7. كأس ماء فقط
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

"وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ . وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ" (متى 25: 31, 32) . هكذا صور المسيا لتلاميذه وهم فوق جبل الزيتون مشهد يوم الدينونة العظيم . كما صور لهم الحكم في ذلك على أنه يتجه إلى نقطة واحدة . فعندما تجتمع أمامه جميع الشعوب سيكون هنالك فريقان لا ثالث لهما ، ومصيرهم الأبدي سيتقرر بحسب ما قد فعلوه أو ما أهملوه من واجب نحوه في شخص الفقراء والمتألمين .

وفي ذلك اليوم لن يعرض المسيا أمام الناس العمل العظيم الذي قد عمله لأجلهم في بذله حياته لفدائهم ، بل سيعرض أمامهم عمل الأمانة الذي قد فعلوه لأجله . فالذين يقيمهم عن يمينه سيقول لهم : "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي ، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ . لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِـي . عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِـي . كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي . عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِـي . مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِـي . مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ" . ولكن أولئك الذين يمتدحهم المسيا لا يعلمون أنهم قد خدموه . فيجيبهم على تساؤلهم الحائر قائلا: "بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ ، فَبِي فَعَلْتُمْ" (متى 25: 34- 36, 40) .

كان يهوشوه قد أنذر تلاميذه بأنهم سيكونون مبغضين من الجميع مضطهدين ومضايقين . وكثيرون منهم سيطردون من بيوتهم ويشردون بحيث يصيرون فقراء بلا مأوى . وكثيرون سيحل بهم الضيق والضنك بسبب الأمراض والعسر والحرمان . وكثيرون سيلقى بهم في غياهب السجون . إلا أن السيد وعد كل من ترك لأجله بيتا أو صديقا بأن يكون له في هذا الزمان مئة ضعف . والآن هاهو يؤكد لكل من قد خدموا إخوتهم أنهم سينالون بركة خاصة . قال: يمكنكم أن تتحققوا من شخصي في كل من يتألمون لأجل اسمي . وكما تريدون أن تخدمونني عليكم أن تخدموهم ، وهذا هو البرهان على أنكم تلاميذي . 

مولودون من يهوه

إن كل من ولدوا في الأسرة السماوية هم إخوة السيَد بمعنى خاص . إذ أن محبة المسيا تربط أفراد أسرته معا بأوثق الربط . وأينما تتجلى تلك المحبة فهناك تعلن الصلة الإلهية "كُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ يهوه وَيَعْرِفُ يهوه" (1 يوحنا 4: 7) .

إن الذين يمتدحهم المسيا في يوم الدين قد لا يكونون يعرفون إلا النزر اليسير من العلوم اللاهوتية . ولكنهم أحبوا مبادئ يهوه واحتضنوها وبتأثير روح يهوه صاروا بركة لعشرائهم . بل حتى بين الوثنيين يوجد بعض من يتصفون بالرفق والرحمة والحنان . فقبلما سمعوا كلام الحياة صاروا أصدقاء للكارزين وخدموهم مخاطرين بحياتهم . وبين الوثنيين يوجد من يعبدون يهوه بجهل . أولئك الذين لم يصل إليهم النور قط بواسطة أي إنسان ، ومع ذلك فإنهم لن يهلكوا . فمع جهلهم للناموس المكتوب بيد يهوه فقد سمعوا صوته يكلمهم في الطبيعة وتمموا مطاليب الناموس . وأعمالهم تدل على أن الروح القدس قد لمس قلوبهم فيعتبرون بأنهم أولاد يهوه .

وكم سيندهش ويفرح المتواضعون بين الأمم والوثنيين حين يسمعون المخلص نفسه قائلا لهم: "بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ ، فَبِي فَعَلْتُمْ!" وكم سيفرح قلب يهوه غير المحدود في حبه حين يشخص إليه أتباعه مندهشين وفرحين حين يسمعون منه كلام الاستحسان !

ولكن محبة المسيا لا تنحصر في طائفة دون أخرى . إنه مرتبط بكل واحد من بني الإنسان . فلكي نصير أعضاء في الأسرة السماوية صار هو فردا في الأسرة البشرية . إنه ابن الإنسان ، ولذلك فهو أخ لكل ابن وابنة من نسل آدم . وعلى تابعيه ألا يحسوا بأنهم منفصلون عن العالم الهالك حولهم . إنهم جزء من نسيج البشرية العظيم ، والسماء تنظر إليهم على اعتبار أنهم إخوة الخطاة والقديسين على السواء . إن محبة المسيا تحتضن الساقطين والمخطئين والأثمة . وكل عمل من أعمال المحبة والشفقة لإقامة نفس ساقطة يقبل كما لو كان قد صنع بالسيَد نفسه.

الاهتمام بالفقراء

إن ملائكة السماء يرسلون لخدمة أولئك العتيدين أن يرثوا الخلاص . ونحن الآن لا نعرف من هم أولئك الناس إذ لم يعلن بعد من هم الذين سينتصرون ويؤهلون لشركة ميراث القديسين في النور ، ولكن ملائكة السماء يجولون في الأرض طولا وعرضا عاكفين على تعزية المحزونين وحراسة المعرضين للمخاطر وكسب قلوب بني الإنسان للمسيا . لا تهمل أو تغفل نفس واحدة ، فيهوه لا يحابي الوجوه ، وهو يرعى كل النفوس التي جبلها بنفس الاهتمام والحب .

إنك إذ تفتح بابك لإخوة المسيا المحتاجين والمتضايقين فأنت إنما ترحب بالملائكة غير المنظورين . أنت تدعو رفاقا هم خلائق سماوية وهم يأتون بجو مشبع بالفرح والسلام . يأتون وفي أفواههم تسابيح السماء ، وفي السماء يسمع صدى تسبيحاتهم . فكل عمل من أعمال الرحمة يشيع البهجة في السماء . والآب من فوق عرشه يحصي عدد العاملين المنكرين لذواتهم بين أفضل كنوزه وأغلى جواهره .

أما الذين عن يسار المسيا والذين أهملوه في أشخاص الفقراء والمتضايقين فلم يكونوا يحسون بجرمهم . لقد أعماهم الشيطان فلم يدركوا أنهم مدينون لإخوتهم . كانوا منطوين على أنفسهم فلم يكترثوا لحاجات الغير .

لقد منح يهوه الثروة للأغنياء لكي يخففوا بها آلام المتضايقين ويجلبوا العزاء والراحة لأولاده المتألمين ، ولكنهم في غالب الأحيان لا يكترثون لحاجات الآخرين . إنهم يظنون أنفسهم أرفع من إخوتهم الفقراء ، ولا يضعون أنفسهم في مكان المساكين ليحسوا بإحساسهم ، ولا يدركون شيئا من تجارب الفقراء وكفاحهم فتموت الرحمة في قلوبهم . إن القصور الفخمة للأثرياء والكاتدرائيات العظيمة تغلق في وجوه الفقراء . فالمال الذي قد منحهم إياه يهوه ليباركوا به الفقراء ينفقونه على ملذاتهم وإشباع كبريائهم وأنانيتهم . إن الفقراء يحرمون كل يوم من التعليم الذي ينبغي أن يحصلوا عليه ، عن رأفة يهوه ومراحمه لأنه قد دبر كل ما يلزم لهم لكي يحصلوا على لوازم الحياة . إنهم يحسون بشدة وطأة الفقر الذي يجعلهم يضيقون ذرعا بالحياة . وكثيرا مـا يُجرَّبون لأن يصبحوا حسودين وغيورين ، فتمتلئ نفوسهم بالظنون الرديئة . إن أولئك الذين لم يتحملوا ثقل العوز وضغط الحاجة في غالب الأحيان يعاملون الفقراء بمنتهى الازدراء وينظرون إليهم كما لو كانوا متسولين .

ولكن المسيا يرى ذلك كله ويقول: لقد كنت أنا الجوعان والعطشان والغريب ، أنا الذي كنت مريضا ومحبوسا . فإذ كنتم أنتم جالسين على موائدكم الحافلة بأشهى الأطعمة كنت أنا أتضور في مسكني الحقير أو في عرض الشارع . وفي حين كنتم مستريحين في بيوتكم الفخمة لم أكن أنا أجد مكانا أسند إليه رأسي ، وعندما كانت خزائن ملابسكم ملأى بأغلى الحلل وأجمل الثياب كنت أنا محروما من كل شيء . وحين كنتم أنتم تركضون وراء مسراتكم وملذاتكم كنت أنا سجينا ومتروكا .

وعندما جدتم بالقليل من فتات الخبز اليابس على الفقير الذي يتضور جوعا ، وأعطيتم العراة المساكين الثياب الرثة البالية ليستتروا بها ولتقيهم شر الصقيع وزمهرير الشتاء ألم تعلموا أنكم إنما كنتم تقدمونها لسيَد المجد ؟ لقد كنت مدى أيام حياتكم قريبا منكم في شخص أولئك المتألمين المتضايقين . ولكنكم لم تطلبوني ، ولم تريدوا أن تكون لكم شركة معي . لذلك فأنا لا أعرفكم .

في خطوات المسيا

كثيرون يحسون أنه يكون امتيازا عظيما لهم لو أتيحت لهم الفرصة لزيارة الأماكن التي تردد إليها المسيا حين كان على الأرض ، والسير في الطرق التي قد وطئتها قدماه ، وأن يتطلعوا إلي البحيرة التي أحب السيد أن يعلم الجموع بالقرب منها ، والتلال والأودية التي كان يرنو ببصره إليها . ولكن لا حاجة بنا للذهاب إلي الناصرة وكفرناحوم وبيت عنيا لنسير في إثر خطوات يهوشوه . فإننا نرى أثر خطواته أمام سرير رجل مريض وفي أكواخ الفقراء وفي الأزقة المزدحمة في مدينة عظيمة وفي كل مكان توجد فيه قلوب بشرية بحاجة إلي العزاء . فإذ نتصرف كما كان يهوشوه يتصرف وهو على الأرض نكون سائرين في إثر خطواته .

قال يهوشوه: "لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ" (يوحنا 12: 8) . إذا فبإمكان الجميع أن يجدوا شيئا يعملونه من أجلهم ، ولا حاجة لأي واحد أن يشعر بأن لا مجال له ليخدم المسيا أو يتعب في سبيله . هناك ملايين وملايين من النفوس البشرية الموشكة على الهلاك وهي مقيدة بسلاسل الجهل والخطية ، ولم تسمع قط عن محبة المسيا لها . فلو تبدلت حالنا فصارت كحالهم فما الذي كنا نشتهي أن يفعلوه لأجلنا ؟ إننا ملزمون بأن نفعل لهم كل هذا طالما نحن قادرون على عمله لأجلهم . إن قانون المسيا للحياة الذي بموجبه سيثبت كل منا أو يسقط في يوم الدينونة هو هذا: "كُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ" (متى 7: 12) .

لقد بذل المخلص حياته الغالية ليقيم كنيسة قادرة أن تعنى بالنفوس الحزينة المجربة . وقد تكون هنالك جماعة من المؤمنين الفقراء غير المتعلمين وغير المعروفين ، ومع ذلك ففي المسيا يمكنهم القيام بعمل في البيت وفي البيئة وفي الكنيسة وحتى في الأقاليم البعيدة ، وسيكون تأثرهم بعيد المدى كالأبدية .

عاملون مع يهوه

وحيث أن هذا العمل مهمل نرى كثيرين من التلاميذ الشباب لا يقدمون أكثر من بداية الاختبار المسيحي . إن النور الذي كان يتوهج في قلوبهم عندما قال لهم يهوشوه ولكل واحد بمفرده: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ"(متى 9: 2؛ مرقس 2: 5؛ لوقا 5: 20؛ 7: 48) كان يمكنهم الاحتفاظ به حيا متوهجا لو ساعدوا المحتاجين . إن النشاط العظيم الذي لا يهجع الذي في غالب الأحيان يكون مبعث خطر على الشباب يمكن توجيهه ليجري في قنوات ، وعندما يفيض منها يفيض بالبركات . إن الذات ستنسى في العمل الجدي لخير الآخرين .

إن من يخدمون الآخرين سيخدمهم رئيس الرعاة . فهم أنفسهم سيشربون من ماء الحياة ويرتوون . إنهم لن يشتاقوا إلي تسليات مثيرة أو إلي تغيير في حياتهم ، فموضوع اهتمامهم الوحيد سيكون كيف يمكنهم تخليص النفوس الموشكة على الهلاك . وسيكون اختلاطهم بالمجتمع نافعا فمحبة الفادي ستوحد بين القلوب .

وعندما نتحقق من أننا عاملون مع يهوه فإننا لا ننطق بمواعيده في غير اكتراث فإنها ستشتعل في قلوبنا وتضطرم على شفاهنا . إن يهوه حين دعا موسى لأن يخدم شعبا جاهلا غير منظم وعاصيا قدم له هذا الوعد: "وَجْهِي يَسِيرُ فَأُرِيحُكَ" ، و"إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ" (خروج 33: 14؛ 3: 12) . وهذا الوعد مقدم لكل من يخدمون نيابة عن المسيا لتخفيف آلام المتألمين والمتضايقين .

إن محبة المؤمن للناس هي شهادة للأرض على محبة يهوه . إن ملك المجد صار واحدا منا لكي يغرس فينا هذه المحبة وليجعلنا أولادا في أسرة واحدة . وعندما نتمم وصيته الوداعية: "هذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ" (يوحنا 15: 12) ، وحينما نحب العالم كما قد أحبه هو فحينئذ تكون رسالته بالنسبة لنا قد تمت على أكمل وجه ، وسنكون مؤهلين للسماء ، لأن السماء ستكون في قلوبنا .

أما إذا امتنعت عن أن تنقذ "الْمُنْقَادِينَ إِلَى الْمَوْتِ ، وَالْمَمْدُودِينَ لِلْقَتْلِ  ... إِنْ قُلْتَ: «هُوَذَا لَمْ نَعْرِفْ هذَا» ، أَفَلاَ يَفْهَمُ وَازِنُ الْقُلُوبِ ؟ وَحَافِظُ نَفْسِكَ أَلاَ يَعْلَمُ ؟ فَيَرُدُّ عَلَى الإِنْسَانِ مِثْلَ عَمَلِهِ" (أمثال 24: 11, 12) . وفي يوم الدينونة العظيم فإن أولئك الذين لم يخدموا المسيا والذين لم يفكروا في غير أنفسهم ولا اهتموا بغيرهم سيجعلهم ديان كل الأرض مع فعلة الإثم ، وستقع عليهم نفس دينونة الأشرار .

كل واحد منا اِئتمن على وديعة وسيسأل راعي الخراف العظيم كلا منا قائلا: "أَيْنَ الْقَطِيعُ الَّذِي أُعْطِيَ لَكِ ، غَنَمُ مَجْدِكِ ؟ مَاذَا تَقُولِينَ حِينَ يُعَاقِبُكِ" (إرميا 13: 20, 21) .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App