2. لصوص في الهيكل
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كان المسيا عند بدء خدمته قد طرد من الهيكل أولئك الذين دنسوه بتجارتهم المحرمة . وقد أوقع تصرفه ومنظر وجهه الإلهي العابس الرعب في قلوب أولئك التجار المتآمرين . وعند نهاية خدمته عاد أيضا إلى الهيكل فوجده منجسا كما في المرة الأولى . كانت دار الهيكل الخارجية شبيهة بحظيرة فسيحة للماشية . فلقد اختلطت بأصوات الحيوانات ورنين قطع النقود وأصوات مهاترات التجار ومشاجراتهم الغاضبة ، وكان بينهم بعض من يخدمون في الهيكل . كان أحبار الهيكل مشغولين في الشراء والبيع وفي استبدال قطع النقود . لقد كانوا مستعبدين للطمع وحب المال بحيث أنهم لم يكونوا أفضل من اللصوص في نظر يهوه .

إن الكهنة والرؤساء قلما كانوا يقدرون قدسية العمل الذي كان عليهم أن يضطلعوا به ، ففي كل سنة عندما كان يجيء ميعاد عيد الفصح وعيد المظال كانت تنحر آلاف الذبائح ، وكان الكهنة يأخذون الدم ويرشونه على المذبح . وكان اليهود قد ألفوا تقديم الدم ، وكادوا ينسون حقيقة كون الخطية هي التي أوجبت سفك دماء كل تلك الحيوانات . ولم يدركوا أن تلك الدماء كانت رمزا إلى دم ابن يهوه الحبيب الذي كان مزمعا أن يبذله من أجل حياة العالم ، وأن مقدمي تلك الذبائح كان ينبغي أن تتجه عقولهم وانظارهم إلى الفادي المصلوب .

الطاعة أفضل من الذبيحة

تطلع يهوشوه إلى تلك الذبائح البريئة فرأى كيف أحال اليهود تلك المحافل العظيمة إلى مشاهد للقسوة وسفك الدماء . فبدلا من التوبة والانسحاق على الخطية أكثروا من تقديم الذبائح كما لو أن يهوه يتمجد إذ تقدم له خدمة فاترة بلا قلب . أما الكهنة والرؤساء فقد قسوا قلوبهم بالأثرة والطمع . لقد جعلوا نفس الرموز التي كانت تشير إلى حمل يهوه وسيلة للربح القبيح ، وهكذا ضاعت قدسية خدمة الذبائح وتلاشت عن أذهان الشعب وقلوبهم إلى حد كبير . فثار غضب يهوشوه إذ علم أن دمه المزمع أن يسفك لأجل خطايا العالم سيستهان به تماما كما استهين بدماء الذبائح التي كانت تسيل كنهر دائم الجريان .

كان المسيا قد ذم تلك التصرفات على أفواه الأنبياء . فلقد قال صموئيل: "هَلْ مَسَرَّةُ يهوه بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ يهوه ؟ هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ ، وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ" . وإذ رأى إشعياء بعين النبوة ارتداد اليهود خاطبهم كمن هم قضاة سدوم وعمورة قائلا: "اِسْمَعُوا كَلاَمَ يهوه يَا قُضَاةَ سَدُومَ ! أَصْغُوا إِلَى شَرِيعَةِ إِلهِنَا يَا شَعْبَ عَمُورَةَ: «لِمَاذَا لِي كَثْرَةُ ذَبَائِحِكُمْ ، يَقُولُ يهوه . اتَّخَمْتُ مِنْ مُحْرَقَاتِ كِبَاشٍ وَشَحْمِ مُسَمَّنَاتٍ ، وَبِدَمِ عُجُول وَخِرْفَانٍ وَتُيُوسٍ مَا أُسَرُّ . حِينَمَا تَأْتُونَ لِتَظْهَرُوا أَمَامِي ، مَنْ طَلَبَ هذَا مِنْ أَيْدِيكُمْ أَنْ تَدُوسُوا دُورِي ؟» ، اِغْتَسِلُوا . تَنَقَّوْا . اعْزِلُوا شَرَّ أَفْعَالِكُمْ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيَّ . كُفُّوا عَنْ فِعْلِ الشَّرِّ . تَعَلَّمُوا فَعْلَ الْخَيْرِ . اطْلُبُوا الْحَقَّ . انْصِفُوا الْمَظْلُومَ . اقْضُوا لِلْيَتِيمِ . حَامُوا عَنِ الأَرْمَلَةِ" (1 صموئيل 15: 22؛ إشعياء 1: 10- 12, 16, 17) .

فذاك الذي لنفسه قد أعطى هذه النبوات يردد الإنذار الآن لآخر مرة . كان الشعب قد نادوا بيهوشوه ملكا على إسرائيل إتماما للنبوة . فرحب بولائهم وقبل أن يكون ملكا . وكان لابد له أن يتصرف كملك . لقد عرف أن محاولاته لإصلاح الكهنة الفاسدين محاولات فاشلة لا جدوى منها ، ومع ذلك فعمله لابد أن يتم . وينبغي أن يقدم للشعب العديم الإيمان البرهان على كونه مرسلا من قبل يهوه .

مغارة لصوص

ومرة أخرى يصوب يهوشوه نظراته الفاحصة الأعماق إلى رواق الهيكل الذي قد تنجس . فاتجهت إليه كل الابصار والتفت إليه الكهنة والرؤساء والفريسيون والأمم ، التفتوا بدهشة وخشوع إلى ذاك الذي وقف أمامهم بجلال عظيم كمن هو ملك السماء . لقد أشرق نور الألوهية من خلال البشرية ، فظهر المسيا بجلال ومجد لم يريا عليه من قبل . وأولئك القريبون منه هربوا بعيدا عنه قدر ما استطاعوا فلم يبق قريبا من يهوشوه غير القليل من تلاميذه . حدث سكوت تام ولم يستطع الناس الصبر على ذلك الصمت . ثم تكلم المسيا بسلطان عظيم اكتسح الشعب كله كما لو كان عاصفة قوية فقال: "مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى . وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ !" (متى 21: 13) . وقد رن صوته في أرجاء الهيكل كصوت بوق ، وبدا الغضب على محياه كما لو كان نارا آكلة . وبسلطان أمر قائلا: "ارْفَعُوا هذِهِ مِنْ ههُنَا!"(يوحنا 2: 16) .

قبل ذلك بثلاث سنين خجل نظار الهيكل لأنهم هربوا أمام أمر يهوشوه . ومنذ ذلك الحين كانوا مندهشين من مخاوفهم وطاعتهم الناجزة بدون تردد أو سؤال لذلك الإنسان الواحد الوضيع . وكانوا يحسون أن خضوعهم الحقير الذليل لن يتكرر . ولكن ها نحن نراهم الآن أشد رعبا وهلعا مما كانوا قبلا وأسرع في إطاعة أمره مما فعلوا أول مرة . ولم يكن هنالك من يجرؤ على أن يتساءل عن سلطانه أو يشك فيه . وقد هرب الكهنة والتجار من حضرته وهم يسوقون ماشيتهم أمامهم .

وإذ كانوا يهربون خارجين من الهيكل التقوا جمعا من الناس جاءوا بمرضاهم وهم يسألون أين يجدون يهوشوه الشافي العظيم . فكان الجواب الذي سمعوه من أولئك الهاربين سببا في رجوع بعض ممن قد جاءوا يطلبونه ، إذ خافوا من مقابلة ذاك الذي كان قوياً وعظيما بهذا المقدار بحيث أن مجرد نظرته طردت الكهنة والرؤساء من حضرته . ولكن عددا كبيرا منهم اندفعوا يشقون لأنفسهم طريقا في وسط ذلك الجمع المندفع إلى الخارج وهم متلهفون للوصول إلى ذاك الذي هو رجاؤهم الوحيد . وعندما هربت الجموع بقي آخرون كثيرون في الهيكل فانضم إليهم الآن أولئك القادمين ، فامتلأ رواق الهيكل مرة أخرى بالمرضى والمحتضرين فخدمهم يهوشوه .

بيت سلام

وبعد لأي جازف الكهنة والرؤساء وعادوا إلى الهيكل . وعندما خفت حدة الهلع كانوا جزعين يريدون أن يعرفوا ما الذي سيفعله يهوشوه بعد ذلك . كانوا يتوقعون أنه سيعتلي عرش داود . وإذ عادوا إلى الهيكل بكل سكون سمعوا أصوات الرجال والنساء والأولاد وهم يسبحون يهوه . فلما دخلوا تسمروا في أماكنهم أمام ذلك المنظر العجيب إذ رأوا المرضى يصحون والعمي يبصرون والصم يسمعون والعرج يطفرون فرحا . وقد كان الأولاد أول من تهللوا . لقد شفاهم من أمراضهم وأخذهم ين ذراعيه وسمح لهم بتقبيله شكرا له وحباً . وقد نام بعض منهم على صدره وهو يعلم الشعب . والآن ها هم الأولاد يسبحونه فرحا ويرددون هتافات الانتصار التي كانوا يهتفون بها في اليوم السابق قائلين أوصنا ، ويلوحون بسعوف النخل بانتصار أمام المخلص . وقد رددت جوانب الهيكل صدى هتافاتهم حين قالوا: "مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ يهوه" ، "هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ" (مزمور 118: 26؛ زكريا 9: 9) ، "أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ!" (متى 21: 9) .

تلك الأصوات الفرحة الحرة المنطلقة كانت بغيضة لدى نظار الهيكل فحاولوا أن يوقفوا تلك المظاهرات عند حدها . فصوَّروا للشعب أن بيت يهوه قد تنجس بوجود الأولاد فيه وبأصوات الفرح التي سمعت من جوانبه . فإذ رأى أولئك الرؤساء أن كلامهم لم يؤثر في الشعب لجأوا إلى المسيا وقالوا له: "«أَتَسْمَعُ مَا يَقُولُ هؤُلاَءِ ؟» فَقَالَ لَهُمْ يهوشوه:«نَعَمْ ! أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ: مِنْ أَفْوَاهِ الأَطْفَالِ وَالرُّضَّعِ هَيَّأْتَ تَسْبِيحًا ؟»" (متى 21: 16) . لقد سبق الأنبياء فأنبأوا بأن المسيا سينادى به ملكا ، وقد تمت تلك النبوة . ولكن كهنة إسرائيل وحكامه رفضوا أن يعلنوا مجده ، غير أن يهوه حرك الأولاد ليكونوا شهوده . ولو سكت الأولاد لكانت نفس أعمدة الهيكل تذيع حمد المخلص .

أصاب الفريسيين الارتباك والحيرة لأن ذاك الذي حاولوا أن يحملوه على الجبن والفشل كان سيد الموقف . فلقد تبوأ يهوشوه مركزه كحارس ومهيمن على الهيكل . لم يسبق له أن أحرز مثل هذا السلطان الملكي ، ولم يسبق لكلامه وأعماله أن كان لها القوة والسلطان اللذان لها الآن . لقد صنع عظائم وعجائب في كل أورشليم من قبل ، ولكن لم يكن لها مثل هذه القوة وهذا التأثير كما هي اليوم . ولم يجرؤ الكهنة والرؤساء على المجاهرة بعدائهم له أمام الشعب الذين قد شاهدوا تلك الآيات . ومع أنهم اغتاظوا وارتبكوا إذ سمعوا جوابه فإنهم لم يستطيعوا اتخاذ أية إجراءات أخرى في ذلك اليوم .

"مَنْ أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ؟"

وفي صبيحة اليوم التالي جعل رجال السنهدريم يتباحثون في ماذا يفعلون بيهوشوه . قبل ذلك بثلاث سنين طلبوا منه آية يـثبت بها أنه مسيا . ومند ذلك الحين صنع يهوشوه عظائم وعجائب وقوات كثيرة في كل البلاد . لقد شفى المرضى وأشبع آلاف الناس الجياع بكيفية عجائبية ، ومشى على الماء وسكن مياه البحر الهائجة . ومرارا كثيرة كشف خفايا قلوب الناس كمن يقرأ في كتاب مفتوح ، وأخرج الشياطين وأقام الموتى فكان لدى الرؤساء براهين لا حصر لها على أنه مسيا . والآن هم لا يطلبون منه آية تبرهن على سلطانه بل أرادوا أن يسمعوا منه قرارا أو تصريحا يكون علة إدانته .

فإذ توجهوا إلى الهيكل حيث كان هو يعلم تقدموا ليسألوه قائلين: "بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا ؟ وَمَنْ أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ ؟"  كانوا يتوقعون أنه سيدعي أنه يستمد سلطانه من يهوه ، وكانوا ينوون أن ينكروا عليه هذا الادعاء . ولكن يهوشوه وجّه إليهم سؤالا كان يبدو أنه يتناول موضوعاً آخر وقد جعل جوابه على سؤالهم موقوفا على إجابتهم على سؤاله . فسألهم قائلا: "مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنْ أَيْنَ كَانَتْ ؟ مِنَ السَّمَاءِ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟"(متى 21: 23- 25) .

هنا وجد الكهنة أنهم أوقعوا أنفسهم في ورطة لا يمكن لأية سفسطة أن تنتشلهم منها . فإن قالوا إن معمودية يوحنا من السماء فسيتضح تقلبهم ، وفي هذه الحالة سيقول لهم يهوشوه: لماذا لم تؤمنوا به ؟ لقد شهد يوحنا ليهوشوه قائلا: "هُوَذَا حَمَلُ يهوه الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!" (يوحنا 1: 29) . فلو صدق الكهنة شهادة يوحنا فكيف كان يمكنهم إنكار حقيقة كون يهوشوه هو مسيا ؟ ولو صرحوا بما كانوا يعتقدونه وهو أن معمودية يوحنا من الناس لكانوا يثيرون على أنفسهم عاصفة هائلة من السخط لأن الشعب كانوا يؤمنون بأن يوحنا نبي .

وباهتمام عظيم كان الشعب ينتظرون جواب الكهنة . لقد عرفوا أن الكهنة كانوا قد اعترفوا بقبولهم لخدمة يوحنا وكانوا ينتظرون أنهم سيعترفون بدون سؤال بأنه مرسل من يهوه . ولكن بعدما تداول الكهنة سرا فيما بينهم قرروا ألا يدلوا برأيهم . فبكل رياء أقروا بأنهم يجهلون ذلك قائلين: "لا نعلم"فقال لهم المسيا: "ولا أنا أقول لكم بأي سلطان أفعل هذا"  (متى 21: 27) .

جلال السماء

أبكم الكهنة والكتبة والرؤساء جميعا . ففي حيرتهم وخيبتهم وقفوا مقطبين وعابسين وهم لا يجسرون على تقديم أسئلة جديدة للمسيا . وبسبب جبنهم وترددهم أضاعوا حقهم في توقير الشعب الذين وقفوا بالقرب منهم يتسلون برؤية أولئك الرجال المتكبرين الأبرار في أعين أنفسهم وقد جللتهم الهزيمة والعار .

إن كل أقوال المسيا وأعماله هذه كانت هامة . وكان تأثيرها سيمتد ويزيد إلى درجة عظيمة بعد صلبه وصعوده . فكثيرون ممن كانوا بفارغ الصبر ينتظرون نتيجة استجواب يهوشوه كانوا سيجذبون إليه أخيرا ليصيروا له أتباعا وتلاميذ ، وكانوا قد جذبوا إليه أولاً بقوة أقواله التي كانوا قد سمعوها منه في ذلك اليوم الكثير الوقائع . وما كان المشهد الذي رأوه في الهيكل ليزول من أذهانهم . وقد لاحظوا الفرق العظيم بين يهوشوه وبين رؤساء الكهنة وهو يناقشهم . كان رئيس الكهنة المتكبر متسربلا بثياب ثمينة غالية الثمن ، وكان يلبس على رأسه إكليلا يتلألأ متألقا ، وكانت طلعته مهيبة وكان شعر رأسه ولحيته طويلا وأشيب من طول السنين ، وكانت هيئته توقع الخوف في قلوب من يرونه . فأمام هذه الشخصية المهيبة وقف جلال السماء عاريا عن كل زينة أو تفاخر . وكانت ثيابه متسخة من وعثاء السفر ، وكان وجهه شاحبا يعبر عن الحزن الصبور . ولكن كان يرى مسطورا على ذلك المحيا آيات العظمة والإحسان التي أبانت الفرق الشاسع بينه وبين هيئة رئيس الكهنة المتكبر الغضوب الواثق بنفسه . إن كثيرين ممن قد سمعوا أقوال يهوشوه وشاهدوا أعماله في الهيكل ادخروا كل ذلك ككنز في قلوبهم وقبلوه كنبي مرسل من يهوه . ولكن عندما اتجه الشعور العام في صالح يهوشوه زادت كراهية الكهنة له وتفاقمت . وإن الحكمة التي بها تحاشى يهوشوه الوقوع في الأشراك المنصوبة له والتي كانت برهانا جديدا على ألوهيته زادت نار غضب أعدائه اشتعالا .

إن المسيا في نضاله مع المعلمين لم يكن يرمي إلى إذلال خصومه . ولم يكن مما يبهجه أن يراهم في مركز حرج . كان لديه درس هام أراد أن يعلمه للشعب . لقد أذل أعداءه بكونه جعلهم يؤخذون في الشرك الذي قد نصبوه لاصطياده . إن اعترافهم بأنهم يجهلون صفة معمودية يوحنا أعطاه مجالا للكلام ، وقد أحسن استخدام تلك الفرصة بكونه أبان لهم موقفهم على حقيقته إذ قدم لهم إنذارا جديدا بالإضافة إلى كل الإنذارات السالفة .

ابنان

قال: "مَاذَا تَظُنُّونَ ؟ كَانَ لإِنْسَانٍ ابْنَانِ ، فَجَاءَ إِلَى الأَوَّلِ وَقَالَ: يَا ابْنِي ، اذْهَب الْيَوْمَ اعْمَلْ فِي كَرْمِي . فَأَجَابَ وَقَالَ: مَا أُرِيدُ . وَلكِنَّهُ نَدِمَ أَخِيرًا وَمَضَى . وَجَاءَ إِلَى الثَّانِي وَقَالَ كَذلِكَ . فَأَجَابَ وَقَالَ: هَا أَنَا يَا سَيِّدُ . وَلَمْ يَمْضِ . فَأَيُّ الاثْنَيْنِ عَمِلَ إِرَادَةَ الأَبِ؟" (متى 28:21-31) .

هذا السؤال المقتضب من يهوشوه جعل سامعيه يؤخذون على غرة . لقد تتبعوا المثل بكل انتباه ثم قالوا حالا: "الأول" . إذ ذاك ثبت يهوشوه نظره عليهم ثم أجابهم بنغمات متجهمة وقورة قائلا: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ الْعَشَّارِينَ وَالزَّوَانِيَ يَسْبِقُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ يهوه ، لأَنَّ يُوحَنَّا جَاءَكُمْ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ" (متى 21: 31, 32) .

إن الكهنة والرؤساء لم يسعهم إلاّ أن يقدموا إجابة صحيحة عن سؤال المسيا . وهكذا عرف رأيهم في تحبيذ مسلك الابن الأول . إن هذا الابن يمثل العشارين الذين كان الفريسيون يحتقرونهم ويرفضونهم . لقد كان العشارون فاسدين جدا . نعم إنهم كانوا متعدين شريعة يهوه ، وقد برهنوا في حياتهم على مقاومتهم الشديدة لمطاليب يهوه . كانوا غير شاكرين وأشرارا ، وعندما طلب منهم أن يذهبوا ليعملوا في كرم يهوه رفضوا بكل إباء وازدراء . ولكن عندما جاء يوحنا يكرز بالتوبة والمعمودية قبل العشارون رسالته واعتمدوا .

أما الابن الثاني فيمثل قادة الأمة اليهودية . لقد تاب بعض الفريسيين وقبلوا معمودية يوحنا ، ولكن الرؤساء رفضوا الاعتراف به كمن هو مرسل من قبل يهوه . ولم تستطع إنذاراته وتوبيخاته أن تجعلهم يصلحون أنفسهم وأخطاءهم . لقد "رَفَضُوا مَشُورَةَ يهوه مِنْ جِهَةِ أَنْفُسِهِمْ ، غَيْرَ مُعْتَمِدِينَ مِنْهُ" (لوقا 7: 30) . لقد قابلوا رسالته بمنتهى الازدراء . وكالابن الثاني الذي عندما وجهت إليه الدعوة قال: "ها أنا يا سيد؟" ولكنه لم يذهب ، كذلك الكهنة والرؤساء أعلنوا الطاعة ولكنهم ارتكبوا العصيان . لقد صرحوا بتصريحات عظيمة عن التقوى وادعوا أنهم يطيعون شريعة يهوه ولكنهم قدموا طاعة زائفة . لقد شهر الفريسيون بالعشارين ولعنوهم واعتبروهم ملحدين ، ولكن أولئك العشارين برهنوا بإيمانهم وأعمالم على استحقاقهم لدخول ملكوت السماوات قبل أولئك الرؤساء الأبرار في أعين أنفسهم الذين قد أعطي لهم نور عظيم ، ولكن أعمالهم لم تكن مطابقة لاعترافهم بالتقوى .

لم يكن الكهنة ولا الرؤساء يرغبون في الاستماع لهذه الحقائق الفاحصة ، ومع ذلك فقد ظلوا صامتين على أمل أن يسمعوا من يهوشوه ما أمكن أن يتخذوه ذريعة ضده . ولكن بقي شيء آخر كان عليهم أن يسمعوه .

الكرامون الأشرار

قال المسيا: "اِسْمَعُوا مَثَلاً آخَرَ: كَانَ إِنْسَانٌ سيَد بَيْتٍ غَرَسَ كَرْمًا ، وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً ، وَبَنَى بُرْجًا ، وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ . وَلَمَّا قَرُبَ وَقْتُ الأَثْمَارِ أَرْسَلَ عَبِيدَهُ إِلَى الْكَرَّامِينَ لِيَأْخُذَ أَثْمَارَهُ . فَأَخَذَ الْكَرَّامُونَ عَبِيدَهُ وَجَلَدُوا بَعْضًا وَقَتَلُوا بَعْضًا وَرَجَمُوا بَعْضًا . ثُمَّ أَرْسَلَ أَيْضًا عَبِيدًا آخَرِينَ أَكْثَرَ مِنَ الأَوَّلِينَ ، فَفَعَلُوا بِهِمْ كَذلِكَ . فَأَخِيرًا أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ قَائِلاً: يَهَابُونَ ابْنِي ! وَأَمَّا الْكَرَّامُونَ فَلَمَّا رَأَوْا الابْنَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: هذَا هُوَ الْوَارِثُ ! هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ ! فَأَخَذُوهُ وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ وَقَتَلُوهُ . فَمَتَى جَاءَ صَاحِبُ الْكَرْمِ ، مَاذَا يَفْعَلُ بِأُولَئِكَ الْكَرَّامِينَ ؟" (متى 21: 33- 40) .

كان يهوشوه يخاطب كل الشعب الماثلين أمامه ، ولكن الكهنة والرؤساء أجابوه قائلين: "أُولئِكَ الأَرْدِيَاءُ يُهْلِكُهُمْ هَلاَكًا رَدِيًّا ، وَيُسَلِّمُ الْكَرْمَ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ يُعْطُونَهُ الأَثْمَارَ فِي أَوْقَاتِهَا" (متى 21: 41) . إن أولئك المتكلمين لم يلاحظوا بادئ ذي بدء تطبيق المثل ، ولكنهم أدركوا الآن أنهم إنما نطقوا بحكم الدينونة على أنفسهم . نجد في المثل أن سيَد البيت يمثل يهوه ، والكرم يمثل الأمة اليهودية ، والسياج يمثل شريعة يهوه التي كانت واقيا لهم ، والبرج يرمز إلى الهيكل . لقد عمل صاحب الكرم كل ما يلزم لنجاح كرمه . وهو يقول: "مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضًا لِكَرْمِي وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْهُ لَهُ ؟" (اشعياء 5: 4) . وهكذا صوَّر المسيا رعاية يهوه لإسرائيل التي لا تكل . وكما كان يجب على الكرامين أن يقدموا للسيد في مقابل ذلك كمية مناسبة من ثمر الكرم كذلك كان من واجب شعب يهوه أن يقدموا له الإكرام المطابق لامتيازاتهم المقدسة . ولكن كما قتل الكرامون العبيد الذين أرسلهم السيد في طلب الأثمار كذلك قتل اليهود الأنبياء الذين أرسلهم يهوه إليهم يدعونهم للتوبة . لقد قتلوا رسولا بعد رسول . إلى هنا لم يكن مجال للشك والتساؤل في تطبيق المثل ، والكلام الذي تلا ذلك لم يكن أقل وضوحا . لقد رأى الكهنة والرؤساء في الابن الحبيب الذي أرسله صاحب الكرم أخيرا إلى عبيده العصاة والذين أمسكوه وقتلوه ، صورة واضحة ليهوشوه ومصيره المحتوم الوشيك الوقوع . لقد كانوا من قبل يتآمرون على قتل ذاك الذي قد أرسله الآب إليهم كآخر إنذار . وفي الهلاك الذي حل بأولئك الكرامين غير الشاكرين ظهرت صورة واضحة المعالم لهلاك من سيقتلون المسيا .

يدينون أنفسهم

وإذ نظر إليهم المخلص بحزن وإشفاق استطرد يقول: "أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ ؟ مِنْ قِبَلِ يهوه كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا ! لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ يهوه يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ . وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هذَا الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ!" (متى 21: 42- 44) .

لقد ظل اليهود يرددون هذه النبوة في المجامع على أنهـا تنطبق على مسيا . لقد كان المسيا هو حجر الزاوية في النظام اليهودي وتدبير الخلاص بجملته . هذا الحجر الأساسي كان البناؤون اليهود الذين هم كهنة إسرائيل ورؤساؤه يرفضونه الآن . وقد وجه المخلص التفاتهم إلى النبوات الدالة على خطر موقفهم . وبكل وسيلة وجهد أراد أن يوضح لهم طبيعة العمل الذي كانوا مزمعين أن يعملوه .

كان يستهدف غرضا آخر في كلامه . فإذ سألهم المسيا قائلا: "فَمَتَى جَاءَ صَاحِبُ الْكَرْمِ ، مَاذَا يَفْعَلُ بِأُولَئِكَ الْكَرَّامِينَ ؟" كان يقصد أنهم يجيبون نفس ذلك الجواب وأن يدينوا أنفسهم . فإذ لم يكن لإنذاراته أن تسوقهم إلى التوبة فستختم على هلاكهم ، وكان يرغب في أنهم يرون أنهم هم الذين جلبوا الدمار على أنفسهم . كما قصد أن يريهم عدالة يهوه في انتزاع الامتيازات القومية منهم ، الأمر الذي قد بدأ فعلا والذي سيكون من عواقبه ليس فقط خراب هيكلهم ومدينتهم بل تشتت الأمة كلها .

لقد فطن سامعوه إلى ذلك الإنذار ولكن على الرغم من ذلك الحكم الذي حكموا به على أنفسهم ، فإن أولئك الكهنة والرؤساء كانوا مزمعين أن يكملوا تلك الصورة بقولهم: "هذَا هُوَ الْوَارِثُ! هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ" (متى 21: 38) . "وَإِذْ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يُمْسِكُوهُ ، خَافُوا مِنَ الْجُمُوعِ، لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِثْلَ نَبِيٍّ" (متى 21: 46) . لأن الرأي العام كان في جانب المسيا .

الحجر المرفوض

إن المسيا إذ اقتبس النبوة الخاصة بالحجر المرفوض كان يشير إلى حادث وقع بالفعل في تاريخ إسرائيل ، وكان له علاقة ببناء الهيكل الأول ، ففي حين كان لها تطبيق خاص في مجيء المسيا الأول وكان ينبغي أن تروق لليهود بقوة خاصة فإن فيها لنا نحن أيضا درسا ثمينا . عندما أقيم هيكل سليمان أعدت الحجارة الضخمة التي كان سيبنى بها الأساس والجدران ، في مقطع الأحجار ، إذ بعد الإتيان بها إلى مكان البناء لم يكن مسموحا بأن ترفع عليها فأس أو معول أو إزميل ، ولم يكن على الفعلة إلاّ أن يضعوا كل حجر في المكان المخصص له . وقد أتي بحجر كبير الحجم جدا وغريب الشكل ليوضع في الأساس . ولكن الفعلة لم يجدوا له مكانا يناسبه فلم يقبلوه . وإذ كان ملقى هكذا في طريقهم دون أن يستعمل كان مصدر كدر ومضايقة لهم . وقد ظل مرفوضا ومطروحا أمدا طويلا . ولكن عندما أراد البناؤون أن يضعوا حجر الزاوية بحثوا طويلا لعلهم يجدون حجرا ضخما ومتينا يتناسب شكله مع شكل الزاوية ليشغل ذلك الفراغ الخاص ويتحمل ثقل البناء كله . فلو أنهم اختاروا اختيارا طائشا لهذا المكان الهام فإن سلامة البناء كله تتعرض للخطر . فينبغي لهم أن يجدوا حجرا يتحمل حرارة الشمس وتأثير الجليد وقوة العواصف . ففي أوقات مختلفة اختيرت عدة أحجار ولكنها كلها تحطمت تحت ثقل الضغط الشديد ، ولم يكن للأحجار الأخرى أن تتحمل تجربة تقلبات الطقس المباغتة . ولكن الأنظار اتجهت أخيرا إلى ذلك الحجر الذي ظل مرفوضا أمدا طويلا . لقد تعرض لحر الشمس والهواء والعواصف دون أن يظهر فيه شق صغير . وقد فحص البناؤون هذا الحجر . لقد صمد لكل امتحان إلا امتحانا واحدا ، فلو أمكنه تحمل الضغط الشديد فسيقررون قبوله كحجر الزاوية . وقد أجري الامتحان وقبل الحجر ووضع في المكان المخصص له ووجد أنه يناسبه تماما . ولقد أظهر لإشعياء في رؤيا نبوية أن هذا الحجر كان رمزا للمسيا . فيقول إشعياء:

"قَدِّسُوا يهوه إله الْجُنُودِ فَهُوَ خَوْفُكُمْ وَهُوَ رَهْبَتُكُمْ . وَيَكُونُ مَقْدِسًا وَحَجَرَ صَدْمَةٍ وَصَخْرَةَ عَثْرَةٍ لِبَيْتَيْ إِسْرَائِيلَ ، وَفَخًّا وَشَرَكًا لِسُكَّانِ أُورُشَلِيمَ . فَيَعْثُرُ بِهَا كَثِيرُونَ وَيَسْقُطُونَ ، فَيَنْكَسِرُونَ وَيَعْلَقُونَ فَيُلْقَطُونَ" . وإذ حمل النبي عبر الأجيال في الرؤيا النبوية إلى مجيء المسيا الأول أظهر لذلك النبي أن المسيا سيتحمل تجارب واختبارات كانت المعاملة التي عومل بها حجر زاوية هيكل سليمان رمزا إليها ، "لِذلِكَ هكَذَا يَقُولُ السَّيِّدُ يهوه: «هأَنَذَا أُؤَسِّسُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرًا ، حَجَرَ امْتِحَانٍ ، حَجَرَ زَاوِيَةٍ كَرِيمًا ، أَسَاسًا مُؤَسَّسًا" (إشعياء 8: 13- 15؛ 28: 16) .

أَسَاس مُؤَسَّس

إن يهوه في حكمته اللامتناهية قد اختار حجر الأساس ووضعه بنفسه . وقد دعاه "أَسَاسًا مُؤَسَّسًا" . ويمكن لكل سكان العالم أن يلقوا عليه كل أثقالهم وهمومهم . وهو يستطيع أن يصمد لها كلها ، ويمكنهم أن يبنوا عليه بكل اطمئنان . إن المسيا هو "حجر امتحان" (حجر مُجرَّب) وهو لا يخذل من يتكلون عليه أبدأ . لقد ثبت أمام كل امتحان وتحمل ثقل خطية آدم وخطايا نسله وعظم انتصاره على قوات الشر . لقد حمل كل الأثقال التي ألقاها علية كل الخطاة التائبين . ففي المسيا يجد القلب الخاطئ الراحة ، إذ هو الأساس الركين . وكل من يتخذونه سندا ومعتمدا لهم يستريحون في طمأنينة كاملة .

إن إشعياء يعلن في نبواته أن المسيا حجر صدمة كما أنه أساس مؤسس . إن بطرس الرسول إذ يكتب بوحي الروح القدس يبين بكل وضوح من هم الذين يكون لهم المسيا حجر الأساس ومن هم الذين يصير لهم صخرة عثرة ، فيقول:

"إِنْ كُنْتُمْ قَدْ ذُقْتُمْ أَنَّ السيَد صَالِحٌ . الَّذِي إِذْ تَأْتُونَ إِلَيْهِ ، حَجَرًا حَيًّا مَرْفُوضًا مِنَ النَّاسِ ، وَلكِنْ مُخْتَارٌ مِنَ يهوه كَرِيمٌ ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ ­كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ­ بَيْتًا رُوحِيًّا ، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا ، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ يهوه بِيهوشوه الْمسيا . لِذلِكَ يُتَضَمَّنُ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ:«هنَذَا أَضَعُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرَ زَاوِيَةٍ مُخْتَارًا كَرِيمًا ، وَالَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَنْ يُخْزَى» . فَلَكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تُؤْمِنُونَ الْكَرَامَةُ ، وَأَمَّا لِلَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ ، «فَالْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ ، هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ» «وَحَجَرَ صَدْمَةٍ وَصَخْرَةَ عَثْرَةٍ . الَّذِينَ يَعْثُرُونَ غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْكَلِمَةِ ، الأَمْرُ الَّذِي جُعِلُوا لَهُ»" (1 بطرس 2: 3- 8) .

فالذين يؤمنون يصير لهم المسيا أساسا مؤسسا . هؤلاء هم الذين يسقطون على الحجر ويترضضون فالخضوع للمسيا والإيمان به يمثلان هنا . فالسقوط على الحجر والترضض هو التخلي عن برنا الذاتي وتقديم توبتنا عن آثامنا للمسيا وإيماننا بمحبته الغافرة بوداعة الأولاد . وهكذا أيضا يحدث أننا بالإيمان والطاعة نبنى على المسيا كأساسنا .

ويمكن لليهود كما للأمم أن يبنوا على هذا الحجر الحي . هذا هو الأساس الوحيد الذي يمكننا أن نبني عليه بكل اطمئنان . وهو يتسع للجميع ، كما أنه قوي ومتين جدا بحيث يستطيع أن يتحمل ثقل أحمال العالم كله . وبالارتباط بالمسيا الحجر الحي يصير كل من يبنون على هذا الأساس حجارة حية . إن أشخاصا كثيرين بمجهودهم الشخصي يقطعون ويصقلون ويجملّون ولكنهم لا يستطيعون أن يكونوا "حجارة حية" لعدم ارتباطهم بالمسيا . فبدون هذا الارتباط لا يمكن لإنسان أن يخلص . فما لم تكن حياة المسيا فينا لا نستطيع الصمود أمام عواصف التجارب . إن سلامتنا الأبدية موقوفة على كوننا نبني على الأساس المؤسس . إن كثيرين يبنون اليوم على أسس لم تمتحن . فعندما تهطل الأمطار وتزأر العواصف وتفيض الانهار يسقط بيتهم لأنه غير مؤسس على الصخرة الأزلية ، حجر الزاوية العظيم ، يهوشوه المسيا .

أما "للذين يعثرون غير طائعين" فالمسيا يصير صخرة عثرة . ولكن "الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية" . فالمسيا إذ كان في رسالته الأرضية كالحجر المرفوض احتمل الإهمال والإهانة . قيل عنه: "مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا ، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ" (إشعياء 53: 3) . ولكن يوم تمجيده كان قريبا . فبقيامته من الأموات سيعلن أنه قد تعين "ابن يهوه بقوة" (رومية 1: 4) . وفي مجيئه الثاني سيظهر كمن هو سيَد السماء والأرض . وأولئك الذين كانوا الآن مزمعين أن يصلبوه سيرونه ويعرفونه في بهاء عظمته . وأمام المسكونة كلها يصير هذا الحجر المرفوض رأس الزاوية .

"يَسْحَقُهُ!"

"وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ!" (متى 21: 44) . فأولئك القوم الذين قد رفضوا المسيا كانوا سيرون مدينتهم وأمتهم وقد هلكتا وتلاشتا من الوجود . كان مجدهم سيسحق ويذرى كالرماد أمام الريح . وما الذي أهلك اليهود ؟ إنها الصخرة التي لو بنوا عليها لتمتعوا بالطمأنينة والسلام . لقد كان هو لطف يهوه الذي استهانوا به ، وبره الذي امتهنوه وركلوه ، ورحمته التي استخفوا بها . إن الناس يناصبون يهوه العداء ويقاومونه ولذلك فكل ما كان يمكن أن يكون سبب خلاصهم يصير علة هلاكهم . وكل ما أراده أن يكون لهم للحياة وجدوه للموت . لقد كان صلب اليهود للمسيا علة خراب أورشليم . والدم الذي سفك في جلجثة كان هو حجر الرحى الذي أغرقهم في لجة الهلاك في هذا العالم وفي العالم الآتي . وكذلك سيكون الحال في اليوم الأخير عندما تنقض صواعق الدينونة على جميع رافضي نعمة يهوه . فالمسيا الذي كان بالنسبة لهم صخرة عثرة سيظهر لهم كجبل هلاك وانتقام . إن بهاء مجد وجهه الذي هو للأبرار حياة وسلام سيكون نارا آكلة الاشرار . فلكون الخاطئ قد رفض محبة يهوه وازدرى بنعمته فلابد من هلاكه .

وبأمثلة كثيرة وإنذارات متكررة أبان المسيا لليهود ماذا ستكون نتيجة رفضهم لابن يهوه . وهو بهذه الأقوال يخاطب كل من يرفضون قبوله فاديا لهم ، في كل عصر ومصر . فكل إنذار قد وجه إليهم ، إذا فلا عذر لهم . فالهيكل الذي تنجس والابن العاصي العاق والكرامون الأردياء والبناؤون المزدرون- كل أولئك لهم ضريب يشبههم في اختبار كل خاطئ . فإذا لم يتب فلابد أن تحيق به الدينونة .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App