4. لِعَازَرُ ، هَلُمَّ خَارِجًا
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كان لعازر أحد مواطني بيت عنيا من أعظم تلاميذ المسيا ثباتا . فمنذ التقى المسيا أول مرة كان إيمانه قويا ومحبته له عميقة كما كان المخلص يحبه حبا عظيما . فلأجل لعازر أجرى المسيا أعظم عجائبه . لقد بارك المخلص كل من طلبوا منه المعونة فهو يحب كل الأسرة البشرية ، ولكنه مرتبط بالبعض بصلات رقيقة خاصة . كان قلبه مرتبطا بعائلة بيت عنيا بربط قوية وثيقة هي ربط المحبة الخالصة . ولأجل أحد أفراد تلك العائلة أجرى أعجب معجزاته .

كثيرا ما كان يهوشوه يجد راحته في بيت لعازر . إن المخلص لم يكن يملك بيتا لنفسه فقد كان معتمدا على كرم أصدقائه وتلاميذه ، وفي كثير من الأحيان عندما يكون متعبا وظامئا إلى عشرة الناس كان يفرح أن يهرب إلى هذه العائلة الوادعة بعيدا عن شكوك الفريسيين الغاضبين وحسدهم . وكان يجد في هذا البيت ترحيبا قلبيا وصداقة طاهرة مقدسة ، وهنا كان يمكنه أن يتحدث ببساطة وحرية كاملة عالما أن كلامه سيفهم ويُدَّخر في القلب .

إن مخلصنا كان يعرف قيمة البيت الهادئ ويرحب بمن يصغون إلى كلامه باهتمام . كان يتوق إلى الرقة الإنسانية واللطف والحب . وأولئك الذين كانوا يقبلون التعليم السماوي الذي كان هو أبدا مستعدا لتقديمه للناس كانوا ينالون بركة عظيمة . وإذ كانت الجموع تتبع يهوشوه في الخلاء كان يكشف لهم عن جمال العالم الطبيعي . ويحاول أن يفتح عيون أذهانهم ليروا كيف تسند يد يهوه العالم . ولكي يجعلهم يقدرون صلاح يهوه وإحسانه كان يسترعي انتباه سامعيه إلى قطرات الندى النازلة في هدوء وسيول المطر ونور النهار المشرق الجميل الذي يشرق على الأشرار والصالحين . أراد أن يتحقق الناس تحققا كاملا من الاهتمام الذي يوليه يهوه للوسائل البشرية التي خلقها . ولكن أولئك الناس كانوا بطيئي السمع . أما في بيت أحبائه في بيت عنيا فكان يجد الراحة من كفاح الحياة العامة المتعبة . ففي هذا البيت كان يفتح لسامعيه المعجبين سفر العناية. وفي تلك الأحاديث الخاصة كان يكشف لأصفيائه ما لم يحاول أن يخبر به الجمهور المختلط. ولم تكن ثمة حاجة لأن يكلم أصدقاءه بأمثال

"الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ"

وإذ كان المسيا ينطق بتعاليمه العجيبة كانت مريم تجلس عند قدميه لتصغي إلى كلامه بخشوع وتعبد . وفي ذات مرة إذ كانت مرثا مرتبكة في إعداد الطعام ذهبت إلى المسيا قائلة: "يَاسيَد ، أَمَا تُبَالِي بِأَنَّ أُخْتِي قَدْ تَرَكَتْنِي أَخْدُمُ وَحْدِي؟ فَقُلْ لَهَا أَنْ تُعِينَنِي!" (لوقا 10: 40) . كان ذلك هو الوقت لأول زيارة يقوم بها المسيا لبيت عنيا . كان المخلص وتلاميذه قد انتهوا من سفرتهم المضنية من أريحا سيرا على الأقدام . وكانت مرثا مهتمة بتوفير الراحة لهم ، وفي جزعها نسيت أن تبدي اللياقة والكياسة لضيفها . وقد أجابها يهوشوه بلطفه وصبره المعهود قائلا لها: "مَرْثَا ، مَرْثَا ، أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ ، وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ . فَاخْتَارَتْ مَرْيَمُ النَّصِيبَ الصَّالِحَ الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا" (لوقا 10: 41, 42) . لقد كانت مريم تختزن في عقلها الأقوال الثمينة التي كان المخلص ينطق بها والتي كانت تعتبرها أثمن من أثمن لآلئ العالم وجواهره .

أما ذلك الشيء (الواحد) الذي كانت تحتاجه مرثا فكان هو الروح المتعبد الهادئ ، واللهفة العميقة في طلب المعرفة عن المستقبل وحياة الخلود والفضائل اللازمة للنمو والتقدم الروحي . كانت بحاجة إلى التقليل من جزعها على الأشياء الزائلة وزيادة الاهتمام بما يبقى إلى الأبد . إن يهوشوه يريد أن يعلم أولاده أن ينتهزوا كل فرصة لاقتناء المعرفة التي تُحكِّمهم للخلاص . إن ملكوت المسيا يحتاج إلى عمال حريصين نشيطين . يوجد حقل واسع لمن يشبهن مرثا في غيرتهن على العمل الديني النشيط . ولكن عليهن أن يجلسن أولا مع مريم عند قدمي يهوشوه . ليتقدس الاجتهاد والحزم والنشاط بنعمة المسيا . وحينئذٍ تصير الحياة قوة عاملة للخير لا تُقهر .

على فراش الموت

ولكن الحزن دخل إلى ذلك البيت الهادئ الذي فيه استراح يهوشوه . ذلك أن لعازر أصيب بمرض مفاجئ فأرسلت أختاه إلى المخلص قائلتين: "يَا سَيِّدُ ، هُوَذَا الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيضٌ" (يوحنا 11: 3) . لقد شاهدتا المرض يهجم على أخيهما بكل قسوة ، ولكنهما مع ذلك كانتا تعرفان أن المسيا قد برهن على قدرته على شفاء كل الأمراض . وكانتا موقنتين أنه سيعطف عليهما في شدتهما ولذلك لم تشددا عليه في الإسراع بالحضور بل اكتفتا بإرسال تلك الرسالة الواثقة إليه . وقد ظنتا أنه سيستجيب لرسالتهما حالا وسيجيء إلى بيت عنيا بأسرع ما يمكن .

وبكل جزع جلستا تنتظرا رسالة من يهوشوه . وطالما كان أخوهما على قيد الحياة جعلتا تصليان منتظرتين قدوم يهوشوه . ولكن الرسول عاد بدونه . ومع ذلك فقد جاءهما برسالة تقول: "هذَا الْمَرَضُ لَيْسَ لِلْمَوْتِ" (يوحنا 11: 4) . فتعلقتا بهذا الأمل وهو أن أخاهما سيعيش . وبكل رقة وحب حاولتا التحدث إلى أخيهما الذي كان يفقد الوعي بكلام الرجاء والتشجيع . فلما مات لعازر أصيبت الأختان بالخيبة المريرة ، ومع ذلك كانتا تحسان بأن نعمة المسيا تسندهما وهذا حفظهما من أن تعودا باللائمة على المخلص .

عندما سمع المسيا رسالة الأختين ظن التلاميذ أنه قد تلقاها بفتور . فلم يبدُ عليه الحزن الذي كانوا يتوقعون أنه سيظهره . وإذ نظر إليهم قال: "هذا الْمَرَضُ لَيْسَ لِلْمَوْتِ ، بَلْ لأَجْلِ مَجْدِ يهوه ، لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ يهوه بِهِ" (يوحنا 11: 4) . وقد مكث في الموضع الذي كان فيه يومين . كان هذا التأخير سرا استغلق على التلاميذ فهمه . إذ كم كان يمكن أن يكون وجود المسيا هنا مع الأختين الحزينتين المتألمتين سبب عزاء لقلبيهما الجريحين . كان التلاميذ يعلمون مقدار المحبة العظيمة التي كان الفادي يضمرها لتلك الأسرة القاطنة في بيت عنيا ، ولذلك اندهشوا عندما رأوه لا يستجيب لتلك الرسالة المحزنة "هُوَذَا الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيضٌ" .

وظهر كأن المسيا قد أغفل الرسالة التي تسلمها منذ يومين ، لأنه لم يتكلم عن لعازر . وقد ذكر التلاميذ يوحنا المعمدان سابق المسيا . وقد تساءلوا لماذا سمح يهوشوه بأن يذوي يوحنا ويذبل في السجن ويموت تلك الميتة القاسية الرهيبة مع ما له من قوة عظيمة على عمل المعجزات المدهشة . وما دام المسيا يملك مثل هذه القوة فلماذا لم ينقذ حياة يوحنا؟ وكثيرا ما سأل الفريسيون هذا السؤال وقدموه على أنه حجة لا تُرَدّ ضد ادعاء المسيا بأنه ابن يهوه . كان المخلص قد أنذر تلاميذه بوقوع التجارب والخسائر والاضطهاد عليهم . فهل سيتركهم في تجاربهم؟ لقد جعل بعضا منهم يتساءلون فيما إذا كانوا قد أخطاوا فهم رسالته . واضطربوا جميعهم اضطرابا عظيما .

كلمات الرجاء

وفي نهاية اليومين قال يهوشوه لتلاميذه: "لِنَذْهَبْ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ أَيْضًا" (يوحنا 11: 7) فأخذ التلاميذ يتساءلون إذا كان يهوشوه ذاهبا إلى اليهودية فلماذا انتظر يومين ، ومن خوفهم على المسيا وعلى أنفسهم كان قد تمكن من عقولهم . فلم يروا سوى الخطر رابضا في الطريق الذي كان هو مزمعا أن يسلكه . فقالوا له: "يَا مُعَلِّمُ ، الآنَ كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَنْ يَرْجُمُوكَ ، وَتَذْهَبُ أَيْضًا إِلَى هُنَاكَ . أَجَابَ يهوشوه:«أَلَيْسَتْ سَاعَاتُ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ؟»" (يوحنا 11: 8, 9) . إني أسير بموجب إرشاد أبي ، وطالما أنا أفعل مشيئته فحياتي مصونة . إن ساعات نهاري الاثنتي عشرة لم تنقضِ بعد ، وأنا الآن في الجزء الأخير المتبقي من يومي ، ولكن طالما بقيت من يومي بقية فلا خوف عليَّ .

ثم استطرد يقول: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَمْشِي فِي النَّهَارِ لاَ يَعْثُرُ لأَنَّهُ يَنْظُرُ نُورَ هذَا الْعَالَمِ" (يوحنا 11: 9) . إن من يعمل مشيئة يهوه ويسير في الطريق الذي رسمه يهوه لا يمكن أن يعثر أو يسقط . إن نور روح يهوه الهادئ يعطيه فهما واضحا لواجبه ويرشده في طريق الصواب حتى ينتهي من عمله: "لكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَمْشِي فِي اللَّيْلِ يَعْثُرُ ، لأَنَّ النُّورَ لَيْسَ فِيهِ" (يوحنا 11: 10) . فالذي يسير في الطريق الذي يختاره بنفسه والذي لم يدعه يهوه للسير فيه يعثر ويستحيل نهاره إلى ليل وأينما يكون فليس له أمان .

"قَالَ هذَا وَبَعْدَ ذلِكَ قَالَ لَهُمْ:«لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ . لكِنِّي أَذْهَبُ لأُوقِظَهُ" (يوحنا 11: 11) . "لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ" . ما أعظم تأثير هذا الكلام ! وما أعظمه من كلام يدل على العطف ! إن التلاميذ إذ كانوا يفكرون في الخطر الذي سيتعرض له معلمهم لو ذهب إلى أورشليم كادوا ينسون العائلة المنكوبة في بيت عنيا . ولكن المسيا لم ينسَ تلك العائلة . لقد أحس التلاميذ بأن كلام المسيا كان توبيخا لهم . كانوا قد أحسوا بالخيبة لأن المسيا لم يجب بسرعة على الرسالة المرسلة إليه ، وقد جربوا أن يفتكروا بأنه لم يكن يعُز لعازر وأختيه بالقدر الذي ظنوه وإلاّ لأسرع في العودة إلى بيت عنيا مع الرسول . ولكن قوله لهم "لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ" أيقظ في عقولهم مشاعر صحيحة . فاقتنعوا بأن المسيا لم ينس أصدقاءه المتألمين .

"فَقَالَ تَلاَمِيذُهُ: «يَاسَيِّدُ ، إِنْ كَانَ قَدْ نَامَ فَهُوَ يُشْفي» . وَكَانَ يهوشوه يَقُولُ عَنْ مَوْتِهِ ، وَهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ يَقُولُ عَنْ رُقَادِ النَّوْمِ"(يوحنا 11: 12، 13) . إن المسيا يُشَبّه موت أولاده المؤمنين بالنوم ، إذ أن حياتهم مستترة مع المسيا في يهوه . فالذين يموتون يرقدون فيه إلى أن يضرب البوق الأخير .

"لأَجْلِكُمْ" 

"فَقَالَ لَهُمْ يهوشوه حِينَئِذٍ عَلاَنِيَةً: «لِعَازَرُ مَاتَ . وَأَنَا أَفْرَحُ لأَجْلِكُمْ إِنِّي لَمْ أَكُنْ هُنَاكَ ، لِتُؤْمِنُوا . وَلكِنْ لِنَذْهَبْ إِلَيْهِ !»" (يوحنا 14:11, 15) أما توما فلم يكن يتوقع لسيده إلاّ الموت المحقق لو ذهب إلى اليهودية فمنطق روحه وقال للتلاميذ رفقائه: "لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضًا لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ!" (يوحنا 11: 16) . لقد عرف مقدار العداوة التي كان اليهود يضمرونها للسيد ، حيث كان غرضهم القضاء عليه بالموت . ولكن هذا الغرض لم يتم لأن ساعته لم تكن قد جاءت . وفي خلال المدة الباقية له على الأرض كان ملائكة السماء يحرسونه . وحتى في إقليم اليهودية حيث كان المعلمون يتآمرون في كيف يقضون عليه بالموت لم يمكن أن يمسه أحد بأذى .

اندهش التلاميذ من كلام المسيا عندما قال: "لِعَازَرُ مَاتَ ... أَفْرَحُ ... إِنِّي لَمْ أَكُنْ هُنَاكَ" فهل تحاشى المخلص الذهاب إلى بيت أصدقائه المتألمين بمحض اختياره؟ لقد بدا كأن مريم ومرثا ولعازر المحتضر قد تركوا وحدهم بلا معين . ولكنهم لم يكونوا وحدهم فلقد رأى المسيا ذلك المشهد من أوله إلى آخره . وبعد موت لعازر أسند بنعمته تينك الأختين المنكوبتين . لقد رأى يهوشوه حزن قلبيهما عندما كان أخوهما يصارع الموت ، عدوه القوي ، وكان يحس بكل وخزة من وخزات الحزن عندما قال للتلاميذ "لِعَازَرُ مَاتَ" . ولكن المسيا لم يكن مشغولا في التفكير في أحبائه الذين في بيت عنيا وحدهم بل كان عليه أيضا أن يهتم بتدريب تلاميذه . كان عليهم أن يكونوا نوابا عنه أمام العالم حتى تحتضن الجميع محبة الآب . فلأجلهم سمح بموت لعازر . فلو أنه كان قد شفاه من مرضه لما أجرى المعجزة العظيمة التي هي البرهان الإيجابي القاطع على صفته الإلهية .

لو كان المسيا في غرفة المرض لما مات لعازر لأن الشيطان ما كان يمكن أن يكون له عليه سلطان . وما كان للموت أن يصوب سهامه إلى قلب لعازر في حضرة معطي الحياة . لذلك بقي المسيا بعيدا وسمح للعدو باستخدام قوته حتى في النهاية يصده مقهورا . لقد سمح للعازر أن يجوز تحت سلطان الموت فرأت الأختان النائحتان أخاهما الحبيب مسجى في قبره . عرف المسيا أن تينك الأختين إذ تشخصان في وجه أخيهما الميت فإن إيمانهما بفاديهما سيجوز في محنة قاسية . ومنه عرف أيضا أنه بسبب ذلك الصراع الذي كانتا تجوزان فيه حينئذ سيتقوى إيمانهما ويتألق بلمعان أعظم . تألم وشعر بكل وخزة من وخزات الألم التي حلت بهما . وإذ تأخر عن المجيء إليهما لم يكن ذلك دليلا على فتور محبته لهما لكنه علم أنه ستكون هناك نصرة لهما وللعازر ولنفسه ولتلاميذه .

"لأَجْلِكُمْ" ، "لِتُؤْمِنُوا" أن كل من يمدون أيديهم يتلمسون طريقهم ليلمسوا يد يهوه الهادية ستكون أعظم خيبة تحل بهم هي الوقت الذي تكون فيه معونة يهوه أقرب ما تكون منهم . وسينظرون إلى الوراء شاكرين يهوه على الظلمة التي اكتنفت طريقهم: "يَعْلَمُ يهوه أَنْ يُنْقِذَ الأَتْقِيَاءَ" (2 بطرس 2: 9) . فمن كل تجربة وكل بلية سيخرجهم السيَد بإيمان أقوى واختبار أغنى .

إن المسيا إذ تأخر عن المجيء إلى لعازر كان له قصد رحيم نحو أولئك الذين لم يقبلوه بعد . لقد تأخر حتى بعدما يقيم لعازر من الأموات يقدم لشعبه العنيد العديم الإيمان برهانا آخر على أنه هو حقا "القيامة والحياة" . لم يكن قط يرغب في أن يقطع كل أمل من ذلك الشعب ومن تلك الخراف المسكينة ، خراف بيت إسرائيل الضالة . لقد انسحق قلبه بسبب قساوة قلوبهم ففي رحمته قصد أن يقدم لهم برهانا جديدا على أنه هو الذي يرد النفوس وهو وحده الذي يستطيع أن ينير الحياة والخلود . وسيكون هذا برهانا لن يستطيع الكهنة أن يحرّفوه أو يسيئوا تأويله . كان هذا هو السبب في تأخره عن الذهاب إلى بيت عنيا . فتلك المعجزة الختامية ، أي إقامة لعازر قصد بها أن تختم بختم يهوه على خدمة المسيا ودعواه بالألوهية .

رسالة إلى مرثا

في الطريق إلى بيت عنيا كان يهوشوه يخدم المساكين ويشفي المرضى كما كانت عادته دائما . وعند وصوله إلى بيت عنيا أرسل إلى الأختين رسولا ينبئهما بقدومه ، إذ لم يرد المسيا أن يدخل البيت في الحال بل ظل في مكان هادئ بجانب الطريق . إن مظاهر الحزن التي كان اليهود يحرصون عليها عند موت حبيب أو قريب كانت مخالفة لروح المسيا . لقد سمع أصوات الصراخ والعويل من أفواه أناس مأجورين للندب ولذلك لم يرد أن يقابل الأختين في وسط مشهد تلك الضجة العظيمة . وكان بين الأصدقاء النائحين بعض أقارب العائلة ، وبعض منهم يشغلون مراكز سامية ويضطلعون بمسؤوليات جسام في أورشليم . وكان بين هؤلاء جماعة من ألد أعداء المسيا . وقد عرف المسيا نواياهم ولهذا لم يظهر نفسه في الحال .

قدمت الرسالة إلى مرثا بكل هدوء بحيث لم يستطع أحد غيرها أن يسمعها . وإذ كانت مريم في غمرة حزنها لم تسمع تلك الرسالة . فقامت مرثا في الحال وذهبت لمقابلة سيدها . أما مريم فإذ كانت تظن أن أختها ذهبت إلى قبر أخيها استمرت جالسة في البيت في حزن صامت وكآبة خرساء .

أسرعت مرثا لملاقاة يهوشوه وقد اهتاجت في نفسها انفعالات متضاربة . قرأت في وجه السيد المعبر نفس ملامح الرقة والمحبة التي كانت ترى على محياه دائما . ولم تتزعزع ثقتها به ، إلاّ أنها فكرت في أخيها الحبيب الذي كان يهوشوه أيضا يحبه . وكان الحزن يغلي في قلبها لأن يهوشوه تأخر في المجيء ، ومع ذلك فإنها حتى الآن كانت ترجو أنه قد يعمل شيئا لتعزيتهما ، فقالت: "يَا سَيِّدُ ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي!" (يوحنا 11: 21) . لقد ظلت تانك الأختان الحزينتان ترددان هذا القول مرارا عديدة في وسط ضجة النائحين والنائحات .

وبشفقة بشرية وحنان إلهي نظر يهوشوه إلى وجهها الحزين الذي أضنته الهموم . ولم تكن مرثا ترغب في سرد تفاصيل تلك الفجيعة التي ألمت بها وبأختها ، بل عبرت عن ذلك كله بكلماتها المفعمة حزنا وشجنا حين قالت: "يَا سَيِّدُ ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي!" ولكنها إذ تطلعت في وجهه المحب أضافت قائلة: "لكِنِّي الآنَ أَيْضًا أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا تَطْلُبُ مِنَ يهوه يُعْطِيكَ يهوه إِيَّاهُ" (يوحنا 11: 22) .

امتحان الإيمان

شجع يهوشوه إيمانها بقوله: "سَيَقُومُ أَخُوكِ" (يوحنا 23:11) . لم يكن يقصد بجوابه أن يلهمها بالرجاء في تغيير مباشر . بل طار بأفكار مرثا إلى ما يأتي بعد قيامة أخيها وثبتها في قيامة الأبرار . فعل هذا لكي ترى مرثا في قيامة لعازر ضمانا لقيامة كل الأموات الأبرار وتأكيدا بأنها ستتم بقوة المخلص .

"قَالَتْ لَهُ مَرْثَا: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي الْقِيَامَةِ ، فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" (يوحنا 11: 24) .

وإذ كان يهوشوه لا يزال يحاول أن يوجه إيمانها إلى الوجهة الصحيحة أعلن قائلا لها: "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ" (يوحنا 11: 25) . في المسيا الحياة الأصيلة التي ليست مستعارة ولا مشتقة "مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ" (يوحنا 11: 25) . إن ألوهية المسيا هي يقين المؤمن بالحياة الأبدية . وقد قال يهوشوه لمرثا: "مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ . أَتُؤْمِنِينَ بِهذَا؟" (يوحنا 25:11, 26) . إن المسيا هنا ينظر إلى الأمام إلى مجيئه الثاني . حينئذٍ سيقام الأبرار الأموات عديمي فساد ، أما الأبرار الأحياء فسينقلون إلى السماء بدون أن يروا الموت . إن المعجزة التي كان المسيا مزمعا أن يصنعها بإقامة لعازر من الأموات كانت ستمثل قيامة كل الأموات الأبرار . لقد أعلن بكلامه وأعماله أنه صانع القيامة ومبدعها . وذاك الذي كان مزمعا أن يموت على الصليب وقف وبيده مفاتيح الموت ظافرا على القبر مؤكدا حقه وسلطانه على منح الحياة الأبدية .

"لَوْ كُنْتَ ههُنَا"

وإذ سأل المخلص مرثا قائلا: "أَتُؤْمِنِينَ بِهذَا؟" ، أجابته بقولها: "نَعَمْ يَا سَيِّدُ . أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمسيا ابْنُ يهوه ، الآتِي إِلَى الْعَالَمِ" (يوحنا 11: 27) . إنها وإن تكن لم تدرك كلام المسيا بكامل معناه فقد اعترفت بإيمانها بألوهيته وثقتها بقدرته على أن يتمم كل ما يريد أن يصنعه .

"وَلَمَّا قَالَتْ هذَا مَضَتْ وَدَعَتْ مَرْيَمَ أُخْتَهَا سِرًّا ، قَائِلَةً:«الْمُعَلِّمُ قَدْ حَضَرَ ، وَهُوَ يَدْعُوكِ" (يوحنا 11: 28) . لقد أبلغتها هذه الرسالة بسرية تامة وبكل هدوء معبر لأن الكهنة والرؤساء كانوا متأهبين للقبض على يهوشوه حالما تسنح الفرصة . وقد حال صراح النائحات دون سماع الناس لكلامها .

عندما سمعت مريم تلك الرسالة قامت سريعا وتركت الغرفة وقد ارتسمت على وجهها أمارات الاشتياق . وإذ ظنت النادبات أنها ذاهبة إلى القبر لتبكي هناك تبعنها . وحينما وصلت إلى المكان الذي كان يهوشوه منتظرا فيه خرت عند رجليه ثم انفرجت شفتاها المرتعشتان من فرط الانفعال عن هذا القول: "يَا سَيِّدُ ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي!" (يوحنا 11: 32) . لقد كانت صرخات النائحات مؤلمة لقلبها ، لأنها كانت تتوق إلى أن تتحدث مع يهوشوه حديثا قصيرا هادئا وحدها . ولكنها كانت تعلم الحسد والغيرة اللذين كانا رابضين في قلوب بعض أولئك الناس الموجودين هناك ضد المسيا . ولذلك ضبطت شعورها ولم تعبر عن حزنها تعبيرا كاملا .

"فَلَمَّا رَآهَا يهوشوه تَبْكِي ، وَالْيَهُودُ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهَا يَبْكُونَ ، انْزَعَجَ بِالرُّوحِ وَاضْطَرَبَ" (يوحنا 11: 33) . لقد عرف قلوب كل أولئك المجتمعين ، وعرف أن كثيرين ممن كان يبدو على وجوههم الحزن كان كل ذلك مجرد تظاهر وادعاء . كما عرف أن بين ذلك الجمع بعض من كانوا يتظاهرون بحزن ريائي بينما كانوا يدبرون الخطط للقضاء على صانع المعجزات العظيم ، وليس إياه فقط بل كانوا سيخططون أيضا لقتل ذاك الذي هو مزمع أن يقيمه من الأموات . كان المسيا قادرا على أن يجردهم من ثوب الرياء الذي كانوا يستترون به ، رداء الحزن الزائف المتصنع . ولكنه كظم غضبه العادل . والكلام الذي كان يستطيع أن ينطق به بكل صدق ويقين لم يتفوه به تقديرا لعواطف تلك المحبوبة الجاثية عند قدميه في حزن وانسحاق وهي مؤمنة به إيمانا حقيقيا .

دموع الحنان

سألهم يهوشوه قائلا: "«أَيْنَ وَضَعْتُمُوهُ؟» قَالُوا لَهُ:«يَا سَيِّدُ ، تَعَالَ وَانْظُرْ»" (يوحنا 11: 33) . فساروا جميعهم معه إلى القبر . كان المشهد مبكيا . لقد كان لعازر محبوبا جدا وقد بكته أختاه بحرقة من قلبين منسحقين . كما أن أصدقاء الميت مزجوا دموعهم بدموع تينك الأختين المفجوعتين . فأمام هذه الأحزان والآلام البشرية ، وأمام حقيقة كون أولئك الأصدقاء يبكون على ذلك الميت في حين أن مخلص العالم كان واقفا بينهم- "بَكَى يهوشوه" (يوحنا 11: 35) . ومع كونه ابن يهوه فقد اتخذ طبيعة بشرية وتأثر بأحزان البشر . فقلبه الرقيق العطوف يستيقظ دوما بالعطف على المتألمين . إنه يبكي مع الباكين كما يفرح مع الفرحين .

ولكنه بكى ليس فقط بسبب عطفه البشري على مريم ومرثا ، بل كان في دموعه حزن يفوق أحزان البشر كما علت السماوات فوق الأرض . إن المسيا لم يبكِ على لعازر فقد كان مزمعا أن يدعوه ليخرج من قبره . ولكنه بكى لأن كثيرين ممن كانوا يبكون على لعازر آنئذٍ كانوا موشكين أن يتآمروا على قتل ذاك الذي هو القيامة والحياة . ولكن كم كان أولئك اليهود غير المؤمنين عاجزين عن التعليل عن بكائه ! إن البعض منهم ممن لم يكونوا يرون شيئا أكثر من الظروف الخارجية للمشهد الذي أمامهم كسبب لحزن الفادي جعلوا يتهامسون قائلين: "انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ يُحِبُّهُ!" (يوحنا 11: 36) . وآخرون جربوا أن يزرعوا روح الشك في قلوب الحاضرين فقالوا ساخرين: "أَلَمْ يَقْدِرْ هذَا الَّذِي فَتَحَ عَيْنَيِ الأَعْمَى أَنْ يَجْعَلَ هذَا أَيْضًا لاَ يَمُوتُ؟" (يوحنا 11: 37) وكأنهم يريدون أن يقولوا: إذا كان في مقدور المسيا أن ينقذ لعازر فلماذا تركه يموت؟

إن المسيا رأى بعين النبوة عداوة الفريسيين والصدوقيين له ، وعرف أنهم يتدبرون أمر قتله . وعرف أن بعض أولئك الذين يتظاهرون الآن بالعطف الشديد سيغلقون بعد قليل دون نفوسهم باب الرجاء وأبواب مدينة يهوه . إن مشهد إذلاله وصلبه صار وشيكا وسيكون من نتائجه خراب أورشليم . وفي ذلك الحين لن ينوح أحد على الأموات . والقصاص الذي كان قادما على أورشليم ظهر واضحا أمام المسيا . فقد رأى تلك المدينة محاطة بجيوش الرومان . وعرف أن كثيرين ممن يبكون الآن على لعازر سيموتون في حصار المدينة ، وفي موتهم لن يكون لهم رجاء .

إن المسيا لم يبكِ فقط من تأثير المشهد الذي كان مائلا أمام عينيه ، فلقد كان يحمل عبئا ثقيلا هو عبء آلام الناس وأحزانهم مدى الأجيال . لقد رأى الآثار الرهيبة لتعدي الناس شريعة يهوه . لقد رأى في تاريخ العالم منذ مات هابيل أن الصراع الهائل بين الخير والشر لم يخمد أواره بعد . وإذ نظر إلى الأمام إلى السنين القادمة رأى الآلام والأحزان والدموع والموت الذي هو نصيب كل إنسان . لقد أحس بالآلام تعتصر قلبه وهو يرى آلام الأسرة البشرية في كل الأجيال والأمصار . إن بلايا الجنس البشري الخاطئ ثقلت على نفسه فانفجرت ينابيع دموعه عندما تاق لأن يخفف من هول تلك البلايا .

البشرية تتحد بالألوهية

"فَانْزَعَجَ يهوشوه أَيْضًا فِي نَفْسِهِ وَجَاءَ إِلَى الْقَبْرِ" (يوحنا 11: 38) . كان لعازر قد دفن في كهف منقور في الصخر وقد وضع حجر هائل على باب القبر . فقال المسيا: "ارْفَعُوا الْحَجَرَ!" (يوحنا 11: 39) . فإذ ظنت مرثا أنه يريد فقط أن يلقي نظرة على الجثمان عارضت في ذلك قائلة أن جثمان أخيها له في القبر أربعة أيام وأنه قد أنتن ودب فيه الفساد . فهذا التصريح الذي نطقت به مرثا قبيل إقامة لعازر قطع على أعداء المسيا خط الرجعة فلم يعد لهم مجال لأن يقولوا أن في الأمر خديعة . كان الفريسيون فيما مضى يذيعون الأكاذيب عن أعجب مظاهر قدرة يهوه . فعندما أقام ابنة يايرس كان قد قال: "لَمْ تَمُتِ الصَّبِيَّةُ لكِنَّهَا نَائِمَةٌ" (مرقس 5: 39) . فإذ كانت مدة مرضها قصيرة وأقيمت حالا بعد الموت أعلن الفريسيون أن الصبية لم تمت وأن المسيا نفسه أعلن أنها نائمة . كانوا قد أوهموا الشعب أن المسيا لا يقدر أن يشفي الأمراض وأنه كان هنالك تلاعب خبيث شرير في معجزاته . ولكن في هذه المرة لم يمكن لأحد أن ينكر حقيقة كون لعازر قد مات بكل تأكيد .

إن السيَد عندما يشرع في عمل فالشيطان يحرض أحد الناس لكي يعارض في ذلك . قال يهوشوه: "ارْفَعُوا الْحَجَرَ!" (يوحنا 11: 39) . وكأنما هو يقول لهم: على قدر الإمكان أعدوا لي الطريق لأعمل . ولكن طبيعة مرثا الحازمة الطموح فرضت نفسها على ذلك الجمع . فلم تكن ترغب في أن ذلك الجسم المتعفن يكشف لعيون الناس . إن القلب البشري بطيء في فهم كلام المسيا . ولم يكن إيمان مرثا قد أدرك المعنى الحقيقي لوعده .

وبخ المسيا مرثا ، ولكن كلامه كان رقيقا إلى أقصى حد ، إذ قال لها: "أَلَمْ أَقُلْ لَكِ: إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ يهوه؟" (يوحنا 11: 40) لماذا تشكين في قدرتي؟ لماذا تفكرين ضداً لمطاليبي؟ لقد قدمت لك وعدي فإن آمنت سترين مجد يهوه . إن المستحيلات الطبيعية لا يمكنها أن تعيق عمل يهوه القادر على كل شيء . وإن الشك وعدم الإيمان ليسا دليلا على التواضع . الإيمان الثابت بوعد المسيا هو الوداعة الحقيقية والتسليم الحقيقي للنفس .

"ارْفَعُوا الْحَجَرَ!" . كان المسيا يستطيع أن يأمر الحجر فيتدحرج بعيدا إطاعةً لكلمته . وكان يستطيع أن يأمر الملائكة الذين كانوا بجواره أن يفعلوا ذلك ، وامتثالا لأمره كانت تلك الأيادي غير المنظورة ترفع الحجر . ولكن كان ينبغي أن ترفعه الأيدي البشرية . وهكذا أرانا المسيا أن الإنسان يجب عليه أن يتعاون مع يهوه . فما تستطيع القوة البشرية أن تفعله لا يطلب من القوة الإلهية أن تعمله . ويهوه لا يستغني عن معاونة الإنسان . ولكنه يقويه ويتعاون معه عندما يستخدم قواه وإمكانياته المعطاة له .

وقد أطاعوا أمره ورفعوا الحجر ، وعمل كل شيء بترو علناً أمام الناس . وأعطيت للجميع فرصة لأن يتحققوا من أن ليس في الأمر أي خداع . فهناك كان جثمان لعازر موضوعا في قبر صخري ، وكان باردا إذ أسكته الموت ، وقد سكنت ضجة النائحين . وإذ كان ذلك الجمع ذاهلا ومترقبا وقفوا متجمهرين حول القبر منتظرين ما سيحدث بعد ذلك .

واهب الحياة

ها المسيا يقف هادئا أمام القبر ، وها الخشوع المقدس يسود على الجميع . وبعدما يقترب المسيا من القبر يرفع عينيه نحو السماء ويقول: "أَيُّهَا الآبُ ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي" (يوحنا 11: 41) . كان أعداء المسيا قد اتهموه منذ عهد قريب بالتجديف ورفعوا حجارة ليرجموه لأنه قال عن نفسه أنه ابن يهوه . واتهموه أيضا بأنه يصنع المعجزات بقوة الشيطان . ولكن ها هو المسيا الآن يدَّعي بأن يهوه أبوه ، وبثقة كاملة يعلن أنه ابن يهوه .

إن المسيا كان متعاونا مع أبيه في كل عمل عمله . وكان حريصا دائما على أن يبرهن على أنه لا يعمل مستقلا . وقد أجرى معجزاته مستندا على قوة الإيمان والصلاة . كان المسيا يرغب في أن يعرف الجميع صلته بأبيه ، فصلى قائلا: "أَيُّهَا الآبُ ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي ، وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي . وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا الْجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ ، لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي" (يوحنا 41:11, 42) . وهنا قدم للتلاميذ وللشعب أقطع برهان فيما يختص بالعلاقة الكائنة بين المسيا ويهوه . وكان سيتضح لهم أن دعوى المسيا لم تكن خداعا ولا تضليلا .

"وَلَمَّا قَالَ هذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «لِعَازَرُ ، هَلُمَّ خَارِجًا !»" (يوحنا 11: 43) . إن صوته الواضح النافذ يخترق إذني الميت . وإذ يتكلم تتجلى الألوهية متألقة في البشرية . فرأى الناس في وجهه الذي تجلى عليه مجد يهوه ، اليقين على قدرته العظيمة . ثم اتجهت كل العيون نحو باب القبر وأضاء الجميع بأسماعهم إلى أخف صوت . وباهتمام وتوتر عظيم ينتظر الناس كلهم نتيجة امتحان ألوهية المسيا والبرهان الذي يدعم بالحجة القاطعة دعواه على أنه ابن يهوه ، أو يخمد الرجاء إلى الأبد .

فحدثت حركة في القبر الساكن ، وذاك الذي كان ميتا رؤي واقفا في باب القبر . ولكن الأكفان التي كان ملفوفا بها عاقته عن الحركة . فقال المسيا لأولئك المشاهدين الذاهلين: "حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ" (يوحنا 11: 44) . ومرة أخرى أراهم أن العامل البشري يجب أن يكون عاملا ومتعاونا مع يهوه . فعلى الناس أن يخدموا بنى جنسهم . وها هو لعازر بعدما تخلص من أكفانه يقف أمام ذلك الجمع ليس كرجل مضنى أو مريض ، ولا يبدو أن أعضاء جسمه واهنة أو مترنحة بل يقف كرجل في ملء الصحة وعنفوان الشباب ونشاط الرجولة الكريمة النبيلة ، ومن عينيه تشع أنوار الذكاء ، وفي حب غامر لمخلصه يخر أمامه بخشوع ساجدا عند قدميه .

أما الجموع فقد أبكمتهم الدهشة في بادئ الأمر ، وبعد ذلك تعالت أصوات الفرح والشكر الذي لا يمكن التعبير عنه . وقد تقبلت الأختان أخاهما بعد قيامته على أنه عطية يهوه لهما . وبدموع الفرح عبرتا عن شكرهما للسيد بكل تواضع . ولكن فيما كان الأخ وأختاه وأصدقاؤهم فرحون باجتماع شملهم ثانية انسحب يهوشوه بعيدا عن ذلك المشهد . وإذ كانوا يبحثون عن مانح الحياة لم يجدوه .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App