3. محاكمة في الليل
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

ساروا في طريقهم مخترقين وادي قدرون وعبروا البساتين وحدائق الزيتون وهم يدفعون يهوشوه أمامهم ويستحثونه ليسرع في سيره في الشوارع الساكنة في تلك المدينة الهاجعة . كان الوقت بعد منتصف الليل ، ولكن صرخات الاستهزاء الخارجة من أفواه أولئك الرعاع شوشت ذلك السكون الشامل . وقد أوثق المخلص وفرضت عليه حراسة شديدة وكان يسير بكل صعوبة ، ولكن القابضين عليه أسرعوا به في شغف إلى قصر حنان رئيس الكهنة السابق .

كان حنان هذا رئيس أسرة الكهنوت القائمة بالخدمة ، فاحتراما لشيخوخته كان الشعب يعتبرونه كرئيس كهنة . وكانوا يلتمسون منه المشورة وينفذونها كما لو كانت صوت يهوه . فينبغي أن يكون هو أول من يرى يهوشوه أسيرا تحت سلطان الكهنة . وينبغي أن يكون حاضرا عند محاكمة هذا الأسير لئلا يخفق قيافا غير المحنك في تحقيق الغاية التي لأجلها ظلوا يعملون ويتآمرون طويلا ، فينبغي الانتفاع بحيلته ومكره ودهائه في هذه الفرصة ، لأنه مهما تكن الظروف فلا بد من إدانة المسيا .

كان المسيا سيحاكم رسميا أمام السنهدريم ، ولكن كان لا بد من أن يحاكم محاكمة تمهيدية أمام حنان . ولم يكن في سلطان السنهدريم أن ينفذ الحكم بإعدام أحد ما دامت الأمة خاضعة لحكم الرومان . وكل ما كانوا يستطيعون عمله هو أن يفحصوا الأسير ويحكموا عليه . ثم ينتظرون مصادقة السلطات الرومانية عليه . لذلك كان من اللازم توجيه تهم إلى المسيا يعتبرها الرومان جرائم . كذلك يجب البحث عن تهمة توجه إلى يهوشوه تكون كافية لإدانته في نظر اليهود . إن عددا غير قليل من الكهنة والرؤساء تأثروا من تعاليم المسيا ، إلا أن خوفهم من الحرم (القطع) منعهم من الاعتراف به . وقد تذكر الكهنة جيدا سؤال نيقوديموس حين قال: "أَلَعَلَّ نَامُوسَنَا يَدِينُ إِنْسَانًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَوَّلاً وَيَعْرِفْ مَاذَا فَعَلَ؟" (يوحنا 7: 51) . كان هذا السؤال حاسما في فض المجلس وإحباط تلك المؤامرات آنئذ . ولم يدع يوسف الرامي ولا نيقوديموس لحضور محاكمة يهوشوه في هذه المرة . ومع ذلك كان يوجد آخرون عندهم الجرأة في الكلام لإقرار العدالة . وكان ينبغي السير في المحاكمة بحيث يتألب كل أعضاء السنهدريم ضد يهوشوه . كانت هنالك تهمتان أراد الكهنة تثبيتهما . فلو أمكنهم أن يثبتوا على يهوشوه تهمة التجديف فسيدينه اليهود . فإن أمكن إثبات تهمة كونه يروج العصيان ويبث روح التمرد فسيدينه الرومان . وقد حاول حنان أن يثبت التهمة الثانية على يهوشوه أولا فسأله عن تلاميذه وعن تعليمه على أمل أن يصرح أسيره بما يمكن أن يعتبر تهمة ضده فيتخذه رئيس الكهنة ذريعة ضده لاتهامه . حاول أن يستدرجه لعله ينطق بتصريح يبرهن على أنه كان يحاول تكوين جمعية سرية يهدف من ورائها إلى إقامة مملكة جديدة . وفي هذه الحالة كان الكهنة يسلمونه إلى أيدي الرومان كمن يعكر السلام ويخلق الثورات .

"اِسْأَلِ الَّذِينَ قَدْ سَمِعُوا"

عرف المسيا نوايا رئيس الكهنة كما لو كانت كتابا مفتوحا أمامه . وكأنما كان يعرف دخيلة نفس مستجوبه فنفى أن يكون قد ألف مع تابعيه أية جمعية سرية ، أو أنه جمعهم في الخفاء تحت ستار الظلام ليخفي نواياه عن الناس . فليس لديه سر يخفيه فيما يختص بمقاصده أو تعاليمه فأجاب قائلا: "أَنَا كَلَّمْتُ الْعَالَمَ عَلاَنِيَةً . أَنَا عَلَّمْتُ كُلَّ حِينٍ فِي الْمَجْمَعِ وَفِي الْهَيْكَلِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْيَهُودُ دَائِمًا . وَفِي الْخَفَاءِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ" (يوحنا 18: 20) .

قارن المخلص بين طريقته في العمل ووسائل المشتكين ضده ، فقد ظلوا يتصيدونه شهورا محاولين أن يمسكوه ليحاكموه محاكمة سرية حتى يمكنهم عن طريق الاستعانة بشهود الزور أن يحصلوا على ما لم يستطيعوا الحصول عليه بالالتجاء إلى العدالة . وها هم الآن ينفذون أغراضهم . لقد كانت وسيلتهم هي الالتجاء إلى الرعاع ليقبضوا عليه في نصف الليل ، والهزء والسخرية به قبل إدانته ، بل حتى قبل تقديم الشكوى ضده ، ولكنها لم تكن وسيلته . لقد كان عملهم انتهاكا لحرمة القانون إذ أعلنت قوانينهم نفسها أن كل متهم ينبغي أن يعامل على إنه بريء إلى أن تثبت إدانته . إن نفس قوانينهم أدانت الكهنة .

ثم التفت يهوشوه إلى سائله وقال: "لِمَاذَا تَسْأَلُنِي أَنَا؟" ألم يرسل الكهنة والرؤساء جواسيس لمراقبة حركاته وإبلاغهم كل ما قاله ؟ ألم يكن هؤلاء الجواسيس حاضرين في كل اجتماع للشعب ونقلوا للكهنة خبرا عن كل أقواله وأعماله ؟ ثم قال له يهوشوه: "اِسْأَلِ الَّذِينَ قَدْ سَمِعُوا مَاذَا كَلَّمْتُهُمْ . هُوَذَا هؤُلاَءِ يَعْرِفُونَ مَاذَا قُلْتُ أَنَا" (يوحنا 18: 21) .

وقد أبكم حنان لأن جواب المسيا كان حاسما . وخيفة أن يقول المسيا شيئا عن أعمال حنان وتصرفاته التي كان يفضل بقاءها طي الكتمان لم يقل للمسيا شيئا آخر في ذلك الحين . فثار أحد ضباط حنان واحتدم غيظه عندما رأى سيده وقد ارتج عليه باب الكلام فلطم يهوشوه على وجهه قائلا له: "أَهكَذَا تُجَاوِبُ رَئِيسَ الْكَهَنَةِ؟" (يوحنا 18: 22) .

فأجابه يهوشوه قائلا له بكل هدوء: "إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ ، وَإِنْ حَسَنًا فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟" (يوحنا 18: 22, 23) . إنه لم ينطق بكلام الانتقام الناري . إن طريقته الهادئة في الكلام والتصرف نبعت من قلب طاهر صبور ورقيق لا يمكن استفزازه .

منع العون السماوي

تألم المسيا آلاما قاسية من الشتائم والإهانات التي انهالت عليه . لقد لاقى كل إهانة من الخلائق التي قد خلقها والتي لأجلها أقدم على تلك التضحية الهائلة إذ قدم نفسه ذبيحة لأجلهم . تألم بنسبة كمال قداسته وبغضه للخطية . ومحاكمته التي جرت على أيدي أولئك الناس الذين كانوا يمثلون دور الشياطين كانت بالنسبة إليه تضحية دائمة . وكونه محاطا بتلك الخلائق التي كانت تحت سيطرة الشيطان كان منفرا له . عرف أنه كان يستطيع في لحظة أن يطرح معذبيه القساة أولئك في الرماد بإظهار قدرته الإلهية . وقد زاد هذا من قسوة تلك المحاكمة .

كان اليهود ينتظرون ظهور مسيا في أبهة ظاهرة . كانوا ينتظرون أنه بومضة من إرادته القاهرة سيغير مجرى تفكير الناس ويرغمهم على الاعتراف بسيادته . وهكذا اعتقدوا أنه بهذه الكيفية سيظفر بالمجد لذاته ويحقق لهم مطامعهم وآمالهم . فلما عومل المسيا بمنتهى الاحتقار جاءته تجربة شديدة ليعلن صفته الإلهية . لقد كان يستطيع بكلمة أو نظرة إرغام ظالميه ومضطهديه على الاعتراف به سيداً فوق كل الملوك والرؤساء والكهنة والهيكل . ولكنها كانت مهمته الصعبة أن يظل في مركزه الذي قد اختاره كواحد مع البشر .

رأى ملائكة السماء كل حركة اتخذت ضد قائدهم المحبوب ، وكانوا يتوقون لإنقاذ المسيا . إن الملائكة هم على أعظم جانب من القدرة في تنفيذهم مقاصد يهوه ، ففي مرة قتلوا من جيش أشور في ليلة واحدة 185 ألفا امتثالا لأمر المسيا . فكم بالأولى يستطيع الملائكة بكل سهولة وهم ينظرون ذلك المشهد المهين مشهد محاكمة المسيا أن يظهروا غضبهم بكونهم يحرقون بالنار أعداء يهوه ! ولكن لم يؤمروا بذلك . فذاك الذي كان يستطيع أن يقضي على أعدائه بالموت احتمل قسوتهم . إن محبته لأبيه والعهد الذي أخذه على نفسه منذ تأسيس العالم بأن يصير حامل الخطايا ، كل ذلك جعله يحتمل بدون تذمر المعاملة القاسية من أولئك الذين قد أتى ليخلصهم . كان من ضمن رسالته أن يحمل في جسد بشريته كل تعيير وإهانة يصبها الناس عليه . وكان رجاء الإنسانية الوحيد هو في تسليم المسيا لكل ما كان يمكنه احتماله من أيدي الناس وقلوبهم .

يفتشون عن تهمة

لم يقل المسيا شيئا يمكن أن يتخذه المشتكون ذريعة ضده ، ومع ذلك فقد كان موثقا للدلالة على كونه مداناً . ومع ذلك فلا بد لهم من أن يتظاهروا بأنهم ملتزمون جانب العدل . كان من الضروري أن يكون هنالك شكل المحاكمة القانونية ، وهذا ما حرصت السلطات على الإسراع لعمله . لقد عرفوا الاعتبار العظيم الذي يكنه الشعب ليهوشوه فكان أولئك الرؤساء يخشون لئلا إذا ذاع خبر القبض عليه فالشعب سيحاولون إنقاذه . ثم إذا لم يسرعوا في المحاكمة وتنفيذ الحكم فسيلتزمون أن يؤجلوا إجراءاتهم أسبوعا كاملا بسبب الاحتفاء بعيد الفصح . وقد يكون من أثر ذلك إحباط كل خططهم ومؤامراتهم . فلكي يتمكنوا من إدانة يهوشوه لجأوا إلى الشغب الذي تمكن أن يصطنعه الرعاع ، وكان كثيرون منهم من سوقة أورشليم . فلو تأخروا أسبوعا فستخف وطأة الضجة بالطبع ومن المرجح أن يكون لذلك كله رد فعل . أما أفاضل الشعب فسينضمون إلى جانب المسيا ، وسيتقدم كثيرون ليشهدوا على براءته إذ يذيعون أخبار الآيات والقوات التي قد صنعها . وقد يكون هذا سببا في إثارة سخط وغضب عامين على رجال السنهدريم . وسيوجه إليهم اللوم على إجراءاتهم ويطلق سراح يهوشوه ليتقبل ولاء الجموع من جديد . ولذلك عقد الكهنة والرؤساء العزم على تسليم يهوشوه إلى أيدي الرومان قبلما تنكشف نواياهم .

لكن كان عليهم قبل كل شيء تلفيق تهمة ضد المسيا . إنهم لم يحققوا مأربا بعد . لقد أمر حنان بأن يؤخذ يهوشوه إلى قيافا . وكان هذا أحد رجال حزب الصدوقيين الذين غدا بعض منهم الآن أشد أعداء المسيا تهوراً . وقيافا نفسه وإن يكن ينقصه الشيء الكثير من قوة الخلق كان شبيها كل الشبه بحنان في قسوته وظلمه واستهتاره ، وهو سيبذل قصارى جهده لإهلاك يهوشوه . كان ذلك في بكور الصباح والظلام ما زال حالكا جداً ، وعلى نور المشاعل والمصابيح سارت فرقة الجنود المسلحين بأسيرهم إلى قصر رئيس الكهنة . وإذ كان رجال السنهدريم في طريقهم إلى هذا القصر عاد حنان وقيافا يستجوبان يهوشوه ولكن في غير طائل .

يقف هادئا وسط هياج العاصفة

فلما اجتمع المجلس في دار القضاء جلس قيافا على كرسي الرئاسة وجلس على كلا الجانبين القضاة ومن كانوا مهتمين بالمحاكمة اهتماما خاصا . وقد أوقف الجنود الرومان فوق المنصة تحت العرش وعند أسفل العرش وقف يهوشوه الذي اتجهت إليه أنظار الجمع كله . وهنا بلغ الاهتياج أشده . لم يكن بين كل ذلك الجمع أحد هادئا ورصينا غير يهوشوه . وقد بدا وكأن كل الجو المحيط به مشمول بتأثير مقدس .

كان قيافا يعتبر يهوشوه منافسا له . إن تلهف الشعب على سماع أقوال المخلص واستعدادهم الظاهر لقبول تعاليمه أثار الغيرة المرة في قلب رئيس الكهنة . ولكن إذ نظر قيافا إلى أسيره امتلأت نفسه إعجابا به عندما رأى منظره النبيل ومقامه الجليل . وقد راود قلبه اقتناع بأن هذا الإنسان لابد أن يكون مماثلا ليهوه . ولكنه سرعان ما طرد عنه ذلك الفكر بكل ازدراء . وفي الحال سمع صوته ينطق بألفاظ السخرية والعجرفة وهو يأمر يهوشوه بأن يصنع أمامهم أعجوبة واحدة . لكن كلامه لم يحرك للمخلص ساكنا وكأنه لم يسمع شيئا . وقد قارن الشعب بين التصرف المهتاج الخبيث الذي بدا من كل من حنان وقيافا وبين تصرف يهوشوه الملكي الهادئ ، فثار حتى في قلوب أقسى ذلك الجمع صلابة هذا السؤال : هل يمكن أن هذا الإنسان ذا المنظر الإلهي يدان كمجرم ؟

وإذ لاحظ قيافا تأثير يهوشوه على الناس أسرع في إجراءات المحاكمة . فوقع أعداء يهوشوه في حيرة وارتباك عظيمين . كانوا مصممين على إدانته ولكنهم لم يكونوا يعلمون كيف يحققون غرضهم . كان أعضاء المجلس بعضهم من الفريسيين والبعض من الصدوقيين وكان بين ذينك الحزبين عداء مرير ومنازعات لا تنتهي . ولم يجرؤوا على المجادلة في الأمور التي هي مثار النزاع خشية وقوع مشاجرة بينهم . فلو نطق يهوشوه بكلمات قليلة لثار تعصب الفريقين ضد بعضهم البعض وبذلك كان يحول غضبهم بعيدا عنه . عرف قيافا هذا فأراد أن يتحاشى إثارة أية خصومة . كان يوجد شهود كثيرون مستعدين لأن يثبتوا أن المسيا قد شهر بالكهنة والكتبة وأنه دعاهم مرائين وقتلة ، ولكن هذه الشهادة لم يكن من اللائق تقديمها . فالصدوقيون في منازعاتهم الشديدة مع الفريسيين كالوا لهم نفس تلك التهم . ومثل هذه التهم لا يقام لها وزن في نظر الرومان الذين كانوا هم أنفسهم مشمئزين من ادعاءات الفريسيين . ولكن كان هناك دليل كاف على أن يهوشوه أبدى استخفافه بتقاليد اليهود ، وبكل جرأة ذم الكثير من طقوسهم . أما فيما يختص بالتقاليد فكان بين الفريسيين والصدوقيين عداوة ومنازعات لا تنتهي . كما أن هذا الدليل لم يعره الرومان أي اهتمام . ولم يجسر أعداء المسيا على اتهامه بنقض السبت لئلا ينتهي الاستجواب إلى الكشف عن طبيعة عمله . فلو كشفت معجزات الشفاء التي أجراها المخلص للنور لكان في ذلك هزيمة ماحقة لغرض الكهنة ذاته .

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس يوم السبت الحالي (Saturday).  يجب أيضاً الأخذ في الاعتبار أنّ السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الغريغوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائماً في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر قمري، الأمر الذي لا يستطيع أن ينجزه أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.

المشتكون يقعون في ورطة

وقد قدمت رشوة لشهود الزور ليشهدوا كذبا على يهوشوه بأنه يثير التمرد والعصيان ويحاول إقامة حكومة منفصلة ، ولكن اتضح أن شهادتهم غامضة ومتناقضة . وبعد الفحص كذب أولئك الشهود ما قد قرروه .

كان المسيا في بدء خدمته قد قال: "انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ" ففي هذه النبوة المجازية أنبأ المسيا بموته وقيامته ، "وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ" (يوحنا 2: 19, 21) . وقد فهم اليهود هذا القول فهما حرفياً على أنه يشير إلى هيكل أورشليم . فبين كل أقوال المسيا لم يجد الكهنة ما يؤاخذونه عليه غير هذا . فبتحريفهم لمعنى هذا الكلام كانوا يؤملون أنهم سيظفرون بمرادهم . لقد اشتغل الرومان في بناء الهيكل وزخرفته وكانوا يفخرون به جدا ، فأي احتقار يوجه إلى الهيكل كـأن كفيلا بأن يثير غضبهم . فحول هذه النقطة كان يمكن للرومان واليهود و الفريسيين والصدوقيين أن يجتمعوا ، لأن الجميع كانوا يوقرونه توقيراً عظيما . وقد تقدم اثنان ليشهدا في هذه المسألة ولم تكن شهادتهما متناقضة كما كانت شهادة من سبقوهما . فإذ كان أحد ذينك الرجلين قد أخذ رشوة وقف يشهد على يهوشوه قائلا: "هذَا قَالَ: إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ يهوه ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ" (متى 26: 61) . وهكذا حرف كلام المسيا . فلو نقل كلامه كما قد نطق هو به تماما لما استوجب ذلك إدانته حتى من رجال السنهدريم . فلو كان يهوشوه مجرد إنسان كما ادعى اليهود لما دل إعلانه هذا إلا على روح التفاخر غير المعقول ، ولكن لم يكن بالإمكان تأويله على أنه تجديف . وحتى بعدما حرف شاهدا الزور كلامه لم يكن يوجد فيه ما يمكن أن يعتبره الرومان علة تستوجب الموت .

وفي صبر عجيب أصغى يهوشوه إلى تلك الشهادات المتناقضة ولم ينطق بكلمة دفاعاً عن نفسه . أخيراً أصيب المشتكون عليه بالحيرة والارتباك والجنون . فلم يكن هنالك أي تقدم في المحاكمة ، وبدا وكأن كل مؤامراتهم قد أصابها الفشل ، فتسرب اليأس إلى قلب قيافا ولم يبق أمامه غير ملجأ واحد يلوذ به . ينبغي أن يرغم المسيا على إدانة نفسه . قام رئيس الكهنة عن كرسي القضاء مقطب الوجه غاضبا ، ودل صوته وهيئته على أنه لو كان في مقدوره أن يضرب أسيره الماثل أمامه الضربة القاضية لفعل ، فصاح قائلا: "أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ ؟ مَاذَا يَشْهَدُ بِهِ هذَانِ عَلَيْكَ ؟"(متى 26: 62) .

ولكن يهوشوه ظل ساكتا: "أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ . كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ" (إشعياء 53: 17) .

"أنت قلت"

أخيرا رفع قيافا يمناه إلى السماء وخاطب المسيا في هيئة قسم مقدس قائلا له: "أَسْتَحْلِفُكَ بيهوه الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمسيا ابْنُ يهوه؟" (متى 26: 63) .

فأمام هذا الاستشهاد لم يستطع المسيا أن يظل صامتا . كان هنالك وقت للسكوت ووقت للكلام . إنه لم يتكلم حتى وجه إليه سؤال مباشر . عرف أن إجابته الآن ستجعل موته أمراً محتوماً ، ولكن وجه إليه هذا الاستشهاد من أعلى سلطة معترف بها من الأمة وباسم يهوه العلي . إن المسيا لم يقصر في إظهار الاحترام اللائق بالناموس . وأكثر من هذا فإن صلته بالآب كانت مثار التساؤل . فعليه أن يعلن بكل وضوح صفته ورسالته . لقد قال يهوشوه لتلاميذه: "فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (متى 10: 32) . وها هو الآن بمثاله يكرر الدرس .

أصاخ كل إنسان بأذنيه ليسمع ، وثبت الجميع عيونهم في وجه يهوشوه عندما أجاب قائلا: "أَنْتَ قُلْتَ!" . وقد بدا وكأن نورا من السماء قد أضاء وجهه الشاحب عندما أردف قائلا: "وَأَيْضًا أَقُولُ لَــكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ" (متى 26: 62) .

ولمدى لحظة سطعت ألوهية المسيا في ثوب بشريته ، وقد جبن رئيس الكهنة وارتعب أمام عيني المخلص الفاحصتين . وبدا وكأن تلك النظرة قد كشفت أفكاره الخفية وأحرقت قلبه . ولم ينس إلى نهاية حياته تلك النظرة الفاحصة التي وجهها إلى قلبه ابن يهوه المضطهد المظلوم .

قال يهوشوه: "مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ" . وبهذه الكلمات عرض المسيا منظراً آخر هو عكس المنظر الذي كان يرى في ذلك المكان . فإذ هو سيَد الحياة والمجد سيجلس عن يمين يهوه وسيكون ديان كل الأرض ، ولا مرد لحكمه ولا يستأنف ضده . وحينئذ ستكشف كل الأسرار في نور وجه يهوه وسيحكم على كل إنسان كما يكون عمله .

إن كلام المسيا هذا أفزع رئيس الكهنة . فالفكر بأنه ستكون قيامة للأموات عندما يقف الجميع أمام عرش دينونة يهوه ليجازوا حسب أعمالهم ، كان فكرا مفزعا ومرعبا لقيافا . لم يرد أن يصدق بأنه في المستقبل سيحكم عليه حسب أعماله . لقد مرت أمام عينيه كما لو كانت شريطاً سينمائياً مشاهد الدينونة الأخيرة . ولمدى لحظة أبصر ذلك المنظر المخيف منظر القبور وهي تسلم موتاها ، كما انكشفت الأسرار التي كان هو يرجو أنها ستظل إلى الأبد طي الخفاء ، ولمدى لحظة أحس كأنه أمام الديان السرمدي الذي عينه المطلعة على كل شيء تقرأ ما في أعماق نفسه ، وتكشف للنور أسراراً كان يظن أنها ستظل مدفونة مع أصحابها .

ذلك المنظر غاب عن ذهن رئيس الكهنة وقلبه ، ولكن كلام المسيا كان قد نفذ إلى قلب ذلك الصدوقي . لقد أنكر قيافا عقيدة قيامة الأموات والدينونة والحياة العتيدة . أما الآن فقد أصيب بجنون الغضب الشيطاني . فهل هذا الأسير الماثل أمامه يجرؤ على مهاجمة نظرياته التي يعتز بها ويحبها أعمق حب ؟ فإذ مزق ثيابه كي يرى الناس رعبه المصطنع أمر بإدانة هذا الأسير على تجديفه بدون مقدمات ثم قال: "مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ !" فجميعهم إذ ذاك أدانوه (متى 26: 65, 66) .

الثوب الذي مزق

إن التبكيت الممزوج بالغضب هو الذي قاد قيافا إلى فعل ما قد فعل . كان يتميز غيظا على نفسه لكونه قد صدق أقوال المسيا ، وبدلا من أن يمزق قلبه لشعوره العميق بالحق والاعتراف بأن يهوشوه هو مسيا ، مزق رداءه الكهنوتي وهو مصر على المقاومة . كان لهذا التصرف دلالته العميقة ، ولم يكن قيافا يفهم كنه معناه . ففي هذا العمل الذي عمله ليؤثر به على القضاة ويحصل منهم على حكم بإدانة المسيا دان رئيس الكهنة نفسه . وبموجب شريعة يهوه لم يكن أهلا للكهنوت . لقد حكم على نفسه بالموت .

لقد كان محظوراً على رئيس الكهنة أن يمزق ثيابه . وبموجب الناموس اللاوي كان ذلك العمل محرماً تحت حكم الموت . لم يكن يسمح لرئيس الكهنة أن يمزق ثيابه في أية ظروف ولا لأي اعتبار . كانت العادة عند اليهود أن يمزقوا ثيابهم عند موت صديق عزيز . ولكن الكهنة لم يكن يسري عليهم هذا العرف . وإننا نجد في لاويين (10: 6) أمراً صريحاً واضحاً من المسيا بهذا الشأن .

كل ما كان يلبسه الكاهن كان يجب أن يكون سليما وبلا عيب ، فتلك الثياب الرسمية الجميلة كانت رمزا لصفة المرموز إليه العظيم يهوشوه المسيا . لم يكن يقبل أمام يهوه غير الكمال التام في اللبس والهيئة والكلام والروح . إنه قدوس فينبغي أن يظهر مجده وكماله في الخدمة الأرضية . ولا شيء غير الكمال يمكن أن يمثل قداسة الخدمة السماوية أصدق تمثيل . يمكن للإنسان المحدود أن يمزق قلبه بكونه يبدي روح التواضع والانسحاق . هذا الإنسان يراه يهوه ويميزه . ولكن ثياب الكهنوت لا يجوز تمزيقها لأن هذا يشوه صورة السماويات . إن رئيس الكهنة الذي كان يتجرأ على الظهور في الخدمة المقدسة والاشتراك في خدمة المقدس وهو في ثيابه الممزقة كان ينظر إليه كمن قد بتر نفسه من يهوه . فبتمزيق ثيابه كان يقطع نفسه ويحرمها من أن تكون شخصية نائبة (رمزية) ، ولا يعود يهوه يقبله ككاهن قائم بالخدمة . إن هذا التصرف من قبل قيافا أظهر غضب الإنسان ونقصه على حقيقتهما.

إن قيافا إذ مزق ثيابه أبطل شريعة يهوه لكي يتبع تقاليد الناس . فالشريعة التي وضعها الناس اشترطت أنه في حالة التجديف يمكن للكاهن أن يمزق ثيابه رعبا من تلك الخطية ويكون مع ذلك بريئاً ، وهكذا أبطلت شريعة يهوه بواسطة وصايا الناس .

كان الشعب بكل اهتمام يراقبون تصرفات رئيس الكهنة . وقد فكر قيافا في أن يباهي بتقواه ، ولكنه بهذا العمل الذي كان يرمي من ورائه إلى اتهام المسيا كان يشتم ذاك الذي قال يهوه عنه: "اسمي فيه"(خروج 23: 21) . لقد كان هو نفسه يجدف . وإذ كان واقعاً تحت دينونة يهوه حكم على المسيا بأنه مجدف .

وعندما مزق قيافا ثيابه كان عمله يدل على الوضع الذي كان على الأمة اليهودية كأمة أن تشغله حيال يهوه بعد ذاك . فذلك الشعب الذي كان قبلا محبوبا من يهوه بدأوا يفصلون أنفسهم عنه ، وكانوا يتخذون خطوات سريعة في الانفصال عن يهوه . وعندما صرخ المسيا وهو على الصليب قائلا "قد أُكمِل" (يوحنا 19: 30) وانشق حجاب الهيكل إلى اثنين أعلن الساهر القدوس أن الأمة اليهودية قد رفضت ذاك الذي كانت كل رموزهم تشير إليه وخلاصة كل تلك الرموز . لقد طلق إسرائيل من يهوه وانفصل عنه . إذاً فنعما فعل قيافا بتمزيق ثيابه الرسمية التي كانت تدل حينئذ على أنه يمثل رئيس الكهنة الأعظم ، لأن تلك الثياب ما عاد لها أي معنى ، لا له ولا للشعب . حسنا فعل رئيس الكهنة بتمزيق ثيابه من فرط الرعب على نفسه وعلى الأمة .

يعامل كمجرم

أصدر السنهدريم حكمه بأن يهوشوه يستوجب الموت . ولكن محاكمة أي أسير في الليل كانت نقضا للشريعة اليهودية . ففي المحاكمات القانونية ما كان يمكن عمل شيء إلا في نور النهار وأمام المجمع بكامل أعضائه . ولكن بالرغم من ذلك كله عومل المخلص كما لو كان مجرما مقضيا عليه ، فأسلم لأيدي أحط الناس وأنجسهم ليسخروا ويمثلوا به . وكان في داخل قصر رئيس الكهنة دار فضاء اجتمع فيها الجند والجمع ، فأخذ يهوشوه عبر هذه الدار إلى غرفة الحراس . وكان الناس من كل جانب يسخرون به لأنه قال أنا ابن يهوه . وجعلوا يرددون كلامه الذي فاه به حين قال: "... جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ" ، "وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ" في تهكم لاذع . وإذ كان في غرفة الحراس منتظرا محاكمته القانونية لم يكن يوجد من يدفع عنه الأذى . لقد رأى السوقة الأغبياء كيف عومل يهوشوه بكل قسوة أمام المجمع ، ومن أجل هذا صرحوا لأنفسهم بأن يظهروا كل ما في قلوبهم من عناصر شيطانية . إن نفس نبل المسيا ومنظره الإلهي ساقهم إلى الجنون . ووداعته وبراءته وصبره الإلهي- كل ذلك ملأهم بالكراهية الشيطانية . لقد داسوا على الرحمة والعدل . إنه لم يسبق لأي مجرم أن عومل بمثل تلك القسوة المجردة من الإنسانية كما عومل ابن يهوه .

ولكن كان هنالك عذاب أقسى تمزق له قلب يهوشوه . إن الضربة التي أحدثت في نفسه أقسى الآلام لم يكن أي عدو يستطيع أن يوقعها عليه . فإذ كان يحاكم تلك المحاكمة الزائفة أمام قيافا كان أحد تلاميذه ينكره .

الديك الذي صاح

بعدما ترك التلاميذ معلمهم في البستان وهربوا تجرأ اثنان منهم على اتباع الرعاع الذين قبضوا على يهوشوه ، ولكن من بعيد . كان ذانك التلميذان هما بطرس ويوحنا . وقد عرف الكهنة يوحنا على أنه تلميذ معروف تمام المعرفة من تلاميذ يهوشوه فسمحوا له بالدخول إلى الدار على أمل أنه عندما يرى الإذلال الذي يعامل به سيده سيحتقر فكرة كونه ابن يهوه . ثم تكلم يوحنا لمصلحة بطرس فسمح له هو أيضا بالدخول .

وفي الدار كانوا قد أضرموا ناراً لأن تلك الساعة كانت أشد ساعات الليل برودة إذ كانت قبيل الفجر فالتف جماعة حول النار ، وبكل جرأة جلس بطرس معهم . ولم يكن يريد أن يعرف بأنه تلميذ ليهوشوه . فإذ يندمج في وسط ذلك الجمع في غير اكتراث كان يرجو أن يحسبه من حوله واحدا ممن أتوا بيهوشوه إلى تلك الدار .

ولكن عندما أشرق النور على وجه بطرس نظرت إليه المرأة البوابة نظرة فاحصة . وقد لاحظت أنه دخل مع يوحنا ورأت الكآبة مرتسمة على وجهه فرجحت أن يكون تلميذا ليهوشوه ، وحيث كانت إحدى جواري بيت قيافا تاقت إلى معرفة الحقيقة . فقالت لبطرس: "أَلَسْتَ أَنْتَ أَيْضًا مِنْ تَلاَمِيذِ هذَا الإِنْسَانِ؟" ففزع بطرس وارتبك إذ اتجهت إليه كل الأنظار على التو ، فتظاهر بأنه لم يفهم سؤالها . ولكنها كانت مصرة على كلامها ، وقالت لمن حولها إن هذا الرجل كان مع يهوشوه . فاضطر بطرس إلى أن يجيب قائلا للجارية بغضب: "لَسْتُ أَعْرِفُهُ يَا امْرَأَةُ!" (يوحنا 18: 17؛ لوقا 22: 57) . كان هذا أول إنكار ، وللوقت صاح الديك . آه يا بطرس . أبهذه السرعة تستحي بمعلمك وتنكر سيدك !

أما يوحنا فعند دخوله إلى دار المحاكمة لم يحاول إخفاء حقيقة كونه تابعا ليهوشوه ، ولم يختلط بأولئك الأجلاف الذين كانوا يشتمون معلمه . ولم يسأله أحد شيئا لأنه لم يدع أنه شخص آخر وألا لكان جعل نفسه هدفا للشكوك ، إذ اعتزل في مكان منعزل بعيداً عن الرعاع لكي يكون قريبا من سيده ما أمكن . ففي مثل ذلك المكان يستطيع أن يرى ويسمع كل ما يحدث عند محاكمة سيده .

لكن بطرس لم يكن يريد أن أحداً يعرفه على حقيقته . وإذ تظاهر بعدم الاكتراث أقحم نفسه على أرض العدو فصار فريسة سهلة المنال للتجربة . لو دعي ليحارب عن سيده لبرهن على أنه جندي شجاع . ولكن عندما أشار إليه إصبع السخرية والاحتقار برهن على جبنه . إن كثيرين ممن لا ترهبهم الحرب الحامية الوطيس دفاعا عن سيدهم تدفعهم السخرية إلى إنكار إيمانهم . فإذ يعاشرون الناس الذين كان يجب أن يتجنبوهم يضعون أنفسهم في طريق التجربة . وهم بهذا يدعون العدو ليجربهم ، وهذا يسوقهم إلى أن يقولوا أو يفعلوا ما لا يمكن أن يرتكبوه في ظروف أخرى . إن أي تلميذ للمسيا يخفي إيمانه في أيامنا هذه خوفا من الآلام والعار إنما ينكر سيده كما فعل بطرس في ليلة محاكمة سيده .

حاول بطرس أن يخفي اهتمامه بمحاكمة سيده ، ولكن قلبه كان يتعذب حزنا وهو يسمع التعييرات ويرى الإهانات تكال للفادي . وأكثر من هذا فقد كان مندهشا وغاضبا لأن يهوشوه أهان نفسه وتلاميذه باستسلامه لتلك المعاملة . فلكي يخفي مشاعره الحقيقية حاول الاشتراك مع مضطهدي يهوشوه في سخريتهم اللاذعة . ولكن مظهره كان غير طبيعي . لقد كان يمثل أكذوبة خطرة . وفيما كان يحاول أن يتكلم في غير اهتمام لم يستطع أن يمنع نفسه من التعبير عن غضبه عندما رأى الإهانات تنهال على سيده .

التفت الناس إليه للمرة الثانية فاتهم مرة أخرى بكونه من تلاميذ يهوشوه فأنكر بقسم قائلا: "لَسْتُ أَعْرِفُ الرَّجُلَ !" (متى 26: 72) . وبعد ذلك قدمت له فرص أخرى . فبعد ساعة عندما سأله أحد عبيد رئيس الكهنة الذي قطع بطرس أذنه قائلا: "أَمَا رَأَيْتُكَ أَنَا مَعَهُ فِي الْبُسْتَانِ؟" "حَقًّا أَنْتَ مِنْهُمْ ، لأَنَّكَ جَلِيلِيٌّ أَيْضًا وَلُغَتُكَ تُشْبِهُ لُغَتَهُمْ !"  (يوحنا 18: 26؛ مرقس 14: 70) . وهنا اهتاج بطرس وثارت نفسه . لقد اشتهر تلاميذ يهوشوه بطهارة ألسنتهم ولغتهم المهذبة . فلكي يمعن بطرس في خداع سائليه ولكي يزكي ادعاءه بأنه شخص آخر أنكر سيده بقسم ولعن ، وهنا صاح الديك مرة أخرى ، حينئذٍ سمع بطرس صياح الديك فتذكر كلام يهوشوه الذي قاله له: "قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ ، تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ" (مرقس 14: 30) .

بطرس المتهالك ندماً

ففيما كانت الأقسام المهينة على شفتي بطرس وصياح الديك لا يزال يرن في أذنيه تحول المخلص عن قضاته العابسين وحدق بنظره إلى تلميذه المسكين . وفي نفس الوقت التقت عينا بطرس بعيني سيده . ففي ذلك المحيا الرقيق قرأ بطرس آيات العطف والحزن ، ولكن لم يكن هنالك أثر للغضب .

إن منظر ذلك الوجه الشاحب المتألم وتينك الشفتين المرتعشتين ونظرة الإشفاق والغفران طعنت قلب بطرس كسهم حاد . فثار ضميره ونشطت ذاكرته . ذكر بطرس وعده لسيده منذ ساعات قليلة بأنه مستعد لأن يذهب معه إلى السجن وإلى الموت ، كما ذكر حزنه عندما قال له المخلص وهم مجتمعون معا في العلية بأنه سينكره ثلاث مرات في نفس هذه الليلة . وها هو بطرس يعلن الآن أنه لا يعرف يهوشوه . وقد تأكد له الآن وإن يكن بحزن عميق أن سيده كان يعرفه جيدا ويعرف قلبه معرفة دقيقة ، ذلك القلب الخادع الذي كان يجهله بطرس نفسه .

جاءته الذكريات متلاحقة بعد ذلك . فرأفة المخلص ورحمته وطول أناته ورقته وصبره على تلميذه المخطئ - كل هذا عاد فتذكره ، كما ذكر إنذار المخلص له عندما خاطبه قائلاً: "سِمْعَانُ ، سِمْعَانُ ، هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ ! وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ" (لوقا 22: 31, 32) . فبرعب شديد تفكر في جحوده وكذبه وأقسامه الباطلة . ثم نظر إلى معلمه مرة أخرى فرأى يدا نجسة معتدية تمتد لتلطمه على وجهه . فإذ لم يتمكن من احتمال ذلك المنظر اندفع خارجا من ذلك الدار منكسر القلب .

تقدم سائراً وحده في الظلام ولم يعرف ولا اهتم بأن يعرف إلى أين هو ذاهب . أخيراً وجد نفسه في جثسيماني . وقد عاد إلى ذهنه المنظر الذي حدث منذ ساعات قليلة واضحا . فوجه سيده المتألم والملطخ بالعرق الذي نضح من جبينه كقطرات دم ، والذي كان يرتعش من فرط الألم كان ماثلا أمامه . وذكر بفرط الندم أن يهوشوه قد بكى وتألم في الصلاة وحده بينما أولئك الذين كان يجب أن يشاركوه في تلك الساعة القاسية كانوا نياما . وذكر أيضا وصيته المقدسة حين قال لهم: "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ" (متى 26: 41) . ثم عاد إلى ذهنه المشهد الذي حدث في دار رئيس الكهنة . وقد تعذب قلبه الدامي حين علم أنه وضع على كاهل المخلص اثقل عبء فوق الإذلال والحزن الذي كان يعانيه . ففي نفس البقعة التي سكب فيها يهوشوه نفسه أمام الآب في حزن شديد سقط بطرس على وجهه وتمنى الموت لنفسه .

إن بطرس إذ نام في الوقت الذي فيه أوصاه معلمه أن يسهر ويصلي كان قد أعد الطريق لخطيته الهائلة . وإذ نام كل التلاميذ في تلك الساعة الحرجة خسروا خسارة فادحة . لقد عرف المسيا البلوى المحرقة التي كانوا مزمعين أن يجوزوا فيها ، وعرف أيضا كيف سيعمل الشيطان على تخدير حواسهم حتى لا يتأهبوا لتلك المحنة ، و لهذا السبب أنذرهم . فلو كان بطرس قد قضى الساعات التي مرت عليه في البستان ساهرا مصلياً ، لما ترك ليستند على قوته الواهنة ولما أنكر سيده . لو كان التلاميذ سهروا مع المسيا وهو في أشد حالات الحزن والألم لكانوا تأهبوا لمشاهدة آلامه على الصليب . وكانوا قد فهموا ، إلى حد ما ، طبيعة عذاباته الرهيبة ، وكانوا استطاعوا أن يذكروا أقواله التي أنبأت عن آلامه وموته وقيامته . وفي وسط الظلمة الداجية ، ظلمة أقسى ساعة ، كان يمكن لأنوار الرجاء أن تبدد ظلمة يأس التلاميذ وتسند إيمانهم .

محكمة عند طلوع الشمس

وحالما طلع النهار التأم مجمع السنهدريم ثانية وأتي بيهوشوه إلى قاعة الاجتماع . كان قد أعلن عن نفسه انه ابن يهوه . ولكنهم حرفوا أقواله لتكون تهمة يوجهونها ضده . إلا أنهم لم يستطيعوا إدانته بموجب هذا لأن كثيرين منهم لم يكونوا حاضرين في جلسة الليلة السابقة فلم يسمعوا أقواله ، وقد عرفوا أن القضاء الروماني لن يجد في هذه التهمة علة تستوجب الموت . ولكن لو أنهم كلهم يسمعونه يردد نفس كلامه بشفتيه لأمكنهم بلوغ مأربهم . ذلك أن ادعاءه بأنه مسيا يمكنهم تحريفه على أنه ادعاء القصد منه إثارة فتنة سياسية .

فقالوا له: "إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمسيا ، فَقُلْ لَنَا!" ولكن المسيا ظل صامتا فجعلوا يلحون عليه بأسئلتهم . أخير أجابهم بنغمة محزنة محركة للعواطف قائلا لهم: "إِنْ قُلْتُ لَكُمْ لاَ تُصَدِّقُونَ ، وَإِنْ سَأَلْتُ لاَ تُجِيبُونَنِي وَلاَ تُطْلِقُونَنِي" . ولكن حتى لا يكون لهم عذر أضاف قائلا: "مُنْذُ الآنَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ قُوَّةِ يهوه" (لوقا 22: 67- 69) .

فسألوه بصوت واحد قائلين: "أَفَأَنْتَ ابْنُ يهوه؟" فأجابهم قائلا: "أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا هُوَ" . فصاحوا قائلين: "مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شَهَادَةٍ ؟ لأَنَّنَا نَحْنُ سَمِعْنَا مِنْ فَمِهِ" (لوقا 22: 70, 71) .

وهكذا بموجب إدانة السلطات اليهودية ليهوشوه للمرة الثالثة كان لا بد أن يموت . وقد ظنوا أنه لا يلزمهم إلا مصادقة الرومان على هذا الحكم وحينئذ يسلمونه إلى أيديهم .

يصرخون: اقتلوه

ثم تلا ذلك المشهد الثالث لإهانة المسيا والسخرية به ، وكان ذلك أردأ وأشد إيلاما له حتى مما لاقاه ، من الرعاع: فأمام الكهنة والرؤساء وبمصادقتهم حدث كل ذلك . لقد انتزعت من قلوبهم كل مشاعر الرفق والإنسانية . فإذ كانت حججهم واهية وقد عجزوا عن إسكات صوت يهوشوه لجأوا إلى أسلحة أخرى كتلك التي استخدمت في عصور التاريخ المتعاقبة لإسكات الذين حسبوا هراطقة - أي إيقاع الآلام والظلم ، والحكم بالموت عليه .

وعندما نطق القضاء بالحكم على يهوشوه شمل الشعب هياج شيطاني ، فكان زئيرهم يشبه زئير الضواري . فاندفع ذلك الجمع نحو يهوشوه صارخين وقائلين إنه مجرم . اقتلوه ! ولولا وجود جنود الرومان لما عاش يهوشوه حتى يعلق على صليب جلجثة . ولولا تدخل السلطات الرومانية التي كبحت بقوة السلاح جماح أولئك الرعاع المهتاجين لمزقوا يهوشوه إربا إربا أمام أولئك القضاة .

غضب الوثنيون بسبب المعاملة التي عومل بها ذاك الذي لم تثبت ضده أية تهمة . وقد أعلن الضباط الرومان أن اليهود إذ أصدروا حكمهم بإدانة يهوشوه كانوا بذلك يتعدون على سلطان الرومان ، وإن إدانة إنسان والحكم عليه بالموت بناء على اعترافه كان انتفاضا على الشريعة اليهودية . فهذا التدخل عقبته فترة توقف في الإجراءات . ولكن قلوب رؤساء اليهود كانت قد تحجرت فما عاد فيها أي عطف وما عادوا يحسون بأي خجل .

لقد نسي الكهنة والرؤساء جلال مركزهم وجعلوا يهينون ابن يهوه بنعوت نجسة كريهة . جعلوا يعيرونه بنسبه وأعلنوا أن ادعاءه أنه مسيا جعله مستحقا لأشنع ميتة مهينة . إن أنجس الناس الفاسقين أهانوا المخلص إهانات مخجلة . فغطوا وجهه بثوب بال وجعل معذبوه يلطمونه على وجهه قائلين: "تَنَبَّأْ لَنَا أَيُّهَا الْمسيا ، مَنْ ضَرَبَكَ؟" (متى 26: 68) . فلما نزعوا عن وجهه ذلك الثوب بصق في وجهه رجل حقير .

لقد سجل ملائكة السماء ، بكل أمانة ، كل إهانة وكل نظرة وكل عمل ضد قائدهم المحبوب . وفي يومٍ آتٍ ، وكل آت قريب ، سينظر أولئك الناس الأدنياء الذين احتقروا المسيا وبصقوا في وجهه الهادئ الشاحب- سينظرون ذلك الوجه في ملء مجده وهو يشع بلمعان أشد من نور الشمس .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App