة مصاحبته . قال له: "اتْبَعْنِي" ولكن المخلص لم يكن في اعتباره يساوي شهرته وأمواله . فكونه يتخلى عن كنزه الأرضي المنظور في مقابل كنز السماء غير المنظور ، كان ذلك في نظره مخاطرة عظيمة غير مأمونة العواقب ، فرفض هبة الحياة الأبدية ومضى . ومنذ ذلك الحين صار العالم إلهه الذي يتعبد له . إن آلافا من الناس يجوزون في نفس هذه التجربة وهم يوازنون بين المسيا والعالم ، وكثيرون منهم يختارون العالم . إنهم ، كذلك الرئيس الشاب ، يديرون للمخلص القفا قائلين في قلوبهم لا نريد أن يكون هذا الإنسان رئيسا علينا .

إن لنا في معاملة المسيا لهذا الشاب دروسا يجب أن نتعلمها . لقد أعطانا يهوه قانون الخلق الذي يجب على كل خدامه أن يسيروا بموجبه ، وهو الطاعة لشريعته ، ليس مجرد الطاعة القانونية بل تلك التي تتغلغل في كل أنسجة الحياة وتتمثل في الخلق . إن يهوه هو بذاته الذي وضع المقاييس للخلق لكل من يريدون أن يكونوا ضمن رعايا ملكوته . فالذين يريدون أن يكونوا عاملين مع المسيا ، والذين يقولون: يا سيَد أنا وكل ما أملك لك ، هم وحدهم الذين سيعترف بهم على أنهم أبناء وبنات يهوه . على كل واحد أن يتأمل في معنى كون الإنسان يرغب في دخول السماء ثم يرتد لأنه يتصور أن الشروط المطلوبة لامتلاكها شروط صارمة فادحة . فكر في معنى قولك للمسيا: "لا" . إن ذلك الرئيس قال للمسيا لا ، فأنا لا أستطيع أن أتنازل لك عن الكل . فهل هذا هو نفس ما تقوله؟ إن المخلص يقدم لنا فرصة لأن يقاسمنا في العمل الذي قد أعطانا يهوه إياه لنعمله ، يقدم لنا فرصة استعمال الوسائل التي قد أعطاها لنا يهوه لإنجاح عمله في العالم . بهذه الوسيلة وحدها يمكنه أن يخلصنا .

لقد أودعت أموال ذلك الرئيس بين يديه لكي يبرهن بذلك على أنه وكيل أمين ، وكان عليه أن يوزع تلك الأموال لينتفع بها المعوزون فتكون لهم . وهكذا يهوه في هذه الأيام يودع بين أيدي الناس الأموال والمواهب والفرص لكي تكون وسائل لإغاثة الفقراء والمتألمين . فالذي يستثمر ما قد أودعه يهوه بين يديه من هبات كما يريد يهوه يصير عاملا مع المخلص ورابحا نفوسا للمسيا لأن صفات المسيا منطبعة على قلبه .

قد يبدو لأولئك الذين يشغلون مراكز سامية كذلك الرئيس ، مراكز هي أمانة بين أيديهم ، يبدو لهم أنها تضحية عظيمة كونهم يضحون بكل شيء لكي يتبعوا المسيا . ولكن هذا هو قانون العمل والتصرف لكل من يريدون أن يصيروا له تلاميذ . فلا يقبل شيئا أقل من الطاعة الكاملة . إن تسليم النفس ليهوه هو خلاصة تعاليم المسيا . وفي غالب الأحيان يقدم لنا هذا الأمر ويُطلَب منا في لغة تبدو ملزمة وحازمة ، لأنه لا توجد طريقة أخرى لتخليص الإنسان غير التخلص من الأشياء التي لو أبقي عليها لأضعفت الإنسان كله .

إن أتباع المسيا عندما يعيدون إلى السيَد حقوقه فهم يكومون ويجمعون كنزا سيعطى لهم عندما يسمعون القول "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الأَمِينُ ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ . اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ" ، "الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ يهوه" (متى 25: 23؛ عبرانيين 12: 2) . إن الفرح برؤية النفوس تفتدى وتخلص خلاصا أبديا هو الجزاء الصالح لكل من يسيرون في أثر خطوات ذاك الذي قال: "اتْبَعْنِي" .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App