3. يوم نزاع
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

لقد استمع الكهنة والرؤساء في صمت إلى توبيخات المسيا السديدة . ولم يستطيعوا تفنيد اتهاماته ، ولكنهم زادوا إصرارا على اصطياده . ولأجل هذا أرسلوا إليه جواسيس "يَتَرَاءَوْنَ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ لِكَيْ يُمْسِكُوهُ بِكَلِمَةٍ ، حَتَّى يُسَلِّمُوهُ إِلَى حُكْمِ الْوَالِي وَسُلْطَانِهِ" (لوقا 20:20) . ولم يرسلوا إليه الفريسيين القدامى الذين التقاهم يهوشوه مرارا ، بل أرسلوا إليه شبانا متحمسين وغيورين وكانوا يظنون أن يهوشوه لا يعرفهم . فذهب هؤلاء في صحبة بعض الهيرودسيين الذين كان عليهم أن يسمعوا أقوال المسيا حتى يشهدوا ضده عند محاكمته . لقد كان الفريسيون والهيرودسيون أعداء ألداء ، ولكنهم اتحدوا الآن معا في عدائهم ومناوأتهم للمسيا .

ينصبون شركا

ظل الفريسيون مهتاجين بسبب الجزية التي فرضها عليهم الرومان . وكانوا يعتقدون أن دفع الجزية أمر مخالف لشريعة يهوه . وها هم الآن يرون الفرصة مواتية لهم لينصبوا شركا لاصطياد يهوشوه . فجاء إليه جواسيسهم ، وبإخلاص ريائي ، كأنما يرغبون في معرفة واجبهم قالوا له: "يَامُعَلِّمُ ، نَعْلَمُ أَنَّكَ بِالاسْتِقَامَةِ تَتَكَلَّمُ وَتُعَلِّمُ ، وَلاَ تَقْبَلُ الْوُجُوهَ ، بَلْ بِالْحَقِّ تُعَلِّمُ طَرِيقَ يهوه . أَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعْطِيَ جِزْيَةً لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟" (لوقا 20: 21, 22) .

فلو كانوا مخلصين لكان قولهم "أَنَّكَ بِالاسْتِقَامَةِ تَتَكَلَّمُ وَتُعَلِّمُ" اعترافا مدهشا . ولكنهم نطقوا بهذا الكلام للتمويه والخداع . ومع ذلك فقد كانت شهادتهم صادقة ، فلقد عرف الفريسيون ، عن يقين ، أن المسيا كان بالاستقامة يتكلم ويعلم وسيدانون بموجب شهادتهم .

لقد ظن أولئك الذين قدموا ذلك السؤال إلى يهوشوه بأنهم قد أحكموا إخفاء قصدهم وأحسنوا التنكر ، ولكن يهوشوه علم ما في قلوبهم كمن يقرأ في كتاب مفتوح ، وكشف القناع عن ريائهم إذ قال لهم: "لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي؟" (لوقا 20: 23) . وبذلك قدم لهم آية لم يطلبوها إذ أراهم أنه قد كشف نواياهم الخفية . ولقد زاد ارتباكهم عندما أضاف قائلا: "أَرُونِي دِينَارًا . لِمَنِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ ؟» فَأَجَابُوا وَقَالوُا:«لِقَيْصَرَ» . فَقَالَ لَهُمْ:«أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ليهوه ليهوه»"(لوقا 20: 24, 25) .

كان الجواسيس ينتظرون أن يقدم يهوشوه جوابا مباشرا بطريقة أو بأخرى . فلو قال: لا يجوز لكم أن تعطوا جزية لقيصر لكانوا يقدمون شكوى ضده للسلطات الرومانية ، وكان يقبض عليه كمحرض على الثورة والعصيان . ولو قال: يجوز لكم أن تعطوا الجزية ، لكانوا يشكونه للشعب كمن يقاوم شريعة يهوه . ولكنهم أمام جوابه أحسوا بالارتباك والهزيمة . لقد تشوشت خططهم ، فالجواب المختصر الذي أجاب به السيد على سؤالهم لم يترك لهم بابا للكلام .

لم يكن جواب المسيا تملصا أو مراوغة بل كان جوابا صريحا على سؤالهم . فإذ أمسك في يده تلك العملة الرومانية التي كان مطبوعا عليها اسم القيصر وصورته أعلن لهم أنهم طالما هم عائشون تحت حماية القوة الرومانية فهم ملتزمون بأن يقدموا لتلك القوات المعونة الواجبة طالما أن ذلك لا يتعارض مع واجبهم الرسمي . ولكن بينما هم يخضعون مسالمين لقوانين البلاد عليهم دائما أن يقدموا ولاءهم ليهوه أولا .

إن قول المخلص: "اعطوا... ما ليهوه ليهوه"كان توبيخا جارحا لأولئك اليهود المتآمرين . فلو كانوا بكل أمانة قد قاموا بكل التزاماتهم ليهوه لما صاروا أمة منهزمة خاضعة للحكم الأجنبي ، وما كانت أية راية أجنبية تخفق فوق روابي أورشليم ، وما كان يقف على أبوابها حراس من الرومان ، وما كان يحكم داخل أسوارها والٍ روماني . لقد كانت الأمة اليهودية حينئذٍ تتحمل قصاص ارتدادها عن يهوه .

فلما سمع الفريسيون جواب المسيا "تَعَجَّبُوا مِنْ جَوَابِهِ وَسَكَتُوا" (متى 22: 22) . لقد وبخ رياءهم وغطرستهم وبعمله هذا قرر مبدأ عظيما ، مبدأ يبين حدود واجب الإنسان بوضوح تلقاء الحكومة المدنية وواجبه نحو يهوه . فلقد وجدت عقول مرتبكة كثيرة جوابا ثابتا ، وبعد ذلك التزمت تلك العقول جانب المبدأ الصائب . ومع أن كثيرين مضوا ساخطين فقد رأوا أن المبدأ الذي ينطوي عليه السؤال قد أوضح تماما . وقد تعجبوا من فطنة المسيا البعيدة النظر .

انشقاق في الكنيسة

وما أن أبكم الفريسيون حتى تقدم الصدوقيون بأسئلتهم الخبيثة . لقد كان العداء الشديد مستحكما بين هذين الحزبين . كان الفريسيون متمسكين بالتقاليد أشد التمسك ، كانوا بكل قوتهم يحافظون على التقاليد الخارجية ومجدين في ممارسة الغسلات والأصوام والصلوات الطويلة وكانوا يفاخرون الناس بصدقاتهم . ولكن المسيا أعلن أنهم قد أبطلوا وصية يهوه إذ كانوا يعلمون تعاليم هي وصايا الناس . وكطائفة كانوا قوما متعصبين ومنافقين ، ومع ذلك فقد وجد بينهم جماعة كانوا متمسكين بالتقوى الحقيقية . وهؤلاء قبلوا تعاليم المسيا وصاروا له تلاميذ . أما الصدوقيون فكانوا يرفضون تقاليد الفريسيين وكانوا يعترفون بإيمانهم بأكثر أسفار الكتاب معتبرين إياها قانونا للأعمال ، ولكنهم كانوا في الواقع قوما كثيري الشكوك وماديين .

كان الصدوقيون ينكرون وجود الملائكة وقيامة الأموات وعقيدة الحياة العتيدة بثوابها وعقابها . في كل هذه الأمور كانوا على طرفي نقيض مع الفريسيين . وكان موضوع الجدال الدائم بين ذينك الحزبين هو القيامة بوجه خاص . كان الفريسيون يؤمنون بالقيامة إيمانا ثابتا ، ولكنهم في مناقشاتهم كانت آراؤهم عن الحياة الآتية ملتبسة وغامضة . فكان الموت في نظرهم سرا استعصى عليهم فهمه وعجزوا عن إيضاحه . وإن عجزهم عن مقارعة حجج الصدوقيين أعطى مجالا لكثير من الاهتياج الذي لا ينقطع . وكانت المناقشات الدائرة بين الحزبين غالبا ما تنتهي بالمشادات الغاضبة والخصومات الشديدة . وهكذا كان يتفاقم الجفاء وتتسع شقة الخلاف بين الفريقين أكثر مما كانت .

كان الصدوقيون في العدد أقل جدا من خصومهم ، ولم يكن لهم سلطان قوي على عامة الشعب كما كان للفريسيين . ولكن كثيرين منهم كانوا أثرياء فكان لهم النفوذ الذي يمكن أن يمنحه الثراء . وقد كان بين صفوفهم السواد الأعظم من الكهنة ، وكان رئيس الكهنة يختار من بينهم عادة . وكان هذا بموجب شرط صريح ألاّ ينشروا شكوكهم أو يجعلوها تسيطر على عقول الناس . ونظرا لكثرة عدد الفريسيين وشهرتهم كان من اللازم للصدوقيين أن يوافقوهم على معتقداتهم ولو ظاهرا متى شغل أحدهم إحدى وظائف الكهنوت ، ولكن نفس فكرة كونهم لائقين لتلك الوظيفة ساعد على نشر أخطائهم .

تفكير معوج مراوغ

رفض الصدوقيون تعليم يهوشوه . لقد كان يحركه روح لم يريدوا هم الاعتراف بأنه يظهر نفسه بهذه الكيفية . وكان تعليمه عن الحياة الآتية وعن يهوه مناقضا لآرائهم ونظرياتهم . كانوا يعتقدون أن يهوه هو الكائن الوحيد الأسمى من الإنسان ، ولكنهم كانوا يجادلون قائلين إن عناية يهوه المتسلطة وعلمه السابق يجردان الإنسان من حرية العمل والارادة وينزلانه إلى منزلة العبيد . كما كانوا يعتقدون أن يهوه بعدما خلق الإنسان تركه لنفسه مستقلا عن كل نفوذ أو سلطان أعلى . وكانوا يعتقدون كذلك أن الإنسان حر لأن يتسلط على نفسه ويشكل حوادث العالم ، وأن مصيره هو بين يديه . وكانوا ينكرون أن روح يهوه يعمل عن طريق المساعي البشرية أو الوسائل الطبيعية ، ومع ذلك كانوا يعتقدون أن الإنسان إذ يستخدم قواه الطبيعية بكيفية سديدة يمكنه أن يتسامى ويستنير ، وأن حياته يمكن أن تتطهر بواسطة فرض ممارسات عنيفة وصارمة على نفسه .

هذا وإن آراءهم عن يهوه شكلت أخلاقهم . فكما أنهم كانوا يعتقدون أن يهوه غير مهتم بالإنسان أصبحوا قليلي التقدير أحدهم للآخر ، وكان اتحادهم بعضهم ببعض ضعيفا . وإذ رفضوا الاعتراف بتأثير الروح القدس على أفعال بني الإنسان فقد كانت تعوزهم قوته في حياتهم . وكغيرهم من اليهود كانوا يفخرون بأنهم أولاد إبراهيم ولهم الحق في الميراث ، كما كانوا يفخرون بتمسكهم الشديد بمطاليب الناموس ، ولكنهم كانوا مجردين عن فهم روح الناموس وإيمان ابراهيم وكرمه . وكانت دائرة عطفهم الإنساني ضيقة ومحدودة جدا . وكانوا يعتقدون أنه من الممكن للناس جميعا أن يحرزوا نصيبا في متع الحياة وبركاتها . ولم تتأثر قلوبهم باحتياج الآخرين أو آلامهم ، بل كانوا يعيشون لأنفسهم .

شهد المسيا ، بأقواله وأعماله ، بوجود قوة إلهية يمكنها أن تأتي بنتائج فائقة للطبيعة ، وشهد بوجود حياة مستقبلة بعد هذه الحياة ، وشهد بوجود يهوه كآب لبني الإنسان وهو ساهر دائما على مصالحهم الحقيقية . وأعلن عن عمل القوة الإلهية في الإحسان والرفق اللذين كانا توبيخا للصدوقيين على أنانيتهم وانطوائهم . وقد علَّم أن يهوه لأجل خير الإنسان الزمني والأبدي يرف على قلبه بالروح القدس . وأبان خطأ الإركان إلى القوة البشرية لأجل تغيير الخلق الذي لا يمكن أن يحدثه غير روح يهوه .

عقد الصدوقيون العزم على تكذيب هذا التعليم . فإذ حاولوا الاشتباك في جدال مع يهوشوه أحسوا بالثقة في أنهم حتى ولو لم يتمكنوا من إدانته فعلى الأقل سيجلبون عليه العار . واختاروا موضوع القيامة ليناقشوا المسيا فيه . فإذا وافقت عقيدته عقيدتهم فذلك سيكون كفيلا بأن يثير ضده المزيد من سخط الفريسيين ، أما إذا خالفهم فسيسخرون منه ومن تعاليمه .

وقد تحاج الصدوقيون قائلين إذا كان الجسم يتكون من نفس عناصر المادة في كلتا حالتي الخلود والموت ، إذا فعندما يقوم من الأموات ينبغي أن يتكون من لحم ودم ، ولابد أن يستأنف في عالم الخلود حياته التي قضى عليها الموت . ثم استنتجوا أنه في هذه الحالة ستعود الروابط الأرضية إلى ما كانت عليه فيتزوج الرجل امرأته وتعقد الزيجات وتعود الحالة إلى ما كانت عليه قبل الموت ، وستخلد ، في حياة الخلود الضعفات والشهوات والعواطف التي كانت في الحياة الدنيا .

وجوابا عن أسئلتهم رفع يهوشوه الستار عن الحياة الآتية فقال لهم: "فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ يهوه فِي السَّمَاءِ" . فأبان لهم أنهم مخطئون في اعتقادهم ، كما كان الفرض الذي قدموه كاذبا . قال لهم: "تَضِلُّونَ ، إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ يهوه" (متى 22: 29، 30) . إنه لم يتهمهم بالرياء كما اتهم الفريسيين بل بالخطإ في العقيدة .

كان الصدوقيون يخدعون أنفسهم بالقول إنهم ، دون جميع الناس ، متمسكون بالكتاب بكل تدقيق . ولكن يهوشوه برهن لهم على عدم فهمهم لمعنى الكتاب الحقيقي . فتلك المعرفة ينبغي إدخالها إلى القلب بإنارة الروح القدس . كما أعلن لهم أن جهلهم للكتب المقدسة ولقوة يهوه هو السبب في تشوش إيمانهم وظلام عقولهم . كانوا يحاولون حصر أسرار يهوه في داخل محيط تفكيرهم الضيق المحدود ، فدعاهم المسيا لأن يفتحوا عقولهم لقبول تلك الحقائق المقدسة التي توسع مداركهم وتقويها . إن آلافا من الناس يسقطون في هاوية الإلحاد لأن عقولهم المحدودة عاجزة عن إدراك سرائر يهوه . لا يمكنهم إيضاح مظاهر حوادث العناية الإلهية المدهشة ولذلك يرفضون براهين تلك القوة التي ينسبونها إلى عوامل طبيعية كانوا يفهمونها فهما أقل حتى من فهمهم لقوة يهوه . إن المفتاح الوحيد لمعرفة الأسرار المستغلقة علينا والمحيطة بنا هو الاعتراف بوجود يهوه وقدرته فيها كلها . إن الناس بحاجة إلى الاعتراف بيهوه كمن هو خالق الكون الذي يقول فيكون ويأمر فيصير . إنهم بحاجة إلى نظرة أوسع واشمل لصفاته واسرار وسائله .

أعلن المسيا لسامعيه أنه إذا لم تكن هنالك قيامة أموات فلا فائدة من الكتب المقدسة التي يعترفون بإيمانهم بها ، فقال: "وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الأَمْوَاتِ إِنَّهُمْ يَقُومُونَ: أَفَمَا قَرَأْتُمْ فِي كِتَابِ مُوسَى ، فِي أَمْرِ الْعُلَّيْقَةِ ، كَيْفَ كَلَّمَهُ يهوه قَائِلاً: أَنَا يهوه إله إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ ؟ لَيْسَ هُوَ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ" (متى 22: 31, 32) . أن يهوه يدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة وهو يرى النهاية من البداية ويرى نتيجة عمله كما لو كان قد أكمل . فالموتى الأعزاء من آدم إلى أخر قديس يموت سيسمعون صوت ابن يهوه ويخرجون من قبورهم لحياة الخلود . إن يهوه سيكون لهم إلها وهم يكونون له شعبا وستكون هنالك صلة وثيقة ورقيقة بين يهوه وقديسيه المقامين . فهذه الحالة المنتظرة من قصده يراها هو كما لو كانت كائنة فعلا ، فالأموات أحياء ليهوه .

أبكمت أقوال المسيا جماعة الصدوقيين ، ولم يستطيعوا أن يجيبوه . ولم ينطق يهوشوه بكلمة واحدة يمكن مؤاخذته عليها أو ادانته بسببها بأي شكل ، فلم يجد خصومه شيئا بل خرجوا مجللين باحتقار الشعب .

إن الفريسيين لم يقطعوا الأمل ، حتى ذلك الحين ، من أن يجروا المسيا لأن ينطق بما يمكن أن يأخذوه حجة ضده . فأقنعوا رجلا عالما من الكتبة بأن يسأل المسيا عن أية وصية من الوصايا العشر في الناموس هي أعظم الكل وأهم الكل .

الوصية العظمى

لقد عظم الفريسيون الوصايا الأربع الأولى التي تتناول واجب الإنسان نحو خالقه ، على أنها أعظم بكثير من الوصايا الست التي تحدد واجب الإنسان نحو أخيه وكان من نتائج ذلك أن أخفق الناس في التقوى العملية وأغفلوها . كان يهوشوه قد أبان للناس نقصهم العظيم وعتقهم لزوم الأعمال الصالحة معلنا أن الشجرة تعرف من ثمرها . ولهذا السبب اتهم بتعظيمه للوصايا الست الاخيرة فوق الوصايا الأربع الأولى .

تقدم ذلك الناموسي إلى يهوشوه بسؤال مباشر قائلا: "أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ أَوَّلُ الْكُلِّ؟" وقد كان جواب المسيا مباشرا وفعالا إذ أجابه قائلا: "إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ . يهوه إِلهُنَا إله وَاحِدٌ . وَتُحِبُّ يهوه إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ . هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى" . وقال المسيا إن الثانية هي مثل الأولى لأنها تنبع منها: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ . لَيْسَ وَصِيَّةٌ أُخْرَى أَعْظَمَ مِنْ هَاتَيْنِ" . "بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ" .

إن الوصايا الأربع الأولى من الوصايا العشر مجملة في الوصية العظمى القائلة: "تُحِبُّ يهوه إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ" والوصايا الست الأخيرة متضمنة في الوصية الأخرى وهي: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" . وكلتا هاتين الوصيتين هي تعبير عن مبدإ المحبة . فلا يمكن حفظ الوصية الأولى بينما تكسر الثانية ، كما لا يمكن حفظ الوصية الثانية بينما تكسر الأولى . فمتى كان يهوه مركزه الشرعي على عرش القلب فإننا نضع القرب في الوضع اللائق به فنحبه كأنفسنا . وفقط عندما نحب يهوه من كل القلب يصبح في إمكاننا أن نحب قريبنا وبدون محاباة وبكل إنصاف .

وحيث أن كل الوصايا مجملة في محبتنا ليهوه وللناس فيتبع ذلك أنه لا يمكن تعدي أية وصية دون الانتقاض على هذا المبدإ . وهكذا علَّم المسيا سامعيه أن شريعة يهوه ليست وصايا كثيرة متفرقة بعضها هام والبعض الآخر قليل الأهمية ويمكن تجاهله بوقاحة وازدراء . إن سيَدنا يقدم الوصايا الأربع الأولى والوصايا الست الأخيرة كوحدة إلهية وهو يرينا أن محبتنا له تتبرهن بطاعتنا لكل وصاياه .

الكاتب الذي أعجب بالمخلص

إن ذلك الكاتب الذي سأل يهوشوه كان فاهما للناموس وقد أدهشته أقوال المسيا . لم يكن ينتظر منه أن يظهر مثل تلك المعرفة العميقة الصحيحة للكتب المقدسة . لقد حصل على فكرة أوسع وأشمل للمبادئ المنطوية عليها الوصايا المقدسة . فأمام الكهنة والرؤساء المجتمعين اعترف بكل أمانة بأن المسيا قدم التفسير الصحيح للشريعة قائلا:

"جَيِّدًا يَا مُعَلِّمُ . بِالْحَقِّ قُلْتَ ، لأَنَّهُ يهوه وَاحِدٌ وَلَيْسَ آخَرُ سِوَاهُ . وَمَحَبَّتُهُ مِنْ كُلِّ الْقَلْبِ ، وَمِنْ كُلِّ الْفَهْمِ ، وَمِنْ كُلِّ النَّفْسِ ، وَمِنْ كُلِّ الْقُدْرَةِ ، وَمَحَبَّةُ الْقَرِيبِ كَالنَّفْسِ ، هِيَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ" (مرقس 12: 32، 33) .

إن الحكمة التي أبداها المسيا في جوابه أقنعت ذلك الكاتب . لقد عرف أن الديانة اليهودية كانت منحصرة في طقوس خارجية لا في تقوى قلبية . وكان يفهم تفاهة الذبائح الطقسية وعدم نفعها ، وسفك الدم في عدم إيمان للتكفير عن الخطية ، كما بدا له أن المحبة والطاعة ليهوه ومحبة الناس وإيثارهم أعظم قيمة من كل الطقوس . وإن الاستعداد الذي أبداه هذا الرجل وسرعة بديهته في الاعتراف بصواب محاجة المسيا ، واستجابته الأكيدة السريعة أمام الشعب كشفت عن روح تختلف اختلافا بينا عن روح الكهنة والرؤساء وقد امتلأ قلب يهوشوه عطفا على ذلك الكاتب الأمين الذي تجرأ على مجابهة عبوسة الكهنة وتهديدات الرؤساء فتكلم عن اقتناع قلبي "فَلَمَّا رَآهُ يهوشوه أَنَّهُ أَجَابَ بِعَقْل ، قَالَ لَهُ: «لَسْتَ بَعِيدًا عَنْ مَلَكُوتِ يهوه" (مرقس 12: 34) .

لقد كان ذلك الكاتب قريبا من ملكوت يهوه لكونه فهم أن أعمال البر مقبولة لدى يهوه أكثر من المحرقات والذبائح . ولكنه كان بحاجة إلى فهم صفة المسيا الإلهية . فبالإيمان به يستطيع أن ينال قوة لعمل البر . أما خدمة الطقوس فلم يكن لها قيمة حقيقية ما لم تتحد بالإيمان الحي . وحتى الشريعة الأدبية تقصر عن إتمام غرضها ما لم تفهم في صلتها بالمخلص . وقد أرانا المسيا مرارا أن شريعة أبيه تشتمل على ما هو أعمق من مجرد الأوامر الجازمة ، كما اشتمل الناموس على نفس المبدإ المعلن في الإنجيل . إن الناموس يري الإنسان واجبه كما يريه أيضا ذنبه . وعليه أن يلتفت إلى المسيا في طلب الغفران والقوة على إكمال مطاليب الناموس .

"مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمسيا؟"

تجمهر الفريسيون ملتفين حول يهوشوه عندما أجاب على سؤال الكاتب . فالتفت إليهم وسألهم قائلا: "مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمسيا ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ ؟" وقد كان قصده بهذا السؤال اختبار اعتقادهم في مسيا ، ليرى ما إذا كانوا يعتبرونه مجرد إنسان أو يعتبرونه ابن يهوه . فأجابه جماعه منهم بفم واحد قائلين: "ابن داود" (متى 22: 42) . هذا كان اللقب الذي أطلقته النبوات على مسيا . عندما أظهر يهوشوه ألوهيته بآياته ومعجزاته العظيمة ، عندما شفى المرضى وأقام الموتى جعل الناس يتساءلون فيما بينهم قائلين: "أليس هذا هو أبن داود ؟" إن المرأة الكنعانية وبارثيماوس الأعمى وكثيرين غيرهما كان كل يطلب منه قائلا: "ارْحَمْنِي ، يَا سَيِّدُ ، يَا ابْنَ دَاوُدَ !" (متى 15: 22) . وإذ دخل راكبا إلى مدينة أورشليم هتفت له الجموع الفرحة قائلا: "أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ ! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ يهوه !" (متى 21: 9) ، كما رن في الهيكل صدى أصوات الأولاد الصغار وهم يرددون نفس ذلك الهتاف . ولكن كثيرين ممن كانوا يدعون يهوشوه ابن داود لم يعترفوا بألوهيته ، ولم يعترفوا أن ابن داود هو أيضا ابن يهوه .

وجوابا على قولهم إن المسيا هو ابن داود قال يهوشوه: "فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ (روح الإلهام من يهوه) سيَداَ ؟ قَائِلاً: قَالَ يهوه لسيَدي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ . فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ سيَداً ، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ ؟ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ . وَمِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّةً" (متى 22: 43- 46) .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App