7. زكّا العشار
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إن يهوشوه إذ كان سائرا في طريقه إلى أورشليم "دَخَلَ وَاجْتَازَ فِي أَرِيحَا" (لوقا 19: 1) . فعلى مسافة أميال قليلة من الأردن في أقصى الغرب من الوادي الذي اتسع وامتد فصار سهلا ، كانت تقع تلك المدينة التي تحيط بها الأشجار الاستوائية والمراعي الخصبة وأشجار نخيلها وبساتينها الغنية التي كانت ترويها ينابيع حية مما جعلها تتألق كما لو كانت حجر زمرد في وسط تلك التلال الجيرية والكهوف الموحشة الواقعة بين أورشليم ومدينة السهل .

قوافل كثيرة وهي سائرة في طريقها إلى العيد اجتازت في أريحا . وكان وصول تلك القوافل إلى هناك مناسبة مبهجة سعيدة ، أما الآن فقد أثار الشعب اهتمام عميق ، فلقد عرف الناس أن المعلم الجليلي الذي كان قد أعاد الحياة إلى لعازر منذ عهد قريب كان بين تلك الجموع . ومع أن كثيرين كانوا يتهامسون في كل مكان عن مؤامرات الكهنة ضده فقد كان الناس جميعهم مشتاقين إلى تقديم آيات ولائهم له .

كانت أريحا إحدى المدن المفرزة منذ القديم لسكنى الكهنة . وفي ذلك الحين كان يسكن فيها عدد كبير منهم . على أن المدينة كان فيها أيضاً فريق يختلف اختلافا بينا عن الكهنة ، فقد كانت تلك المدينة مركزا عظيما للتجارة ، وكان هناك أيضاً الموظفون والجنود الرومان ، وأناس غرباء من أماكن بعيدة كانوا يوجدون هناك ، بينما جمع الضرائب جعل منها موطنا لكثيرين من العشارين  .

عشار محب للاستطلاع

إن زكا (رئيس للعشارين) كان يهوديا ، وكان ممقوتا ومكروها من مواطنيه . وكان مركزه وثروته هما الأجر الذي كان يتقاضاه عن تلك الحرفة التي كان الناس يبغضونها ويترفعون عنها والتي كانت من مرادفات الظلم والاغتصاب . ومع ذلك فإن جامع الضرائب الثري هذا لم يكن ذلك الرجل الجافي كما كان يبدو عليه . فتحت مظهر المادية والعالمية والكبرياء كان قلب سريع التأثر بالعوامل الإلهية . وكان زكا قد سمع عن يهوشوه . إن ما أشيع عن ذاك الذي أبدى عطفا ومجاملة نحو تلك الطبقات المحرومة انتشر خبره في كل مكان ، فنشأ في قلب رئيس العشارين هذا جوع وشوق إلى أن يحيا حياة أفضل . وعلى مسافة أميال قليلة من أريحا كان يوحنا المعمدان يكرز عند الأردن . وكان زكا قد سمع عن دعوته الناس إلى التوبة . وكان قد أخبر عن وصيته للعشارين القائلة: "لاَ تَسْتَوْفُوا أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكُمْ" (لوقا 3: 13) . ولكن مع أن زكا كان قد أغفل هذه الوصية ظاهرا فإن عقله تأثر بها . لقد عرف الكتب واقتنع بخطإه في طريقة مزاولته لعمله . والآن بعدما سمع الأقوال التي قيل له أن المعلم العظيم قد نطق بها أحس بأنه خاطئ في نظر يهوه . ومع ذلك فإن ما كان قد سمعه عن يهوشوه أضرم في قلبه نار الرجاء ، إذ بدا أنه من الممكن حتى له هو نفسه أن يتوب ويصلح حياته . أفلم يكن أحد تلاميذ هذا المعلم الجديد الموثوق بهم عشارا ؟ ففي الحال بدأ زكا يعمل بموجب الاقتناع الذي سيطر عليه ، وعزم على أن يقدم تعويضا لكل من ظلمهم .

وقد بدأ بالفعل في انتهاج ذلك الطريق بالتراجع عن مسلكه ، وإذا به يسمع خبرا انتشر في كل أريحا مؤداه أن يهوشوه داخل إلى المدينة . فعقد زكا العزم على أن يراه . كان قد بدأ يتحقق من شدة قسوة مرارة ثمار الخطية ، وعرف وعورة الطريق على من يحاول التنكب عن طريق الشر والخطإ . فكونه يساء فهم بواعثه ويقابل بالشك وعدم الثقة وهو يحاول إصلاح أخطائه- كان هذا أمرا شق عليه احتماله . لقد تاق رئيس العشارين إلى التطلع في وجه ذاك الذي جلب كلامه إلى قلبه العزاء .

ازدحمت الشوارع بجماهير الناس ولذلك لم يستطع زكا الذي كان قصير القامة التطلع إلى ما فوق رؤوس الشعب ولم يرد أحد أن يفسح له الطريق ، ولذلك ركض متقدما تلك الجماهير إلى حيث كانت توجد شجرة تين امتدت اغصانها إلى هنا وهناك وكانت أغصانها ممتدة فوق الطريق فتسلق ذلك العشار الغني تلك الشجرة حيث وجد لنفسه مكانا بين أغصانها . ومن هناك كان يمكنه أن يرى الموكب وهو يمر تحته . وها هو الموكب يقترب منه . وكان هو يتصفح الوجوه بعينيه المشتاقتين لعله يرى السيد الذي كان يتوق لرؤيته .

دعوة غير منتظرة

وفوق ضجة الكهنة والمعلمين وهتافات الترحيب من أفواه الجماهير ، فوق كل ذلك فإن تلك الرغبة الحارة التي لم يفصح عنها صاحبها بشفتيه وصلت إلى قلب يهوشوه . وفجأة تتوقف عن السير جماعة تحت تلك الشجرة تماما فيتوقف الذين في الطليعة والذين في الساقة . ثم ينظر إلى فوق شخص يبدو أن نظراته تخترق أعماق القلوب . حينئذٍ سمع الرجل الذي على الشجرة هذا القول: "يَا زَكَّا ، أَسْرِعْ وَانْزِلْ ، لأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَمْكُثَ الْيَوْمَ فِي بَيْتِكَ" (لوقا 19: 5) . فكاد يُكذِّب حواسه .

وهنا يفسح الجمع الطريق ، وإذا بزكا الذي كان قبلا يسير كالحالم يسير الآن متقدما الجموع إلى بيته . ولكن المعلمين كانوا ينظرون نظرات عابسة ويتمتمون في تذمر واحتقار قائلين: "إِنَّهُ دَخَلَ لِيَبِيتَ عِنْدَ رَجُل خَاطِئٍ" (لوقا 19: 7) .

فاض قلب زكا شكرا وذهل وأبكم أمام محبة المسيا وتنازله إذ انحنى إليه هو العديم الاستحقاق . والآن فها محبته وولاؤه لصديقه الجديد الذي وجده يفتحان فمه ليتكلم فيعلن على الملأ اعترافه وتوبته ففي وسط ذلك الجمع "وَقَفَ زَكَّا وَقَالَ لِلسيَد: «هَا أَنَا يَاسيَد أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ" (لوقا 19: 8).

"فَقَالَ لَهُ يهوشوه: «الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ ، إِذْ هُوَ أَيْضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ" (لوقا 19: 9) .

عندما مضى الشاب الغنى تاركا يهوشوه بهت التلاميذ عندما قال معلمهم: "مَا أَعْسَرَ دُخُولَ ذَوِي الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ يهوه!"فصاح بعضهم يقولون لبعض: "فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟" أما الآن فها هم يجدون ما يثبت صدق أقوال المسيا عندما صرح قائلا: "غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ يهوه" (مرقس 10: 24, 26؛ لوقا 18: 27) . لقد رأوا كيف استطاع رجل غني أن يدخل الملكوت بنعمة يهوه .

توبة مغتصب مبتز

إن زكا قبلما شخص في وجه المسيا كان قد بدأ بالعمل الذي جعله يبرهن على صدق توبته . وقبلما اتهمه الناس اعترف بخطيته . وقد خضع لتبكيت الروح القدس وابتدأ بتنفيذ تعاليم الكتاب المعطاة لشعب يهوه قديما كما لنا نحن أيضاً . فلقد قال السيَد منذ عهد بعيد: "إِذَا افْتَقَرَ أَخُوكَ وَقَصُرَتْ يَدُهُ عِنْدَكَ ، فَاعْضُدْهُ غَرِيبًا أَوْ مُسْتَوْطِنًا فَيَعِيشَ مَعَكَ لاَ تَأْخُذْ مِنْهُ رِبًا وَلاَ مُرَابَحَةً ، بَلِ اخْشَ إِلهَكَ ، فَيَعِيشَ أَخُوكَ مَعَكَ . فِضَّتَكَ لاَ تُعْطِهِ بِالرِّبَا ، وَطَعَامَكَ لاَ تُعْطِ بِالْمُرَابَحَةِ" ، "فَلاَ يَغْبِنْ أَحَدُكُمْ صَاحِبَهُ ، بَلِ اخْشَ إِلهَكَ" (لاويين 25: 35- 37, 17) . هذه الأقوال نطق بها المسيا نفسه عندما كان محتجبا في عمود السحاب . وقد ظهرت استجابة زكا الأولى لمحبة المسيا في إظهار الإشفاق والرفق نحو المساكين والمتألمين .

كانت بين العشارين محالفة يستطيعون بموجبها أن يظلموا الشعب وأن يساندوا بعضهم بعضا في أعمال التدليس . وفي أعمال الاغتصاب التي كانوا يرتكبونها إنما كانوا ينفذون أمرا كاد يكون ممارسا في كل الأقطار . ولكن حتى الكهنة والمعلمون الذين كانوا يحتقرون العشارين كانوا هم أنفسهم مجرمين في ابتزاز الأموال لإثراء أنفسهم بطرق ملتوية تحت ستار الخدمة المقدسة . ولكن ما أن خضع زكا لتأثير الروح القدس حتى طرح بعيدا عنه كل الأعمال التي تتنافى مع النزاهة .

إن التوبة التي لا ينشأ عنها إصلاح في التصرف لا يمكن أن تكون توبة حقيقية ، إذ أن بر المسيا ليس رداء يخفي تحته الخطية التي لم يعترف بها الإنسان ولا تركها ، بل هو مبدأ الحياة الذي يغير الأخلاق ويضبط السلوك والتصرف . إن القداسة هي الكمال أمام يهوه ، وهي تسليم القلب والحياة بالتمام لسكنى مبادئ السماء فيهما .

دليل لرجل الأعمال

إن المسيحي في حياته العملية عليه أن يبين للعالم الكيفية التي بها يمكن للسيَد أن يدير مشروعا تجاريا . إنه يبرهن في كل صفقة على أن يهوه هو معلمه . فعلى دفاتر الحسابات ودفاتر اليومية وعلى الصكوك والإيصالات والكمبيالات- على هذه كلها تكتب هذه العبارة (قدس ليهوه) . وأولئك الذين يعترفون بأنهم أتباع المسيا وفي نفس الوقت يتعاملون بكيفية آثمة شريرة إنما يقدمون شهادة زائفة عن صفات يهوه العادل الرحيم القدوس . ولكن كل نفس متجددة مهتدية إلى يهوه تعلن كما فعل زكا أن يهوه قد دخل إلى القلب بترك الأعمال الشريرة اتصفت بها تلك الحياة . وكرئيس العشارين ذاك ، يبرهن على إخلاصه بالتعويض عما أخذه من الناس ظلما ووشاية واختلاسا . إن السيَد يقول: "إِنْ رَدَّ الشِّرِّيرُ الرَّهْنَ وَعَوَّضَ عَنِ الْمُغْتَصَبِ ، وَسَلَكَ فِي فَرَائِضِ الْحَيَاةِ بِلاَ عَمَلِ إِثْمٍ ... كُلُّ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا لاَ تُذْكَرُ عَلَيْهِ ... فَيَحْيَا حَيَاةً" (حزقيال 15:33, 16) .

فإن كنا قد أضررنا بالآخرين في صفقة تجارية ظالمة ، وإذا كنا نعمد إلى الاحتيال في المعاملات التجارية أو إذا غششنا أي إنسان حتى ولو كان ذلك ضمن حدود القانون ، فعلينا أن نعترف بخطئنا ونعوّض عن ذلك بقدر ما نستطيع . ومن الصواب لنا أن نعوض ليس ما أخذناه فقط بل كل ما كان يمكن أن يتجمع لو استخدم استخداما صائبا وحكيما في خلال المدة التي كان فيها في حيازتنا .

قال المخلص لزكا : "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لوقا 19: 9) . لم يكن زكا وحده هو الذي حصل على البركة بل كل بيته معه . لقد ذهب المسيا إلى بيته ليعلمه دروس الصدق والاستقامة وليتعلم أهل بيته مبادئ الملكوت . كانوا قد حرموا من دخول المجامع بسبب احتقار المعلمين والعابدين لهم . أما الآن وقد نال ذلك البيت أعظم حظوة دون كل البيوت في أريحا فقد اجتمع أهله حول المعلم الإلهي ليسمعوا كلمة الحياة لأنفسهم .

إن الخلاص يأتي إلى النفس عندما تقبل المسيا كمخلصها الشخصي . إن زكا قد قبل يهوشوه ليس فقط كضيف عابر في بيته بل كمن سيسكن في هيكل النفس . لقد اتهمه الكتبة والفريسيون بأنه خاطئ وقد تذمروا على المسيا لأنه رضي بأن يكون ضيفه ، ولكن السيَد اعتبره ابنا لإبراهيم لأن "الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ أُولئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ" (غلاطية 3: 7) .  

 
حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App