5. مؤامرات الكهنة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كانت بيت عنيا قريبة جدا من أورشليم بحيث أن نبأ إقامة لعازر وصل إلى المدينة بسرعة عظيمة . فبواسطة الجواسيس الذين شاهدوا تلك المعجزة علم الرؤساء بكل ما قد حدث على وجه السرعة . وفي الحال انعقد مجمع السنهدريم ليقرروا ما ينبغي أن يفعلوه . كان المسيا حينئذٍ قد برهن بكل وضوح على أن له السلطان على الهاوية والموت . فتلك المعجزة العظيمة كانت هي البرهان النهائي القاطع المقدم من يهوه للناس على أنه قد أرسل ابنه إلى العالم ليخلصهم . لقد كانت دليلا واضحا على قدرة يهوه وكافية لإقناع كل عقل مدرك رشيد وكل ضمر حي مستنير . وكثيرون ممن شاهدوا إقامة لعازر آمنوا بيهوشوه ، ولكن عداوة الكهنة له زادت وتفاقمت . لقد رفضوا كل البراهين الأخرى على ألوهيته ، ولكن هذه المعجزة الجديدة زادتهم سخطا على سخط . إن لعازر أقيم في وضح النهار وأمام جمع كبير من الشهود . فلم يمكن لأية خدعة أو حيلة أن تدحض مثل هذا البرهان . ولهذا السبب عينه زادت عداوة الكهنة وصارت مميتة إلى أقصى حد . وقد زاد إصرارهم الآن أكثر مما في أي وقت مضى على أن يجعلوا حدا ونهاية لأعمال المسيا ونشاطه .

 إن الصدوقيين مع أنهم لم يكونوا على وفاق مع المسيا لم تصل عداوتهم له إلى الحد الذي وصلت إليه عداوة الفريسيين ولم تكن من الشدة والمرارة كما كانت عداوة الفريسيين . ولكن ها هم الآن يفزعون أشد الفزع . لم يكونوا يعتقدون بقيامة الأموات . وقد قادهم العلم الكاذب الاسم إلى أن يتحاجوا قائلين إنه من المستحيل أن تعود الحياة إلى جسم ميت . ولكن بكلمات قليلة من فم المسيا بطلت نظريتهم وتلاشت . فاتضح لكل الناس أن الصدوقيين لا يعرفون الكتب ولا قوة يهوه . رأوا أنه من غير الممكن إزالة التأثير الذي حدث في عقول الشعب وقلوبهم بسبب تلك المعجزة . فكيف يرتد الناس عن يهوشوه وقد انتصر إذ انتزع الميت من قبره . لقد تناقلت الألسنة كثيرا من البلاغات الكاذبة ولكن لا يمكن لأحد أن ينكر تلك المعجزة ، ولم يكونوا يعرفون كيف يعطلون أو يبطلون تأثيرها . إلى هذا الحد لم يشجع الصدوقيون التدبير الذي يستهدف قتل المسيا ، ولكن بعد إقامته لعازر قرروا أنه لن يمكن إسكات تشهيره الجريء بهم إلاّ إذا مات .

مؤامرة لقتله

أما الفريسيون فكانوا يؤمنون بالقيامة ، ولم يسعهم إلاّ أن يروا أن هذه المعجزة كانت برهانا قويا على أن مسيا نفسه في وسطهم . ولكنهم كانوا دائما يقاومون عمل المسيا . فمن بادئ الأمر أبغضوه لأنه فضح ادعاءاتهم ورياءهم . لقد مزق رداء الطقوس الصارمة التي كانوا يخفون تحتها العيوب والنقائص الأخلاقية . كما أن الديانة الطاهرة التي علم بها دانت اعترافهم الفارغ بالتقوى ، فكانوا متعطشين إلى الانتقام منه بسبب توبيخاته الجارحة . لقد حاولوا إثارته ليقول أو يفعل ما يمكن أن يكون علة لإدانته . وحاولوا مرارا أن يرجموه ولكنه كان ينسحب بهدوء ويغيب عن أنظارهم .

ثم أن المعجزات التي كان يصنعها في يوم السبت كانت كلها للتخفيف من آلام المتألمين ولكن الفريسيين طلبوا إدانته كمن هو ناقض السبت . وحاولوا إثارة الهيرودسيين ضده . لقد صوروه على أنه يحاول إقامة مملكة منافسة فتباحثوا معهم في كيف يهلكونه . وحتى يثيروا ثائرة الرومان ضده صوّروه كمن يحاول هدم سلطتهم . ولقد استخدموا كل وسيلة لملاشاة تأثيره على الشعب . ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل وأحبطت . فالجموع الذين شاهدوا أعمال رحمته وسمعوا تعاليمه النقية المقدسة عرفوا أن هذه لم تكن أقوال أو أعمال إنسان ناقض للسبت أو مجدف . وحتى الخدام الذين أرسلهم الفريسيون ليمسكوه كان لأقواله تأثير مدهش عليهم فلم يستطيعوا أن يلقوا عليه يدا . إن اليهود في يأسهم وتهورهم أصدروا أمرا أن كل من اعترف بالإيمان به يطرد من المجمع .

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس يوم السبت الحالي (Saturday).  يجب أيضاً الأخذ في الاعتبار أنّ السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الغريغوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائماً في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر قمري، الأمر الذي لا يستطيع أن ينجزه أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.

وهكذا إذ اجتمع الكهنة والرؤساء مع الشيوخ ليتشاوروا معا كان قرارهم وتصميمهم القاطع هو إسكات ذاك الذي عمل تلك الأعمال العجيبة التي أدهشت كل الناس . وهكذا زاد ارتباط الفريسيين بالصدوقيين وتقربهم منهم عما كان قبلا . فمع أنهم كانوا قبلا منقسمين على بعضهم فقد اتفقت كلمتهم الآن على مقاومة المسيا . لقد استطاع نيقوديموس ويوسف الرامي فيما مضى أن يمنعاهم من إدانة يهوشوه ، ولذلك لم يدعيا الآن إلى هذا الاجتماع . وكان حاضرا في اجتماعهم هذا رجال ذوو نفوذ ممن كانوا قد آمنوا بيهوشوه ولكن نفوذهم كان ضئيلا وضعيفا أمام نفوذ الفريسيين الحاذقين الماكرين .

ومع ذلك فإن أعضاء المجمع لم تتفق كلمتهم . ولم يكن السنهدريم في ذلك الوقت مجمعا قانونيا ، والسبب في وجوده هو تساهل الرومان . وقد تساءل بعض أعضائه عن الحكمة في القضاء على المسيا بالموت وكانوا يخشون من حدوث ثورة وشغب في الشعب فيكون من نتائج ذلك أن يسحب الرومان من الكهنة امتيازات جديدة وأن يؤخذ منهم السلطان الذي لا يزال بين أيديهم . لقد أجمع رأي الصدوقيين على كراهة المسيا . ومع ذلك فقد آثروا الحذر في تحركاتهم لئلا يحرمهم الرومان من مركزهم السامي .

إنسان واحد يجب أن يموت

في هذا المجمع الذي اجتمع اعضاؤه لإعداد خطة لاهلاك المسيا ، كان حاضرا الشاهد الذي كان قد سمع تشدق نبوخذنصر ، والذي شاهد الوليمة الوثنية التي أقامها بيلشاصر ، والذي كان حاضرا عندما أعلن المسيا في الناصرة أنه مسيا . كان هذا الشاهد يؤثر على الرؤساء بالعمل الذي كانوا يعملونه . فلقد مرت أمام أذهانهم حوادث في حياة المسيا بوضوح مفزع لهم . ذكروا المشهد الذي كان في الهيكل عندما وقف يهوشوه في صباه وهو في الثانية عشرة من عمره أمام أولئك المعلمين المتجرين بالعلم والذين كانوا حجة في الناموس وجعل يسألهم أسئلة أذهلتهم . والمعجزة التي قد أجراها حديثا برهنت بما لا يحتمل الشك على أنه لابد أن يكون هو ابن يهوه ، كما برقت في أذهانهم أقوال أسفار العهد القديم في دلالتها الحقيقية وعلاقتها بالمسيا . إن الرؤساء في حيرتهم وضيقهم وارتباكهم سألوا قائلين: "مَاذَا نَصْنَعُ؟" (يوحنا 11: 47) . فحدث انشقاق في المجمع . وتحت تأثير الروح القدس لم يستطع الكهنة ولا الرؤساء طرد الاقتناع بأنهم إنما يحاربون يهوه .

وإذ كان المجمع في أقصى حالات حيرته وارتباكه وقف قيافا رئيس الكهنة ، وكان رجلا متكبرا وقاسيا ومتصلفا ومتعصبا . وقد كان بين أفراد أسرته صدوقيون متكبرون حسودون متهورون امتلأت قلوبهم بالطموح والقسوة ، وكانوا يخفون ذلك كله تحت رداء البر الذاتي المصطنع . كان قيافا قد درس النبوات ومع جهله بمعناها الحقيقي فقد تكلم بسلطان ويقين عظيمين قائلا: "أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ شَيْئًا ، وَلاَ تُفَكِّرُونَ أَنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلاَ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا!" (يوحنا 11: 49، 50) . قال رئيس الكهنة إنه حتى لو كان يهوشوه بريئا فلا بد من إزاحته من الطرق ، فهو مزعج لنا إذ أنه يجتذب الناس إلى شخصه ويقلل من سلطة الرؤساء . وهو فرد ، وخير لنا أن يموت من أن يضعف سلطة الرؤساء . فإذا ضاعت ثقة الشعب برؤسائهم فلابد من أن يتلاشى سلطان الأمة . ثم قال قيافا إنه بعد إجراء هذه المعجزة من المرجح أن يقوم اتباع يهوشوه بثورة وسيأتي الرومان ويغلقون أبواب الهيكل ويبطلون شرائعنا ويهلكوننا كأمة . فكم تساوي حياة هذا الجليلي بالنسبة إلى حياة الأمة . وإن كان وجوده عائقا لرفاهية بني إسرائيل ، ألسنا إذا بمقدمين خدمة ليهوه باستئصاله من الوجود ؟ خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها .

إن قيافا إذ أعلن أنه ينبغي أن يموت إنسان واحد عن الشعب برهن على أن له بعض الإلمام بالنبوات وإن تكن معرفته محدودة جدا . ولكن يوحنا إذ يصف ذلك المشهد يأخذ النبوة مبينا معناها الواسع العميق ، فيقول ، "وَلَيْسَ عَنِ الأُمَّةِ فَقَطْ ، بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ يهوه الْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى وَاحِدٍ" (يوحنا 11: 52) . بأية غباوة يعترف قيافا المتعجرف بمهمة المخلص !

إن هذا الحق الثمين جدا الذي نطق به قيافا استحال إلى أكذوبة . فالسياسة التي دافع عنها كانت تستند على مبدإ مستعار من الوثنية ، إذ أن إحساس الوثنيين الغامض بأنه ينبغي أن يموت إنسان واحد عن الجنس البشري قادهم إلى تقديم الذبائح البشرية . وهكذا اقترح قيافا أن تخلص الأمة المذنبة بالتضحية بيهوشوه ، ليس من خطاياهم بل وهم في خطاياهم لكي يداوموا على ارتكاب الخطية . وبهذه المحاجة ظن أنه يمكنه أن يسكت احتجاجات أولئك الذين قد يتجرأون على القول بأنه إلى الآن لم يوجد في يهوشوه ما يستوجب إماتته .

في قبضة الشيطان

في هذا المجمع نُخس أعداء المسيا في ضمائرهم بشدة ، فلقد أثر الروح القدس في عقولهم ولكن الشيطان حاول السيطرة عليهم ، وجعلهم يفكرون في المضايقات والمتاعب التي قد تحملوها بسبب المسيا ، فما كان أقل تقديره لبرهم . لقد قدم برا أعظم كثيرا من برهم ، البر الذي ينبغي أن يحصل عليه كل من يرغبون في أن يكونوا أولادا ليهوه . وإذ لم يكن يحفل بطقوسهم أو عوائدهم أو تقاليدهم شجع الخطاة على الإتيان إلى يهوه مباشرة كالآب الرحيم ليخبروه باحتياجاتهم . وقد فكروا أنه بهذا قد ألقى بالكهنوت جانبا . لقد رفض الاعتراف بعلوم مدارس اللاهوت اليهودية ، وعرَّض بشرور الكهنة وفضح رذائلهم وأضر بنفوذهم ضررا بليغا لا يمكن إصلاحه . كما أضر أيضاً بتأثير مبادئهم وتقاليدهم معلنا أنه مع كونها تلزم الناس بمراعاة الناموس الطقسي فقد جعلت شريعة يهوه باطلة . كل هذا ذكرهم به الشيطان .

وقد أخبرهم الشيطان أيضاً أنهم لكي يحتفظوا بسلطتهم ينبغي لهم أن يقضوا على يهوشوه بالموت ، فاتبعوا مشورته . إن حقيقة كونهم قد يفقدون سلطانهم الذي كانوا يتمتعون به ويمارسونه حينئذ كانت كافية ، كما ظنوا ، لأن تجعلهم يقومون بعمل حاسم . إن رجال السنهدريم باستثناء الجماعة القليلة التي لم تكن تجرؤ على المجاهرة بأفكارها ، قبلوا كلام قيافا على أنه كلام يهوه ، فسُرِّي عن المجلس وانتهى النزاع . ثم عقدوا العزم على قتل المسيا عند أول فرصة مواتية . وإذ رفض الكهنة قبول البرهان على ألوهية يهوشوه حبسوا أنفسهم هم والرؤساء في ظلمة كثيفة داجية . لقد خضعوا للشيطان خضوعا كاملا ليسوقهم إلى حافة الهلاك الأبدي . ومع ذلك فقد أحكم الشيطان خداعهم إلى حد أنهم باتوا راضين عن أنفسهم . لقد اعتبروا أنفسهم رجالا محبين لوطنهم طالبين خلاص أمتهم .

"فَاهْرُبُوا" 

ومع ذلك فقد كان أعضاء مجلس السنهدريم يخشون مغبة اتخاذ أي إجراءات طائشة ضد يهوشوه لئلا تثور ثائرة الشعب ويرتد على رؤوسهم الظلم الذي فكروا في إيقاعه به . ولهذا أجل المجلس تنفيذ حكمه الذي نطق به . عرف المخلص بمؤامرات الكهنة ضده وعلم أنهم كانوا يتوقون للقضاء عليه والتخلص منه وأنهم سينفذون غرضهم سريعا . ولكن السيد لم يرد الإسراع بإحداث الأزمة فانسحب من ذلك الإقليم ومعه تلاميذه . وهكذا نفذ يهوشوه المبدأ الذي علم به تلاميذه إذ قال: "وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ فَاهْرُبُوا إِلَى الأُخْرَى" (متى 10: 23) . لقد كان هناك حقل واسع فيه يباشر عمل خلاص النفوس . ولم يكن عبيده ليخاطروا بحياتهم إلاّ إذا كان ولاؤهم له يستلزم ذلك .

كان يهوشوه قد خدم العالم خدمة جهارية مدة ثلاث سنين ، ومثاله ، مثال الإحسان النزيه المنكر لذاته كان ماثلا أمامهم وحياته ، حياة الطهارة واحتمال الألم والتكريس كانت معروفة لدى الجميع . ومع ذلك ففترة الثلاث سنوات القصيرة كانت طويلة بقدر ما يستطيع العالم أن يحتمل وجود فاديه .

وطيلة حياته احتمل صنوفا من الاضطهادات والإهانات . فإذ طرده من بيت لحم ملك حسود ، ورفضه شعبه في الناصرة ، وحكم عليه بالموت ظلما "بدون علة في أورشليم" وجد يهوشوه هو وأتباعه الأمناء القليلون ملاذا مؤقتا في مدينة غريبة . فذاك الذي كان يتألم دائما لآلام الناس ، والذي شفى المرضى وأعاد البصر للعميان والسمع للصم وقوة النطق للبكم ، والذي أشبع الجياع وعزَّى المحزونين طُرِد من بين شعبه الذين قد تعب ليخلصهم ، ذاك الذي مشى على لجج المياه الثائرة وبكلمة أسكت البحر الغاضب وهدَّأ العواصف الثائرة ، والذي أخرج الشياطين التي في خروجها اعترفت بأنه ابن يهوه والذي أيقظ الموتى وأقامهم وأعاد لهم الحياة ، والذي أذهل الألوف بكلام الحكمة الخارج من شفتيه- لم يستطع الوصول إلى قلوب أولئك الذين قد أعماهم التعصب والكراهية ، وبكل صلابة وعناد رفضوا النور .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App