1. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

نظر المسيا إلى تلاميذه بمحبة إلهية وبعطف غاية في الرقة ثم قال لهم: "الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ وَتَمَجَّدَ يهوه فِيهِ" (يوحنا 13: 31) . كان يهوذا قد خرج من العلية وكان المسيا وحده مع الأحد عشر . كان مزمعا أن يحدثهم عن افتراقه الوشيك عنهم ، ولكنه قبل أن يفعل ذلك أشار إلى الغاية العظمى لرسالته . هذه هي الغاية التي جعلها نصب عينيه دائما . لقد كان سرور قلبه أن اتضاعه وكل آلامه تمجد اسم الآب . وقد وجه أفكار تلاميذه إلى هذا الأمر أولا .

وإذ خاطبهم بتعبير الإعزاز "يَا أَوْلاَدِي" قال: "أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلاً بَعْدُ . سَتَطْلُبُونَنِي ، وَكَمَا قُلْتُ لِلْيَهُودِ: حَيْثُ أَذْهَبُ أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا ، أَقُولُ لَكُمْ أَنْتُمُ الآنَ" (يوحنا 13: 33) .

لم يستطع التلاميذ أن يفرحوا عندما سمعوا هذا الكلام . فلقد شملهم الخوف والتفوا حول المخلص . إن سيدهم وملكهم وصديقهم ومعلمهم المحبوب كان أعز عليهم من الحياة . ففي كل ضيقاتهم ومتاعبهم نظروا إليه في طلب العون ، وكان عزاءهم في أحزانهم وفشلهم ، ولكن ها هو مزمع أن يتركهم وهم الشرذمة الموجودة الضعيفة . لقد كانت التطيرات المحزنة السوداء تملأ قلوبهم .

لكن أقوال المسيا التي نطق بها في مسامعهم كانت مفعمة بالرجاء . لقد عرف أن العدو سيهاجمهم ، وأن حيل الشيطان ناجحة وقوية جداً ضد هؤلاء الذين كانت تضايقهم الصعوبات . ولذلك ارتقى بهم عن الأشياء التي ترى إلى "الَّتِي لاَ تُرَى" (2 كورنثوس 4: 18) ، فحول أنظارهم عن أرض الغربة إلى الوطن السماوي .

"أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا"

قال لهم: "لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ . أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بيهوه فَآمِنُوا بِي . فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ . أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا ، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا ، وَتَعْلَمُونَ حَيْثُ أَنَا أَذْهَبُ وَتَعْلَمُونَ الطَّرِيقَ" (يوحنا 14: 1- 4) . إنه يقول لهم ما معناه: لأجلكم أتيت أنا إلى العالم ولأجلكم أخدم . وعندما أمضي سأتابع عملي الغيور لأجلكم . لقد أتيت إلى العالم لأعلن نفسي لكم لكي تؤمنوا . وأنا ماض إلى الآب لأتعاون معه لأجلكم . إن الغاية من انطلاق المسيا كانت على عكس ما كان يخشاه التلاميذ . فلم يكن ذلك الانطلاق انفصالا نهائيا . فلقد كان السيد ذاهبا ليعد لهم مكانا حتى يأتي أيضاً ويأخذهم إليه . ففيما كان هو يبنى لهم منازل كان عليهم هم أن يبنوا أخلاقهم لتكون على مثال صفات يهوه .

وإذ كان التلاميذ لا يزالون متحيرين إذا بتوما الذي كانت الشكوك تضايقه دائما يقول له: "يَا سَيِّدُ ، لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ ، فَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ الطَّرِيقَ ؟ قَالَ لَهُ يهوشوه: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ . لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي . لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا . وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ»" (يوحنا 14: 5- 7) .

لا توجد طرق متعددة إلى السماء . فليس لكل إنسان أن يختار طريقه ، فالمسيا يقول: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ ... لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي" . فمنذ كرز بأول عظة من الإنجيل عندما أعلن في عدن أن نسل المرأة يجب أن يسحق رأس الحية رفع المسيا كالطريق والحق والحياة . كان هو الطريق عندما كان آدم حيا ، وعندما قدم هابيل ليهوه دم خروفه المذبوح كرمز لدم الفادي . لقد كان المسيا هو الطريق الذي به خلص الآباء والأنبياء . فهو الطريق الذي به دون سواه يمكننا الاقتراب إلى يهوه .

تعاليم لم يفهمها التلاميذ

قال المسيا: "لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا . وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ" ومع ذلك فإن التلاميذ لم يفهموا بعد فقد صاح فيلبس قائلاً : "يَا سَيِّدُ ، أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا" (يوحنا 14: 7, 8) .

فإذ اندهش المسيا من بلادة فيلبس وبطء فهمه سأله باندهاش وألم: "أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ !" أيمكن أنك لا ترى الآب في الأعمال التي قد عملها بواسطتي ؟ ألا تؤمن أنني قد أتيت لأشهد للآب ؟ "كَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ ؟" ، "اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ" (يوحنا 14: 9) . إن المسيا لم يكف عن أن يكون إلها عندما تأنس . فمع أنه وضع نفسه وصار إنسانا فقد كان لا يزال محتفظا بلاهوته . فالمسيا وحده هو الذي استطاع أن يمثل الآب لدى البشرية ، وكان للتلاميذ امتياز رؤية هذا التمثيل لمدى أكثر من ثلاث سنين .

قال يهوشوه: "صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ ، وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا" (يوحنا 14: 11) . كان يمكن لإيمانهم أن يستند بلا خوف على البرهان الذي قدمته أعمال المسيا ، تلك الأعمال التي لم يعملها أي إنسان من تلقاء نفسه ولا يقدر أن يعملها . لقد شهدت أعمال المسيا لألوهيته ، ففيه أعلن الآب ذاته .

لو آمن التلاميذ بهذه الصلة الحيوية بين الآب والابن لما خذلهم إيمانهم عندما رأوا آلام المسيا وموته لكي يخلص العالم الهالك . كان المسيا يحاول أن يسمو بهم من حالة الإيمان الضعيفة إلى الاختبار الذي كان يمكنهم الحصول عليه لو تحققوا حقا ما هو- يهوه في جسد إنسان . كان يريدهم أن يروا أن إيمانهم يجب أن يقودهم إلى يهوه ويرسو هناك . بأية غيرة ومثابرة حاول مخلصنا الرقيق القلب أن يعد تلاميذه لمواجهة عواصف التجربة التي كانت موشكة أن تهب عليهم . كان يريدهم أن يستتروا معه في يهوه .

وإذ كان المسيا ينطق بهذه الأقوال كان مجد يهوه يشع من وجهه فأحس كل الحاضرين برهبة مقدسة وهم يصغون بانتباه ذاهل إلى أقواله ، وقد انجذبت إليه قلوبهم بكل قوة . وإذ جذبوا إلى المسيا بمحبة أعظم انجذبت قلوبهم إلى بعضهم البعض ، وأحسوا أن السماء قريبة منهم جدا وأن الكلام الذي كانوا يستمعون إليه لم يكن إلا رسالة إليهم من أبيهم السماوي .

أعمال يهوه

استطرد المسيا قائلا: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا" (يوحنا 14: 12) . كان المخلص يتوق من أعماق قلبه إلى أن يفهم تلاميذه لأية غاية اتحدت ألوهيته بالبشرية . لقد أتى إلى العالم لكي يظهر مجد يهوه ، لكي يرفع الإنسان بقوة ذلك المجد المجددة . تجلى يهوه فيه لكي يتجلى هو فيهم . إن يهوشوه لم يظهر أي صفات ولا مارس أية قوات إلا ويمكن للناس أن ينالوها بالإيمان به . فيمكن لكل تابعيه أن يمتلكوا بشريته الكاملة إذا خضعوا ليهوه كما قد فعل هو .

"وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا ، لأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي" . ولكن المسيا لم يكن يقصد بهذا القول أن عمل تلاميذه يمكن أن يكون من نوع أسمى مما قد عمل هو ، بل قصد أنه سيكون أبعد مدى وأوسع . إنه لم يشر إلى صنع المعجزات فقط بل أشار إلى كل ما يمكن أن يحدث تحت تأثير الروح القدس .

بعد صعود السيَد تحقق التلاميذ من إتمام وعده . إن مشاهد صلب المسيا وقيامته وصعوده كانت حقائق حية بالنسبة إليهم . لقد رأوا النبوات تتم حرفيا . وإذ فتشوا الكتب قبلوا تعاليمها بإيمان ويقين لم يختبروهما من قبل . وعلموا أن معلمهم الإلهي كان صادقا في كل أقواله . فإذ أفضوا إلى الناس باختبارهم وعظموا محبة يهوه ذابت قلوب الناس وخضعت فأمنت جماهير كثيرة بيهوشوه .

إن وعد المخلص لتلاميذه هو أيضاً وعد لكنيسته إلى انقضاء الدهر . إن يهوه لم يقصد أن تدبيره العجيب لفداء بنى الإنسان يحقق نتائج زهيدة . فكل من يخرجون للعمل غير متكلين على ما يستطيعون هم عمله بل على ما يستطيع يهوه أن يعمله بواسطتهم ولأجلهم لا بد أن يتحققوا من إتمام وعده . فلقد أعلن السيد قائلا: "الأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا ، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا ، لأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي" (يوحنا 14: 12) .

لم يكن التلاميذ إلى ذلك الحين يدرون شيئا عن إمكانيات وقدرة المخلص غير المحدودة . فقال لهم: "إِلَى الآنَ لَمْ تَطْلُبُوا شَيْئًا بِاسْمِي" (يوحنا 16: 24) . وقد أوضح لهم أن السر في نجاحهم هو في كونهم يسألون القوة والنعمة باسمه . إنه سيتراءى أمام الآب ليسأله من أجلهم . إن يهوشوه يقدم صلاة أي مصل متضع كأنها رغبته هو لأجل مصلحة تلك النفس . فكل صلاة منبعثة من قلب مخلص تسمع في السماء . قد لا تكون صلاة فصيحة أو فيها ألفاظ منمقة ، ولكن متى كانت صاعدة من القلب فسترتفع إلى المقدس الذي يخدم فيه يهوشوه وهو يقدمها إلى الآب دون أن تكون فيها كلمة واحدة غير مصقولة أو فيها أية لعثمة بل تكون جميلة وعطرة ببخور كمالاته .

هو يعطينا القوة

إن طريق الإخلاص والاستقامة ليس سهلا أو خاليا من العوائق ، ولكننا في كل مشكلة أو صعوبة نرى ما يدعونا إلى الصلاة . لا يوجد بين الأحياء من عنده قوة لم يستمدها من يهوه . والنبع الذي منه تأتي مفتوح لأحقر إنسان . قال يهوشوه: "مَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْنِ . إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئًا بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ" (يوحنا 14: 13, 14) .

"بِاسْمِي" هكذا أمر المسيا تلاميذه أن يصلوا . فباسم المسيا يقف تابعوه أمام يهوه . إن لهم قيمة في نظر السيَد على قدر ما للذبيحة التي قدمها يهوشوه لأجلهم من قيمة . وبسبب بر المسيا المنسوب لهم يحسبون كرماء وأعزاء . فلأجل المسيا يغفر السيَد لخائفيه . وهو لا يرى فيهم خسة الخطاة أو سفالتهم ، بل يرى فيهم صورة ابنه الذي به يؤمنون .

إن السيَد يحس بالحزن عندما يقدر شعبه أنفسهم تقديرا منخفضا وضيقا . فهو يرغب في أن ميراثه المختار يقدرون أنفسهم بنسبة الثمن الذي دفعه . إن يهوه يحبهم وإلا ما كان قد أرسل ابنه للقيام بتلك المأمورية المكلفة ليفتديهم . إنهم لازمون له وهو يسر غاية السرور عندما يطلبون منه أعظم الطلبات ليمجدوا اسمه . ولهم أن ينتظروا منه أشياء عظيمة إن كان لهم إيمان بمواعيده .

ولكن الصلاة باسم المسيا تعني شيئا أكثر من هذا ، فهي تعني أننا نقبل صفاته ونظهر روحه ونباشر أعماله . إن وعد المخلص يقدم لنا على شرط ، فهو يقول : "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ" (يوحنا 14: 15) . إنه لا يخلص الناس في خطاياهم بل من خطاياهم ، فالذين يحبونه يبرهنون على محبتهم بالطاعة .

الطاعة الحقيقية

كل طاعة حقيقية تنبع من القلب . لقد كان المسيا يعمل بقلبه . وإذا نحن رضينا فهو سيدمج نفسه في أفكارنا وأهدافنا ، وبذلك تصير قلوبنا وأفكارنا في حاله وفاق وانسجام مع إرادته حتى إذ نطيعه لا نكون سوى منفذين لبواعثنا ومحققين لرغباتنا . وإذ تكون الإرادة نقية ومقدسة ستجد أن أعظم وأسمى سرورها هو في القيام بخدمة يهوه . وعندما نعرف يهوه ، وامتياز معرفته يكون ميسور لنا ، فإن حياتنا تكون حياة الطاعة المستمرة . فإذ نقدر صفات المسيا التقدير اللائق ، وإذ نكون في شركة مع يهوه فستصير الخطة كريهة بالنسبة إلينا .

وكما عاش المسيا الناموس في البشرية ، كذلك يمكننا أن نفعل نحن إن تمسكنا بيهوه في طلب القوة . ولكن ليس لنا أن نلقي تبعة واجباتنا على الآخرين وننتظر منهم أن يخبرونا بما يجب أن نعمل . فنحن لا يمكننا الاعتماد على البشر في طلب المشورة . إن السيَد سيعلمنا واجبنا بنفس الرغبة التي هو مستعد أن يعلم بها الآخرين . فإن أتينا إليه بإيمان فسيخبرنا بأسراره هو بنفسه . وستلتهب قلوبنا فينا مرارا عديدة إذ يقترب منا السيد ويتحدث معنا كما تحدث مع أخنوخ . وأولئك الذين يعزمون على ألا يعملوا شيئا مغيظا أو محزنا لقلب يهوه ، فبعدما يبسطون قضيتهم أمامه سيعرفون ما يجب عليهم أن يعملوه . ولن يحصلوا على الحكمة وحدها بل سينالون قوة ، وستعطى لهم القوة التي قد وعدهم بها المسيا ، للطاعة والخدمة . "كُلَّ شَيْءٍ"قد دفع للمسيا لسد حاجات البشر الساقطين . أعطي له كرأس البشرية ونائبها . "وَمَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ ، لأَنَّنَا نَحْفَظُ وَصَايَاهُ ، وَنَعْمَلُ الأَعْمَالَ الْمَرْضِيَّةَ أَمَامَهُ" (1 يوحنا 3: 22) .

إن المسيا قبلما قدم ذاته ذبيحة بحث عن أعظم عطية جوهرية وكاملة ليمنحها لتابعيه ، تلك العطية التي تجعل في متناول أيديهم مصادر النعمة التي لا حدود لها فقال لهم: "وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ ، رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ" (يوحنا 14: 16- 18) .

كان الروح في العالم قبل ذلك . فمنذ بدء عمل الفداء كان يرف على قلوب الناس . ولكن عندما كان المسيا على الأرض لم يكن التلاميذ يريدون معينا آخر سواه . ولم يكونوا ليشعروا بحاجتهم إلى الروح القدس حتى يحرموا من حضور المسيا ، وبعد ذلك يحل عليهم روح يهوه .

إن الروح القدس هو نائب المسيا ، ولكن ليست له طبيعة بشرية ، فهو مستقل عنها . لم يكن يمكن للمسيا أن يوجد في كل مكان بشخصه إذ كان يعرقله جسد بشريته . ولذلك كان من مصلحة التلاميذ أن يمضي المسيا إلى الآب ويرسل الروح ليكون خليفة له على الأرض . وحينئذ لم يكن لأي إنسان أية ميزة بسبب مركزه أو صلته الشخصية بالمسيا . فبواسطة الروح القدس يسهل على كل إنسان الوصول إلى المخلص . وبهذا المعنى كان سيصير أقرب إليهم مما لو لم يصعد إلى الأعالي .

عون عند الحاجة

"الَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي ، وَأَنَا أُحِبُّهُ ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي" (يوحنا 14: 21) لقد كان يهوشوه عالما بما سيحدث لتلاميذه مستقبلا . رأى واحدا منهم معلقا على آلة الإعدام ، وآخر مصلوبا على صليب ، وشخصا آخر منفيا في جزيرة صخرية نائية في البحر ، ورأى آخرين يساقون إلى الاضطهاد والموت . وقد شجعهم بوعده لهم بأنه سيكون معهم في كل تجاربهم . وذلك الوعد لم يفقد شيئا من قوته . إن السيَد يعرف كل شيء عن خدامه الأمناء الذين لأجل اسمه طرحوا في السجون أو نفوا إلى جزر موحشة وهو يعزيهم بحضوره . فعندما يقف المؤمن أمام محاكم هذا العالم الظالمة لكي يحاكم لأجل الحق فالمسيا يقف معه ، وكل التعييرات التي تنهال عليه إنما تنهال على المسيا ، والمسيا يدان مرة ثانية في أشخاص تلاميذه الأمناء . وعندما يسجن أحد القديسين فالمسيا يغدق عليه من محبته . وحين يقاسي آلام الموت لأجل المسيا يقول السيد : "أنا هو الْحَيُّ . وَكُنْتُ مَيْتًا ، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ ! ... وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ" (رؤيا 1: 18) . فالحياة التي تبذل لأجلي محفوظة للمجد الأبدي .

 ففي كل الأوقات وكل الأماكن ، في كل الأحزان والتجارب عندما يبدو كل شيء مظلما ومتجهما والمستقبل محيرا ، وحين نحس بعجزنا ووحدتنا سيرسل إلينا المعزي إجابة لصلاة الأيمان . قد تفصلنا الظروف عن كل أصدقائنا الأرضيين ولكن لا يوجد ظرف أو ساعة لتباعد بيننا وبين المعزي السماوي . فأينما نكون وأينما نذهب هو عن يميننا دائما ليسندنا ويعضدنا ويشجعنا ويبهج قلوبنا .

ولكن التلاميذ ظلوا غير مدركين للمعنى الروحي لكلام المسيا ، فعاد يفسر معناه . وقد أخبرهم أنه بالروح سيعلن نفسه لهم فقال: "وَأَمَّا الْمُعَزِّي ، الرُّوحُ الْقُدُسُ ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي ، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ"(يوحنا 14: 26) . لن تقولوا فيما بعد إننا لا نستطيع أن نفهم . ولن تعودوا لتنظروا في مرآة في لغز ولكنكم ستستطيعون أن "تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ ، مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ ، وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمسيا الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ" (أفسس 18:3, 19) .

كان على التلاميذ أن يشهدوا لحياة المسيا وأعماله وعن طريق كلامهم كان هو مزمعا أن يتحدث مع جميع الناس على وجه الأرض . أما في الحديث عن أتضاع المسيا وموته فكان لا بد لهم من مواجهة تجارب كثيرة وخيبة أمل مريرة . ولكن لكي يكون كلامهم بعد هذا مضبوطا ومتقنا فقد وعدهم يهوشوه قائلا: إن المعزي "يُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ" (يوحنا 14: 26).

"هُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ" 

ثم تابع السيد كلامه قائلا: "إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ ، وَلكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ . وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ ، رُوحُ الْحَقِّ ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ . ذَاكَ يُمَجِّدُنِي ، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" (يوحنا 16: 12- 14) . كان يهوشوه قد فتح أمام تلاميذه مجالا فسيحا للحق . ولكنه كان أمرا غاية في الصعوبة بالنسبة إليهم أن يميزوا بين تعاليمه وتقاليد الكتبة والفريسيين وتعاليمهم . كانوا قد تربوا على قبول تعاليم المعلمين على أنها صوت يهوه ، وكان لها سلطان على أذهانهم وقد صافت أحاسيسهم فاحتلت الأفكار الأرضية والأشياء الزمنية حيزا كبيرا من تفكيرهم . لم يدركوا طبيعة ملكوت المسيا الروحية مع إنه كان قد أوضحها لهم مرارا هذا عددها . وقد ارتبكت عقولهم فلم يدركوا قيمة الأقوال الإلهية التي أوردها لهم المسيا . وبدا وكأن كثيرا من تلك التعاليم قد ضاع هباء بالنسبة إليهم . رأى المسيا أنهم لم يفهموا المعنى الحقيقي لأقواله . فبكل رفق وعدهم بأن الروح القدس سيذكرهم بكل ما قاله لهم . ثم إنه أمسك عن أن يقول لهم أشياء كثيرة مما لم يمكنهم أن يفهموها . وهذه أيضاً سيكشفها لهم روح يهوه . كان الروح سينشط أفهامهم حتى يمكنهم تقدير الأمور السماوية . قال يهوشوه: "وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ ، رُوحُ الْحَقِّ ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ" (يوحنا 16: 13) .

إن المعزي يدعى "رُوحُ الْحَقِّ" . وعمله هو أن يوضح الحق ويصونه . إنه أولا يسكن في القلب كروح الحق ، وهكذا يصير هو المعزي . في الحق عزاء وسلام ، ولكن لا سلام أو عزاء حقيقي في الكذب أو النفاق . إن الشيطان يستمد قوته وسلطانه على العقل عن طريق النظريات والتقاليد الكاذبة . وإذ يوجه الشيطان الناس إلى النظريات الكاذبة يشوه الحق . أما الروح القدس فيخاطب الذهن بواسطة الكتب المقدسة ويطبع الحق ويكتبه في القلب . وهكذا هو يفضح الضلال ويطرده من النفس . فالمسيا يخضع لنفسه شعبه المختار بواسطة روح الحق العامل بكلمة يهوه .

مصدر قوتنا

إن يهوشوه وهو يصف لتلاميذه عمل الروح القدس أراد أن يبث في قلوبهم الفرح والرجاء اللذين كانا يفيضان من قلبه . لقد فرح بسبب المعونة العظيمة التي أعدها لكنيسته . لقد كانت عطية الروح القدس أسمى كل العطايا التي أمكنه أن يطلبها من الآب لأجل تمجيد شعبه . كان الروح القدس سيعطى كقوة مجددة ، إذ بدونه لن تجدي ذبيحة المسيا فتيلا . لقد زادت قوة الشر وتفاقمت أجيالا طويلة ، وكان خضوع الناس لعبودية الشيطان مذهلا ومحيرا . ولم يكن ممكنا مقاومة الخطية أو الانتصار عليها إلا بقوة الشخص الثالث من اللاهوت الذي لا يأتي بقوة ضعيفة بل في ملء القوة الإلهية . إن الروح هو الذي يجعل عمل فادي العالم ذا أثر فعال . والقلب يتطهر بقوة الروح . وبواسطة الروح يصير المؤمنون شركاء الطبيعة الإلهية . لقد أعطى المسيا روحه كقوة إلهية للانتصار على كل الميول الموروثة المتأصلة في النفس لعمل الشر ، وليطبع صفاته على قلوب أفراد كنيسته .

قال يهوشوه عن الروح القدس: "ذَاكَ يُمَجِّدُنِي" (يوحنا 16: 14) . لقد جاء المخلص ليمجد الآب بإظهار محبته ، وكذلك جاء الروح ليمجد المسيا بإعلان نعمته للعالم . فنفس صورة يهوه ستخلق من جديد في قلوب بني الإنسان . إن مجد يهوه ومجد المسيا متضمنان في اكتمال خلق شعبه .

قال المسيا : "وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ" (يوحنا 16: 18) . لن تكون الكرازة بالكلمة ذات فائدة بدون حضور الروح القدس ومساعدته الدائمين . هذا هو المعلم الوحيد المقتدر في تعليم حق يهوه . فعندما يوصل الروح القدس الحق إلى القلب فهو يحيي الضمير ويغير الحياة . ولا وسيلة تنفع غير ذلك . قد يستطيع إنسان ما أن يقدم كلمة يهوه في حرفيتها ، وقد يكون خبيرا بكل أوامرها ومواعيدها ، ولكن ما لم يوصل الروح القدس الحق إلى القلب فلن تسقط النفس على الحجر وتترضض . ولا يمكن لأي قدر من التهذيب مهما عظم ، ولا أية امتيازات مهما جل شأنها أن تجعل إنسانا قناة للنور بدون أن يتعاون مع روح يهوه . ولن ينجح بذار الإنجيل الذي يلقى ما لم تبعث فيه الحياة بواسطة ندى السماء . فقبلما كتب سفر واحد من أسفار العهد الجديد ، وقبلما ألقيت عظة واحدة من الإنجيل بعد صعود المسيا حل الروح القدس على الرسل المصلين . وحينئذ شهد الأعداء عنهم قائلين: "هَا أَنْتُمْ قَدْ مَلأْتُمْ أُورُشَلِيمَ بِتَعْلِيمِكُمْ" (أعمال 5: 28) .

النفس الخاضعة ليهوه

وعد المسيا بأن يعطي الروح القدس لكنيسته ، والوعد هو لنا كما كان للتلاميذ الأولين . لكنه كأي وعد آخر يعطى بموجب شروط . كثيرون يعتقدون ويجاهرون بأن لهم الحق في وعد السيَد ، وهم يتحدثون عن المسيا والروح القدس ، ومع ذلك لا يجنون فائدة . إنهم لا يسلمون نفوسهم لقيادة القوى الإلهية وإرشادها وسيادتها . إننا لا يمكننا أن نستخدم الروح القدس ، ولكن الروح هو الذي يستخدمنا . فبواسطة الروح يعمل يهوه في قلوب أولاده "أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ"  (فيلبي 2: 13) . ولكن كثيرين لا يخضعون لهذا الحق فهم يريدون أن يسيروا أنفسهم . وهذا هو السبب في عدم قبولهم هبة السماء . إنما فقط الذين ينتظرون السيَد بتواضع وينتظرون منه الإرشاد والنعمة هم الذين يعطى لهم الروح ، فقوة يهوه تنتظر منهم الطلب والقبول . هذه البركة الموعود بها والتي تطلب بإيمان تأتى وفي أثرها كل البركات الأخرى . وهى تعطى بحسب غنى نعمة المسيا ، وهو مستعد لأن يمنح كل نفس بحسب قدرتها على القبول .

إن يهوشوه في حديثه مع تلاميذه لم يشر إشارة محزنة إلى آلامه وموته . وقد كان آخر ما تركه لهم هو تركة السلام فقد قال: "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ . سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ . لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا . لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ" (يوحنا 14: 27) .

وقبلما تركوا العلية قاد المخلص تلاميذه في إنشاد تسبيحة شكر . وقد سمع صوته ليس كمن ينطق بمرثاة بل بنغمة تسبيحة عيد الفصح المفرحة ، وهي تقول: "سَبِّحُوا يهوه يَا كُلَّ الأُمَمِ . حَمِّدُوهُ يَا كُلَّ الشُّعُوبِ . لأَنَّ رَحْمَتَهُ قَدْ قَوِيَتْ عَلَيْنَا ، وَأَمَانَةُ يهوه إِلَى الدَّهْرِ . هَلِّلُويَا" (مزمور 117: 1، 2) .

"تنكرني ثلاث مرات"

بعد الانتهاء من التسبيح خرجوا مخترقين الشوارع المزدحمة وساروا إلى أن خرجوا من باب المدينة إلى جبل الزيتون . ساروا على مهل وكل منهم مشغول بأفكاره . وإذ بدأوا ينزلون الجبل قال يهوشوه بنغمه تعبر عن أعمق الحزن: "كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِىَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ"(متى 26: 31) . وقد أصغى التلاميذ إلى كلامه في حزن وذهول . لقد ذكروا كيف أنه عندما تكلم عن نفسه في مجمع كفرناحوم كمن هو خبز الحياة عثر كثيرون وتركوه ومضوا . ولكن الاثني عشر لم يبرهنوا على عدم إيمانهم . وإذ تكلم بطرس بلسان إخوته أعلن ولاءه للمسيا . حينئذ قال المخلص: "أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ ، الاثْنَيْ عَشَرَ ؟ وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ !" (يوحنا 6: 70) . وفي العلية قال يهوشوه إن واحدا من الاثني عشر مزمع أن يسلمه ، وإن بطرس سينكره . أما الآن فكلامه يشملهم جميعا .

والآن فها صوت بطرس يسمع وهو يحتج باشتداد وعنف قائلا:"وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ!" (مرقس 14: 29) . وإذ كانوا في العلية أعلن بطرس قائلا: "إِنِّي أَضَعُ نَفْسِي عَنْكَ !" (يوحنا 13: 37) . كان يهوشوه قد أنذره أنه في نفس تلك الليلة سينكر مخلصه . والآن فها المسيا يكرر إنذاره قائلا: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ ، قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ ، تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ" ولكن بطرس "وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ ! . وَهكَذَا قَالَ أَيْضًا الْجَمِيعُ"  (مرقس 14: 30, 31) . فإذ كانوا واثقين بأنفسهم أنكروا التصريح المتكرر الذي نطق به ذاك العليم بكل شيء . لم يكونوا متأهبين للامتحان . فعندما تباغتهم التجربة سيتحققون من ضعفهم .

إن بطرس عندما قال إنه مستعد أن يمضي مع سيده إلى السجن وإلى الموت كان يعني كل كلمة قالها ، ولكنه لم يكن يعرف نفسه ، إذ كانت رابضة في قلبه عناصر الشر التي ستساعد الظروف على إحيائها وظهورها . وما لم يحس بخطره فهذه قد تفضي به إلى الهلاك الأبدي . رأى المخلص الأنانية متمكنة من قلب تلميذه ، واليقين الذي قد يتغلب على حبه للمسيا . وقد ظهر في اختباره كثير من الوهن والضعف والخطية التي لم تكبح وعدم الاكتراث الروحي والطبع غير المقدس والتهور في تعريض نفسه للتجربة ، فكان إنذار المسيا الخطير دعوة لاختبار النفس وفحص القلب . كان بطرس بحاجه إلى أن يشك في نفسه وأن يكون له إيمان أعمق بالمسيا . فلو قبل الإنذار بوداعة لكان يصرخ إلى راعي الخراف ليحفظ خرافه . إنهم إذ كانوا في السفينة في بحر الجليل أوشك (بطرس) على الغرق فصرخ قائلا: "يَاسيَد ، نَجِّنِي !" (متى 14: 30) . حينئذ امتدت يد المسيا لإنقاذه . وهكذا لو صرخ هو الآن إلى يهوشوه قائلا نجني من نفسي ، لكان قد حفظ ، ولكنه أحس أن يهوشوه يشك فيه واعتبر ذلك قسوة منه . كان قد جرح وصار أشد إصرارا على الثقة بنفسه .

نظر يهوشوه إلى تلاميذه نظرة إشفاق . إنه لا يمكنه إنقاذهم من التجربة ، ومع ذلك فهو لا يتركهم بلا عزاء . وها هو يؤكد لهم أنه سيحطم قيود القبر وإن محبته لهم لن تخمد . ثم يقول لهم: "بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ" (متى 26: 32) . وقبل إنكارهم له ، يؤكد لهم غفرانه . وبعد موته وقيامته علموا أن خطاياهم قد غفرت وصاروا أعزاء على قلب المسيا .

دروس من الكرمة

سار يهوشوه وتلاميذه في طريقهم إلى جثسيماني التي كانت معتكفا عند سفح جبل الزيتون حيث اعتاد السيد المجيء إليه للتأمل والصلاة . كان المخلص يوضح لتلاميذه رسالته إلى العالم والعلاقة الروحية بينه وبينهم التي عليهم أن يدعموها ويحرصوا عليها . والآن فها هو يقدم مثالا . فالقمر يرسل أنواره فيكشف لهم عن كرم عنب زاه . فإذ يوجه التفات تلاميذه إليه يستخدم الكرمة كرمز فيقول:

"أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ" (يوحنا 15: 1) فبدلا من اختيار النخلة الرشيقة أو شجرة الأرز العالية أو شجرة السنديان القوية اختار يهوشوه الكرمة بعِطفها المتعلقة الممتدة مشبها نفسه بها . فالنخلة وشجرة الأرز وشجرة السنديان كل منها تنتصب لوحدها ولا حاجة بها إلى ما يسندها ، أما الكرمة فتلتف حول العريشة وهكذا تتسلق إلى السماء . كذلك المسيا في بشريته كان يعتمد على قدرة يهوه . لقد أعلن قائلا: "أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا" (يوحنا 5: 30) .

قال السيد: "أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ" . كان اليهود دائما يعتبرون الكرمة أكرم الأغراس ورمزا لكل ما هو قوي وعظيم ومثمر . وقد شبه إسرائيل بكرمة غرسها في أرض الميعاد . كان اليهود يبنون رجاءهم في الخلاص على صلتهم بإسرائيل (يعقوب) . ولكن يهوشوه يقول: أنا الكرمة الحقيقية . لا تظنوا أن صلتكم بإسرائيل تجعلكم شركاء في حياة يهوه أو ورثة الوعد . إن الحياة الروحية لا تنال إلا عن طريقي أنا وحدي .

قال يهوشوه:"أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ" (يوحنا 15: 1) . فعلى تلال فلسطين غرس أبونا السماوي هذه الكرمة العظيمة الجميلة . وكان هو نفسه الكرام . وقد اجتذب جمال هذه الكرمة انتباه الكثيرين الذين اعترفوا أنها نازلة من السماء . ولكنها بدت لأنظار رؤساء إسرائيل كعرق من أرض يابسة . فأمسكوا ذلك الغرس ورضضوه وداسوه بأقدامهم النجسة . وكانوا يفكرون في ملاشاته إلى الأبد . ولكن الكرام السماوي لم يغب غرسه هذا عن نظره . فبعدما ظن الناس أنهم قتلوه أخذه الكرام وغرسه من جديد في الجانب الآخر من السور . وما عاد جذع الكرمة يرى بعد ذلك ، فلقد اختفى بعيدا عن هجمات الناس القاسية . ولكن أغصان الكرمة تدلت على السور وكانت تمثل الكرمة . وعن طريق هذه الأغصان كان يمكن أن تطعم بعض الأغصان الغريبة في الكرمة وتتحد بها . فأتت تلك الأغصان المطعمة بثمر . واقتطف عابرو الطريق من هذه الأثمار .

قال المسيا لتلاميذه: "أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ" (يوحنا 15: 5) . فمع أنه كان مزمعا أن يؤخذ منهم فإن اتحاده الروحي بهم لم يكن ليتغير . قال لهم: إن ارتباط واتحاد الغصن بالكرمة يشبه ارتباطكم بي الذي عليكم أن تدعموه . إن الغصن مطعم في الكرمة الحية وإذ تتداخل أنسجة كل من الغصن والكرمة بعضها في بعض ينمو الغصن في جذع الكرمة . وحياة الكرمة تصير هي حياة الغصن . كذلك النفس المائتة بالذنوب والخطايا تنال الحياة بارتباطها بالمسيا ، فإذ يؤمن الخاطئ به كمخلصه الشخصي يتم الاتحاد . إن الخاطئ يقرن ضعفه بقدرة المسيا ، وتفاهته بملء المسيا ووهنه بقوة احتمال المسيا وحينئذ يكون له فكر المسيا . لقد لامست بشرية المسيا بشريتنا ولامست بشريتنا الإلوهية . وهكذا عن طريق عمل الروح القدس يصير الإنسان شريك الطبيعة الإلهية ويقبل في المحبوب .

"اُثْبُتُوا فِيَّ" 

ومتى تم اتحادنا بالمسيا ينبغي المحافظة عليه . قال المسيا: "اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ . كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ ، كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ" (يوحنا 15: 4) . هذه ليست لمسة عرضية ولا ارتباط بين حين وآخر . ولكن الغصن يصير جزءاً من الكرمة الحية . إن اتصال الحياة والقوة والثمر من الجذر إلى الأغصان يبقى دائما لا يعوقه عائق فالغصن متى انفصل عن الكرمة لا يعيش . قال يهوشوه : كذلك أنتم أيضاً لا حياة لكم بعيدا عني . إن الحياة التي أخذتموها مني يمكن حفظها بالشركة المستمرة معي لا بأي شيء آخر . فبدوني لا تستطيعون الانتصار على خطية واحدة أو مقاومة تجربة واحدة .

"اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ" . إن الثبات في المسيا معناه إننا نستمد من روحه بصفة دائمة لا توقف فيها ، فتكون حياتنا حياة التسليم لخدمته في غير تحفظ . وينبغي أن تكون قناة الاتصال مفتوحة أبدا بين الإنسان وإلهه . فكما أن غصن الكرمة يمتص على الدوام عصارة الكرمة الحية كذلك علينا نحن أن نتعلق بيهوشوه ونقبل منه بالإيمان قوته وكمال خلقه .

إن الجذع يرسل غذاءه وعصارته عبر الفرع إلى أبعد عسلوج . وكذلك المسيا يرسل تيار القوة الروحية إلى كل مؤمن . وطالما كانت النفس مرتبطة بالسيَد فلا خطر عليها من أن تذبل أو تضعف .

إن حياة الكرمة تظهر في الثمر العطر الذكي الرائحة الذي تحمله الأغصان . قال يهوشوه: "الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يوحنا 15: 5) . فإذ نحيا بالإيمان بابن يهوه فسيظهر ثمر الروح في حياتنا . ولا تفقد ثمرة واحدة .

الإتيان بثمر

"أَبِي (هو) الْكَرَّامُ . كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ"(يوحنا 15: 1, 2) . عندما يكون الغصن المطعم مرتبطا بالكرمة ارتباطا خارجيا فقد لا يكون هنالك اتحاد حيوي . وحينئذ لن يكون نمو أو ثمر . وهكذا يمكن أن يوجد ارتباط ظاهري بالمسيا دون أن يكون هنالك اتحاد حقيقي به بالإيمان . إن اعتراف الناس بالديانة قد يجعلهم ينضمون إلى الكنيسة ولكن صفاتهم وتصرفاتهم تبرهن عما إذا كانوا مرتبطين بالمسيا حقا أو لا . فإن لم يأتوا بثمر فهم أغصان كاذبة . وإن انفصالهم عن المسيا ينتهي بالهلاك الشامل كما هو ممثل بالغصن اليابس الميت ، "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ ، فَيَحْتَرِقُ" (يوحنا 15: 6) .

"وَكُلُّ مَا يَأْتِي بِثَمَرٍ يُنَقِّيهِ (يشذّبه) لِيَأْتِيَ بِثَمَرٍ أَكْثَرَ" (يوحنا 15: 2) . فمن بين الاثني عشر الذين اتبعوا يهوشوه كان هنالك واحد يشبه الغصن اليابس وكان مزمعا أن ينزع ، أما الباقون فكان لا بد أن يجوزوا تحت سكين التشذيب بمرورهم بالتجربة المرة . وبكل رقة ووقار أوضح يهوشوه غاية الكرام . إن التشذيب لا بد أن يحدث ألما ، ولكن الذي يستعمل السكين هو الآب . إنه لا يعمل بيد عابثة أو قلب عديم الاكتراث . توجد أغصان ممتدة على الأرض فهذه ينبغي فصلها عن كل الدعامات الأرضية التي تعلق بها الأفرع ، إذ عليها أن ترتفع إلى السماء وتستند على يهوه . ينبغي تشذيب الأفرع والأوراق الزائدة التي تمتص عصارة الحياة من الثمر ، كما ينبغي قطع الأفرع المفرطة في النمو لكي يعطى المجال لأشعة شمس البر الشافية أن تغمر الكرمة كلها . إن الكرام ينزع الأفرع النامية المضرة حتى تكون الثمار أحلى وأوفر .

قال يهوشوه:"بِهذَا يَتَمَجَّدُ أَبِي: أَنْ تَأْتُوا بِثَمَرٍ كَثِيرٍ" (يوحنا 15: 8) . إن يهوه يريد أن يظهر فيك قداسة صفاته وإحسانه ورأفته وحنانه . ومع ذلك فالمخلص لا يأمر تلاميذه بأن يتعبوا ويكدوا لكي يأتوا بثمر ، ولكنه يأمرهم أن يثبتوا فيه إذ يقول: "إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلاَمِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ" (يوحنا 15: 7) . إن المسيا يثبت في تابعيه بواسطة الكلمة . هذا هو الاتحاد الحيوي الذي يتمثل في أكل جسده وشرب دمه . إن كلام المسيا هو روح وحياة . فإذ تقبلون كلامه فأنتم إنما تقبلون حياة الكرمة . إنكم تحيون "بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ يهوه" (متى 4: 4) . وحياة المسيا فيكم تثمر ثمرا كالذي فيه . إن كوننا نحيا في المسيا ونتمسك به ونستند عليه ونستمد غذاءنا منه . فإننا نثمر ثمرا شبيها بثمر المسيا .

أحبوا بعضكم بعضا

إن المسيا في اجتماعه الآخر هذا مع تلاميذه كانت رغبته العظمى التي أفصح لهم عنها هي أن يحبوا بعضهم بعضا كما أحبهم . وقد خاطبهم بهذا مراراً . فقد ردد هذا القول: "بِهذَا أُوصِيكُمْ حَتَّى تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا" (يوحنا 15: 17) . إن أول وصية أوصاهم بها كانت قوله لهم: "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا . كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا" (يوحنا 13: 34) . كانت هذه وصية جديدة بالنسبة إلى التلاميذ لأنهم لم يحبوا بعضهم بعضا كما قد أحبهم المسيا . وقد رأى أنه ينبغي لهم أن يخضعوا لآراء جديدة وبواعث جديدة وأن يمارسوا مبادئ جديدة . ففي نور حياته وموته كان عليهم أن يدركوا المحبة إدراكا جديداً وقد كان لأمره القائل لهم أن يحبوا بعضهم بعضا معنى جديد في نور ذبيحته الكفارية . إن كل عمل النعمة هو خدمة المحبة الواحدة المتصلة ، والمساعي المضحية والمنكرة لذاتها . ففي كل ساعة من ساعات تغرب المسيا على الأرض كانت ينابيع محبة يهوه تفيض من قلبه في أنهار ، دائمة الجريان لا تقهر . وكل من هو ممتلئ بروحه لا بد أن يحب كما قد أحب السيد العالم . ونفس المبدأ الذي حرك المسيا سيحرك كل شعبه في معاملتهم لبعضهم البعض .

وهذه المحبة هي برهان تلمذتهم . قال يهوشوه: "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ" (يوحنا 13: 35) . عندما يرتبط الناس معا ليس قهراً أو بسبب المصلحة الشخصية بل بالمحبة فإنهم يظهرون عمل سلطة فوق كل سلطان بشري . وأينما توجد هذه الوحدة فهي برهان على أن صورة يهوه قد أعيدت إلى البشرية ، وأن مبدأ جديدا للحياة قد غرس في النفس . وهذا يبرهن على أن في الطبيعة الإلهية قوة تصمد أمام قوات الشر العظيمة ، وأن نعمة يهوه تخضع الأنانية المتأصلة في القلب الطبيعي .

هذه المحبة إذ تظهر في الكنيسة لا بد أن تثير غضب الشيطان ، إن المسيا لم يرسم أمام تلاميذه طريقا هينا لينا ، فلقد قال: "إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أَبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ . لَوْ كُنْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ لَكَانَ الْعَالَمُ يُحِبُّ خَاصَّتَهُ . وَلكِنْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ ، بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ مِنَ الْعَالَمِ ، لِذلِكَ يُبْغِضُكُمُ الْعَالَمُ . اُذْكُرُوا الْكَلاَمَ الَّذِي قُلْتُهُ لَكُمْ: لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ . إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ حَفِظُوا كَلاَمِي فَسَيَحْفَظُونَ كَلاَمَكُمْ . لكِنَّهُمْ إِنَّمَا يَفْعَلُونَ بِكُمْ هذَا كُلَّهُ مِنْ أَجْلِ اسْمِي ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْرِفُونَ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يوحنا 15: 18- 21) . إن رسالة الإنجيل ستنشر وتذاع وسط صراع مرير وفي وجه المقاومات والمخاطر والخسائر والآلام . ولكن من يفعلون هذا إنما يتتبعون خطوات سيدهم .

"عَبَثًا تَعِبْتُ"

واجه المسيا كفادي العالم فشلا ظاهرا مدى سني خدمته . إنه هو الذي كان رسول الرحمة لعالمنا بدا وكأنه قد عمل قليلا مما كان يتوق لأن يعمله في رفع الناس من حضيض الخطية وتخليصهم . وقد بادرت كل قوات الشيطان لعرقلته وإعاقته ولكنه لم يفشل . إنه يقول في نبوة إشعياء: "عَبَثًا تَعِبْتُ . بَاطِلاً وَفَارِغًا أَفْنَيْتُ قُدْرَتِي . لكِنَّ حَقِّي عِنْدَ يهوه ، وَعَمَلِي عِنْدَ إِلهِي ... فَيَنْضَمُّ إِلَيْهِ إِسْرَائِيلُ فَأَتَمَجَّدُ فِي عَيْنَيِ يهوه ، وَإِلهِي يَصِيرُ قُوَّتِي" . وليهوشوه قدم هذا الوعد: "هكَذَا قَالَ يهوه فَادِي إِسْرَائِيلَ ، قُدُّوسُهُ ، لِلْمُهَانِ النَّفْسِ ، لِمَكْرُوهِ الأُمَّةِ ، لِعَبْدِ الْمُتَسَلِّطِينَ: ... هكَذَا قَالَ يهوه: ... أَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ ، لإِقَامَةِ الأَرْضِ ، لِتَمْلِيكِ أَمْلاَكِ الْبَرَارِيِّ ، قَائِلاً لِلأَسْرَى: اخْرُجُوا . لِلَّذِينَ فِي الظَّلاَمِ: اظْهَرُوا ... لاَ يَجُوعُونَ وَلاَ يَعْطَشُونَ ، وَلاَ يَضْرِبُهُمْ حَرٌّ وَلاَ شَمْسٌ ، لأَنَّ الَّذِي يَرْحَمُهُمْ يَهْدِيهِمْ وَإِلَى يَنَابِيعِ الْمِيَاهِ يُورِدُهُمْ" (إشعياء 49: 4, 5, 7- 10) .

اطمأن يهوشوه واستراح لهذا الوعد ولم يعط للشيطان مجالا . وعندما كان المسيا يخطو خطواته الأخيرة في وادي الاتضاع ، وعندما اكتنف روحه حزن رهيب قال لتلاميذه إن "رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ" وإن "رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ" ، "اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا" (يوحنا 14: 30؛ 16: 11؛ 12: 31) . إن المسيا قد تتبع بعين النبوة المشاهد التي ستحدث في صراعه الأخير العظيم . لقد علم أنه عندما يقول: "قَدْ أُكْمِلَ" فكل السماء ستنتصر ، وستسمع أنغام الموسيقى التي سيحملها إليه الهواء من بعيد وهتافات الظفر في ربوع السماء . وقد عرف أن صوت جرس الموتى سيدق مؤذنا باندحار مملكة الشيطان ، وسينادى باسم المسيا من عالم إلى عالم في الكون بأسره .

فرح المسيا لأنه استطاع أن يفعل لشعبه أكثر مما طلبوا أو افتكروا . وتكلم بكل يقين عالما أن أمرا إلهياً عالياً قد قضي به قبل كون العالم . وعلم أن الحق المزود بقوة الروح القدس القادر على كل شيء لا بد أن يقهر قوات الشر ، وأن الراية الملطخة بالدم ستخفق منتصرة فوق تابعيه . وعرف أيضاً أن حياة تلاميذه الواثقين به ستكون كحياته - سلسلة نصرات متواصلة . وهى لا ترى في العالم على إنها نصرات ، ولكنها ستعرف على أنها نصرات في عالم الأبد .

مواعيد بإعطاء القوة

ثم قال لهم: "قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سَلاَمٌ . فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ" (يوحنا 16: 33) . إن المسيا لم يفشل قط ولا يئس . فعلى تابعيه أن يظهروا إيمانا صبوراً كإيمانه . عليهم أن يعيشوا كما عاش هو ويخدموا كما قد خدم لأنهم يعتمدون عليه كمن هو سيد العاملين . وينبغي أن تكون عندهم الشجاعة والنشاط والمثابرة اللازمة لهم . ومع إن طريقهم تكتنفه صعوبات يبدو تخطيها مستحيلا فعليهم بنعمته أن يتقدموا . وبدلا من أن يحزنوا أو ينوحوا لوجود الصعوبات فإنهم مدعوون للتغلب عليها . عليهم ألا ييأسوا من شيء بل أن يرجوا في كل شيء . لقد ربطهم المسيا بعرش يهوه بسلاسل محبته الذهبية التي لا تبارى . إن غايته هي أن أسمى قوة في الوجود المنبعثة من مصدر كل قوة تعطى لهم . يجب أن تكون عندهم قوة لمقاومة الشر ، قوة لا تقدر الأرض أو الموت أو الجحيم أن تقهرها ، قوة تعينهم على الانتصار كما انتصر المسيا .

إن المسيا يقصد أن نظام السماء وخطة السماء للحكم وانسجام السماء الإلهي يتمثل في كنيسته على الأرض . فبهذه الكيفية يتمجد في وسط شعبه . وعن طريقهم سيشرق شمس البر بنوره الباهر مبددا ظلام العالم . لقد منح المسيا كنيسته تسهيلات كثيرة لكي يحصل من مفدييه اللذين هم ميراثه المقتنى على مجد عظيم . كما منح شعبه إمكانيات وبركات لتمثل كفايته وغنى نعمته ومحبته . إن الكنيسة وقد وهب لها بر المسيا هي مستودعه ، وفيها سيبدو غنى رحمته ونعمته ومحبته في أجمل وأكمل مظهر . إن المسيا ينظر إلى شعبه في طهارتهم وكمالهم على أنهم مكافأته عن اتضاعه وكمال مجده - المسيا المركز العظيم الذي منه يتلألأ كل المجد وبكلمات الرجاء القوية أنهى المخلص تعاليمه . وبعد ذلك سكب عبء نفسه في صلاة لأجل تلاميذه . فرفع عينيه إلى السماء وقال . "أَيُّهَا الآبُ ، قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ . مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضًا ، إِذْ أَعْطَيْتَهُ سُلْطَانًا عَلَى كُلِّ جَسَدٍ لِيُعْطِيَ حَيَاةً أَبَدِيَّةً لِكُلِّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ . وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيهوشوه الْمسيا الَّذِي أَرْسَلْتَهُ" (يوحنا 17: 1- 3) .

لقد أكمل المسيا العمل الذي أعطي له ليعمله وقد مجد يهوه على الأرض وأظهر اسم الآب ، وحشد الذين كان عليهم أن يقوموا بعمله بين الناس . ثم قال: "وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ . وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ ، وَأَمَّا هؤُلاَءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ . أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ ، احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي ، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ" (يوحنا 17: 10، 11), "وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هؤُلاَءِ فَقَطْ ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِمْ ، لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا ... أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ ، وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي ، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي" (يوحنا 17: 20, 21, 23) .

هكذا يستودع المسيا كنيسته المختارة بين ذراعي الآب بلغة من له سلطان إلهي . فكرئيس كهنة مكرس للسيَد يتشفع في شعبه ، وكراع أمن يجمع قطيعه تحت ظل يهوه القدير والملجأ القوي الأمين . وقد بقيت عليه آخر معركة يخوضها ضد الشيطان . وها هو يخرج ليواجه تلك المعركة .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App