6. قانون الملكوت الجديد
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كان ميعاد عيد الفصح يقترب فسار يهوشوه مرة أخرى إلى أورشليم ، وكان قلبه عامرا بسلام اتحاده الكامل بارادة يهوه ، فبخطوات مشتاقة سريعة سار متقدما إلى الأمام حيث موضع الذبيحة . أما التلاميذ فقد ساورهم إحساس غامض فيه كثير من الشك والخوف ، "وَكَانُوا فِي الطَّرِيقِ صَاعِدِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَقَدَّمُهُمْ يهوشوه ، وَكَانُوا يَتَحَيَّرُونَ . وَفِيمَا هُمْ يَتْبَعُونَ كَانُوا يَخَافُونَ" (مرقس 10: 32) .

ومرة أخرى دعا المسيا تلاميذه الاثني عشر إليه ، وبثبات أعظم مما في أي وقت مضى كشف لهم عن تسليمه وآلامه فقال: "وَأَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ:«هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ ، وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ابْنِ الإِنْسَانِ ، لأَنَّهُ يُسَلَّمُ إِلَى الأُمَمِ ، وَيُسْتَهْزَأُ بِهِ ، وَيُشْتَمُ وَيُتْفَلُ عَلَيْهِ ، وَيَجْلِدُونَهُ ، وَيَقْتُلُونَهُ ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ" (لوقا 18: 31- 34) .

ألم يعلنوا قبيل ذلك في كل مكان مجاهرين وقائلين: "اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ يهوه؟" أو لم يقل المسيا نفسه أن كثيرين سيتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت يهوه ؟ ألم يعد كل من ترك شيئا لأجله بمئة ضعف في هذا الدهر وبنصيب في ملكوته العتيد ؟ أو لم يقدم للاثني عشر وعدا خاصا بأنه سيكون لهم مركز رفيع في ملكوته- أن يجلسوا على كراسي ليدينوا أسباط إسرائيل الاثني عشر ؟ وها هو الآن يقول لهم إنه سيتم كل ما هو مكتوب عنه في الأنبياء . أفلم يتنبأ الأنبياء عن مجد ملك مسيا ؟ على ضوء هذه الأفكار بدا كلامه عن التسليم والاضطهاد والموت ملتبسا ومبهما وغامضا . لقد اعتقدوا أن الملكوت سيقام سريعا مهما كانت العقبات والصعوبات التي ستعترضه .

التماس أُم

كان يوحنا بن زبدي أحد التلميذين الأولين اللذين قد تبعا المسيا . وكان هو وأخوه يعقوب من ضمن الفريق الأول الذي تركوا كل شيء في سبيل خدمته . وبكل سرور تركوا أوطانهم وأصدقاءهم ليكونوا معه . لقد ساروا وتحدثوا معه ، وكانوا معه في الخلوة في البيت وفي المجتمعات العامة . سكن مخاوفهم وأنقذهم من المخاطر وخفف آلامهم وعزاهم في أحزانهم . وبكل صبر ورقة علمهم حتى بدا كأن قلوبهم ارتبطت بقلبه ، وفي حرارة محبتهم تاقوا أن يكونوا أقرب المقربين إليه في ملكوته . وفي كل فرصة ممكنة كان يوحنا يأخذ مكانه إلى جوار المخلص . وكان يعقوب يتوق للتمتع بتلك الصلة وتلك الشركة نفسها مع يهوشوه .

وكانت أمهما تابعة للمسيا ، وبكل سخاء كانت تخدمه من أموالها . وإذ كانت امرأة محبة وطموحة من نحو ابنيها كانت تطمع في أكرم مكان لهما في ملكوته الجديد ، فشجعتهما على أن يطلبا ذلك منه .

وقد جاءت تلك الأم مع ابنيها إلى يهوشوه طالبة منه أن يمنحها الطلبة التي قد وضعا قلبيهما عليها .

فسألهما قائلا: "مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَفْعَلَ لَكُمَا؟" (مرقس 10: 36) . فقالت الأم: "قُلْ أَنْ يَجْلِسَ ابْنَايَ هذَانِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنِ الْيَسَارِ فِي مَلَكُوتِكَ" (متى 20: 21) .

احتملهم يهوشوه بكل رقة ولطف إذ لم يوبخ ذينك التلميذين على أنانيتهما في محاولة تفضيل نفسيهما على إخوتهما . إنه يقرأ مكنونات قلبيهما ويعرف عمق تعلقهما به . إن محبتهما له ليست مجرد عاطفة بشرية ، وإن تكن قد تلوثت بالمجرى الأرضي الذي جرت فيه فإنها نبع يجري من نهر محبته الفادية . إنه لن ينتهر أو يوبخ بل يصل إلى الاعماق ويطهر . فأجاب يهوشوه وقال لهما: "لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ . أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِــي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا ، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِــي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا؟" (متى 20: 22) . لقد ذكرا كلامه العجيب عندما أشار إلى المحاكمة والآلام ، ومع ذلك فبكل ثقة يجيبان قائلين: "نَسْتَطِيعُ" (متى 20: 22) . إنهما يحسبانه أعظم شرف أن يبرهنا على ولائهما له بأن يقاسما سيدهما في كل ما سيحل به .

فقال لهما: "أَمَّا كَأْسِي فَتَشْرَبَانَهَا ، وَبِالصِّبْغَةِ الَّتِــي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ"(متى 20: 23) . كان ينتظره صليب لا عرش وسيعلقون عن يمينه وعن يساره مذنبين . وكان على يعقوب ويوحنا أن يشاطرا سيدهما آلامه . وكان أكبر ذينك الأخوين (يعقوب) مزمعا أن يموت قتلا بالسيف ، أما الآخر فكان سيقاسي آلام الكدح والعار والاضطهاد مدة أطول من جميعهم ثم استطرد يهوشوه فقال: "أَمَّا الْجُلُوسُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ أَبِي" (متى 20: 23) . في ملكوت يهوه لا يمنح المركز الرفيع بالمحسوبية أو المحاباة ولا ينال باستحقاق الإنسان ولا يعطى كمنحة تعسفية ولكنه نتيجة للخلق . إن الإكليل والعرش هما علامة لبلوغ الإنسان حالة خاصة وإتمامه بعض الشروط . وهما علامة على قهر الذات بقوة سيَدنا يهوشوه المسيا .

أعمدة وعروش

بعد ذلك بوقت طويل عندما تجاوب التلميذ مع المسيا عن طريق مشاركته في آلامه أعطى السيَد ليوحنا شرف القربى والحظوة في ملكوته . فلقد قال المسيا: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي ، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ" ، "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي ، وَلاَ يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ ، وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي ... وَاسْمِي الْجَدِيدَ" (رؤيا 3: 21, 12) . وكذلك يكتب بولس الرسول قائلا: "فَإِنِّي أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا ، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ . قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ ، السيَد الدَّيَّانُ الْعَادِلُ" (2 تيموثاوس 4: 6- 8) .

إن من يقف في أدنى قرب من المسيا هو ذاك الذي تشرب أكثر من غيره من روح محبته المضحية بذاتها- المحبة التي "لاَ تَتَفَآخر ، وَلاَ تَنْتَفِخُ ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا ، وَلاَ تَحْتَدُّ ، وَلاَ تَظُنُّ السُّوْءَ" (1 كورنثوس 13: 4, 15)- تلك المحبة التي تحرك التلميذ كما قد حركت السيَد نفسه لبذل كل شيء ، وإلى أن يعيش ويتعب ويضحي حتى الموت لأجل خلاص بني الإنسان . هذه الروح ظهرت في حياة بولس ، فهو الذي قال: "لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمسيا" لأن حياته أعلنت المسيا للناس . ثم قال: "وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ" - ربح المسيا . لأن الموت نفسه سيعلن قوة نعمته ويجمع له نفوسا . كما قال أيضاً: "يَتَعَظَّمُ الْمسيا فِي جَسَدِي ، سَوَاءٌ كَانَ بِحَيَاةٍ أَمْ بِمَوْتٍ"(فيلبى 1: 21, 20) .

التسلط نقيض الخدمة

وعندما سمع العشرة بطلب يعقوب ويوحنا اغتاظوا . إن أرفع مركز في الملكوت كان هو بغية كل التلاميذ الذي كانوا يعلمون به وكان كل منهم يطلبه لنفسه . وقد غضبوا لأن هذين التلميذين حصلا على ما بدا أنه امتياز دونهم جميعا .

ومرة أخرى بدا وكأن المشاجرة عمن يكون الأعظم ستعود للظهور مجددا ، وإذ بيهوشوه يدعو إليه أولئك التلاميذ الغاضبين ليقول لهم: "أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يُحْسَبُونَ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ ، وَأَنَّ عُظَمَاءَهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ . فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ" (مرقس 10: 42، 43) .

في ممالك العالم نجد أن المركز الرفيع معناه تعظيم الذات . وكان مفروضا أن الشعب موجود لأجل منفعة الطبقات الحاكمة . فالنفوذ والثروة والتهذيب كانت من ضمن الوسائل الكثيرة للسيطرة على عامة الناس لأجل منفعة الرؤساء . كان للطبقات الراقية الحق في أن تفكر وتقرر وتتمتع وتحكم ، أما الطبقات الدنيا فكان عليها أن تطيع وتخدم . وقد كان الدين كأي شيء آخر مسألة سلطة ، وكان على أفراد الشعب أن يعتقدوا ويعملوا بموجب ما يمليه عليهم سادتهم . أما حق عامة الشعب في أن يفكروا ويتصرفوا لأنفسهم كأناس عقلاء مسؤولين فكان أمرا غير معترف به .

ولكن المسيا كان يؤسس ملكوته على مبادئ تختلف عن ذلك . فقد دعا الناس لا ليتقلدوا السلطة بل ليخدموا . دعا الأقوياء ليحتملوا أضعاف الضعفاء . فالسلطان والمركز والمنصب والمواهب والتهذيب تجعل أصحابها تحت التزام أعظم بأن يخدموا بني جنسهم . ويمـكن أن يقال حتى لأبسط تلاميذ المسيا: "لأَنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ هِيَ مِنْ أَجْلِكُمْ" (2 كورنثوس 4: 15) .

وبموجب كلام المسيا القائل: "كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (متى 20: 28) . هكذا كان هو بين تلاميذه كالحارس وحامل الأثقال بكل معاني الكلمة . لقد قاسمهم الفقر ، وأنكر نفسه لأجلهم ، وكان يسير في طليعتهم ليمهد ويعبد الأماكن الوعرة في الطريق . وبعد قليل كان عليه أن يكمل عمله على الأرض ببذل حياته للموت . إن المبدأ الذي سار عليه المسيا هو حث وتحميس أعضاء الكنيسة التي هي جسده . إن أساس تدبير الخلاص هو المحبة . ففي ملكوت المسيا نرى أن أولئك الذين يتبعون المثال الذي قدمه ويتصرفون كرعاة للرعية هم الأعظم .

إن كلام بولس يكشف لنا عن العظمة والكرامة الحقيقيتين للحياة المسيحية ، إذ يقول: "فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ ، اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ" ، وأنا "أُرْضِي الْجَمِيعَ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، غَيْرَ طَالِبٍ مَا يُوَافِقُ نَفْسِي ، بَلِ الْكَثِيرِينَ ، لِكَيْ يَخْلُصُوا" (1 كورنثوس 9: 19؛ 10: 33) .

ولكن فيما يختص بالضمير ينبغي أن تترك للنفس الحرية فلا تتقيد بشيء . فينبغي ألاّ يسيطر أي إنسان على عقل إنسان آخر أو يقرر له أو يفرض عليه القيام بأي واجب . إن يهوه يعطي لكل إنسان كامل الحرية ليفكر ويتبع اعتقاداته الخاصة . «كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُعْطِي عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا ليهوه» . لا حق لإنسان أن يدمج شخصيته في شخصية إنسان آخر . ففي كل أمر له مساس بالمبدإ «لْيَتَيَقَّنْ كُلُّ وَاحِدٍ فِي عَقْلِهِ» (رومية 14: 12، 5) . وفي ملكوت المسيا لا ظلم يفرضه السادة الأشراف ، ولا إرغام في العادات أو التصرفات . إن ملائكة يهوه لا ينزلون إلى الأرض لكي يحكموا ويفرضوا على الناس الولاء . بل يأتون كرسل الرحمة ، وليتعاونوا مع الناس رفع شأن البشرية .

إن مبادئ المخلص ونفس الأقوال التي نطق بها في تعاليمه بجمالها الإلهي رسخت في أذهان التلاميذ المحبوبين . إن عبء شهادة يوحنا الذي اضطلع به إلى أخريات أيامه كان هكذا "لأَنَّ هذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنَ الْبَدْءِ: أَنْ يُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا" ، "بِهذَا قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا ، فَنَحْنُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ الإِخْوَةِ" (1 يوحنا 3: 11, 16) .

كانت هذه هي الروح التي سادت في قلوب أعضاء الكنيسة الأولى . فبعدما انسكب الروح القدس "وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ" ، "إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا" ، "وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ السيَد يهوشوه ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ" (أعمال 4: 32, 34, 33) .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App