9. الملك الذي أوقف موكبا
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

"اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ ، اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ . هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ . هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ" (زكريا 9: 9) .

قبل ميلاد المسيا بخمس مئة سنة تنبأ زكريا النبي عن مجيء الملك إلى شعب يهوه . وها هي ذي النبوة تتم الآن . فذاك الذي ظل أمدا طويلا يرفض أمجاد الملك نراه الآن يدخل إلى أورشليم كالوارث لعرش داود حسب الوعد .

ففي أول يوم من الاسبوع دخل المسيا دخوله الانتصاري إلى أورشليم . إن جماهير كثيرة ممن كانوا قد تجمعوا حوله ليشاهدوه في بيت عنيا صحبوه الآن وهم مشتاقون لمشاهدة استقباله . كان كثيرون من الشعب في طريقهم إلى المدينة لأجل ممارسة الفصح ، وهؤلاء انضموا إلى من كانوا يرافقون يهوشوه . وقد بدت الطبيعة كلها مبتهجة ومتهللة . كانت الأشجار مكتسية بالخضرة اليانعة ، كما امتلأ الجو بأريج الأزهار ، فانتعش الشعب بفرح جديد وحياة جديدة ، وامتلأت قلوبهم برجاء الملكوت الجديد مرة أخرى .

فإذ كان يهوشوه ينوي أن يدخل أورشليم راكبا أرسل اثنين من تلاميذه ليأتوه بأتان وجحش ابن أتان . إن المخلص عند ولادته كان يعتمد على كرم الغرباء . فالمذود الذي اضجع فيه كان مضجعا مستعارا . والآن ، مع أن له البهائم على الجبال الألوف نراه يعتمد على لطف إنسان غريب ليعطيه دابة يركبها وهو داخل إلى المدينة كملك . ولكننا نرى ألوهيته معلنة مرة أخرى حتى في التعليمات الدقيقة التي قدمها لتلميذيه للقيام بهذه المهمة . وقد أجيب الطلب القائل: "السيَد مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمَا" (متى 21: 3) كما سبق هو فأنبأ . إن يهوشوه اختار لاستعماله الخاص جحشا لم يجلس عليه أحد من الناس . وقد كان فرح التلاميذ وحماسهم شديدين حتى لقد فرشوا ثيابهم على الجحش وأجلسوا سيدهم عليه . كان يهوشوه قبل ذلك يسافر سيرا على قدميه ، ولذلك بدت الدهشة على التلاميذ في بادئ الأمر في كيف اختار الآن أن يدخل المدينة راكبا . ولكن قلوبهم استنارت بأنوار الرجاء والفكر المبهج في أنه سيدخل العاصمة ويعلن نفسه ملكا ويفرض سلطانه على الشعب كملك . وإذ كان التلميذان ذاهبين لإنجاز مهمتهما أبلغا انتظاراتهما المبهجة لأصدقاء يهوشوه ، فانتشرت الحماسة هنا وهناك ، وبذلك ارتفعت آمال الشعب وانتعش الرجاء في نفوسهم إلى أقصى حد .

موكب رائع

اتبع المسيا العادة اليهودية التي كانت تراعى عند دخول الملوك ، فقد ركب دابة كما قد اعتاد ملوك إسرائيل أن يفعلوا . وكانت النبوة قد سبقت فأنبأت بأن مسيا ينبغي أن يدخل مملكته بهذه الكيفية . وما أن ركب يهوشوه على الجحش حتى ارتفعت هتافات الانتصار إلى عنان السماء وشقت أجواز الفضاء . وقد حيته الجموع كمسيا ملكهم . قبل المسيا الآن الولاء الذي لم يسبق له أن سمح به ، كما قبل التلاميذ هذا كبرهان على أن انتظاراتهم المفرحة ستتحقق إذ يرونه جالسا على العرش . وقد كانت الجموع تعتقد أن ساعة تحررهم قد أذنت ، وحملهم الخيال على أجنحته فرأوا كأن جيوش الرومان قد طردت من أورشليم وكأن دولة إسرائيل قد عاد إليها استقلالها . كان الجميع متهللين وفي حالة اهتياج جعل الناس يتسابقون في إظهار ولائهم للسيد . لم يستطيعوا إبداء مظاهر الأبهة والجلال الخارجيين بل قدموا له سجودا من قلوبهم الفرحة . ومع أنهم لم يستطيعوا تقديم الهدايا الغالية الثمن له فقد فرشوا ثيابهم الخارجية في طريقه كبساط ، كما فرشوا أغصان الزيتون وسعوف النخل في الطريق . لم يكونوا يستطيعون أن يتقدموا ذلك الموكب الانتصاري بالأعلام الملكية ولكنهم مع ذلك قطعوا أغصان النخل التي هي رمز النصرة في عالم الطبيعة وجعلوا يلوحون بها عاليا مصحوبة بالهتافات والتسبيحات .

وفيما كانوا يتقدمون كان الموكب يكبر ويتزايد إذ أسرع لينضم إليهم كثيرون ممن سمعوا بمجيء يهوشوه . وكان كثيرون من المتفرجين ينضمون إلى ذلك الجمع بلا انقطاع وقد سألوا قائلين: من هذا ، وما معنى كل هذا الهرج والمرج ؟ كانوا كلهم قد سمعوا عن يهوشوه وكانوا ينتظرون أنه سيصعد إلى أورشليم ، ولكنهم كانوا يعلمون أنه كان قبل ذلك قد أحبط كل المحاولات لإجلاسه على العرش ، ولذلك فقد اندهشوا بشدة حين علموا أن ذلك الموكب هو موكبه ، وتساءلوا عن السبب الذي أحدث هذا التحول فيه بعدما أعلن أن ملكوته ليس من هذا العالم .

لكن هتافات الانتصار أسكتت تساؤلاتهم ، فردد الشعب المشتاق هذا الهتاف مرارا وتكرارا ، كما اشترك فيه الشعب من بعيد ومن قريب ، فرددت صداه الأودية والتلال المجاورة . وها جموع كثيرة قادمة من أورشليم تنضم إلى الموكب . فمن بين الجماهير المجتمعة لإحياء عيد الفصح خرجت آلاف الناس لاستقبال يهوشوه ، وكانوا يحيونه بالتلويح بسعوف النخل وترديد الأغاني المقدسة . وإذ حان موعد الخدمة المسائية في الهيكل جعل الكهنة ينفخون في الأبواق يدعون الناس إليها ، ولكن الذين استجابوا لذلك النداء كانوا أقلية ضئيلة . فقال الرؤساء بعضهم لبعض في رعب: "هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ!" (يوحنا 12: 19) .

يزف إلى الموت

لم يسبق ليهوشوه في حياته على الأرض أن سمح بمثل تلك المظاهرة ، فلقد سبق فرأى النتيجة بكل جلاء ، لأن ذلك كله سينتهي به إلى الصليب . ولكنه قصد أن يقدم نفسه علنا للناس كالفادي . كما أراد أن يوجه الانتباه إلى النتيجة المزمعة أن تتوج رسالته إلى العالم الساقط . فإذ كان الشعب مجتمعين في أورشليم لممارسة الفصح أفرز هو نفسه كالحمل المرموز إليه بعمل تطوعي ليكون قربانا وذبيحة ، فكان من اللازم لكنيسته في كل العصور المتعاقبة أن تجعل موته لأجل خطايا العالم موضوعا للتفكر والدرس العميق . وكل حقيقة متصلة به ينبغي إثباتها فوق كل الشكوك . كذلك من اللازم حينئذٍ أن تتجه أنظار كل الناس إليه ، وكل الحوادث السابقة لذبيحته العظيمة كان ينبغي أن توجه انتباه الجميع إلى الذبيح نفسه . فبعدما خرج الناس في تلك المظاهرة لمرافقته في دخوله إلى أورشليم اتجهت كل الأنظار إليه متتبعة سيره السريع إلى المشهد الختامي .

إن الحوادث المتصلة بهذا الدخول الانتصاري صار الحديث عنها على كل لسان وجعلت صورة يهوشوه ماثلة أمام كل الأذهان . فبعد صلبه ذكر كثيرون هذه الحوادث في علاقتها بمحاكمته وموته . وهذا جعلهم يدرسون النبوات ويقتنعون بأن يهوشوه هو مسيا ، وفي كل البلدان كان سيزداد عدد المهتدين إلى الإيمان زيادة عظيمة .

وفي هذا المشهد الانتصاري الوحيد في حياة المخلص على الأرض كلها كان يمكنه أن يظهر وتحف به ملائكة السماء وبوق يهوه يعلن عن مجيئه . ولكن مثل هذه المظاهرة تتنافى مع غرض رسالته وتتنافى مع القانون الذي عاش بموجبه مدى حياته . لقد ظل مخلصا وأمينا للنصيب المتواضع الذي رضي به . كان ينبغي له أن يحمل عبء البشرية حتى يبذل نفسه لأجل حياة العالم .

إن هذا اليوم الذي بدا للتلاميذ أنه غرة أيام حياتهم كان يمكن أن تكتنفه الغيوم القاتمة السوداء لو عرفوا أن مشهد الفرح هذا إن هو إلاّ مقدمة لآلام سيدهم وموته . فمع أنه كان قد أخبرهم مرارا وتكرارا بأنه لا بد له أن يقدم ذبيحة ، فإنهم في غمرة نصرة ذلك اليوم نسوا أقواله المحزنة ونظروا إلى الأمام إلى سني ملكه الزاهر على عرش داود .

"هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي" 

وقد انضم كثيرون من القادمين من أماكن كثيرة إلى ذلك الموكب فصار كبيرا جدا . وما عدا أناسا قليلين فقد اندمج الجميع في وحي الساعة وارتفعت الهتافات التي رددت صداها الجبال والأودية . لقد ارتفعت هتافات الانتصار بلا انقطاع قائلة: "أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ ! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ يهوه ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي !" (متى 21: 9) .

لم يسبق للعالم أن شهد موكب انتصار كهذا . إنه لم يكن يشبه مواكب الفاتحين المشهورين . فلم تكن ترى صفوف الأسرى النائحين التعساء دليلا على شجاعة الملوك الفاتحين وبسالتهم . فلم يكن لمثل تلك المناظر وجود في موكب انتصار المسيا . ولكن كانت ترى حول المخلص تذكارات مجيدة لأعمال محبته للخطاة . كان هنالك الأسرى الذين حررهم من أسر الشيطان وسلطانه وهم يسبحون يهوه على نجاتهم . فالعميان الذين وهبهم البصر ساروا في مقدمة الموكب ، والخرس الذين كان قد فك عقدة ألسنتهم كانوا يهتفون بأعلى أصواتهم . والعرج الذين شفاهم كانوا يطفرون فرحا ، وبنشاط بالغ كانوا يقطعون أغصان النخل ويلوحون بها أمام المخلص . والأرامل والأيتام كانوا يمجدون اسم يهوشوه ويعظمونه لأجل أعمال رحمته لهم . والبرص الذين طهرهم فرشوا ثيابهم غير الملوثة في طريقه وهتفوا لملك المجد . وأولئك الذين أيقظهم بكلمة قدرته من ضجعة الموت كانوا سائرين بين تلك الجموع . إن لعازر الذي كان جسده قد رأى فسادا في القبر والذي صار الآن فرحا بقوة الرجولة ونشاطها سار ممسكا بزمام الدابة التي ركبها المخلص .

رأى كثيرون من الفريسيين ذلك المشهد فالتهبت قلوبهم بحمى الحسد والخبث وحاولوا أن يصدوا تيار الشعور العام الطاغي . فبكل ما كانوا يملكون من فلول سلطانهم حاولوا إسكات الشعب ، ولكن كل محاولاتهم وتهديداتهم زادت الشعب حماسة فوق حماستهم ، وباتوا يخشون من أن قوة عدد تلك الجموع ستجعلهم قادرين على أن يقيموا يهوشوه ملكا . ولكنهم قاموا بمحاولة أخيرة فشقوا لأنفسهم طريقا بين تلك الجموع إلى أن وقفوا أمام المخلص وجها لوجه . ثم بادروه بألفاظ التوبيخ والتهديد قائلين: "يَا مُعَلِّمُ ، انْتَهِرْ تَلاَمِيذَكَ !" . وقد قالوا له إن مثل هذه المظاهرات الصاخبة لا يبيحها القانون والسلطات لا تسمح بها . ولكن جواب يهوشوه أبكمهم إذ قال لهم: "أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ!" (لوقا 19: 39, 40) . إن يهوه هو الذي دبر قيام موكب الانتصار ذاك وقد سبق النبي فأنبأ به . لذلك ليس في مقدور إنسان على وجه الأرض أن يحبط قصد يهوه . فلو قصر الناس عن إتمام تدبيره تعالى لأعطيت الحجارة البكم صوتا يرتفع بالتهليل والتسبيح . وعندما تراجع الفريسيون الذين أبكمهم يهوشوه ردَّدت مئات الأصوات صدى نبوة زكريا القائلة: "اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ ، اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ . هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ . هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ" (زكريا 9: 9) .

ابتهاج يبله الدمع

وعندما وصل الموكب إلى حافة التل وكانوا مزمعين أن ينحدروا إلى المدينة توقف يهوشوه فتوقف كل الجمع معه . لقد انبسطت أمامهم مدينة أورشليم بكل مجدها وقد سطعت عليها أشعة شمس الأصيل ، فاجتذب الهيكل أنظار الجميع . ففي فخامته المنقطعة النظير ارتفع الهيكل متشامخا فوق كل الأبنية كأنما يشير إلى السماء ، وكأنما هو يوجه أنظار الشعب إلى الإله الحي الحقيقي . لقد ظل الهيكل موضوع فخر الأمة اليهودية وعنوان مجدها أحقابا طويلة . بل حتى الرومان أنفسهم كانوا يفخرون لفخامته . إن أحد الملوك الذين قد أقامهم الرومان اشترك مع اليهود في إعادة بناء الهيكل وزخرفته . وقد أغدق عليه إمبراطور روما هداياه . إن متانته وغناه وروعته جعلت منه إحدى عجائب الدنيا .

وإذ كانت أشعة الشمس المائلة إلى الغروب تصبغ السماوات بألوانها الذهبية فقد أضاء مجدها المطلق على جدران الهيكل المرمرية البيضاء فلمعت أعالي أعمدته المذهبة . ومن قمة الجبل الذي كان يهوشوه وتلاميذه واقفين عليه كان الهيكل يشبه بناء كبيرا في مثل بياض الثلج وأبراجه مموهة بالذهب . وعند مدخل الهيكل كانت توجد كرمة مصنوعة من الذهب والفضة لها أوراقها الخضراء وعناقيد كبيرة من العنب أبدعت في نقشها أنامل أمهر الفناين . وكان هذا الرسم يمثل بني إسرائيل ككرمة نضيرة مثمرة . وقد امتزج الذهب بالفضة في ذوق نادر وصنعة شائقة والكرمة تلتف برشاقة حول الأعمدة البيضاء المتألقة وهي تتعلق بفروعها وبعطفاتها المتلألئة على زخارفها الذهبية . وانعكس عليها نور الشمس في غروبها فتألق ضياؤها ببهاء عظيم كأنما قد استعارته من السماء .

ها هو يهوشوه يتطلع إلى ذلك المشهد ، وهوذا ذلك الجمع الغفير من الناس يصمتون إذ أذهلهم ذلك المنظر المفاجئ ، منظر الجمال الأخاذ . وهنا تتجه كل الأنظار إلى المخلص وهم ينتظرون أن يروا على محياه لوائح الإعجاب الذي يحسون به . ولكنهم بدلا من ذلك يشاهدون سحابة حزن متجمعة على جبينه ، فأصابتهم الدهشة وخيبة الأمل وهم يرون عينيه وقد امتلأتا بالدموع وجسمه يتمايل ويهتز كشجرة أمام ريح عاتية ، وإذا بشفتيه المرتعشين تنفرجان عن عويل مؤلم ومرثاة حزينة ، وكأن كلامه ينبعث من قلب منسحق جريح . يا له من منظر تطلَّع عليه الملائكة ! ها رئيسهم المحبوب ينتحب ويبكي الدموع ! وأي منظر هذا الذي يراه ذلك الجمع الفرح الطروب الذين وهم يهتفون هتافات الانتصار ويلوحون بسعوف النخل كانوا يحفون به ليأتوا به إلى المدينة المجيدة ، والأمل يراودهم بأنه مزمع أن يصير ملكا ! كان يهوشوه قد بكى أمام قبر لعازر ، ولكن حزنه حينئذٍ كان حزنا إلهيا عبر به عن عطفه على بني الإنسان المتألمين المحزونين . أما هذا الحزن المفاجئ فكان يشبه نغمة عويل في نشيد انتصار عظيم . ففي وسط مشهد الفرح حيث كان الجميع يقدمون له ولاءهم كان ملك إسرائيل يبكي أمر البكاء . ليس بدموع الفرح الهادئة بل لدموع وأنين لا يمكن أن يكبت . وقد شمل تلك الجموع حزن مفاجئ فكفوا عن الهتاف . وكثيرون بكوا مشاركةً له في حزنه الذي لم يكونوا يدركون كنهه .

إن بكاء يهوشوه لم يكن بسبب توقعه الآلام التي ستحل به . كان أمامه مباشرة بستان جثسيماني حيث سيكتنفه رعب تلك الليلة الداجية . وكذلك كان بالقرب من ذلك المكان باب الضأن الذي كانت تمر منه قطعان الغنم التي كانت تقدم كذبائح كفارية مدى قرون طويلة . وبعد قليل كان هذا الباب سيفتح له هو السيد العظيم المرموز إليه الذي كانت كل التقدمات تشير إلى ذبيحته لأجل خطايا العالم . وقريبا من ذلك المكان كانت جلجثة التي كان سيمثل فيها مشهد موته القريب . ولكن الفادي لم يبك أو يتأوه في مرارة نفسه وانسحاق روحه بسبت تلك المشاهد التي كانت تذكره بموته القاسي . إن حزنه لم يكن حزنا أنانيا . وتفكيره في موته لم يكن ليفزع تلك الروح النبيلة المضحية بنفسها . ولكن ما طعن قلب يهوشوه في الصميم كان هو منظر مدينة أورشليم- أورشليم التي قد رفضت ابن يهوه واحتقرت محبته كما رفضت الاقتناع بعجائبه وآياته العظيمة وكانت مزمعة أن تقضي عليه بالموت . رآها في حالتها الراهنة وقد لطخت يديها بجريمة رفض فاديها ، وما كان يمكن أن تصير إليه لو أنها قبلت ذاك الذي كان يستطيع دون سواه أن يبرئ جروحها . لقد أتى لكي يخلصها فكيف يطاوعه قلبه أن يمضي ويتركها تهلك ؟

مدينة محكوم عليها بالهلاك

 

كان بنو إسرائيل أمة محظوظة متميزة عن غيرها . وهيكلهم "جَمِيلُ الارْتِفَاعِ ، فَرَحُ كُلِّ الأَرْضِ"(مزمور 48: 2) . وجعله يهوه مسكنا له ، وكانت فيه طوال ألف عام ويزيد آثار تشهد كلها لرعاية المسيا وحراسته ورقته وحبه . كما يحمل الأب ابنه الوحيد هكذا حمل المسيا شعب إسرائيل . وفي ذلك الهيكل نطق الأنبياء بإنذاراتهم الخطيرة . وفي الهيكل كان الكهنة يلوحون بالمباخر فكان البخور يصعد إلى يهوه مصحوبا بصلوات العابدين . وفي الهيكل كانت دماء الذبائح تجري كالأنهار وكانت ترمز إلى دماء المسيا . وهناك أظهر السيَد مجده من فوق الغطاء (كرسي الرحمة) . وهناك كان الكهنة يخدمون ، وكانت فخامة الرموز والمحافل المقدسة تسير على قدم وساق مدى أجيال طويلة . ولكن هذا كله كان لا بد أن يبطل .

رفع يهوشوه يده- تلك اليد التي طالما باركت المرضى والمتألمين- وإذ أشار بها إلى المدينة المحكوم عليها بالهلاك صاح بصوت تخالجه نغمة الحزن العظيم قائلا: "إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا ، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا ، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ !" (لوقا 19: 42) . وهنا توقف المخلص عن الكلام ، ولم يقل شيئا عما كان يمكن أن تصير إليه حالة أورشليم لو قبلت المعونة التي كان يهوه يتوق لأن يمنحها إياها- هبة ابنه الحبيب . فلو علمت أورشليم ما كان لها امتياز معرفته وقبلت وقدرت النور الذي أرسلته إليها السماء لأمكنها أن تبدو في مجد نجاحها وكمال عظمتها كملكة على كل الممالك ، حرة في ملء قوة السلطان المعطى لها من يهوه . وما كان يرى في أبوابها حراس مسلحون ولا أعلام رومانية تخفق فوق أسوارها . وقد ارتسم في ذهن ابن يهوه المصير المبارك المجيد الذى كان يمكن أن تتبارك به أورشليم لو أنها قبلت فاديها . وقد رأى أنه كان يمكن لها أن تبرأ من دائها العضال وتتحرر من عبوديتها وتتثبت أركانها كقصبة العالم ومجد الأرض كلها . ومن فوق أسوارها كان يمكن أن تطير حمامة السلام إلى كل الأمم ، وكان يمكنها أن تكون إكليل مجد للعالم كله .

ولكن الصورة المنيرة الجميلة لما كان يمكن أن تصير إليه حالة أورشليم تختفي بعيدا عن ذهن المخلص ونظره . إنه يعلم علم اليقين سوء حالها الآن وهي رازحة تحت نير الرومان وواقعة تحت طائلة سخط يهوه ومحكوم عليها بالدينونة الرهيبة . وها هو يستطرد في مرثاته فيقول: "وَلكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ . فَإِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ ، وَيُحْدِقُونَ بِكِ وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ، وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ ، وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ ، لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ" (لوقا 19: 42- 44) .

أمة ضالة

لقد أتى المسيا لكي يخلص أورشليم مع بنيها . ولكن الكبرياء الفريسية والرياء والحسد والخبث حالت بينه وبين إنجاز عمله وتحقيق غرضه . وقد عرف يهوشوه القصاص الرهيب الذي ستفتقد به تلك المدينة المحكوم عليها بالهلاك . رأى أورشليم محاطة بجيوش ورأى سكانها يقاسون أهوال الحصار والجوع والموت . ورأى الأمهات يأكلن أولادهن بعد موتهم . ورأى الآباء والأولاد يتخاطفون آخر كسرة خبز من بعضهم البعض . وقد قضت وخزات الجوع وآلامه على المحبة الطبيعية . ورأى عناد اليهود وصلابة قلوبهم كما ثبت وتبرهن من رفضهم لخلاص يهوه سيجعلهم يرفضون الاستسلام للجيوش الغازية . ورأى جلجثة التي كان هو سيرفع على صليب في ساحتها وإذا هي قد نصبت فيها صلبان كثيرة جدا كما لو كانت غابة كثيفة . ورأى سكان المدينة يقاسون الأهوال على آلات التعذيب أو الصلبان . ورأى القصور الشاهقة الجميلة وقد هدمت وصارت خرابا والهيكل وقد صار خرابا يبابا بحيث لم يبق من أحجاره الضخمة حجر على حجر . أما المدينة فقد فلحت كحقل- ولهذا حق للمخلص أن يبكي بحرقة وألم وعذاب وهو يرى ذلك المشهد الرهيب .

لقد كانت أورشليم موضع رعايته وعطفه . فكما ينوح الأب المحب على ابنه العاصي كذلك بكى يهوشوه على تلك المدينة المحبوبة . وكأنما هو يقول: كيف أسلمك للهلاك؟ هل أتركك تملئين مكيال إثمك ؟ إن نفسا واحدة هي غالية القيمة جدا بحيث أن العوالم بكل ما فيها لا تساوي شيئا بالنسبة إليها . ولكننا هنا نرى أمة كاملة موشكة على الهلاك . فعندما تختفي شمس ذلك اليوم وراء الأفق سيكون يوم النعمة المقدم لأورشليم قد انقضى . عندما وقف ذاك الموكب على منحدر جبل الزيتون لم يكن وقت التوبة المقدم لأورشليم قد فات بعد . والآن ملاك الرحمة قد بسط جناحيه لينزل من أمام عرش الرحمة الذهبي ليفسح الطريق للعدل والدينونة القادمة سريعاً . ولكن قلب المسيا الكبير العامر بالمحبة كان لا يزال يتوسل لأجل أورشليم التي قد احتقرت مراحمه واستهانت بإنذاراته وكانت مزمعة أن تلوث يديها بدمه الكريم . فلو تابت أورشليم حينئذٍ ، إذ كانت الفرصة لم تزل سانحة للتوبة وإذ كانت آخر أشعة الشمس لا تزال تتلكأ على الهيكل والصروح والأبراج ، أفلم يكن هنالك ملاك طاهر يقود تلك المدينة وسكانها الى محبة المخلص ويبعد عنها جامات الدينونة والهلاك ؟ تلك المدينة الجميلة النجسة التي قد رجمت الأنبياء ورفضت ابن يهوه وبقساوة قلبها قيدت نفسها بقيود الألم والعبودية- كان يوم الرحمة المقدم لها موشكا على الانقضاء !

سلوا إبراهيم

ومع ذلك فروح يهوه خاطب أورشليم مرة أخرى . فقبل انتهاء اليوم تأتي شهادة أخرى للمسيا . فها صوت الشهود يرتفع إجابة لصوت النبي في القديم . فلو سمعت أورشليم النداء وقبلت المخلص الداخل من أبوابها لأمكنها أن تخلص .

وقد وصلت الأنباء إلى الرؤساء في أورشليم تفيد بأن يهوشوه يقترب من المدينة وحوله حشود كبيرة من الشعب . غير أنهم لا يرحبون بابن يهوه . ففي خوف يخرجون لمقابلته على أمل أن يصرفوا ذلك الجمع . وإذ يبدأ الموكب بالنزول من على جبل الزيتون يفاجأ بظهور أولئك الرؤساء الذين يسألون عن سبب تلك الهتافات المدوية . وإذ يسألون قائلين: "من هذا؟" يجيب التلاميذ عن هذا السؤال مسوقين بروح الإلهام ، وبكل طلاقة يرددون النبوات الخاصة بالمسيا: إن آدم يخبركم ، فهو يقول لكم إنه نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية- سلوا إبراهيم فهو يجيبكم إنه "مَلْكِي صَادِقُ ، مَلِكُ شَالِيمَ" أي ملك السلام (تكوين 14: 18) .

ويعقوب يقول لكم إنه "شيلون" من سبط يهوذا (تكوين 49: 11) .

وإشعياء يخبركم بأنه "عِمَّانُوئِيلَ" ويدعوه "عَجِيبًا ، مُشِيرًا ، إِلهًا قَدِيرًا ، أَبًا أَبَدِيًّا ، رَئِيسَ السَّلاَمِ" (إشعياء 7: 14؛ 9: 6) .

وإرميا يقول لكم إنه غصن داود "يهوه بِرُّنَا" (إرميا 23: 6) . ودانيال يخبركم بأنه المسيا .

وهوشع يجيبكم قائلا إنه "يهوه إِلهُ الْجُنُودِ يَهْوَهُ اسْمُهُ"(هوشع 12: 5) .

ويوحنا المعمدان يقول لكم إنه "هُوَذَا حَمَلُ يهوه الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!" (يوحنا 1: 29) .

والإله العظيم قد أعلن من فوق عرشه قائلا: "هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ" (متى 3: 17) . ونحن تلاميذه نعلن قائلين: هذا هو يهوشوه ، مسـيا رئيس الحياة وفادي العالم .

بل إن رئيس قوات الظلمة يعترف به قائلا: "أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ: قُدُّوسُ يهوه!" (مرقس 1: 24) .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App