1. شعب محكوم عليه بالهلاك
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إن دخول المسيا الانتصاري إلى أورشليم كان رمزا ضئيلا لمجيئه في سحب السماء بقوة ومجد كثير في وسط هتافات انتصار الملائكة وفرح القديسين . حينئذٍ سيتم ما قاله المسيا للكهنة والفريسيين: "إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَنِي مِنَ الآنَ حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ يهوه!" (متى 23: 39) . لقد رأى زكريا في رؤياه النبوية ذلك اليوم ، يوم النصرة النهائية ، كما رأى أيضاً هلاك أولئك الذين رفضوا المسيا في مجيئه الأول: "يَنْظُرُونَ إِلَيَّ ، الَّذِي طَعَنُوهُ ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ ، وَيَكُونُونَ فِي مَرَارَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ هُوَ فِي مَرَارَةٍ عَلَى بِكْرِهِ" (زكريا 12: 10) . لقد سبق المسيا فرأى هذا المنظر عندما رأى المدينة وبكى عليها . ففي خراب أورشليم الزمني رأى الخراب النهائي لذلك الشعب الذي كان مجرما في دم ابن يهوه .

لقد رأى التلاميذ كراهية اليهود للمسيا ولكنهم لم يكونوا يرون إلى أي مدى سيمضي اليهود في عدوانهم . ولم يفهموا بعد حالة إسرائيل الحقيقية ولا أدركوا هول العقاب المزمع أن يحل بأورشليم . وهذا ما كشفه لهم المسيا في درس محسوس له مغزاه .

إن آخر دعوة قدمت لأورشليم كانت عديمة الجدوى . كان الكهنة والرؤساء قد سمعوا صوت الماضي النبوي من أفواه الجموع جوابا عن سؤالهم القائل "من هذا؟" ولكنهم لم يقبلوه على أنه صوت الوحي . ففي غضب وذهول حاولوا إسكات الشعب . كان ضباط رومان بين ذلك الجمع وقد وشى بالمسيا أعداؤه لأولئك الرومان كمن يتزعم ثورة وعصياناً ، وصوروه على أنه مزمع أن يستولى على الهيكل ويقيم نفسه ملكا في أورشليم .

لكن صوت يهوشوه الهادئ أسكت ضجيج الشعب لمدى لحظة عندما أعلن مرة أخرى  أنه لم يأت ليقيم ملكوتا زمنيا أو أرضيا . فبعد قليل سيصعد إلى أبيه ولن يراه المشتكون عليه فيما بعد حتى يأتي ثانية في مجده . وحينئذٍ سيعترفون به ولكن يوم خلاصهم سيكون قد انقضى . نطق يهوشوه بهذا الكلام بحزن وبسلطان فريد . وقد أبكم الضباط الرومان وأخضعوا . ومع أنهم كانوا غرباء عن التأثيرات الإلهية فقد تأثرت قلوبهم كما لم يسبق لها أن تأثرت . لقد رأوا في وجه يهوشوه الهادئ الوقور المحبة والإحساس والعظمة الهادئة فثار في قلوبهم عطف لم يدركوا كنهه . وبدلا من أن يقبضوا على يهوشوه كانوا أشد ميلا لتقديم فروض الولاء له . وإذ التفتوا إلى الكتبة والرؤساء اتهموهم بإحداث الشغب . فإذ حل بأولئك الرؤساء الغم والهزيمة عادوا إلى الشعب بشكواهم وجعلوا ينازعون بعضهم بعضا بغضب .

الشجرة العديمة الثمر

وفي تلك الأثناء مر يهوشوه في وسطهم داخلا إلى الهيكل دون أن يلاحظوه وكان كل شيء هادئا هناك لأن المشهد الذي حدث على جبل الزيتون اجتذب الشعب . وقد بقي يهوشوه في الهيكل وقتا قصيرا وكان ينظر إليه نظرات حزينة . وحينئذٍ انسحب ومعه تلاميذه وانطلقوا إلى بيت عنيا . وعندما طلبه الشعب ليقيموه ملكا لم يجدوه .

قضى يهوشوه الليل كله في الصلاة ، وفي الصباح عاد مرة أخرى إلى الهيكل . وفي طريقه مر على بستان تين . وقد جاع "فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِنْ بَعِيدٍ عَلَيْهَا وَرَقٌ ، وَجَاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيْئًا . فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ" (مرقس 11: 13).

لم يكن ذلك الوقت وقت التين الناضج إلاّ في بعض المواقع . وفي المرتفعات التي حول أورشليم يمكن أن يقال بحق "لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ" ولكن كانت توجد في البستان الذي أتى إليه يهوشوه شجرة بدا عليها أنها متقدمة على كل الأشجار . كانت مكتسية بالورق . ومن الطبيعي في شجرة التين أن الثمار تظهر قبل ظهور الأوراق . ولذلك فإذ كانت هذه الشجرة مكتسية بالورق كان ذلك بشيرا بوجود الثمار الناضجة . ولكن مظهرها كان خادعا . فإذ بحث السيد بين أغصانها من أسفلها إلى أعلاها: "لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا" فلم يكن هناك غير المظهر الخادع والادعاء الكاذب .

وقد لعنها المسيا لعنة يبستها إذ قال: "لاَ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!" (مرقس 11: 14) . وفي صبيحة اليوم التالي إذ كان المخلص وتلاميذه سائرين مرة أخرى في طريقهم إلى المدينة اجتذبت أنظارهم الأغصان المضروبة والأوراق اليابسة . فقال بطرس: "يَا سَيِّدِي ، انْظُرْ ! اَلتِّينَةُ الَّتِي لَعَنْتَهَا قَدْ يَبِسَتْ!" (مرقس 11: 21) .

عمل غريب

إن عمل المسيا حين لعن تلك التينة أدهش التلاميذ . وقد بدا لهم أن ذلك التصرف كان مخالفا لمألوف طرقه وأعماله . لقد سمعوه يعلن مرارا أنه لم يأت ليدين العالم بل ليخلص به العالم . وقد تذكروا قوله إن "ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ ، بَلْ لِيُخَلِّصَ"  (لوقا 9: 56) . وكانت معجزاته العجيبة كلها للإبراء والشفاء ولم تكن قط للإهلاك ، كما عرفه التلاميذ على أنه الشافي المحيي . ولكن هذا العمل كان فريدا . فجعلوا يتساءلون قائلين: ما هو غرضه من هذا ؟

إن يهوه:"يُسَرُّ بِالرَّأْفَةِ" ، "حَيٌّ أَنَا ، يَقُولُ السَّيِّدُ يهوه ، إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ" (ميخا 7: 18؛ حزقيال 33: 11) . إن عمل الهلاك وإعلان يهوه الدينونة هو في نظره "فعله الغريب" (إشعياء 28: 21) . ولكنه في رحمته ومحبته يرفع الستار عن المستقبل ويكشف للناس عن نتائج حياة الخطية .

لا شيء إلاّ الورق

إن لعن يهوشوه لشجرة التين كان مثلا ممثلا على مسرح الحقيقة . فتلك الشجرة العقيمة التي كانت تتباهى بأوراقها الخضراء الخادعة أمام المسيا نفسه كانت رمزا للأمة اليهودية . وكان المخلص يرغب في أن يوضح لتلاميذه سبب ويقينية هلاك إسرائيل وحقيقة كون ذلك أمراً مؤكدا ومحتوما . فلأجل هذا الغرض أضفى على الشجرة صفات أدبية وجعل منها مفسرا وشارحا للحق الإلهي . لقد كان اليهود ممتازين على كل الأمم الأخرى وكانوا يعترفون بولائهم ليهوه . وكان يهوه قد أغدق عليهم إحسانات خاصة ، وكانوا يدعون أنهم أبرار دون كل الأمم الأخرى . ولكن حبهم للعالم وطمعهم في الربح أفسد قلوبهم وحياتهم . كانوا يفخرون بمعرفتهم ولكنهم كانوا يجهلون مطاليب يهوه وكانوا مشحونين رياء . فكالشجرة العقيمة ارتفعت أغصان ادعاءاتهم عالية وكانت ناضرة في مظهرها وشهية للنظر ، ولكن: "لم يكن عليهم شيء إلاّ ورق" . إن الديانة اليهودية بهيكلها الفخم ومذابحها المقدسة وكهنتها بعمائمهم الطاهرة وطقوسها المؤثرة كانت في الواقع جميلة في مظهرها الخارجي ولكن كانت تعوزهم المحبة والوداعة والإحسان .

كانت كل الأشجار المغروسة في بستان التين بلا ثمر ، ولكن تلك الأشجار الجرداء لم تكن توحي بأي انتظارات ولم يشعر العابرون بالخيبة حين لم يجدوا فيها ثمرا . وقد كانت هذه الأشجار تمثل الأمم . كانوا خالين من التقوى كاليهود سواء بسواء ، ولكنهم لم يكونوا يدعون أنهم يخدمون يهوه . لم يكونوا يتباهون مدعين في أنفسهم التقوى والقداسة . كانوا عميانا فلم يروا أعمال يهوه ولا طرقه . فبالنسبة إليهم لم يكن قد جاء وقت التين . كانوا لا يزالون ينتظرون اليوم الذي يأتيهم بالنور والرجاء . أما اليهود الذين كانوا قد تمتعوا ببركات أعظم أغدقها عليهم يهوه فكانوا مسؤولين عن سوء استخدامهم لتلك الهبات . والامتيازات التي كانوا يتباهون بها زادت من هول آثامهم .

لقد أقبل يهوشوه على شجرة التين وهو جائع لعله يجد فيها ثمرا . وكذلك قد أتى إلى إسرائيل وهو جائع وتائق لأن يجد فيهم ثمار البر . لقد أغدق عليهم من فيض هباته لعلهم يثمرون ثمرا به يباركون العالم كله ، كما اعطيت لهم كل الفرص والامتيازات . وفي مقابل ذلك كان السيَد ينتظر منهم أن يبدوا عطفهم على عمل نعمته وتعاونهم معه فيه . كان يتوق لأن يرى فيهم صفات التضحية والرأفة والغيرة ليهوه والحنين القلبي العميق لخلاص بني جنسهم . فلو حفظوا شريعة يهوه لكانوا قد عملوا نفس عمل المسيا الخالي من الأنانية . ولكن محبة يهوه ومحبة الناس طغت عليهما الكبرياء والاكتفاء الذاتي . لقد جلبوا على أنفسهم الويل والدمار لكونهم رفضوا خدمة الآخرين . ولم يشركوا العالم معهم في اقتناء كنوز الحق التي أودعها يهوه بين أيديهم . وكان يمكنهم أن يكتشفوا في الشجرة العميقة خطيتهم وقصاصها . إن شجرة التين التي يبستها لعنة المخلص وكانت واقفة ذابلة ومضروبة وقد يبست من الأصول- هذه الشجرة برهنت على ما يمكن أن يصير إليه الشعب اليهودي عندما تؤخذ منهم نعمة يهوه . فما داموا قد رفضوا أن يشركوا غيرهم معهم في البركة فلن ينالوا بركة فيما بعد . يقول السيَد: "هلاكك منك يا إسرائيل" (هوشع 13: 9).

إدانة الأنانية

إن هذا الإنذار يصلح لكل العصور ، فعمل المسيا في كونه قد لعن الشجرة التي قد خلقها بقدرته هو إنذار لكل الكنائس وكل المسيحيين . لا يستطيع إنسان أن يعيش بموجب شريعة يهوه دون أن يخدم الآخرين . ولكن يوجد كثيرون ممن لا يعيشون حياة المسيا الرحيمة المنكرة لذاتها . إن بعض من يظنون أنفسهم من أفاضل المسيحيين لا يفهمون معنى خدمة يهوه . إنهم يرسمون الخطط و يدرسونها لكي يرضوا أنفسهم . ولا يتصرفون إلاّ بموجب ما يخدم الذات . فللوقت قيمته في نظرهم على قدر ما يجنون من الربح لأنفسهم . وهذا هو هدفهم في كل شؤون الحياة . إنهم لا يخدمون لأجل الآخرين بل لأجل أنفسهم . لقد خلقهم يهوه في عالم ينبغي أن تقدم فيه الخدمة المنكرة لنفسها ، وهو يريدهم أن يساعدوا بني جنسهم بكل وسيلة ممكنة . ولكن الذات احتلت كل كيانهم وسيطرت عليهم بحيث لا يمكنهم أن يروا شيئا آخر . إنهم ليسوا على اتصال بالإنسانية . والذين يعيشون هكذا لأنفسهم يشبهون تلك التينة التي أبدت كل ادعاء ولكنها عقيمة لا ثمر فيها . إنهم يراعون طقوس العبادة ، ولكن بلا توبة أو إيمان . يعترفون بأنهم يكرمون شريعة يهوه ولكن تعوزهم الطاعة . يقولون ولا يفعلون . إن المسيا إذ نطق بحكمه على شجرة التين أظهر مقدار كراهيته للتظاهر والادعاءات الفارغة العاطلة . وهو يعلن أن الخاطئ الصريح المكشوف أخف جرما ممن يعترف بأنه يخدم يهوه ولكنه لا يثمر لمجده .

إن مثل التينة الذي نطق به المسيا قبل زيارته لأورشليم كانت له علاقة مباشرة بالدرس الذي علمه لتلاميذه عندما لعن التينة العقيمة . لأن التينة العقيمة المذكورة في المثل توسل الكرام لأجلها قائلا: يا سيد اتركها هذه السنة أيضاً حتى أنقب حولها وأضع زبلا . فإن صنعت ثمرا وإلا ففيما بعد تقطعها . كان لا بد للكرام من أن يولي تلك الشجرة العقيمة اهتماما زائدا ورعاية خاصة ، وكان لابد من تقديم كل المزايا لتلك الشجرة . فإن ظلت على عقمها فلا مندوحة من قطعها . في مثل التينة العقيمة لم تذكر نتيجة خدمة الكرام ورعايته ولا أنبئ بها . وكانت النتيجة تتوقف على ذلك الشعب الذين نطق المسيا بهذا الكلام في مسامعهم . لقد شبهوا بالتينة العقيمة وكان عليهم وحدهم أن يقرروا مصيرهم . لقد قدمت لهم كل المزايا التي أمكن أن تمنحهم السماء إياها ، ولكنهم لم ينتفعوا بتلك البركات المنسكبة عليهم . وإذ لعن المسيا التينة العقيمة أعلنت النتيجة . لقد حكموا على أنفسهم بالهلاك .

رفض الإنذار

إن الأمة اليهودية قد استهانت برحمة يهوه وغنى لطفه وإمهاله مدة تزيد على ألف عام فاستوجبوا الدينونة على أنفسهم . لقد ضربوا بإنذاراته عرض الحائط وقتلوا أنبياءه . فعلى اليهود الذين عاشوا في أيام المسيا تقع مسؤولية هذه الخطايا جميعها لكونهم ساروا طريق آبائهم ، ففي رفض المراحم والإنذارات الحاضرة يكمن ذنب ذلك الجيل الشرير . فالأغلال التي كانت تلك الأمة تطرقها وتصنعها مدى قرون طويلة كان الناس في أيام المسيا يكبلون بها أنفسهم .

في كل عصر يُعطى للناس يوم النور والامتياز والرحمة ، ووقت للاختبار يمكنهم فيه أن يتصالحوا مع يهوه . ولكن وقت النعمة والرحمة هذا لابد له من نهاية وحدود . وقد تظل الرحمة تتوسل سنين عديدة ، وقد يستخف بها وترفض ، ولكن يأتي وقت فيه تقدم الرحمة آخر توسلاتها . فالقلب يتقسى بحيث لا يعود يستجيب لنداء روح يهوه . وحينئذٍ لا يعود ذلك الصوت العذب الآسر يتوسل إلى الخاطئ فيما بعد ، وتكف التوبيخات والإنذارات .

ذلك اليوم جاء على أورشليم . لقد بكى يهوشوه على تلك المدينة المقضي عليها بالهلاك ولكنه لم يستطع أن يخلصها . لقد استنفد كل وسيلة . إن بني إسرائيل إذ رفضوا إنذارات روح يهوه رفضوا وسيلة المعونة الوحيدة . فلم تبق بعد قوة أخرى يمكنها أن تخلصهم .

كانت الأمة اليهودية رمزا لكل الناس في كل العصور ممن يحتقرون توسلات المحبة غير المحدودة . ودموع المسيا التي سكبها حزنا على أورشليم كانت لأجل خطايا الناس في كل العصور . فكل من يرفضون توبيخات روح يهوه القدوس وإنذاراته سيحكم عليهم بنفس الدينونة التي حكم بها على إسرائيل .

وفي هذا العصر كثيرون ممن يسيرون على نفس النهج الذي سار عليه اليهود العديمو الإيمان . لقد شاهدوا مظاهر قدرة يهوه ، كما قد كلم الروح القدس قلوبهم ولكنهم متشبثون بعدم إيمانهم ومقاومتهم . ويهوه يقدم لهم الإنذارات والتوبيخات مرارا وتكرارا ، ولكنهم لا يرغبون في الاعتراف بأخطائهم فيرفضون رسالته ورسله . فنفس الوسيلة التي يستخدمها  السيَد لإرجاعهم تصير حجر عثرة لهم .

يختارون الظلمة بدل النور

إن بني إسرائيل المرتدين قد أبغضوا أنبياء يهوه الذين عن طريقهم انكشفت خطايا الشعب الخفية أمام النور . فأخاب اعتبر إيليا عدوا له لأن ذلك النبي كان أمينا في توبيخه للملك على آثام قلبه الخفية . وهكذا نجد هذه الأيام أن خادم المسيا الذي يوبخ الناس على الخطية يعامل بالاحتقار والطرد . إن الحق المعلن في الكتاب وديانة المسيا يتصارعان مع تيار الفساد الأدبي الجارف . ثم إن التعصب السائد على قلوب الناس الآن هو أقوى مما كان في أيام المسيا . إن السيد لم يحقق انتظارات الناس . فقد كانت حياته توبيخا لخطاياهم فرفضوه . وكذلك نجد اليوم أن الحق المعلن في كلمة يهوه لا ينسجم مع أعمال الناس وأميالهم الطبيعية ، ولهذا نجد آلافا من الناس يرفضون نوره . إن الناس الذين يستفزهم الشيطان يلقون ظلال الشكوك على كلمة يهوه فيفضلون الاستقلال بأفكارهم الخاصة وحكمهم وحده . يختارون الظلمة ويرفضون النور ولكنهم إذ يفعلون ذلك يجازفون بأرواحهم . إن أولئك الذين لجأوا إلى المماحكة عندما سمعوا أقوال المسيا الصريحة وجدوا كثيرا من أسباب المماحكات بعد ذلك إلى أن ارتدوا عن الحق والحياة . وكذلك هي الحال في يومنا الحاضر ، فيهوه لا يقصد أن يزيل كل اعتراض يمكن أن يقدمه القلب الطبيعي ضد حقه تعالى . إن من يرفضون أشعة النور الثمين الذي يمكن أن يبدد الظلمات ستظل أسرار كلمة يهوه مستغلقة عليهم إلى الأبد . فإذ يخفى الحق عنهم يتلمسون طريقهم كالعميان ولا يدرون شيئا عن الهلاك الذي يربض في طريقهم  .

لقد أطل المسيا على العالم في كل الأجيال من أعالي جبل الزيتون ، وكلامه ينطبق على كل نفس تستهين بتوسلات الرحمة الإلهية . فيا من تحتقر محبته إنه يخاطبك اليوم . فأنت أنت الذي ينبغي لك أن تعلم ما هو لسلامك . إن المسيا يسكب الدموع الغزيرة لأجلك أنت الذي قد جفت الدموع من مآقيك فما عدت تبكي على شقائك . إن قساوة القلب المميتة التي أهلكت جماعة الفريسيين قد نمت وترعرعت في قلبك . وكل دليل على نعمة يهوه وكل بصيص من أشعة نوره إما أن تكون عاملة على تليين القلب وإخضاعه أو تثبته في تمرده وعصيانه الميئوس منه .

لقد سبق المسيا فرأى أن أورشليم ستظل سادرة في صلابتها وتحجر قلبهما ، ومع ذلك فإن كل إثمها وكل عواقب رفضها للرحمة الإلهية كانت رابضة عند بابها . وكذلك ستكون الحال مع كل من يسيرون في نفس ذلك الطريق الوعر . إن السيَد يعلن قائلا: "هلاكك منك يا إسرائيل"، "اِسْمَعِي أَيَّتُهَا الأَرْضُ: هأَنَذَا جَالِبٌ شَرًّا عَلَى هذَا الشَّعْبِ ثَمَرَ أَفْكَارِهِمْ ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَصْغَوْا لِكَلاَمِي ، وَشَرِيعَتِي رَفَضُوهَا" (هوشع 13: 9؛ إرميا 6: 19) .   

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App