8. خادم الجميع
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كان المسيا جالسا إلى المائدة مع تلاميذه في العلية في أحد بيوت أورشليم ، وكانوا قد اجتمعوا لممارسة الفصح ، إذ رغب المخلص في الاحتفاء بهذا العيد هذه المرة مع الاثني عشر وحدهم . كان يعلم أن ساعته قد أتت ، وكان هو نفسه خروف الفصح الحقيقي . وفي اليوم الذي كان الفصح سيؤكل فيه كان هو سيُقدَّم ذبيحة . كان مزمعا أن يشرب كأس الغضب ، وكان عليه أن يقبل صبغة الآلام الأخيرة ، ولكن بقيت له ساعات هدوء قليلة بعد ، فكان ينبغي أن تُقضى تلك الساعات فيما يؤول لخير تلاميذه المحبوبين ونفعهم .

كانت حياة المسيا كلها حياة الخدمة وإنكار الذات . "لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ" (متى 20: 28)- كان هذا هو الدرس المستفاد من كل عمل عمله ، ولكن تلاميذه لم يكونوا قد تعلموا ذلك الدرس بعد . ففي عيد الفصح الأخير هذا كرر يهوشوه هذا الدرس بمثال جعله يرسخ في أذهانهم وقلوبهم رسوخا دائما .

كانت الاجتماعات التي تضم يهوشوه وتلاميذه اجتماعات مفرحة للغاية ، وكانوا كلهم يقدرونها تقديرا عظيما . وفي كل مرة مورس فيها عشاء الفصح كانت هنالك مشاهد تتطلب اهتماما خاصا ، ولكن يهوشوه كان مضطربا في هذا العيد . لقد كان مثقل القلب ، وكان يغشي محياه ظلام حزن شديد . وإذ اجتمع مع تلاميذه في العلية لاحظوا أن شيئا ما محزنا كان يضغط نفسه ، ومع عدم معرفتهم السبب كانوا يشاركونه في حزنه .

العشاء الأخير

فلما اجتمعوا معا حول المائدة قال لهم بنغمة حزن مؤثرة: "شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ آكُلُ مِنْهُ بَعْدُ حَتَّى يُكْمَلَ فِي مَلَكُوتِ يهوه" (لوقا 22: 15- 18) .

لقد عرف المسيا أن وقته قد حان ليرحل عن هذا العالم ويمضي إلي أبيه . فإذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم ، أحبهم إلى المنتهى . لقد كان الآن تحت ظل الصليب وكان الألم يعتصر قلبه ويعذبه . عرف أن الجميع سيتركونه في ساعة تسليمه ، وعرف أنه سيموت بعملية في منتهى الإذلال كما كان يعامل المجرمون . عرف الجحود والقسوة اللذين بهما سيعامله أولئك الذين أتى ليخلصهم ، وعرف هول التضحية التي كان قادما عليها ، وكيف أنها ستكون عبثا وبلا فائدة لأناس كثيرين . فإذ كان عالما بكل ما سيأتي عليه فبالطبع كان لابد أن يطغي عليه التفكير في اتضاعه و آلامه ، ولكنه مع ذلك نظر إلى الاثني عشر الذين كانوا معه كخاصته ، والذين بعدما يشاهدون العار والحزن والمعاملة المؤلمة القاسية التي سيعامل بها سيتركون ليكافحوا في العالم . إن تفكيره في آلامه كان مرتبطا أبدا بتلاميذه . فلم يفكر في نفسه ، بل كان اهتمامه بهم هو الأول والأعظم في تفكيره .

مشاجرة بين التلاميذ

وإذ كان يهوشوه مجتمعا مع تلاميذه في هذه الليلة الأخيرة كان لديه الشيء الكثير ليقوله لهم . فلو كانوا متأهبين لقبول ما كان يتوق لأن يقوله لهم لكانوا قد نجوا من الحزن الذي يمزق القلب ومن خيبة الأمل وعدم الإيمان . ولكن يهوشوه رأى أنهم لا يستطيعون احتمال سماع ما كان عليه أن يقوله لهم . فإذ تطلع في وجوههم جمدت على شفتيه كلمات التحذير والتعزية التي هم بأن ينطق بها ، فمرت عليهم لحظات صمت وبدا وكأن يهوشوه ينتظر ، وكان التلاميذ في حال الملل والسآمة . وقد بدا وكأن العطف والرقة اللذين أثارهما حزن يهوشوه قد اختفيا وزالا ، ولذلك فإن كلماته الحزينة التي كان يشير بها إلي آلامه لم تحدث فيهم التأثير المطلوب . ثم إن النظرات التي كانوا يحدجون بها بعضهم البعض نمت عن وجود الحسد والمنازعات والخصومات في قلوبهم .

"وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ أَيْضًا مُشَاجَرَةٌ مَنْ مِنْهُمْ يُظَنُّ أَنَّهُ يَكُونُ أَكْبَرَ" (لوقا 22: 24) . فهذه المشاجرة التي نشبت في حضور المسيا أحزنت قلبه وجرحته جرحا عميقا . كان التلاميذ متعلقين بفكرتهم المحبوبة لديهم من أن المسيا سيثبت سلطانه ويجلس على عرش داود . وكان كل منهم يتوق في قلبه إلي إحراز أسمى مكانة في الملكوت . جعل كل منهم يفاضل بين نفسه وإخوته ، وبدلا من أن يعتبر إخوته أفضل منه وأجدر صار كل منهم يعتبر نفسه الأفضل والأجدر . وإن الطلب الذي كان قد تقدم به يعقوب ويوحنا إلي المسيا في أن يجلس الواحد منهما عن يمينه والآخر عن يساره في عرشه أثار غضب الباقين . وكون ذينك الأخوين يتجاسران لطلب أسمى المناصب لنفسيهما أثار نفوس العشرة عليهما بحيث كاد الأمر يفضي إلي الجفاء والفرقة . فلقد أحسوا بأنه قد أسيء تقديرهم ولم يقدر ولاؤهم ولا مواهبهم التقدير اللائق . وكان يهوذا أشد قسوة على يعقوب ويوحنا من الباقين .

عندما دخل التلاميذ العلية للعشاء كانوا في أشد حالات الاستياء والامتعاض . جلس يهوذا عن يسار المسيا وجلس يوحنا عن يمينه . فإذا كان هنالك مكان يعتبر أسمى الأماكن فقد صمم يهوذا على أن يشغله . وقد ظن أن ذلك المكان هو الواقع بجوار المسيا . وكان يهوذا خائنا .

مهمة الخادم

ثم ظهر سبب آخر للنزاع . ففي الأعياد كانت العادة أن يتولى الخدم غسل أرجل الضيوف . وفي تلك المناسبة أعد كل شيء لهذه الخدمة ، فقد كان هنالك المغسل والطست والمنشفة معدة لخدمة غسل الأرجل ، ولكن لم يكن يوجد خادم ، فكان على التلاميذ أن يقوموا بتلك الخدمة ، ولكن إذ كان كل واحد منهم متأثرا بكبريائه الجريحة ترفع عن القيام بعمل الخادم . وقد أبدوا جميعا عدم اكتراث كأنما هم لا يشعرون بأن لهم عملا ليعملوه . وفي صمتهم رفضوا أن يتواضعوا .

فكيف يأتي المسيا بهذه النفوس المسكينة إلي حالة لا يستطيع الشيطان فيها أن ينتصر عليهم انتصارا حاسما ؟ وكيف يريهم أن مجرد الاعتراف بالتلمذة له لا يجعلهم تلاميذ أو يضمن لهم مكانا في ملكوته ؟ وكيف يبرهن لهم على أن خدمة المحبة والوداعة الحقيقية هما عنصر العظمة الحقة ؟ وكيف يضرم نار المحبة في قلوبهم ويقدرهم على إدراك ما اشتاق إلي أن يقوله لهم ؟

لم يتحرك التلاميذ لخدمة بعضهم البعض ، وتريث المسيا بعض الوقت ليرى ما هم فاعلون . وإذا به وهو المعلم الإلهي يقوم عن العشاء ، وبعدما يخلع ثيابه الخارجية حتى لا تعيقه عن الحركة يأخذ منشفة ويتزر معها . جعل التلاميذ ينظرون إلي معلمهم بدهشة واهتمام ، ثم انتظروا بسكوت ما سيحدث بعد ذلك . "ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَل ، وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا" (يوحنا 13: 5) . هذا الصنيع فتح أعين التلاميذ . وقد امتلأت نفوسهم حزنا وإذلالا مريرين . لقد فهموا التوبيخ الذي لم ينطق به معلمهم ورأوا أنفسهم في نور جديد تماما .

وهكذا عبر المسيا عن حبه لتلاميذه . لقد ملأته أنانيتهم وكبرياؤهم حزنا ، ولكنه لم يشتبك معهم في جدال فيما يختص بمشكلتهم . وبدلا من ذلك قدم لهم مثالا لم ينسوه طيلة حياتهم قط . إن محبته لهم لم تكن لتتأثر أو تنطفئ . لقد عرف أن الآب دفع كل شيء إلي يديه وأنه من عند يهوه خرج وإلى يهوه يمضي . كان عنده إحساس كامل بألوهيته ، ولكنه خلع عنه تاج الملك وثياب الملك وأخذ صورة عبد . لقد كان بين آخر أعماله التي قام بها على الأرض أنه تمنطق كعبد وقام بعمل العبيد .

أرجل مغسولة

لقد اتصل يهوذا بالكهنة والكتبة مرة ثانية قبل الفصح ، وتعاقد معهم على أن يسلم يهوشوه إلي أيديهم . ومع ذلك فقد اندمج في وسط التلاميذ كما لو كان بريئا من كل ذنب ومهتما بإعداد كل مطاليب العيد . لم يكن التلاميذ يدرون شيئا عن نوايا يهوذا ، لكن يهوشوه وحده هو الذي كان مطلعا على خفايا قلبه ، ومع ذلك فلم يشهر به ، بل تاق إلي خلاص نفسه . كان قلب الفادي مثقلا بالحزن عليه ، كما أثقل على أورشليم التي بكى عليها إذ كان محكوما عليها بالهلاك . إن قلبه كان يصرخ قائلا: كيف أتخلى عنك وأقطع الأمل منك ؟ لقد أحس يهوذا بقوة تلك المحبة التي تكتنفه ، فإذ كانت يدا المخلص تغسلان قدما يهوذا المتسختين وتمسحانهما بالمنشفة اختلج قلبه في تلك اللحظة عينها بانفعالات شديدة وكاد يتحرك للاعتراف بخطيته ، لكنه لم يرد أن يتواضع ، بل قسى قلبه فلم يتب ، وعادت إليه البواعث التي كانت قد زايلته إلي حين فتحكمت فيه من جديد . حينئذٍ تعثر يهوذا حين رأى يهوشوه يقوم بغسل أرجل تلاميذه . ففكر قائلا إذا كان يهوشوه قد وضع نفسه إلي هذا الحد فلا يمكن أن يكون هو ملك إسرائيل ، وهكذا ضاع كل أمل في الكرامة العالمية التي يمكن الحصول عليها من مملكة أرضية ، فاقتنع يهوذا بأنه لا يمكنه أن ينال مغنما من اتباعه المسيا . فبعدما رآه يحط من مقامه ، كما ظن ، ثبت على عزمه في التبرؤ منه ، والاعتراف بأنه كان مخدوعا . لقد دخله الشيطان ، فعقد العزم على إتمام العمل الذي كان قد تعاقد مع الأعداء على القيام به وهو تسليم سيده لأيديهم .

إن يهوذا حين اختار مكانه على المائدة حاول أن يضع نفسه في الموضع الأول . والمسيا ، كخادم ، خدمه أول التلاميذ . أما يوحنا الذي كان يهوذا يشعر نحوه بالنفور والمرارة الشديدة فقد ترك للآخر . ولكن يوحنا لم يعتبر ذلك توبيخا أو ازدراء موجها إليه . فإذ لاحظ التلاميذ عمل المسيا تأثروا تأثرا عميقا . ولما جاء دور سمعان بطرس صاح قائلا باندهاش: "يَا سَيِّدُ ، أَنْتَ تَغْسِلُ رِجْلَيَّ!"لقد انسحق قلبه أمام تنازل المسيا . وملأ الخزي وجهه وقلبه لأن أحدا من التلاميذ لم يقم بتلك الخدمة ، فقال له المسيا: "لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ الآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ ، وَلكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ" (يوحنا 13: 6, 7) . إن بطرس لم يحتمل أن يرى سيده الذي كان يؤمن بأنه ابن يهوه يقوم بعمل الخدم والعبيد . فثارت نفسه وكل كيانه احتجاجا على هذا الاتضاع . إنه لم يكن يعلم أنه لأجل هذا جاء المسيا إلي العالم . فبكل تشديد قال: "لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا!" (يوحنا 13: 8) .

بكل وقار أجاب المسيا بطرس بقوله: "إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ" (يوحنا 13: 8) . إن هذه الخدمة التي رفض بطرس قبولها كانت رمزا لغسل أسمى وأمجد . لقد أتى المسيا ليغسل القلوب و يطهرها من لوثات الخطية . فإذ رفض بطرس السماح للمسيا بأن يغسل قدميه كان يرفض الاغتسال الأسمى المتضمن في الاغتسال الأدنى . وفي الحقيقة كان يرفض معلمه وسيده . إن السماح للسيد بأن يعمل ما يؤول إلي تطهيرنا ليس إذلالا له . إن أصدق وداعة هي أن نقبل بقلوب شاكرة أي تدبير يقدم لأجلنا ، وبكل غيرة نقدم الخدمة للمسيا .

فعندما قال المسيا لبطرس: "إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ" أخضع بطرس كبرياءه وعناده . لم يستطع احتمال فكرة الانفصال عن المسيا ، إذ كان يعتبر ذلك كارثة له أمرَّ من الموت ، "قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي» . قَالَ لَهُ يهوشوه:«الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلاَّ إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ . وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ»" (يوحنا 13: 9, 10) .

"أَنْتُمْ طَاهِرُونَ"

إن هذا الكلام يعني شيئا أكثر من طهارة الجسد . إن المسيا لا يزال يتحدث عن التطهير الأسمى ممثلا بالتطهير الأدنى . إن من اغتسل فهو طاهر ولكن رجليه المنتعلتين سرعان ما يلحقهما الغبار وتحتاجان للغسل من جديد . وكذلك بطرس وإخوته كانوا قد اغتسلوا في الينبوع العظيم المفتوح للخطية والنجاسة . لقد اعترف بهم المسيا كخاصته ولكن التجربة ساقتهم إلي الشر فكانوا لا يزالون بحاجة إلي نعمته المطهرة . إن يهوشوه عندما تمنطق بالمنشفة ليغسل الغبار عن أرجلهم كان يريد بنفس ذلك العمل أن يغسل من قلوبهم الخصومة والنزاع والحسد والكبرياء ، وكان هذا أهم بكثير في نتائجه من مجرد غسل أرجلهم . فبالروح التي كانت فيهم حينئذ لم يكن أحد منهم مستحقا للشركة مع المسيا . فما لم ينتقلوا إلي حال الوداعة والمحبة لن يكونوا مؤهلين للاشتراك في عشاء الفصح أو في الخدمة التذكارية التي كان المسيا مزمعا أن يسنها ، فينبغي أن تتطهر قلوبهم . إن الكبرياء وطلب ما للذات تخلقان في النفوس البغضاء والمنازعات ، ولكن يهوشوه غسل من قلوب تلاميذه كل هذا حين غسل أرجلهم . لقد تغيرت مشاعرهم . فإذ نظر يهوشوه إليهم أمكنه أن يقول: "وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ"فالآن توحدت قلوبهم وحلت فيها المحبة كل للآخر . لقد صاروا الآن ودعاء وقابلين للتعلم . وفيما عدا يهوذا كان كل منهم مستعدا أن يتنازل للأخر عن أرفع مكان . والآن بعدما أخضعت قلوبهم وامتلأت شكرا صاروا مستعدين لقبول أقوال المسيا .

وكبطرس وإخوته نحن أيضاً قد اغتسلنا في دم المسيا ، ومع ذلك فمرارا كثيرة تتلوث طهارة القلب عن طريق الاحتكاك بالشر . فعلينا أن نأتي إلي المسيا في طلب النعمة المطهرة . لقد تراجع بطرس إذ لم يرد أن يجعل رجليه الملوثتين تلامسان يدي سيده ومعلمه . ولكن كم من مرة جعلنا قلوبنا الملوثة تلامس قلب المسيا ! وما أشد الحزن الذي نجلبه عليه بحدة طباعنا وبطلنا وكبريائنا ! ومع ذلك فيجب أن نأتيه بكل ضعفاتنا ونجاساتنا إذ لا يستطيع أن يطهرنا أحد سواه . إننا لن نكون مؤهلين للشركة معه ما لم نتطهر باستحقاقه .

قال يهوشوه لتلاميذه: "وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ" (يوحنا 13: 10) . لقد غسل رجلي يهوذا ولكن يهوذا لم يسلم قلبه ليهوشوه ، ولذلك لم يكن مطهرا ، إذ لم يخضع نفسه للمسيا .

العظمة في التواضع

فلما كان المسيا قد غسل أرجل التلاميذ واخذ ثيابه واتكأ أيضاً قال لهم: "أَتَفْهَمُونَ مَا قَدْ صَنَعْتُ بِكُمْ ؟ أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا ، وَحَسَنًا تَقُولُونَ ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ . فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ ، لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً ، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا . اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ ، وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ" (يوحنا 13: 12- 16) .

أراد المسيا أن يفهم تلاميذه أنه مع كونه قد غسل أرجلهم فإن ذلك لم ينقص من كرامته في شيء . "أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا ، وَحَسَنًا تَقُولُونَ ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ" . ولكونه متفوقا جدا وساميا إلي أقصى حد فقد أضفى على هذه الخدمة أهمية ونعمة عظيمتين . لم يكن أحد ممجدا كالمسيا ومع ذلك فقد تنازل وقام بأحقر خدمة . فحتى لا يضل شعبه بواسطة الأنانية الرابضة في القلب الطبيعي والتي تقويها وتغذيها خدمة الذات قدم المسيا نفسه مثالا للوداعة . إنه لم يكلف إنسانا بهذا العمل العظيم ، فلقد اعتبره ذا أهميه عظيمة جدا بحيث أنه هو نفسه المعادل ليهوه ، اتخذ من تلاميذه موقف الخادم . فإذ كانوا يتنازعون على أرفع مكان إذا به هو الذي له ستجثو كل ركبة ، والذي يعتبر ملائكة السماء خدمته كرامة ومجدا عظيمين ينحني ليغسل أرجل أولئك الذين كانوا يدعونه سيدا بل لقد غسل رجلي مسلمه .

قدم المسيا بحياته وتعاليمه أكمل مثال للخدمة المنكرة لذاتها التي مصدرها يهوه . فيهوه لا يعيش لذاته . لقد خلق العالم وفيه يقوم الكل فهو على الدوام يخدم الآخرين ، "يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ" (متى 5: 45) . لقد سلم يهوه لابنه مقياس ونموذج الخدمة هذا . ثم أسلم يهوشوه لكي يكون رأسا ورئيسا للبشرية حتى بمثاله يعلم الناس ما هو معنى الخدمة . كانت كل حياته خاضعة لناموس الخدمة . إذ خدم الجميع وأعان الجميع . وهكذا عاش بموجب شريعة يهوه وأرانا بمثاله كيف نطيعها .

حاول يهوشوه مرارا عديدة أن يثبت هذا المبدأ في عقول تلاميذه . فحين قدم يعقوب ويوحنا طلبهما لكي يحظيا بأسمى المراكز قال: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا" (متى 20: 26) . وكأنما هو يقول: لا مكان في ملكوتي لمبدإ الأفضلية والتسامي . فالعظمة الحقيقية هي عظمة الوداعة . والتمييز الوحيد هو في تكريس النفس لخدمة الآخرين .

"أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً" 

بعدما غسل أرجل تلاميذه قال لهم: "أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً ، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" . إن المسيا لم يفرض عليهم بهذه الكلمات الكرم وحسن الضيافة وحسب ، بل كان يقصد شيئا أكثر من مجرد غسل أرجل الضيوف لإزالة وعثاء السفر ، فلقد سنّ المسيا حينئذ خدمة دينية . والسيد إذ قام بهذا العمل أضفى على هذه الخدمة الوضيعة كرامة عظيمة بحيث صار فريضة مقدسة . وكان على التلاميذ أن يحفظوه لكي يذكروا دائما تعاليمه عن التواضع والخدمة .

كانت هذه الفريضة هي الإعداد الذي رسمه المسيا لخدمة العشاء السيدي ،لأنه إذا أبقى الإنسان الكبرياء والنفور والنزاع حبا في الرفعة والسمو في داخله فالقلب لا يمكنه أن يدخل في شركة مع المسيا . وحينئذ لن نكون مستعدين للتناول من شركة جسده ودمه ، ولهذا أراد يهوشوه أن تحفظ ذكرى اتضاعه أولا .

إذ يتقدم أولاد يهوه إلي هذه الفريضة عليهم إن يذكروا ما قاله سيَد الحياة والمجد: "أَتَفْهَمُونَ مَا قَدْ صَنَعْتُ بِكُمْ ؟ أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا ، وَحَسَنًا تَقُولُونَ ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ . فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ ، لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً ، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا . اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ ، وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ . إِنْ عَلِمْتُمْ هذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ" (يوحنا 13: 12- 17) . إن الإنسان ميال بطبعه إلي اعتبار نفسه أعظم من أخيه ، وإلي خدمة نفسه وطلب أرفع مكان . وغالبا ما تنتج عن ذلك الظنون الرديئة ومرارة الروح . إن الفريضة التي تسبق عشاء السيَد يجب أن تكتسح أمامها كل سوء تفاهم وتبعد الإنسان عن نطاق الأنانية وتجعله يكف عن تحطيم الذات ويلجأ إلي وداعة القلب التي تدفعه إلي خدمة الإخوة .

إن الرقيب السماوي القدوس هو حاضر في هذه الفرصة ليجعلها فرصة لاختبار النفس والتبكيت عن الخطية واليقين المبارك بغفران الخطايا . إن المسيا بملء نعمته حاضر ليغير اتجاه التفكير الذي كان يسير في قنوات الأنانية . والروح القدس يحيي وينعش أحاسيس من يتبعون مثال سيدهم . وإذ نذكر اتضاع المخلص لأجلنا فالأفكار ترتبط بعضها ببعض ثم تتكون لدى الإنسان سلسلة من الذكريات ، ذكريات صلاح يهوه العظيم وفضل الأصدقاء الأرضيين ورقتهم . ثم تعود إلي الذهن ذكريات البركات المنسية والمراحم التي أسأنا استعمالها والإحسانات التي ازدرينا بها . ويظهر أصل المرارة الذي تراكم في تربة القلب فعطل نمو نبات المحبة الثمين . وكذلك نذكر نقص خلقنا وإهمالنا لواجباتنا وجحودنا لفضل يهوه وفتور محبتنا للإخوة . ونرى الخطية التي يراها يهوه في قلوبنا . ولن تكون أفكارنا هي أفكار الرضى عن نفوسنا بل لومها والاتضاع أمام يهوه . ثم إن الذهن ينشط فيحطم كل السياجات التي أوجدت النفور . كما أن الأفكار والأقوال الشريرة تنبذ بعيدا . وإذ نعترف بخطايانا ننال الغفران ، فتدخل نعمة المسيا القاهرة إلي النفس فتجذب محبته القلوب بعضها إلي بعض في وحدة مباركة .

بِالْمَحَبَّةِ اخْدِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا

وحين يفهم الدرس المقصود بالخدمة التمهيدية تضطرم الرغبة في طلب حياة روحية أسمى . فالشاهد الإلهي سيستجيب لهذه الرغبة ، والنفس تسمو ، ونحن يمكننا الاشتراك في المائدة المقدسة ونحن شاعرون بأن خطايانا قد غفرت . وسيملأ المسيا شمس البر مقاصير هيكل العقل والنفس بنوره ، فنقول مع يوحنا: "هُوَذَا حَمَلُ يهوه الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ !"  (يوحنا 1: 29) .

إن الذين يقبلون روح هذه الخدمة لن تصير هذه الخدمة مجرد طقس عديم القوة بالنسبة إليهم . ولكن الدرس الدائم الذي يتعلمونه هو هذا: "بِالْمَحَبَّةِ اخْدِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا" (غلاطية 5: 13) . إن المسيا إذ غسل أرجل تلاميذه قدم البرهان على أنه يمكنه القيام بأية خدمة مهما كانت وضيعة ما دامت تجعلهم وارثين معه لكنوز السماء الأبدية . وإن تلاميذ المسيا وهم يمارسون نفس هذه الفريضة تعهدوا بخدمة إخوتهم كذلك . وكلما مورست هذه الفريضة بالكيفية الصائبة فإن أولاد يهوه يندمجون في شركة مقدسة لجلب المعونة والبركة لبعضهم البعض . ويأخذون على أنفسهم العهد أن يقضوا حياتهم في خدمة مجردة ، ولا يكتفون بخدمة بعضهم بعضا ، ولكن حقل خدمتهم سيكون واسعا جدا كما كان حقل خدمة سيدهم . إن العالم مشحون بمن يحتاجون إلي خدمتنا . فالفقراء والعاجزون والجهلاء موجودون في كل بقاع الأرض . وأولئك الذين اشتركوا في المائدة مع المسيا في العلية سيخرجون للخدمة كما قد خرج هو .

إن يهوشوه المخدوم من الجميع أتى ليكون خادما للجميع . ولكونه قد خدم الجميع فسيخدمه الجميع ثانية ويكرمونه . والذين يريدون أن يشاركوه في صفاته الإلهية وفي فرح رؤية الخطاة يفتدون عليهم أن يتمثلوا به في الخدمة المضحية .

كل هذا اشتملت عليه أقوال المسيا عندما قال: "لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً ، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا"  . كانت هذه هي غاية الخدمة التي أداها . وهو يقول: "إِنْ عَلِمْتُمْ هذَا"وعرفتم الغرض من تعاليمه "فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ"  .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App