4. الويلات على الفريسيين
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كان ذلك آخر يوم علَّم فيه المسيا في الهيكل ، وقد اتجهت إليه أنظار كل الجماهير الحاشدة المجتمعة في أورشليم ، وازدحمت كل أروقة الهيكل بالناس ليشهدوا ذلك الصراع المحتدم ، وبكل شوق ولهفة أصغوا إلى كل كلمة نطقت بها شفتاه . لم يسبق للناس أن رأوا مثل ذلك المشهد قط . لقد وقف هناك ذلك الشاب الجليلي وهو لا يحمل أي وسام ملوكي أو مجد أرضي ، وكان يحيط به الكهنة بحللهم الغالية الثمن والرؤساء بثيابهم المزدانة بالأوسمة الدالة على شرف محتدهم ورفعة شأنهم ، والكتبة يحملون الأسفار المقدسة في أيديهم وكانوا يرجعون إليها بين حين وآخر . وقف يهوشوه أمامهم بكل هدوء وعلى وجهه وقار ملك . وكمن هو مزود بسلطان سماوي نظر بلا خوف ولا وجل إلى خصومه الذين قد رفضوه واستخفوا بتعاليمه وكانوا متعطشين لسفك دمه . لقد هاجمه عدد غفير منهم ، ولكن كل مؤامراتهم التي حاكوها لاصطياده أحبطت وباءت بالفشل . وقد تلقى هجوما في إثر هجوم ، وهو يقدم للناس الحق النقي المتألق بالنور على نقيض ظلمة أخطاء الكهنة والفريسيين . ثم بسط أمام أنظار أولئك الرؤساء حالتهم على حقيقتها ، والقصاص الذي لابد أن يعقب إصرارهم على ارتكاب الأعمال الشريرة . ثم قدم إليهم الإنذار بكل أمانة ، ومع ذلك فقد بقي للمسيا عمل أخر يعمله . كان أمامه غرض آخر يجب إتمامه .

ازداد اهتمام الشعب بالمسيا وعمله ازديادا مطردا . لقد سحرتهم روعة تعاليمه ومع ذلك فقد كانوا في أشد ارتباك . كانوا يوقرون الكهنة والمعلمين لأجل ذكائهم وتقواهم المصطنعة ، وفي كل الشؤون الدينية كان الشعب يقدم للرؤساء طاعة كاملة . ومع ذلك فها هم الآن يرون أولئك الرجال يحاولون إلحاق الإهانات بيهوشوه المعلم الذي أضاءت فضائله, ومعرفته وزاد نورها بتوالي هجماتهم عليه . نظروا إلى وجوه أولئك الكهنة والشيوخ المتجهمة فرأوا الهزيمة والارتباك مرتسمين عليها . وقد ذهلوا لكون الرؤساء رفضوا الإيمان بيهوشوه مع أن تعاليمه كانت في غاية الوضوح والبساطة . ولم يكونوا هم أنفسهم يعرفون كيف يتصرفون . فبجزع وشوق جعلوا يراقبون حركات أولئك الرؤساء الذين كانوا دائما يتبعون مشورتهم .

قيود التقاليد

كانت غاية المسيا من أمثاله التي أوردها غاية مزدوجة ، فقد كان يرمي إلى إنذار الرؤساء وتعليم الشعب الراغب في التعلم . ولكن الحاجة كانت تدعوه لأن يتكلم بصراحة أعظم مما فعل قبلا . إن الشعب بسبب احترامهم للتقاليد وثقتهم العمياء برجال الكهنوت الفاسدين كانوا مستعبدين . ولابد للمسيا أن يحطم تلك الأغلال . فينبغي أن يفضح خلق الكهنة والرؤساء والفريسيين علنا وبكيفية شامل .

فقال: "عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ ، فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلُوهُ ، وَلكِنْ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ لاَ تَعْمَلُوا ، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلاَ يَفْعَلُونَ" (متى 23: 2، 3) . كان الكتبة والفريسيون يدعون أنهم مزودون بسلطان إلهي شبيه بما قد أعطي لموسى . كما ادعوا أنهم أخذوا مكانة كمفسري الناموس وقضاة الشعب . ولهذا الاعتبار طلبوا من الشعب أن يقدموا لهم أعظم إكرام وطاعة . لذا أمر يهوشوه سامعيه أن يعملوا ما يطلب منهم المعلمون حسب الناموس ولكن لا يتشبهوا بهم ، لأنهم هم أنفسهم لم يمارسوا التعاليم التي كانوا يعلمونها للناس .

ثم إنهم كانوا يعلمون تعاليم كثيرة مناقضة للكتاب المقدس . فقد قال يهوشوه: "فَإِنَّهُمْ يَحْزِمُونَ أَحْمَالاً ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ ، وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ" (متى 23: 4) . لقد فرض الفريسيون على الشعب كثيرا من النظم والقوانين المبنية على التقاليد وكانت تحد من الحرية الشخصية إلى حد لا يقبله العقل . فكانوا يفسرون بعض أجزاء الشريعة تفسيرا يفرض على الناس بعض الفرائض التي كانوا هم أنفسهم يتجاهلونها في الخفاء . وكانوا أحيانا يدَّعون أنهم معفون منها حسبما تقتضيه أهواؤهم .

كان الهدف الذي وضعوه نصب عيونهم هو الإشادة بتقواهم والتظاهر بها . وقد بذلوا كل جهدهم في سبيل ذلك ، ولم يكونوا يتورعون عن أي شيء للوصول إلى غرضهم . أما فيما يختص بالوصايا الإلهية فقد أمر السيَد موسى قائلا: "وَارْبُطْهَا عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ ، وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ" (تثنية 6: 8) . هذا الكلام له معناه العميق . فإذ يلهج الإنسان بكلمة يهوه ويمارسها سالكا بموجبها فإنه يصل إلى درجة عظيمة من النبل والسمو . وفي المعاملات البارة الرحيمة تظهر اليدان مبادئ شريعة يهوه كختم المصادقة على اعتراف الشفتين . وستحفظان من قبول الرشوة وكل فساد وخداع ، وستجتهدان وتنشطان في أعمال المحبة والرحمة . والعينان إذ تتجهان نحو غرض نبيل ستكونان صافيتين وصادقتين . والوجه المعبر والعينان اللتان تنطقان بأفصح بيان تشهد للخلق الذي بلا لوم الذي يتصف به كل من يحب كلمة يهوه ويكرمها . ولكن اليهود في أيام المسيا لم يفطنوا إلى هذا كله . فان الأمر الذي صدر إلى موسى حُرِّف بحيث فهمه الناس على أن يكتب الإنسان وصايا يهوه ويجعلها لباسا له . وتبعا لذلك كتبت الوصايا على رقوق وكانت تربط في مكان ظاهر في الجبهة أو على اليد . ولكن هذا الإجراء لم يجعل شريعة يهوه تتمكن أو تثبت في الذهن والقلب . ولكن الناس كانوا يلبسون تلك الرقوق كسمات أو شارات لتسترعي انتباه الآخرين . وكان يظن أنها تكسب من يلبسونها هيئة التعبد والقداسة التي تلزم الناس بإكرامهم وتوقيرهم ، فوجه يهوشوه ضربة شديدة إلى هذا الادعاء الباطل .

السيَد يوبخ طلب تمجيد الذات

"وَكُلَّ أَعْمَالِهِمْ يَعْمَلُونَهَا لِكَيْ تَنْظُرَهُمُ النَّاسُ: فَيُعَرِّضُونَ عَصَائِبَهُمْ وَيُعَظِّمُونَ أَهْدَابَ ثِيَابِهِمْ ، وَيُحِبُّونَ الْمُتَّكَأَ الأَوَّلَ فِي الْوَلاَئِمِ ، وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ ، وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ ، وَأَنْ يَدْعُوَهُمُ النَّاسُ: سَيِّدِي سَيِّدِي ! وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلاَ تُدْعَوْا سَيِّدِي ، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمسيا ، وَأَنْتُمْ جَمِيعًا إِخْوَةٌ . وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ ، لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ . وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ ، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمسيا ." (متى 23: 5- 10) . بمثل هذه الأقوال الصريحة كشف المخلص عن الطموح الأناني الذي كان يطلب أبدا مجالا وسلطانا وهو يتظاهر بالوداعة الكاذبة في حين كانت القلوب مشحونة طمعاً وحسدا . عندما كان الناس يدعون إلى وليمة كان الضيوف يجلسون في المكان الملائم لمقامه . فالذين كان يعطى لهم أكرم مكان كانوا يتمتعون باهتمام خاص وينالون حظوة عظيمة . وكان الفريسيون دائبين دائما في تدبير خططهم للحصول على تلك الكرامات ، فوبخ يهوشوه هذه التصرفات .

كما أنه وبخ الغرور الذي جعل أولئك القوم يتحرقون شوقاً للحصول على ألقاب الشرف مثل (سيد) أو (معلم) . وأعلن أن هذا اللقب لا يخص إنسانا بل: يخص المسيا نفسه . لقد كان الكهنة والكتبة والرؤساء ، مفسرو الناموس والمهيمنون عليه ، إخوة أبناء أب واحد . وقد شدد يهوشوه على ألا يطلق الشعب أي لقب من ألقاب الشرف على إنسان ليدل على سيطرته على ضمائرهم أو إيمانهم .

لو كان المسيا عائشاً على الأرض اليوم بين من يحملون الألقاب الدينية الرنانة التي لا يوصف بها إلا يهوه أما كان يردد كلامه القائل: "أَمَّا أَنْتُمْ فَلاَ تُدْعَوْا سَيِّدِي، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمسيا؟" إن الكتاب المقدس يعلن عن يهوه قائلا: "قُدُّوسٌ وَمَهُوبٌ اسْمُهُ" (مزمور 111: 9) . أي مخلوق بشري يستحق أن يطلق عليه هذا اللقب ؟ وما أقل ما يظهر الإنسان من الحكمة والبر اللذين يدل عليهما هذا اللقب ! وما أكثر من يطلقون هذا اللقب على أنفسهم وهم في نفس الوقت يمثلون اسم يهوه وصفاته أسوأ تمثيل ! واأسفاه ، فما أكثر ما يختفي الطموح العالمي والاستبداد والتعسف وأسفل الخطايا وأنجسها تحت ستار الثياب المزينة التي يلبسها أصحاب المراكز المقدسة الهامة ! وقد استطرد المخلص قائلا:

"أَكْبَرُكُمْ يَكُونُ خَادِمًا لَكُمْ . فَمَنْ يَرْفَعْ نَفْسَهُ يَتَّضِعْ ، وَمَنْ يَضَعْ نَفْسَهُ يَرْتَفِعْ" (متى 23: 11, 12) ! علّم المسيا مرارا عديدة أن العظمة الحقيقية تقاس بقيمة الإنسان الأخلاقية . فحسب تقدير السماء تنحصر عظمة الخلق في كوننا نعيش لنعمل الخير لبني الإنسان ، وفي القيام بأعمال المحبة والرحمة . فلقد كان المسيا ، ملك المجد ، خادما للبشر الساقطين .

قال يهوشوه: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ ! لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ" (متى 23: 13) . إن الكهنة والناموسيين إذ حرفوا الكتب المقدسة فقد أعموا أذهان أولئك الذين لولا هذا التصرف من جانب الرؤساء ما كانوا قد عرفوا عن ملكوت المسيا ، وتلك الحياة الإلهية في أعماق الإنسان التي هي جوهرية للقداسة الحقيقية .

عقول مظلمة وأيد جشعة

"وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ ! لأَنَّكُمْ تَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ ، ولِعِلَّةٍ تُطِيلُونَ صَلَوَاتِكُمْ . لِذلِكَ تَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ" (متى 23: 14) .

كان للفريسيين نفوذ عظيم على الشعب وقد استفادوا من هذا لخدمة مصالحهم . فقد ظفروا بثقة الأرامل التقيات ، وإذ ذاك أقنعوهن بوجوب تكريس أملاكهن لأغراض دينية . وبعدما استولى أولئك المتآمرون المحتالون على أموال الأرامل استخدموها لمنفعتهم الشخصية . ولكي يخفوا تلك الخيانة كانوا يقدمون صلوات طويلة جهارا متظاهرين بالتقوى . وقد أعلن المسيا أن هذا الرياء سيجلب عليهم دينونة أعظم . وهذا التوبيخ ينصبُّ على رؤوس كثيرين في أيامنا هذه الذين يتشدقون بالتقوى . لقد تلطخت حياتهم بالأنانية والطمع ، ومع ذلك فهم يخفون هذا كله تحت رداء الطهارة الزائفة ، وبذلك يخدعون بني جنسهم إلى حين . ولكنهم لن يستطيعوا أن يخدعوا يهوه . إنه يعرف كل نوايا القلب وسيدين كل إنسان حسب أعماله .

دان المسيا سوء المعاملة بلا رحمة ولكنه حرص أيضاً على عدم التقليل من الالتزام والمسؤولية . لقد وبخ الناس على الأنانية التي سلبت الآخرين حقوقهم ، وجعلت أصحابها يسيئون استعمال عطايا الأرامل . وفي نفس الوقت امتدح الأرملة التي أتت بتقدمتها إلى خزانة بيت يهوه . إن سوء استعمال الإنسان للعطية لم يحرم المعطين من بركة يهوه .

فلسا الأرملة

كان يهوشوه في الرواق الذي كانت فيه خزانة الهيكل وكان يراقب الناس الآتين ليقدموا عطاياهم . ثم أتى كثيرون من الأغنياء بمبالغ كبيرة وكانوا يقدمونها بتفاخر وكبرياء . وقد نظر إليهم يهوشوه بحزن ولم يقل شيئا عن عطاياهم السخية . ولكن فجأة أشرق محياه عندما رأى أرملة فقيرة تقترب بتردد وخجل كأنما تخشى أن يراها أحد . وإذ كان الأغنياء المتغطرسون يتقدمون ليضعوا تقدماتهم تراجعت هي كأنها لا تجرؤ على التقدم أكثر . ومع ذلك كانت تتوق لأن تقدم شيئا ولو قليلا لعمل السيَد الذي كانت تحبه . نظرت إلى التقدمة التي في يدها وكانت لا تساوي شيئا أمام عطايا الأغنياء الواقفين من حولها . ومع ذلك كانت تقدمتها هي كل ما تملكه . فانتهزت الفرصة وبسرعة ألقت فلسيها ثم ذهبت في طريقها بعجلة . ولكن فيما كانت تفعل ذلك التقت عيناها بعيني يهوشوه اللتين حدقتا النظر إليها باشتياق .

ثم دعا المخلص تلاميذه إليه وأمرهم أن يلاحظوا فقر تلك الأرملة . ومن ثم سمعت المرأة كلامه وهو يمتدحها بقوله: "بِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنَ الْجَمِيعِ" ( لوقا 21: 3) . فانهمرت من عينيها دموع الفرح حين أحست بأن صنيعها قد فهم وحظي بالتقدير . ربما وجد كثيرون ممن نصحوا تلك الأرملة  بأن تحتفظ لنفسها بالقليل الذي معها لتستخدمه لنفسها . لأنه إذ يوضع بين أيدي الكهنة المتزمتين فسيضيع بين التقدمات الأخرى الغالية التي يؤتى بها إلى الخزانة . ولكن يهوشوه فهم بواعثها ، فلقد كانت تؤمن بأن خدمة الهيكل معينة من يهوه وكانت تتوق لأن تبذل قصارى جهدها للمساهمة في نفقاته . لقد عملت ما استطاعت عمله ، وكان عملها مزمعاً أن يصير نصبا تذكاريا لها مدى الدهر وسبب فرحها في الأبدية . لقد قدمت قلبها مع تقدمتها التي قدرت قيمتها لا بمقدار ما تساويه قطعة النقود ، بل بمقدار محبتها ليهوه واهتمامها بعمله الذي دفعها لتقديمها .

قال يهوشوه عن هذه الأرملة الفقيرة إنها "ألقت أكثر من الجميع". إن الأغنياء ألقوا من فضلتهم ، وكثيرون منهم قدموا ما قدموه بقصد المفاخرة والمباهاة والحصول على مجد من الناس ، ولم تحرمهم عطاياهم الكبيرة من متع الحياة أو حتى الترف ، فهي لم تتطلب تضحية ، ولذلك لم تستحق أن تقارن بقيمة ما بلغه فلسا الأرملة .

أسمى قيمة من النقود

إن الباعث أو الدافع هو الذي يعطى ميزة لأعمالنا ، فإما أن يصمها بوصمة عار أو يعطيها القيمة الأدبية التي تستحقها . فليست الأشياء العظيمة التي تراها كل عين ويمتدحها كل لسان هي التي لها قيمة عظيمة في نظر يهوه ، ولكن الواجبات البسيطة التي نؤديها بفرح والعطايا القليلة القيمة التي نقدمها في غير مباهاة والتي تبدو للعين البشرية كأنها عديمة القيمة هي في الغالب التي لها أسمى تقدير في نظر يهوه . فالقلب العامر بالإيمان والنابض بالحب هو أغلى في نظر يهوه من أثمن العطايا . إن الأرملة الفقيرة قدمت كل معيشتها لتحمل القليل الذي عمقه . لقد حرمت نفسها من الطعام لتقدم الفلسين لعمل يهوه الذي قد أحبته . وقد فعلت ذلك بإيمان ، إذ كانت تؤمن بأن أباها السماوي لن يغضي عن عوزها الشديد ولن ينساها . فهده الروح المنكرة لنفسها وذلك الإيمان الشبيه بإيمان الأولاد هما اللذان استحقا مديح المخلص واستحسانه .

يوجد كثيرون من الفقراء الذين يرغبون في إظهار شكرهم ليهوه على نعمته وحقه ، ويرغبون كل الرغبة في المساهمة مع إخوتهم الأوفر ثراء منهم في معاضدة عمل السيَد . فينبغي ألا يصد أمثال أولئك الناس بل ليسمح لهم بأن يضعوا القليل الذي لهم في المصرف السماوي . فمتى قدمت هذه العطايا من قلوب مفعمة حبا ليهوه فمع أنها تبدو تافهة فإنها تصير عطايا مكرسة وتقدمات لا تقدر بثمن يفرح بها قلب يهوه و يباركها .

إن يهوشوه عندما قال إن تلك الأرملة "أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنَ الْجَمِيعِ" كان صادقاً في كلامه ، ليس فقط من حيث الدافع بل أيضاً من حيث نتائج تلك التقدمة . إن "الفلسين اللذين قيمتهما ربع" قد جلبا إلى خزانة يهوه كمية من المال أعظم من كل التقدمات التي أتى بها أولئك اليهود الأثرياء . إن أثر تلك التقدمة البسيطة كان كنبع ماء صغير عند منبعه ، ولكن بعد ذلك يصير واسعا وعميقا في مجراه وتفيض مياهه مدى الأجيال . وبوسائل لا حصر لها ساهمت تلك التقدمة في إسعاف الفقراء وانتشار الإنجيل . إن عمل التضحية الذي قامت به تلك الأرملة قد أثر متفاعلا في قلوب آلاف الناس في كل البلدان والعصور . وكان له تأثير في الأغنياء والفقراء ، فضاعفت تقدماتهم من قيمة عطيتها . إن بركة يهوه على فلسي الأرملة جعلتهما سببا في نتائج عظيمة ، وكذلك الحال مع كل تقدمة نقدمها وكل عمل نقوم به برغبة مخلصة لمجد يهوه فهو مرتبط بمقاصد يهوه القادر على كل شيء . إن نتائج ذلك العمل للخير لا يمكن تقديرها .

أحمال لا لزوم لها

تابع المخلص تشهيره بالكتبة والفريسيين فقال: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ ! الْقَائِلُونَ: مَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِذَهَب الْهَيْكَلِ يَلْتَزِمُ . أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَالْعُمْيَانُ ! أَيُّمَا أَعْظَمُ: أَلذَّهَبُ أَمِ الْهَيْكَلُ الَّذِي يُقَدِّسُ الذَّهَبَ ؟ وَمَنْ حَلَفَ بِالْمَذْبَحِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْبَانِ الَّذِي عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ . أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَالْعُمْيَانُ ! أَيُّمَا أَعْظَمُ: أَلْقُرْبَانُ أَمِ الْمَذْبَحُ الَّذِي يُقَدِّسُ الْقُرْبَانَ ؟" (متى 23: 16- 19) . لقد فسر الكهنة مطاليب يهوه بحسب مقياسهم المحدود المزيف . كانوا يدَّعون أنهم يصنعون تفريقا دقيقا بالنسبة إلى درجة جسامة الخطايا المختلفة مستخفين ببعض الخطايا ، ومعتبرين بعض الخطايا الأخرى التي قد تكون أقل شأنا كأن لا غفران لها . فلأجل اعتبارات مالية أعفوا بعض الناس من وفاء نذورهم ، وفي مقابل مبالغ كبيرة من المال كانوا أحيانا يتغاضون عن جرائم خطيرة . وفي نفس الوقت كان هؤلاء الكهنة والرؤساء يصدرون في بعض الحالات الأخرى حكما صارما على هفوات تافهة .

عظام وقبور

ثم عاد يهوشوه يقول: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ ! لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالشِّبِثَّ وَالْكَمُّونَ ، وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ النَّامُوسِ: الْحَقَّ وَالرَّحْمَةَ وَالإِيمَانَ . كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ" (متى 23: 23) . وفي كل هذا الكلام يدين المسيا مرة أخرى إساءة استخدام الالتزامات المقدسة . وهذا الالتزام نفسه لا يغفله ، فيهوه هو الذي فرض نظام العشور وقد حفظ منذ أقدم العصور . فإبراهيم أبو المؤمنين قدم عشرا من كل أمواله . وكان رؤساء إسرائيل يسلمون بضرورة دفع العشور ، وكان هذا العمل صوابا ، ولكنهم لم يتركوا الشعب ليتحملوا بأنفسهم تبعة اقتناعهم بالواجب ، بل وضعت قوانين تعسفية لكل حالة . وقد تعقدت كل المطاليب بحيث غدا من المستحيل حفظها . ولم يكن أحد يعرف متى تتم عهوده . كان ذلك النظام عادلا ومقبول بحسب ما أعطاه يهوه ، ولكن الكهنة والرؤساء جعلوه عبئا مملا ثقيلا .

إن كل ما يأمر به يهوه له أهميته . فلقد اعتبر المسيا تقديم العشور واجبا ، غير أنه أبان لسامعيه أن هذا لا يعفيهم من مسؤولية إهمالهم للواجبات الأخرى . كان الفريسيون مدققـين جدا في تعشير الأعشاب النامية في البساتين كالنعنع والشبث والكمون ، فهذا لم يكن ليكلفهم كثيرا ، بل قد جعلهم يشتهرون بالتدقيق والقداسة . وفي نفس الوقت فإن أوامرهم ونواهيهم التي لا نفع منها ضايقت الشعب وأضاعت توقير الناس لذلك النظام المقدس الذي قد أقره يهوه نفسه . لقد شحنوا عقول الناس بفروق تافهة ، وأبعدوا تفكيرهم عن الحقائق الجوهرية ، فالأمور العظيمة الأهمية في الناموس ، كالحق والرحمة والإيمان أغفلت . وقد قال لهم يهوشوه: "كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ" .

وهنالك قوانين أخرى أفسدها المعلمون على هذا النحو . ففي الأوامر المعطاة للشعب بواسطة موسى نهاهم يهوه عن أكل كل شيء نجس . فأكل لحم الخنزير وبعض الحيوانات الأخرى كان محرماً لاحتمال كونه  يملأ الدم بالنجاسة ويقصر العمر . ولكن الفريسيين لم يتركوا هذه النواهي كما قد أعطاها يهوه بل تطرفوا إلى الحدود غير الجائزة وكان ضمن الأشياء المطلوب من الشعب عملها أن يصفوا كل الماء الذي يستعملونه لئلا تكون فيه أصغر حشرة يمكن حسبانها ضمن الحيوانات النجسة . وإذ قارن يهوشوه بين هذه النواهي التافهة وبين هول خطاياهم الفعلية قال للفريسيين: "أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ ! الَّذِينَ يُصَفُّونَ عَنِ الْبَعُوضَةِ وَيَبْلَعُونَ الْجَمَلَ" (متى 23: 24) .

قال لهم أيضاً: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ ! لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً ، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ" (متى 23: 27) . فكما أن القبر المبيض والمزين من الخارج يخفي في داخله الجثث المتعفنة ، فكذلك القداسة الظاهرية التي كان يتباهى بها الكهنة والرؤساء كانت تخفي وراءها الآثام والمفاسد . ثم قال أيضاً:

"وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ ! لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَتُزَيِّنُونَ مَدَافِنَ الصِّدِّيقِينَ ، وَتَقُولُونَ: لَوْ كُنَّا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا لَمَا شَارَكْنَاهُمْ فِي دَمِ الأَنْبِيَاءِ" (متى 23: 29- 31) . إن اليهود لكي يظهروا تقديرهم للأنبياء الذين ماتوا جعلوا بكل اهتمام وحماسة يزينون مدافنهم ، ولكنهم لم يستفيدوا من تعاليمهم ولا ألقوا بالا إلى توبيخاتهم .

ففي أيام المسيا اهتم الناس اهتماما خرافيا بمدافن الموتى وأنفقت مبالغ طائلة من المال على تزيينها . وكان هذا عبادة أوثان في نظر يهوه . وذلك أن الناس في توقيرهم المبالغ فيه وغير اللائق بالموتى برهنوا على أنهم لم يحبوا يهوه من كل القلب ولا أحبوا القريب كالنفس ونفس هذه الوثنية متفشية بين الناس في هذه الأيام . كثيرون مجرمون في كونهم يهملون الأرامل واليتامى والمرضى والفقراء لكي يبنوا أنصابا وتماثيل غالية الثمن للموتى . فهم ينفقون الوقت والمال والجهود بسخاء لأجل هذه الاغراض ، في حين أنهم يهملون واجبهم نحو الأحياء . فتلك الواجبات التي قد فرضها المسيا بكل صراحة قد تركت وأغفلت .

لقد بنى الفريسيون قبور الأنبياء وزينوا مدافنهم وقال أحدهم للآخر: لو كنا في أيام  آبائنا لما شاركناهم في سفك دم خدام يهوه . ولكنهم كانوا في نفس الوقت يتآمرون لسفك دم ابنه . ونحن ينبغي أن نتخذ من هذا درسا لنفوسنا ، ويجب أن نفتح عيوننا للتحقق من قوة الشيطان على خداع العقول التي تبتعد عن نور الحق . كثيرون يسيرون في إثر خطوات الفريسيين . فهم يكرمون أولئك الذين ماتوا في سبيل إيمانهم . وهم يندهشون من عمى اليهود في رفضهم للمسيا . ثم يعلنون قائلين: لو عشنا في أيامه لكنا بكل سرور قبلنا تعاليمه وما كنا اشتركنا قط  في جريمة من قد رفضوا المخلص . ولكن عندما تستلزم الطاعة ليهوه إنكار الذات والتواضع فإن نفس هؤلاء الناس يخدمون اقتناعهم ويرفضون الطاعة . وهكذا يظهرون نفس الروح التي اتصف بها الفريسيون الذين دانهم المسيا .

سافكو دم

إن اليهود لم يكونوا يحسون بمسؤوليتهم الهائلة في رفضهم للمسيا . فمنذ الوقت الذي أهرق فيه دم أول إنسان عندما ذبح قايين أخاه هابيل الصديق ، ونفس ذلك التاريخ يتكرر مع تفاقم الجرائم . ففي كل عصر كان الأنبياء يرفعون أصواتهم ضد خطايا الملوك والولاة والشعب وهم يخاطبونهم بالكلام الذي وضعه يهوه في أفواههم وقد أطاعوه مخاطرين بحياتهم . ومن جيل إلى جيل تجمعت الدينونة والقصاص الرهيب على رؤوس رافضي النور والحق . وكان أعداء المسيا يستمطرون هذا القصاص فوق رؤوسهم . إن خطية الكهنة والرؤساء كانت أعظم وأثقل من كل ما ارتكبه الناس في العصور السالفة . وبرفضهم للمخلص أوقعوا أنفسهم تحت مسؤولية دم كل الناس الأبرار الذين قتلوا من أيام هابيل إلى أيام المسيا . كان كأس إثمهم قد فاض وكان مزمعا أن ينصب على رؤوسهم في نقمة عدل يهوه . وقد قال يهوشوه بهذا الصدد:

"لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ . اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا كُلَّهُ يَأْتِــي عَلَى هذَا الْجِيلِ !" (متى 23: 35 , 36) .

لقد عرف الكتبة والفريسيون الذين سمعوا كلام يهوشوه أن ذلك الكلام حق . وقد عرفوا كيف مات زكريا النبي . فإذ كان ينطق بكلام الإنذار من قبل يهوه تسلط على الملك المرتد غضب شيطاني وبأمره قتل النبي وقد رش من دمه على نفس أحجار رواق الهيكل ولم يمكن محو ذلك الدم بل بقي ليكون شهادة على ارتداد إسرائيل . وطالما كان الهيكل باقيا بقيت لطخات ذلك الدم الزكي صارخة تطلب الانتقام . وإذ أشار يهوشوه إلى تلك الخطايا المخيفة سرت في ذلك الجمع هزة رعب .

يوبخ في محبة

وإذ نظر يهوشوه إلى الأمام إلى المستقبل أعلن أن عصيان اليهود ورفضهم لخدام يهوه سيبقيان كما كانا فيما مضى ثم قال:

"لِذلِكَ هَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَحُكَمَاءَ وَكَتَبَةً ، فَمِنْهُمْ تَقْتُلُونَ وَتَصْلِبُونَ ، وَمِنْهُمْ تَجْلِدُونَ فِي مَجَامِعِكُمْ ، وَتَطْرُدُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ"(متى 23: 34)- أنبياء وحكماء مملوئين من الإيمان والروح القدس- كاستفانوس ويعقوب وآخرين كثيرين- سيحكم عليهم ويقتلون . فإذ رفع المسيا يده إلى السماء وقد غمره نور إلهي جعل يخاطب الناس الماثلين أمامه كقاض . وصوته الذي طالما سمع ينطق بالتوسلات الرقيقة ، سمع الآن ينطق بكلام التوبيخ والدينونة . فارتعب السامعون ، ولم يكن ممكنا أن يمحى تأثير كلامه ونظراته .

كان غضب المسيا منصبا على الرياء والخطايا الشنيعة التي كانت علة هلاك أرواح الناس وهم يموهون على الشعب ويهينون يهوه . وفي محاجة الكهنة والرؤساء الخادعة المموهة مع الفادي فطن إلى عمل القوات الشيطانية . وقد كان تشهيره بالخطية صارما وفاحصا ولكنه لم ينطق بكلام انتقامي . لقد اشتعل غضبه المقدس ضد سلطان الظلمة ولكن لم يبد منه أي اهتياج . وكذلك كل مسيحي يعيش على وفاق مع يهوه وله صفات الرحمة والمحبة الجميلة لابد أن يحس بغضب مقدس ضد الخطية ، ولكن الغضب لا يثيره بحيث يشتم من يشتمونه . وحتى لو التقى بمن تحركهم قوة شيطانية ليروجوا الكذب ففي المسيا لابد أن يحتفظ بالهدوء وضبط النفس .

ولقد ارتسم الإشفاق الإلهي على وجه ابن يهوه عندما ألقى نظرة أخيرة على الهيكل ثم على سامعيه . وبصوت خنقته العبرات والحزن القلبي العميق صاح قائلا: "يَا أُورُشَلِيمُ ، يَا أُورُشَلِيمُ ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا ، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا ، وَلَمْ تُرِيدُوا !" (متى 23: 37) . هذا هو كفاح الانفصال . ففي مرثاة المسيا يسكب يهوه قلبه . إنه الوداع الخفي لمحبة يهوه الصابرة المتمهلة .

يفصلون أنفسهم عن يهوه

لقد أبكم الفريسيون والصدوقيون جميعا . ثم دعا يهوشوه تلاميذه وتأهب لمبارحة الهيكل ، ليس كمن قد انهزم وأرغم على الانصراف من أمام خصومه بل كمن قد أتم عمله . لقد خرج من ذلك الصراع ظافرا منتصرا .

إن تلك الدرر التي خرجت من بين شفتي المسيا في ذلك اليوم الكثير الوقائع قد أودعها كثيرون في قلوبهم . فبالنسبة إليهم بدأت في الحياة آراء جديدة وأوقظت أشواق جديدة وبدأ تاريخ جديد . وبعد صلب المسيا وقيامته تقدم هؤلاء الناس إلى الأمام وأتموا مأموريتهم الإلهية بحكمة وغيرة متناسبتين مع عظمة العمل . لقد حملوا رسالة وصلت إلى قلوب الناس ، رسالة أضعفت قوة الخرافات القديمة التي أوهنت حياة آلاف الناس . وأمام شهادتهم بدت النظريات والفلسفات البشرية كخرافات عاطلة . وقد كانت النتائج التي حدثت من أثر أقوال المخلص عظيمة جدا في نظر ذلك الجمع المندهش المرتعب في هيكل أورشليم .

إن إسرائيل كأمة قد فصلوا أنفسهم عن يهوه . لقد قطعت أغصان الزيتونة الطبيعية . فإذ نظر يهوشوه إلى داخل الهيكل ؟ لأخر مرة قال بشجن مفجع محزن: "هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا . لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَنِي مِنَ الآنَ حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ يهوه!" (متى 23: 38, 39) . كان قبل ذلك يدعو الهيكل بيت أبيه ، أما الآن ففيما كان ابن يهوه خارجا من الهيكل انسحب حضور يهوه إلى الأبد من ذلك الهيكل الذي قد بني لمجده . ومنذ ذلك الحين صارت طقوسه بلا معنى وخدماته سخرية لاذعة .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App