2. ليلة في بستان
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

سار المخلص على مهل في صحبة تلاميذه إلى بستان جثسيماني . وكان نور القمر الفضي في ليلة الفصح وقد صار بدرا يضيء في تلك الليلة الصافية . وكانت المدينة التي نصبت في أرجائها خيام الحجاج هادئة ساكنة .

كان يهوشوه يتحدث بكل جد واهتمام مع تلاميذه وهو يعلمهم . ولكنه عندما اقترب من جثسيماني صمت صمتا غريبا . لقد سبق له أن زار هذه البقعة مرارا للتأمل والصلاة . ولكنه لم يكن قط مثقل القلب بالحزن كما كان في هذه الليلة ، ليلة آلامه الأخيرة . إنه مدى سني حياته على الأرض كان يسير في نور حضرة يهوه . وعندما كان يشتبك في صراع مع أناس أشرار بتحريض من روح الشيطان ذاتها أمكنه أن يقول: "وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي ، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي ، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ" (يوحنا 8: 29) . أما الآن فقد بدا وكأنه منفي بعيدا عن نور وجه يهوه المعزي والمعين . ها هو الآن يحصى مع أثمة فعليه أن يحمل آثام الجنس البشري الساقط . فذاك الذي لم يعرف خطية ينبغي أن يوضع عليه إثم جميعنا . إن الخطية تبدو أمامه مخيفة جدا ، وعبء الآثام الذي عليه أن يحمله يبدو ثقيلا وهائلا جدا حتى لقد جُرِّب أن يخشى لئلا ينفيه إلى الأبد بعيدا عن محبة أبيه . وإذ أحس بهول غضب يهوه ضد العصيان قال: "نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ" (مرقس 14: 34) .

غمرات ألم

وإذ اقتربوا من البستان لاحظ التلاميذ التبدل الذي ظهر على معلمهم . لم يسبق لهم أن رأوه في مثل ذلك الحزن وذلك الوجوم . وإذ كان يتقدم في سيره زاد هول تلك الكآبة ، ومع ذلك لم يجسروا أن يسألوه عن سبب حزنه وكآبته . كان يترنح كأنه يوشك أن يسقط . وعند وصولهم إلى البستان بحث التلاميذ بكل جزع عن مكان اعتكافه المعتاد حتى يستريح معلمهم . كل خطوة كان يخطوها الآن كان يبذل فيها جهدا عنيفا . كان يتأوه بصوت عال كأنما يتألم من ضغط حمل ثقيل . ولولا أن تلاميذه سندوه مرتين لسقط على الأرض .

وعند مدخل البستان ترك يهوشوه جميع التلاميذ ما عدا ثلاثة ، وطلب منهم أن يصلوا لأجل أنفسهم ولأجله . دخل إلى ذلك المخبأ المنعزل يصحبه بطرس ويعقوب ويوحنا . لقد كان هؤلاء الثلاثة هم ألصق صحب المسيا . كانوا قد رأوا مجده على جبل التجلي ورأوا موسى وإيليا يتكلمان معه وسمعوا الصوت الآتي من السماء . والآن فها المسيا في صراعه العظيم يطلب منهم أن يكونوا معه . لقد كانوا مرارا كثيرة يقضون الليل معه في هذا المعتكف . وفي تلك الأوقات كانوا بعدما يقضون وقتا في السهر والصلاة ينامون بهدوء على مقربة من معلمهم إلى أن يوقظهم في الصباح ليخرجوا ليستأنفوا عملهم من جديد . أما الآن فهو يطلب منهم أن يقضوا الليلة معه في الصلاة . ومع ذلك فهو لا يحتمل أن يشهد حتى أخصاؤه هؤلاء الآلام التي كان عليه أن يحتملها .

قال يهوشوه لأولئك التلاميذ الثلاثة : "اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي" (متى 26: 38) .

مضى عنهم قليلا ، غير مبتعد ليمكنهم رؤيته وسماعه ، وخر على الأرض . وقد أحس أنه لكونه حمل الخطية فقد انفصل عن أبيه . كانت الهوة واسعة وعميقة ومظلمة جدا فارتجفت روحه أمامها . وينبغي ألا يسخر قوته الإلهية للهرب من تلك الآلام الرهيبة . فكإنسان عليه أن يتحمل قصاص خطية الإنسان ، وكإنسان عليه أن يتحمل غضب يهوه على العصيان .

في صراع مع الشيطان

كان المسيا الآن في موقف يختلف عن كل المواقف التي وقفها من قبل . إن النبي يصف آلامه أجمل وأدق وصف حين يقول: "اِسْتَيْقِظْ يَا سَيْفُ عَلَى رَاعِيَّ ، وَعَلَى رَجُلِ رِفْقَتِي ، يَقُولُ يهوه إله الْجُنُودِ" (زكريا 13: 7) . فكبديل وضامن للإنسان الخاطئ كان لا بد للمسيا أن يتألم تحت عدالة يهوه . وقد رأى عن اختبار ما معنى العدل . كان قبل ذلك شفيعا في الآخرين ، أما الآن فها هو يتوق إلى من يشفع فيه .

وإذ أحس المسيا بأن اتحاده بالآب قد انفصم . كان يخشى لئلا يعجز وهو في طبيعته البشرية عن الصمود في الصراع الذي كان قادما عليه ضد قوات الظلمة . في برية التجربة كان مصير الجنس البشري مستهدفا للخطر . ولكن المسيا انتصر حينئذ . أما الآن فها المجرب قد جاء لكي يشتبك مع يهوشوه في المعركة الأخيرة الحاسمة . وقد ظل يتأهب لهذه المعركة مدى ثلاث سني خدمة المسيا . كان كل شيء مهددا بالخطر بالنسبة إلى الشيطان . فإذا أخفق هنا فقد ضاع أمله في السيادة ، وممالك العالم تصير للمسيا أخيراً ، وهو نفسه سيقهر ويطرح خارجا . أما إذا انغلب المسيا فالأرض تصير مملكة للشيطان وسيصير الجنس البشري تحت سلطانه إلى الأبد . وإذ كانت نتيجة المعركة ماثلة أمام المسيا كانت نفسه ممتلئة بالرعب والذهول بسبب انفصاله عن يهوه . وقد قال له الشيطان إنه إن صار ضامنا للعالم الشرير فقد يصبح انفصاله عن يهوه أبديا وسيكون هو ضمن رعايا مملكة الشيطان ولن يكون واحدا مع يهوه فيما بعد .

وأي نفع يُجتَنى من وراء هذه التضحية ؟ وكم بدت ذنوب الناس وجحودهم أمرا ميؤوسا منه ! وأظهر الشيطان الموقف للفادي في أقسى صورة إذ قال له إن الناس الذين يدعون لأنفسهم حق السيادة على الكل في الامتيازات الزمنية والروحية قد رفضوك ، وهم يطلبون إهلاكك أنت أساس ومركز وختم المواعيد المقدمة لهم كشعب يهوه الخاص . وها واحد من تلاميذك الذي أصغى إلى تعاليمك وكان في طليعة العاملين في أوجه نشاط الكنيسة مزمع أن يسلمك ، وها واحد آخر من أشد أتباعك غيرة سينكرك ، والجميع سيتركونك ويهربون . كان المسيا بكل كيانه ينفر من هذا الفكر ويمقته . فكون أولئك الذين شرع في تخليصهم ، والذين قد أحبهم إلى هذا الحد ينضمون إلى الشيطان في مؤامراته – هذا طعن نفسه في الصميم . لقد كان صراعا رهيبا ، قياسه هو إثم أمته والمشتكين عليه ومسلمه وإثم العالم الذي وضع في الشرير . وقد ضغطت خطايا الناس بكل ثقلها على قلب المسيا ، وكاد شعوره بغضب يهوه على الخطية يسحقه ويقضي عليه .

انظروه وهو يتأمل في فداحة الثمن الذي عليه أن يدفعه لفداء نفس الإنسان . وهو في شدة عذابه يتشبث بالأرض الباردة كأنما يحاول منع نفسه من الابتعاد عن يهوه أكثر . وها ندى الليل الشديد البرودة يسقط على جسمه المنطرح على الأرض ولكنه يلتفت إليه . وها شفتاه الشاحبتان تنفرجان عن هذه الصرخة: "يَا أَبَتَاهُ ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ" ومع ذلك فهو يضيف هذا القول: "وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ" (متى 26: 39) .

إن القلب البشري يشتاق إلى من يعطف عليه في آلامه . وقد أحس المسيا بهذا الشوق في أعماق كيانه . ففي غمرة آلامه النفسية الهائلة أتى إلى تلاميذه برغبة وشوق لعله يسمع بعض عبارات التعزية من أفواه خاصته هؤلاء الذين طالما باركهم وعزاهم وسترهم من هول الحزن والضيق . فذاك الذي كان فمه دائما ينطق في مسامعهم بألفاظ العطف كان الآن يحتمل آلاما فوق طاقة البشر وكان يتوق لأن يعرف أنهم يصلون لأجله ولأجل أنفسهم . كم ظهرت الخطية قاسية في شدة ظلامها وخبثها ! قاسية كانت تجربة ترك الجنس البشري يحصد ثمار إثمه بينما يقف هو بارا أمام يهوه . ولو أمكنه أن يعرف أن تلاميذه يدركون هذا ويقدرونه لكان يتشدد ويتقوى .

التلاميذ وسلطان الكرى

فإذ نهض عن الأرض بجهد مضن سار وهو يتعثر إلى حيث كان قد ترك رفقاءه . ولكنه "وَجَدَهُمْ نِيَامًا" (متى 26: 40) . لو كان قد وجدهم جاثين يصلون لكان استراح ، ولو كانوا قد لجأوا إلى يهوه حتى لا ينهزموا أمام قوات الشيطان لتعزى بإيمانهم الثابت . ولكنهم لم يلتفتوا إلى إنذاره المتكرر القائل لهم: "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا" . في بادئ الأمر اضطربوا إذ رأوا معلمهم الذي كان عادة هادئا وجليلا ، يصارع بحزن لا يدركه العقل . كانوا قد صلوا حين سمعوا الصرخات الشديدة الصادرة من قلب سيدهم المتألم . ولم يكونوا يقصدون أن يتركوا سيدهم ، ولكن سلطان النوم بدا وكأنما قد شل أجسامهم - ذلك السلطان الذي كان يمكنهم أن يطردوه عنهم لو استمروا يجاهدون في الصلاة أمام يهوه . لم يكونوا متحققين من وجوب السهر وتقديم الصلاة الحارة لكي يثبتوا أمام التجربة .

إن يهوشوه قبلما بدأ السير في طريقه إلى البستان كان قد قال لتلاميذه: "كُلَّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ" ولكنهم صرحوا له بكل تأكيد وأقوى تشديد بأنهم مستعدون للذهاب معه إلى السجن وإلى الموت . وقد أضاف بطرس المسكين المكتفي بنفسه قائلا: "وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ !" (مرقس 14: 27, 28) . ولكن التلاميذ اتكلوا على أنفسهم . إنهم لم يلتفتوا إلى معينهم القدير كما قد أوصاهم المسيا . وهكذا في حين كان المخلص في أشد الحاجة إلى عطفهم وصلواتهم وجدهم نياما . حتى بطرس كان نائما .

وحتى يوحنا التلميذ الحبيب الذي كان يتكئ على صدر يهوشوه كان نائما . كان ينبغي أن محبة يوحنا لسيده تجعله يبيت ساهرا وكان يجب عليه أن يمزج صلواته الحارة بصلوات مخلصه الحبيب وهو في أشد حالات الحزن والانسحاق . كان الفادي يقضي ليالي كاملة مصليا لأجل تلاميذه حتى لا يفنى إيمانهم . فلو قدم يهوشوه ليعقوب ويوحنا السؤال الذي سبق أن قدمه لهما قائلا: "أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا ، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا؟" لما تجرآ على أن يقولا: "نَسْتَطِيعُ" (متى 20: 22) .

استيقظ التلاميذ على صوت يهوشوه ولكنهم كادوا لا يعرفونه . كان وجهه قد تغير بسبب آلامه المبرحة . ثم قال مخاطبا بطرس: "يَا سِمْعَانُ ، أَنْتَ نَائِمٌ ! أَمَا قَدَرْتَ أَنْ تَسْهَرَ سَاعَةً وَاحِدَةً ؟ اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ . أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ ، وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ" (مرقس 14: 37, 38) . إن ضعف التلاميذ أثار عطف يهوشوه عليهم . لقد بات يخشى أنهم لن يكونوا قادرين على احتمال الامتحان القادم عليهم عندما يسلم للموت . إنه لم يوبخهم بل قال لهم : "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ" . إنه وهو في شدة آلامه عذرهم بسبب ضعفهم قائلا: "أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ ، وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ" .

مثل قصبة مرضوضة محنية

ومرة أخرى حل بابن يهوه ألم فوق طاقة البشر . فإذ كان خائرا ومنهوكا سار متعثرا إلى مكان صراعه الأول . بل قد زادت آلامه عما كانت . فإذ هجمت عليه الآلام النفسية وكان في جهاد شديد "صَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ" (لوقا 22: 44). إن أشجار السرو والنخل كانت هي الشهود الصامتة لآلامه وعذاباته . ومن بين أغصانها وأوراقها سقطت بعض قطرات الندى الثقيلة على جسمه المحطم ، كما لو أن الطبيعة كانت تبكي على خالقها الذي كان صارع قوات الظلمة وحده .

قبل ذلك بقليل وقف يهوشوه كشجرة أرز قوية لا تتزعزع أمام عواصف المقاومة التي هاجمته بكل قوتها وهياجها . لقد حاول الناس ذوو الإرادة العنيدة والقلوب المفعمة بالمكر والدهاء أن يربكوه أو يقهروه ولكن محاولاتهم باءت بالفشل . فوقف بجلاله الإلهي بوصفه ابن يهوه أما الآن فكان يشبه قصبة مرضوضة قد التوت أمام عاصفة هوجاء . لقد اقترب من ختام عمله منتصرا ، وفي كل خطوة كان يحرز انتصارا على قوات الظلام . وكمن قد تمجد فعلا قال إنه واحد مع يهوه . وبكلام ثابت لا أثر فيه للتردد أو التلعثم تغنى بأغاني الحمد . وكان يحدث تلاميذه بكل شجاعة ورقة . أما الآن فقد أتت ساعة سلطان الظلمة ، الآن يسمع صوته في سكون الليل وليست فيه نغمة انتصار بل كان مفعما بالآلام البشرية . وقد سمعت آذان التلاميذ الناعسين كلام المخلص حين قال: "يَا أَبَتَاهُ ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ" (متى 26: 42) .

كان أول خاطر خطر للتلاميذ هو أن يذهبوا إلى سيدهم ، ولكنه كان قد أمرهم أن يلبثوا في مكانهم ساهرين ومصلين . وعندما جاء إليهم يهوشوه وجدهم لا يزالون يغطون في نومهم . ومرة أخرى أحس الفادي بحاجته إلى صحبة الأصدقاء ، وإلى بعض كلمات يقولها له تلاميذه فتجلب إليه الراحة وتقشع عن نفسه غياهب الظلمة التي كانت تكتنفه وكادت تنتصر عليه . ولكن أعينهم كانت ثقيلة: "فَلَمْ يَعْلَمُوا بِمَاذَا يُجِيبُونَهُ" (مرقس 14: 40) . ثم أيقظهم حضوره فرأوا وجهه وإذا عليه آثار العرق الدموي من أثر العذاب والجهاد فامتلأوا خوفا ، ولم يستطيعوا أن يسبروا غور آلامه النفسية . "كَانَ مَنْظَرُهُ كَذَا مُفْسَدًا أَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ ، وَصُورَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي آدَمَ" (إشعياء 52: 14) .

لحظة القرار

وإذ تركهم يهوشوه مضى مرة أخرى إلى معتكفه وخر على وجهه إذ طغي على نفسه رعب ظلمة عظيمة . لقد ارتعبت بشرية ابن يهوه في تلك الساعة الحرجة . إنه لم يصل الآن لأجل تلاميذه لكي لا يفنى إيمانهم بل كان يصلي لأجل نفسه المجربة المعذبة ، إذ أتت اللحظة المخيفة التي كانت ستقرر مصير العالم . كان مصير العالم يتأرجح في كفة الميزان . كان يمكن المسيا حتى الآن أن يرفض شرب الكأس التي كان يجب أن يشربها الإنسان الأثيم . لم يكن قد مضى الوقت بعد ، فيمكنه أن يمسح عن جبينه ذلك العرق الدموي تاركا الإنسان يهلك في إثمه . كان يمكنه أن يقول : ليقع على الإنسان العاصي قصاص خطيته وعصيانه ، أما أنا فسأعود إلى أبي . فهل سيشرب ابن يهوه كأس الهوان والعذاب المريرة ؟ وهل سيتحمل البار عواقب لعنة الخطية ويخلص المذنب ؟ ثم نطقت شفتا يهوشوه الشاحبتان المرتعشتان بهذا القول: "يَا أَبَتَاهُ ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا ، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ" .

نطق بتلك الصلاة ثلاث مرات ، وثلاث مرات ارتجفت بشريته وانكمشت أمام التضحية الآخرة العظمى . أما الآن فها تاريخ الجنس البشري يمر أمام فادي العالم . وقد رأى أن المعتدين على الشريعة لو تركوا لذواتهم فلا بد من هلاكهم ، وهو يرى عجز الإنسان ، ويرى قوة الخطية ، وها هو يسمع عويل ومراثي العالم المحكوم عليه بالهلاك . وإذ يرى مصير العالم المحتوم يعقد إذ ذاك عزمه . فهو سيخلص الإنسان مهما كلفه ذلك . إنه يقبل صبغة الدم حتى بواسطته ينال ملايين الهالكين الحياة الأبدية . لقد ترك عرش السماء حيث الطهارة والسعادة والمجد ليخلص الخروف الواحد الضال ، العالم الواحد الذي سقط بسبب العصيان . ولن يتراجع عن أداء مهمته وسيصير كفارة عن الجنس الذي أصر على ارتكاب الخطية . وها هي صلاته لا تنم عن شيء سوى التسليم ، إذ يقول : "إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا ، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ" .

فلما كان قد عقد العزم على ذلك انطرح كالمائت على الأرض بعدما كان قد نهض عنها قليلا . فأين كان التلاميذ الآن ليسندوا رأس معلمهم المعيى بأيديهم الرقيقة ، ويغسلوا ذلك الجبين الذي كان حقا مشوها أكثر من بنى آدم ؟ لقد داس المخلص المعصرة وحده ومن الشعوب لم يكن معه أحد .

ولكن يهوه تألم مع ابنه . لقد رأى الملائكة آلام المخلص . رأوا سيدهم محاطا بفيالق من قوات الشيطان ، وقد ناءت طبيعته مرتجفة تحت وطأة رعب غامض ، فحدث سكوت في السماء ولم تسمع ألحان موسيقية . فلو أمكن لبني الإنسان أن يروا ذهول أجناد السماء ، عندما رأوا بحزن الآب يحجز أشعة نور محبته ومجده عن ابنه الحبيب لأمكنهم أن يدركوا إدراكا أعمق حقيقة كون الخطية خبيثة ومكدرة في نظر يهوه .

الكون بأسره يراقبه

لقد راقب سكان العوالم الأخرى غير الساقطين وملائكة السماء بأعظم اهتمام ذلك الصراع وهو يقترب من نهايته . ثم إن الشيطان وحلفاءه الأشرار وجيوش الارتداد راقبوا بكل انتباه هذه الأزمة العظيمة في عمل الفداء . إن كلا من قوات الخير وقوات الشر انتظرت لترى ماذا ستكون إجابة السماء على طلبة المسيا التي قدمها ثلاث مرات . كان الملائكة يتوقون لتقديم الغوث والنجدة لذلك المتألم الإلهي . ولكن ما كان ذلك ليتاح لهم . ولم يكن هنالك طريق للنجاة مفتوحا أمام ابن يهوه . ففي هذه الأزمة المخيفة عندما كان كل شئ مهددا بالخطر ، وعندما كانت يد ذلك المتألم ترتعش وهى تمسك بتلك الكأس انفتحت السماء وأشرق نور في وسط تلك الظلمة الثائرة وساعة الأزمة الخانقة ونزل الملاك القوي الواقف في حضرة يهوه والذي يشغل المركز الذي سقط منه الشيطان ووقف إلى جوار المسيا . أتى الملاك لا ليأخذ الكأس من يد المسيا بل ليقويه على شربها مؤكدا له محبة الآب . لقد أتى ليمنح القوة لذلك الإله المتأنس المصلي . وقد وجه نظره إلى السماء المفتوحة وأخبره عن النفوس التي ستخلص نتيجة آلامه ، وأكد له أن أباه أعظم وأقوى من الشيطان ، وأن موته ستكون نتيجته الهزيمة النهائية الماحقة للشيطان ، وأن مملكة هذا العالم ستعطى لقديسي العلي . وقال له إنه سيرى من تعب نفسه ويشبع لأنه سيرى جماهير من الجنس البشري وقد خلصت خلاصا أبديا .

لم تنته آلام المسيا ولكن غمه ومفشلاته زايلته ، ولم تخف وطأة العاصفة بأي حال ، ولكن ذاك الذي هبت عليه تقوَّى لمواجهتها في شدة عنفها . فخرج هادئا وساكنا وأضاء وجهه الملطخ بالدم بنور سلام سماوي . لقد حمل ما لم يكن في استطاعة أي مخلوق بشري حمله بأي حال لأنه احتمل آلام الموت لأجل كل إنسان .

استيقظ التلاميذ النائمون فجأة إذ اشرق عليهم النور المحيط بالمخلص . فرأوا الملاك المنحني فوق معلمهم المنطرح على الأرض ورأوه وهو يرفع رأس المخلص إلى حضنه ويشير إلى السماء ، وسمعوا صوته كأعذب صوت موسيقي وهو ينطق بكلام العزاء والرجاء . وقد ذكر التلاميذ المنظر الذي كانوا قد رأوه فوق جبل التجلي ، وذكروا أيضاً النور الذي أحاط بيهوشوه حين كان في الهيكل والصوت الذي جاء من السحابة . والآن ها هو نفس ذلك المجد يعلن ثانية فما عادوا يخشون على معلمهم . لقد كان تحت رعاية يهوه إذ أرسل إليه ملاك قوي ليحرسه . ومرة أخرى يستسلم التلاميذ في إعيائهم لذلك النعاس الغريب الذي غلبهم على أمرهم ، وها يهوشوه يراهم نياما مرة أخرى .

الرعاع يقبضون عليه

فإذ ينظر إليهم بحزن يقول: "نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا ! هُوَذَا السَّاعَةُ قَدِ اقْتَرَبَتْ ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ" (متى 26: 45) .

وفيما هو ينطق بهذه الكلمات سمع وقع أقدام الرعاع القادمين للبحث عنه . فقال لتلاميذه: "قُومُوا نَنْطَلِقْ ! هُوَذَا الَّذِي يُسَلِّمُنِي قَدِ اقْتَرَبَ !" (متى 26: 46) .

وإذ تقدم يهوشوه لمواجهة مسلمه لم يبق أي أثر ظاهر فيه للعذابات التي كان يقاسيها آنئذ . وإذ وقف في مقدمة تلاميذه سأل تلك الجموع قائلا: "مَنْ تَطْلُبُونَ؟" أجابوه: "يهوشوه النَّاصِرِيَّ" . قال لهم يهوشوه: "أَنَا هُوَ" (يوحنا 4:18, 5) . فبعدما نطق يهوشوه بهذه الكلمات تقدم الملاك الذي كان قد خدم الفادي مؤخرا وتوسط بينه وبين أولئك الرعاع وقد أشرق وجه المخلص بنور سماوي وظلله شبه حمامة . فأمام هذا المجد الإلهي لم يستطع أولئك القوم المتعطشون لسفك الدماء أن يقفوا لحظة واحدة بل صعقوا وتراجعوا ، وسقط الكهنة والشيوخ والعسكر وحتى يهوذا ، على الأرض كالموتى .

بعد ذلك انسحب الملاك وانسحب معه النور . كانت لدى يهوشوه فرصة فيها يهرب ، ولكنه بقي في مكانه هادئا ورابط الجأش . وكمن هو ممجد وقف في وسط أولئك الناس القساة . وكانوا في هذه المرة منطرحين عاجزين عند قدميه . وكان التلاميذ يشخصون وقد عقدت الدهشة والخوف ألسنتهم .

ولكن سرعان ما تبدل المشهد ، فقد وقف أولئك الرعاع على أقدامهم واجتمع على يهوشوه عساكر الرومان والكهنة ويهوذا ، وبدوا في خجل من ضعفهم وفي خشية من أن يهرب المسيا بعد كل ذلك . ومرة أخرى يسألهم قائلا: "مَنْ تَطْلُبُونَ؟" . لقد تبرهن لهم أن الشخص الواقف أمامهم هو ابن يهوه ولكنهم لم يقتنعوا ، وقد أجابوه على سؤاله "مَنْ تَطْلُبُونَ ؟" بقولهم: "يهوشوه النَّاصِرِيَّ" . فقال لهم يهوشوه: "قَدْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا هُوَ . فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ" ، (مشيراً إلى التلاميذ) - (يوحنا 18: 7, 8) . لقد عرف مقدار ضعف إيمان التلاميذ ، ولذلك حاول أن يحميهم من التجارب والمصاعب لأنه لأجلهم كان مستعدا أن يبذل نفسه .

قبلة الخيانة

لم ينس يهوذا الخائن الدور الذي كان عليه أن يمثله . فعندما دخل أولئك الرعاع إلى البستان سار هو في الطليعة وكان رئيس الكهنة يتبعه عن قرب . وقد أعطى يهوذا علامة لمطاردي يهوشوه قائلا: "الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ . أَمْسِكُوهُ" (متى 26: 48) . والآن ها هو يتظاهر بأن لا شأن له بهم . وإذ يدنو من يهوشوه يمسك بيده كما لو كان صديقا حميما . ثم يحييه قائلا: "السَّلاَمُ يَا سَيِّدِي !" (متى 49:26) . ويقبله مرارا ويتصنع البكاء كما لو كان يعطف عليه في خطره .

فقال له يهوشوه: "يَا صَاحِبُ ، لِمَاذَا جِئْتَ ؟" ثم ارتجف صوته بالحزن إذ أضاف قائلا: "أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟" (متى 26: 50؛ لوقا 22: 48) . كان ينبغي أن هذا القول يحرك ضمير الخائن ويلمس قلبه العنيد . ولكن الشرف والولاء والرقة الإنسانية كانت قد تركته فوقف جريئا متحديا ، ولم يبد عليه أي ميل للتوبة ، فقد أسلم نفسه للشيطان وعجز عن مقاومته ، ولم يرفض يهوشوه قبلة الخائن .

زادت جرأة أولئك الرعاع عندما رأوا يهوذا يلمس شخص ذاك الذي رأوه ممجدا منذ لحظات . وها هم الآن يلقون الأيدي على يهوشوه ، ثم يتقدمون ليوثقوا تينك اليدين الغاليتين اللتين كانتا تعملان الخير دائما .

الأذن المقطوعة

كان التلاميذ يظنون أن معلمهم لن يسمح بأن يقبض عليه ، لأن نفس القوة التي جعلت أولئك الرعاع يسقطون كالموتى تستطيع أن تجعلهم عاجزين عن عمل شيء حتى يتمكن يهوشوه ورفاقه من الهرب . ولكن أملهم خاب فغضبوا عندما رأوا الأعداء يوثقون بالحبال ذاك الذي كانوا يحبونه . حينئذ ثار غضب بطرس ، وفي تهوره استل سيفه محاولا أن يدافع عن معلمه ، ولكنه فقط قطع أذن عبد رئيس الكهنة . وعندما رأى يهوشوه ما حدث حل وثاق يديه وأن يكن ممسكا بكل قوة بين أيدي عسكر الرومان ، و قال: "دَعُوا إِلَى هذَا !" ، ثم لمس الأذن المقطوعة وأبرأها في الحال ( لوقا 22: 51) . ثم قال لبطرس: "رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ . لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ ! أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِــي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ ؟" - أي جيشا بدلا من كل تلميذ من تلاميذه . فكان التلاميذ يفكرون قائلين: آه لماذا لا يخلص نفسه ويخلصنا ؟ فجوابا على الفكر الذي جال في خواطرهم ولم يصرحوا به أضاف قائلا: "فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ؟" "الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أشْرَبُهَا ؟" (متى 26: 52- 54؛ يوحنا 18: 11) .

إن العظمة التي كان يتصنعها رؤساء اليهود لم تجعلهم يترفعون عن الاشتراك مع الرعاع في مطاردة يهوشوه . لقد كان القبض عليه أمرا أهم من أن يوكلوه إلى اتباعهم . فقد سار الكهنة والشيوخ الماكرون مع جند الهيكل والأوباش وراء يهوذا إلى جثسيماني . يا لها من صحبة تليق بأولئك الرؤساء للسير معهم - جماعة من الرعاع المشتاقين إلى أي شيء مثير ومسلحين بكل أنواع الأسلحة كأنما يطاردون وحشا ضاريا !

إذ التفت المسيا إلى الكهنة والشيوخ ثبت عليهم نظرته الفاحصة . والكلام الذي وجهه إليهم حينئذ لم ينسوه مدى الحياة فلقد كان كالسهام المسنونة مصوبة إلى قلوبهم من يدي يهوه القدير . فبكل جلال وعظمة قال لهم: لقد خرجتم علي بسيوف وعصي كما لو كنت سارقا أو لصا . لقد كنت أجلس كل يوم في الهيكل أعلم . وكانت لديكم فرص كثيرة سانحة لتلقوا علي الأيادي ولكنكم لم تفعلوا شيئا . إن الليل هو أصلح وقت للقيام بعملكم . "هذِهِ سَاعَتُكُمْ وَسُلْطَانُ الظُّلْمَةِ" (لوقا 22: 53) .

حينئذ ارتعب التلاميذ عندما رأوا يهوشوه يسمح لنفسه بأن يقبضوا عليه ويوثقوه ، وقد آلمهم وأسخطهم كونه سمح بوقوع هذا الإذلال والهوان على نفسه وعليهم . ولم يفهموا كيف يعللون عن تصرفه هذا ، ولاموه لأنه سلم نفسه لأولئك الرعاع . ففي سخطهم وخوفهم اقترح بطرس أن ينقذوا أنفسهم . فتنفيذاً لهذا الاقتراح "تَرَكَهُ الْجَمِيعُ وَهَرَبُوا" (مرقس 14: 50) . ولكن المسيا كان قد سبق فأنبأ بهذا الهجران إذ قال: "هُوَذَا تَأْتِي سَاعَةٌ ، وَقَدْ أَتَتِ الآنَ ، تَتَفَرَّقُونَ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى خَاصَّتِهِ ، وَتَتْرُكُونَنِي وَحْدِي . وَأَنَا لَسْتُ وَحْدِي لأَنَّ الآبَ مَعِي" (يوحنا 16: 32) .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App