9. لِذِكْرِي
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

"إِنَّ السيَد يهوشوه فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا ، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ ، وَقَالَ:«خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ . اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي» . كَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا ، قَائِلاً: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي . اصْنَعُوا هذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي» . فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ السيَد إِلَى أَنْ يَجِيءَ" (1 كورنثوس 11: 23- 26) كان المسيا واقفا عند نقطة انتقال بين عهدين ، والعيد العظيم لكل منهما . فهو كحمل يهوه الذي بلا عيب كان مزمعا أن يقدم نفسه ذبيحة خطية وهكذا ينهي نظام الرموز والطقوس التي لمدى أربعة آلاف سنة كانت ترمز إلي موته . فإذ أكل الفصح مع تلاميذه سنَّ بدلا منه الخدمة التي كانت مزمعة أن تكون تذكارا لذبيحته العظيمة . فذلك العيد اليهودي القومي كان مزمعا أن يبطل إلي الأبد . وتلك الخدمة التي سنها المسيا كان على تابعيه أن يحفظوها في كل البلدان والعصور .

فريضة الفصح

كانت فريضة الفصح قد رسمت كتذكار لخلاص العبرانيين من عبودية مصر . وقد أوصى يهوه شعبه أنه عندما يسألهم أولادهم من سنة لأخرى عن معنى هذه الفريضة أن يسردوا على مسامعهم تاريخ نجاتهم . وبهذه الكيفية تظل هذه الذكرى ، ذكرى ذلك الخلاص العجيب جديدة وماثلة في أذهان الجميع . أما فريضة عشاء السيَد فقد أعطيت تذكارا للخلاص العظيم الذي تم بموت المسيا . فينبغي حفظ هذه الفريضة إلي يوم مجيئه الثاني بقوة ومجد عظيم . هذه هي الوسيلة التي بها يظل هذا العمل العظيم ماثلا في أذهاننا .

إن بني إسرائيل عند نجاتهم من عبودية مصر أكلوا الفصح وهم واقفون على أقدامهم وأحقاؤهم مشدودة وعصيهم في أيديهم وهم مستعدون للرحيل . كانت طريقة احتفائهم بهذه الفريضة متوافقة مع حالتهم لأنهم كانوا بعد قليل سيطردون من أرض مصر ، وكانوا على وشك البدء في رحلة مؤلمة وشاقة في البرية . أما في أيام المسيا فكانت الأحوال قد تبدلت فما عادوا الآن يخشون الطرد من أرض غريبة إذ كانوا ساكنين في أرضهم . فوفقا للراحة التي أعطيت لهم كان الشعب يأكلون الفصح وهم متكئون ، فكانت المتكئات توضع حول المائدة ، وكان الضيوف يتكئون عليها على اليد اليسرى ليستطيعوا تناول العشاء باليد اليمنى الطليقة . وفي هذا الوضع كان الضيف يستطيع أن يريح رأسه على صدر من يتكئ بجواره . وإذ كانت الأرجل على حافة المتكأ الخارجية كان يمكن لمن يمر حول الدائرة الخارجية أن يغسلها .

كان المسيا لا يزال جالسا إلي المائدة التي كان قد قدم عليها عشاء الفصح . وكانت أمامه أقراص الفطير التي كانت تؤكل في عيد الفصح ، كما كانت على المائدة أيضا خمر الفصح غير المختمرة . والمسيا يستخدم هذين الرمزين لتمثيل ذبيحته التي بلا عيب . فلا شيء مما أفسده الاختمار الذي هو رمز الخطية والموت كان يمكن أن يمثل الحمل الذي "بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ" (1 بطرس 1: 19) .

"وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يهوشوه الْخُبْزَ ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ:«خُذُوا كُلُوا . هذَا هُوَ جَسَدِي» . وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ ، لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا . وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مِنَ الآنَ لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هذَا إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ أَبِي»" (متى 26: 26- 28) .

خائن في وسطهم

كان يهوذا الخائن حاضرا عند ممارسة فريضة عشاء السيَد . وقد تناول من يهوشوه رمزي جسده المكسور ودمه المسفوك ، وسمع قول السيد: "اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي" (لوقا 22: 19) . وإذ كان جالسا هناك في نفس محضر حمل يهوه جعل ذلك الخائن يتأمل في نواياه المظلمة الخبيثة ، وقد احتضن أفكاره الانتقامية المشؤومة .

وعند غسل الأرجل قدم يهوشوه الدليل المقنع على علمه ومعرفته لصفات يهوذا ونوايا قلبه . فلقد قال: "وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ" (يوحنا 13: 11) . كان هذا القول كافيا لإقناع ذلك التلميذ الكاذب بأن المسيا كان عالما بنواياه الخفية . ثم هاهو المسيا يتكلم بصراحة أعظم . فإذ كانوا جالسين إلي المائدة نظر المسيا إلي تلاميذه وقال: "لَسْتُ أَقُولُ عَنْ جَمِيعِكُمْ . أَنَا أَعْلَمُ الَّذِينَ اخْتَرْتُهُمْ . لكِنْ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ: اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ" (يوحنا 13: 18) .

ولكن حتى الآن لم يشك التلاميذ في يهوذا إلا أنهم رأوا المسيا مضطربا جدا . وقد غشيتهم جميعا سحابة حزن وإحساس سابق بوقوع كارثة مخيفة لم يكونوا يعرفون نوعها . وفيما كانوا يأكلون صامتين قال يهوشوه: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي!"(يوحنا 13: 21) . فإذ سمعوا هذا الكلام شملهم الذهول والرعب . لم يستطيعوا أن يدركوا كيف أن أي واحد منهم يعامل معلمهم الإلهي بمثل هذا الغدر . فلأي سبب يسلمونه ؟ ولمن يسلمونه ؟ ومن ذا الذي يمكن أن يضمر في قلبه تلك النية الشريرة ؟ لا يمكن أن يكون ذلك الإنسان واحدا من الاثني عشر الذين اصطفاهم واختصهم فوق كل من سواهم بامتياز الاستماع إلي تعاليمه ، والذين كان لهم نصيب من محبته العجيبة وقد خصهم باهتمامه العظيم إذ أدخلهم إلى قدس الشركة الوثيقة معه !

فلما تحققوا من فحوى كلامه وذكروا صدق أقواله تملكهم الخوف وبدأوا يشكون في نفوسهم . ثم جعلوا يفحصون قلوبهم ليروا هل كانوا قد سمعوا لفكر شرير ضد معلمهم بأن يقتحم عقولهم . وبانفعال حزن مؤلم مرير بدا الواحد منهم بعد الآخر يسأل قائلا: "هَلْ أَنَا هُوَ يَاسيَد؟" (متى 26: 22) . أما يهوذا فبقي صامتا . وإذ كان يوحنا في أشد هم وكرب سأله قائلا: "يَا سَيِّدُ ، مَنْ هُوَ؟" (يوحنا 13: 25) . فأجابه يهوشوه بقوله: "الَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ هُوَ يُسَلِّمُنِي ! إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ . كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ!" (متي 26: 23, 24) . كان كل من التلاميذ قد تفحص وجه أخيه بدقة وهو يسأل السيد قائلا: "هَلْ أَنَا هُوَ يَاسيَد؟" والآن فها صمت يهوذا يجتذب إليه أنظار الجميع . ففي وسط البلبلة التي أحدثتها كثرة الأسئلة وتعبيرات الدهشة لم يكن يهوذا قد سمع جواب يهوشوه عن سؤال يوحنا . أما الآن فلكي يدرأ عن نفسه نظرات التلاميذ المتفحصة سأل كما سألوا هم أيضا: "هَلْ أَنَا هُوَ يَا سَيِّدِي؟" فأجابه يهوشوه بكل وقار: "أَنْتَ قُلْتَ" (متى 26: 25) .

فإذ شمل يهوذا ارتباك ودهشة بالغان لأن أمره قد فضح قام مسرعا تاركا ذلك المكان ، "مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ  ... فَذَاكَ لَمَّا أَخَذَ اللُّقْمَةَ خَرَجَ لِلْوَقْتِ . وَكَانَ لَيْلاً" (يوحنا 13: 27, 30) . لقد كان الوقت ليلا على الخائن عندما ابتعد عن يهوشوه إلي الظلمة الخارجية .

قبلما خطا يهوذا هذه الخطوة لم يكن قد تجاوز منطقة إمكانية التوبة . ولكن عندما خرج من حضرة سيَده وصحبة زملائه التلاميذ كان قد اتخذ الخطوة الحاسمة متجاوزا الحدود .

التماسات تصد

كان صبر يهوشوه وطول أناته عجيبين وهو يتعامل مع هذه النفس المجرمة . لقد عمل كل ما كان يمكن عمله لخلاص يهوذا ، فبعدما تآمر مرتين مع الأعداء لتسليم سيده أعطاه يهوشوه فرصة أخرى للتوبة . فإذ عرف المسيا الغرض الخفي الذي كان يضمره ذلك الخائن في قلبه قدم له الدليل الأخير المقنع على ألوهيته . وكان هذا بالنسبة إلي ذلك التلميذ الخائن آخر دعوة للتوبة . إن قلب المسيا البشري الإلهي لم يضن بأية دعوة أو وسيلة كان يمكنه أن يقدمها . فأمواج الرحمة التي صدتها صخرة الكبرياء العنيدة عادت بأمواج المحبة القوية الغالبة . ولكن مع أن يهوذا ذهل وفزع عندما اكتشفت جريمته فقد زاد إصرارا على إصراره . فمن على مائدة العشاء السيدي خرج ليستكمل إجراءات التسليم .

إن المسيا إذ نطق بالويل على يهوذا كانت له مقاصد رحيمة نحو تلاميذه . لقد أعطاهم بذلك آخر برهان على كونه مسيا . فقد قال: "أَقُولُ لَكُمُ الآنَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ ، حَتَّى مَتَى كَانَ تُؤْمِنُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ" (يوحنا 13: 19) . فلو بقي يهوشوه صامتا متظاهرا بأنه يجهل ما سيأتي عليه ربما كان تلاميذه يظنون أن معلمهم ليست له البصيرة الإلهية التي ترى ما في الخفاء ، وكانوا قد أخذوا على غرة وأسلموا بين أيدي الدهماء المتعطشين لسفك الدماء . كان يهوشوه قد قال لتلاميذه قبل ذلك بسنة إنه قد اختارهم الاثني عشر وواحد منهم شيطان . والآن فها الكلام الذي قاله ليهوذا الذي به برهن على أن معلمه عالم تمام العلم بخيانته يقوي إيمان تابعي المسيا الحقيقيين في أثناء اتضاعه . وعندما تجيء نهاية يهوذا المخيفة المحتومة فسيذكرون الويل الذي نطق به يهوشوه على مسلمه .

كان للمخلص غرض آخر ، فهو لم يجرد من الخدمة ذاك الذي عرف أنه خائن . إن التلاميذ لم يفهموا كلام معلمهم حين قال لهم: "وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ" ، ولا حتى عندما أعلن وهو على المائدة قائلا: "اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ" (يوحنا 13: 11, 18) . ومن بعد ذلك لما وضح لهم معنى كلام المسيا جعلوا يفكرون في صبر يهوه ورحمته نحو ذاك الذي ارتكب أشنع وأرهب خطية .

مع أن يهوشوه كان قد عرف يهوذا من البدء فقد غسل رجليه . وكان لذلك الخائن امتياز مشاركة المسيا في الفريضة المقدسة . لقد استخدم المخلص الطويل الأناة كل وسيلة لاجتذاب ذلك الخاطئ ليقبله وليتوب ويتطهر من نجاسات خطيته . وفي هذا كله هو مثال لنا . فعندما نرى إنسانا واقعا في خطية يجب ألا نعتزل عنه ، فلا نتركه أو نعزل نفسنا عنه في غير اكتراث لئلا يصير فريسة للتجربة ، ولا نطرده لينضم إلي حزب الشيطان . هذه ليست إرادة المسيا . فلأن التلاميذ كانوا مذنبين ومخطئين غسل السيد أرجلهم . وبهذه الكيفية أقبل الاثنا عشر إلي التوبة فيما عدا واحدا فقط .

"لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ"

إن مثال المسيا يحرم استثناء أي إنسان من التقدم إلي المائدة أو إيقافه أو حرمانه . نعم إن الخطية العلنية توجب استثناء المذنب ، وهذا ما يعلمنا إياه الروح القدس بوضوح كما قد ورد في (1 كورنثوس 5: 11) ، ولكن فيما عدا هذا ينبغي ألا ندين أحدا . إن يهوه لم يترك الأمر بيد الناس ليحكموا في من ومن هم الذين يتقدمون إلي المائدة في هذه المناسبات ، إذ مَن مِن الناس يعرف خفايا القلوب ؟ ومن يستطيع أن يميز الزوان من الحنطة ؟ "لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ" ، "إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ ، أَوْ شَرِبَ كَأْسَ السيَد ، بِدُونِ اسْتِحْقَاق ، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ السيَد وَدَمِهِ" ، (1 كورنثوس 11: 28, 27, 29) .

وعندما يجتمع المؤمنون لممارسة الفرائض يوجد رسل لا تراهم العين البشرية . وقد يكون هناك إنسان كيهوذا في وسط تلك الجماعة ، فإذا كان الأمر كذلك فسيكون هناك رسل من قبل سلطان الظلمة لأنهم يلازمون كل من يرفضون الخضوع لسلطان الروح القدس . ثم إن ملائكة السماء موجودون هناك أيضا . فهؤلاء الزوار غير المنظورين يكونون حاضرين في كل مناسبة كهذه . وقد يكون حاضرا بين تلك الجماعة أناس ليسوا عبيدا للحق والقداسة بإخلاص ومع ذلك يرغبون في الاشتراك في الخدمة . فينبغي ألا يمنعوا . يوجد شهود حاضرون ، كانوا حاضرين حين غسل يهوشوه أرجل التلاميذ ورجلي يهوذا . لقد شاهدت المنظر عيون من هم أعظم من بنوا الإنسان .

والمسيا حاضر بالروح القدس ليختم على فريضته ، وهو هناك ليبكت القلب ويلينه . ولا يمكن أن تخفي عليه نظرة أو فكر يختلج به أي قلب منسحق . إنه ينتظر لكي يرحب بالتائب المنسحق القلب . وكل شيء معد لقبول تلك النفس . فذاك الذي قد غسل رجلي يهوذا يشتاق لأن يغسل كل قلب من أقذار الخطية .

وينبغي ألا يؤخر أي واحد نفسه عن المائدة المقدسة لوجود بعض الناس العديمي الاستحقاق . فكل تلميذ مدعو للاشتراك علنا ، وبذلك يشهد بأنه قد قبل المسيا كمخلصه الشخصي . إن المسيا يتقابل مع شعبه في هذه الفرائض رسميا وهو ينشطهم بحضوره . وقد يقدم هذه الفرائض بعض الخدام ذوي الأيدي والقلوب غير الطاهرة ، ولكن المسيا هناك ليخدم أولاده . فكل من يأتون مثبتين عيون إيمانهم فيه سينالون بركة عظيمة . وكل من يهملون هذه المناسبات والامتيازات الروحية سيخسرون خسارة عظيمة . وعلى هؤلاء يصدق هذا القول: "وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ" .

فريضة سلام

إن المسيا إذ اشترك مع تلاميذه في التناول من الخبز والخمر أخذ على نفسه العهد بأن يكون فاديا لهم . وقد سلمهم العهد الجديد الذي بموجبه كل من يقبلونه يصيرون أولادا ليهوه ووارثين مع المسيا . وبموجب هذا العهد تمنح لهم كل بركة يمكن أن تمنحها السماء في هذه الحياة والحياة العتيدة . كان ينبغي أن تختم وثيقة هذا العهد بدم المسيا . وكان ينبغي أن فريضة العشاء المقدسة تذكر التلاميذ بالذبيحة العظيمة المقدمة لأجل كل فرد منهم شخصيا كواحد من بني الإنسان الساقطين .

ولكن لم يكن المقصود من خدمة الشركة هذه أن تكون فرصة للحزن ، ولم يكن هذا هو المقصود بها . فإذ يجتمع تلاميذ السيَد حول مائدته ينبغي ألا يذكروا تقصيراتهم بالحسرة والندم . وليس لهم أن يطيلوا التفكر في اختبارهم الديني السابق سواء أكان مُشَرِّفا أو محزنا ، وألا يتذكروا الفروق بينهم وبين إخوتهم . فالخدمة التمهيدية قد تناولت كل هذا . فامتحان النفس والاعتراف بالخطية والتوفيق بين الفروق قد تم كله . أما الآن فسيلتقون بالمسيا . وليس لهم أن يقفوا في ظلال الصليب بل في نوره المخلص ، وعليهم أن يفتحوا النفس لتدخل أشعة شمس البر . فبقلوب مطهرة بدم المسيا الزكي وهم يحسون إحساسا كاملا بحضوره وإن لم يروه بعيونهم الجسدية عليهم أن يسمعوا قوله: "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ . سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ . لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا" (يوحنا 14: 27) .

يقول سيدنا: وأنتم متبكتون على الخطية اذكروا أنني قد مت لأجلكم . وحين تظلمون وتضطهدون وتتضايقون لأجلي ولأجل الإنجيل اذكروا محبتي التي كانت عظيمة بحيث أنني بذلت حياتي لأجلكم . وحين تبدو واجباتكم شاقة وقاسية وحين يتراءى لكم أن أعباءكم أثقل من أن تحتملوها فاذكروا أنني لأجلكم قد احتملت الصليب مستهينا بالخزي . وحين يرتجف قلبكم من هول المحنة القاسية اذكروا أن فاديكم حي ليشفع فيكم .

لئلا ننسى

إن خدمة العشاء تشير إلي مجيء المسيا ثانية . ولكن القصد منها أن تحفظ هذا الرجاء حيا في عقول التلاميذ . وكلما اجتمعوا معا لإحياء ذكرى موته كانوا يتحدثون عن كيف: "أَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ ، لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا . وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مِنَ الآنَ لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هذَا إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ أَبِي»" (متى 26: 26- 29) . ففي ضيقهم وجدوا عزاء في الرجاء برجوع سيدهم . وإذ كانوا يفكرون في هذا القول: "كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ السيَد إِلَى أَنْ يَجِيءَ" (1 كورنثوس 11: 26) ، كان هذا الفكر ثمينا إلي درجة لا يمكن التعبير عنها .

هذه هي الأمور التي ينبغي ألا تغيب عن بالنا أبدا . إن محبة يهوشوه بقوتها التي تحصرنا ينبغي أن تظل جديدة في أذهاننا على الدوام . لقد رسم المسيا هذه الخدمة حتى تتحدث إلي حواسنا عن محبة يهوه التي قد أظهرت لأجلنا . لا يمكن أن يكون هنالك اتحاد بين نفوسنا ويهوه إلا عن طريق المسيا . إن الاتحاد والمحبة الكائنين بين الأخ وأخيه ينبغي أن يزيدا ثباتا ويدوما إلي الأبد بواسطة محبة يهوشوه . ولا شيء أقل من موت المسيا أمكن أن يجعل محبته فعالة لأجلنا . إنما بسبب موته دون سواه يمكننا أن ننتظر مجيئه الثاني بفرح . إن ذبيحته هي مركز رجائنا . فعلينا أن نثبت إيماننا في هذا .

إن الفرائض التي تشير إلي اتضاع سيدنا وآلامه كثيرا ما تمارس شكليا ، ولكنها قد وضعت لغرض معين . إن حواسنا هي بحاجة إلي الإحياء والإنعاش لتتمسك بسر التقوى . إنه امتياز عظيم للجميع أن يدركوا ، أكثر بكثير مما ندرك نحن ، آلام المسيا الكفارية . "كَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ" هكذا رفع ابن الإنسان لكي "لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنا 14:3, 15) . علينا أن ننظر إلي صليب جلجثة الذي عليه علق مخلصنا ومات . إن مصالحنا الأبدية تتطلب منا أن نظهر إيماننا بالمسيا .

خبز وخمر

قال سيدنا: "إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ  ... لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ" (يوحنا 6: 53- 55) . وهذا ينطبق على طبيعتنا الجسدية . إننا مدينون لموت المسيا حتى بحياتنا الأرضية . فالخبز الذي نأكله هو مشترى بجسد المسيا المكسور والماء الذي نشربه مشترى بدمه المسفوك . لا يمكن أن إنسانا ، قديسا كان أم خاطئا ، يأكل خبزه اليومي إلا وهو يتغذى بجسد المسيا ودمه . وصليب جلجثة مرسوم على كل رغيف . ، وهو ينعكس على كل مجاري المياه . كل هذا علمه المسيا حين عين رموز ذبيحته العظيمة . إن النور الذي يشع من خدمة الاشتراك في العلية يضفي قدسية على مئونتنا التي نتناولها كل يوم . فمائدة العائلة تصير مائدة السيَد ، وكل وجبة طعام تصير عشاء السيَد .

فكم بالحري تصدق أقوال المسيا بالأكثر على طبيعتنا الروحية ! إنه يعلن قائلا: "مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ" . يمكننا أن نحيا حياة القداسة بكوننا نقبل الحياة التي سكبت لأجلنا على صليب جلجثة . ونقبل هذه الحياة عندما نقبل كلمته وعندما نعمل الأعمال التي أمرنا بعملها ، وهكذا نصير متحدين به ، فهو يقول: "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ . كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي" (يوحنا 6: 54, 56, 57) . هذه الآيات تنطبق على المائدة المقدسة بمعنى خاص . فإذ يتأمل الإيمان في ذبيحة مخلصنا العظيمة فالنفس تهضم حياة المسيا الروحية وتتمثل بها وتستوعبها . فتلك النفس تحصل على قوة روحية كلما تناولت من المائدة المقدسة . إن الخدمة تنطوي على رابطة حية بواسطتها يتحد المؤمن بالمسيا ، وبذلك يرتبط بالآب . وهي بمعنى خاص توجد رابطة بين الخلائق البشرية الضعيفة ويهوه .

ونحن إذ نتناول من الخبز والخمر اللذين يرمزان إلي جسد المسيا المكسور ودمه المسفوك فإننا بالفكر والتصور ننضم إلي مشهد العشاء في العلية ، ويبدو كأننا نسير في طرقات البستان الذي قد تقدس بالآلام الشديدة التي تحملها ذاك الذي حمل خطايا العالم ، ونشهد الصراع الهائل الذي بواسطته تصالحنا مع يهوه . لقد رسم المسيا بيننا مصلوبا .

ونحن إذ نشخص في فادينا المصلوب ندرك إدراكا كاملا عظمة ومعنى الذبيحة العظيمة التي قدمها جلال السماء . وتدبير الخلاص يتمجد في نظرنا . كما أن تفكيرنا في جلجثة يوقظ في قلوبنا انفعالات حية ومقدسة . وتمتلئ قلوبنا وتنطق أفواهنا بالشكر ليهوه وللحمل لأن الكبرياء وعبادة الذات لا يمكنها أن تنمو أو تترعرع في النفس التي تذكر دائما مناظر جلجثة .

والذي يرى محبة المخلص التي لا تبارى سيسمو تفكيره ويتطهر قلبه وتصلح أخلاقه . وسيخرج ليكون نورا للعالم ويعكس في حياته هذه المحبة العجيبة إلي درجة ما . إننا كلما أطلنا التأمل في صليب المسيا أمكننا أن ننطق بما قاله الرسول بكيفية أكمل إذ قال: "حَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ سيَدنَا يهوشوه الْمسيا ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ" (غلاطية 6: 14) .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App