4. تاريخ حياة خائن
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إن تاريخ يهوذا يرينا الخاتمة المؤلمة لحياة كان يمكن أن تكون مكرمة من يهوه . لو كان يهوذا قد مات قبل الرحلة الأخيرة إلى أورشليم لاعتبر جديرا بمكانة بين الاثني عشر ، ولأحسوا بالخسارة عند موته . والمقت الذي ظل يلاحقه مدى أجيال التاريخ ما كان يكون له وجود لولا صفاته التي نضجت وظهرت على حقيقتها في نهاية تاريخه . ولكن كان هنالك غرض لأجله انكشفت أخلاقه للعالم ، فلقد صار إنذارا لكل من تسول لهم أنفسهم أن يخونوا الأمانة المقدسة المسلمة لهم .

قبل الفصح بقليل جدد يهوذا اتفاقه مع الكهنة على أن يسلم يهوشوه إلى أيديهم ، وتم الاتفاق على أن يقبض على المخلص في أحد المعتكفات التي كان يتردد عليها للتأمل والصلاة . ومنذ أقيمت الوليمة في بيت سمعان كانت لدى يهوذا فرصة للتأمل في الدور الذي تعهد أن يقوم به ، ولكنه لم يغير رأيه . فبثلاثين من الفضة- التي هي ثمن عبد- باع سيَد المجد للعار والموت .

كان يهوذا محبا للمال بطبعه ، ولكنه لم يكن دائما فاسدا إلى حد القيام بمثل هذا العمل . لقد ظل محتضنا تلك الروح الشريرة ، روح الجشع حتى غدت الدافع المسيطر على حياته . فلقد طغت محبته للمال على محبته للمسيا . فلما صار عبدا لرذيلة واحدة سلم نفسه للشيطان لينساق في تيار الخطية إلى أبعد مدى .

انضم يهوذا إلى التلاميذ عندما كانت تتبع المسيا جموع كثيرة ، حيث حركت تعاليم المسيا قلوبهم وذهلوا من كلامه الذي نطق به في المجمع أو على شاطئ البحر أو من فوق الجبل . وقد رأى يهوذا العرج والعمى والمرضى يتقاطرون على يهوشوه من القرى والمدن . رأى المحتضرين عند قدميه . ورأى قوات المخلص ومعجزاته لشفاء المرضى وإخراج الشياطين وإقامة الموتى . فأحس هو في نفسه ببرهان قوة المسيا . كما لاحظ أن تعاليم المسيا تفوق كل ما سبق أن سمعه . فأحب المعلم العظيم واشتاق إلى أن يكون معه . وأحس بالرغبة في أن تتغير أخلاقه وحياته وكان يرجو أن يختبر هذا التغيير عن طريق ارتباطه بيهوشوه . ولم يرده المخلص ، بل أعطاه مكانا بين التلاميذ الاثني عشر ، ووكل إليه عمل المبشر وأعطاه سلطانا لشفاء المرضى وإخراج الشياطين . ولكن يهوذا لم يصل إلى حد تسليم نفسه للمسيا تسليماً كاملاً . فلم يطرد عن نفسه حب المال أو الأطماع الدنيوية . ومع أنه قبل أن يكون في مركز خادم المسيا لم يخضع نفسه للتأثيرات الإلهية ليصوغه السيَد كما يريد . وقد أحس أن بإمكانه الاحتفاظ بحكمه وآرائه الخاصة ، فربى في نفسه ميلا للانتقاد والاتهام .

كفء في نظر نفسه

كانت ليهوذا مكانة مرموقة بين التلاميذ وكان له عليهم تأثير عظيم . وكان يهنئ نفسه على مواهبه الفذة ويعتبر أخوته أدنى منه بما لا يقاس في أصالة الرأي والمواهب . وكان يفكر قائلا إنهم لا يرون الفرص السانحة المقدمة لهم ولذلك فهم لا يستفيدون منها . إن الكنيسة لا يمكنها أن تنجح أو تتقدم وفيها أمثال هؤلاء القادة القصيري النظر . إن بطرس رجل متهور ، فهو يتحرك ويعمل بدون تفكر ، أما يوحنا الذي كان يختزن في عقله وقلبه الحقائق التي كان المسيا ينطق بها فكان يهوذا يرى أنه لا يصلح لأن يكون رجلاً اقتصادياً . ومتى الذي علمته مهنته السابقة أن يكون دقيقا في كل شيء كان مدققا جداً في أمر الأمانة ، وكان دائم التفكير في أقوال المسيا وكان مشغولاً بها جدا حتى ، كما حكم عليه يهوذا ، لم يكن يوثق به للاضطلاع بعمل ناجح مستمر . وهكذا أجمل يهوذا التلاميذ كلهم ، وكان يهنئ نفسه بالقول أنه لولا خبرته في الإدارة والتدبير لوقعت الكنيسة في ورطة وارتباك مالي مرارا عديدة . فاعتبر يهوذا نفسه الشخص الكفء الذي لا يمكنه أن يخدع . ففي تقديره كان هو مفخرة عمل السيَد ، وهكذا كان يصور نفسه دائما .

لكن يهوذا عمي عن ضعف خلقه . وقد أوجده المسيا في وضع خاص بحيث تكون له فرصة لأن يرى هذا الضعف ويصلحه . وكأمين صندوق للتلاميذ كان مطلوبا منه أن يدبر حاجات تلك الجماعة الصغيرة ويسد حاجات الفقراء . وعندما كان في العلية في عيد الفصح قال له يهوشوه: "مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ" (يوحنا 13: 27) ، فظن التلاميذ أن السيد أمره بأن يشتري ما يحتاجون إليه للعيد أو أن يعطي شيئا للفقراء . وإذ كان يهوذا يخدم الآخرين كان ينبغي أن يربي في نفسه روحا خالية من الأثرة . ولكن فيما كان يصغي كل يوم إلى تعاليم المسيا ويرى حياته التي لا أثر فيها للأنانية انغمس في ميوله للطمع . والمبالغ الضئيلة التي كانت تصل إلى يده كانت تجربة دائمة له . ومرارا عندما كان يقدم للمسيا خدمة صغيرة أو يكرس بعض وقته لأغراض دينية كان يبيح لنفسه أن يأخذ جزءا من ذلك القليل الذي كان في الصندوق أجرا له . وكانت تلك الأعذار كافية في نظره لتبرير عمله ، ولكنه في نظر يهوه كان سارقا ولصا .

كان يهوذا يستاء عندما كان المسيا يردد هذا المبدأ مرارا وهو أن ملكوته ليس من هذا العالم . وقد رسم في ذهنه خطة كان ينتظر أن المسيا سيسير عليها . لقد قرر أنه ينبغي إطلاق سراح يوحنا المعمدان بإخراجه من سجنه . ولكن ها هو يوحنا يظل سجينا إلى أن يقطع رأسه ، وها هو يهوشوه بدلا من أن يثبت حقه الملكي وينتقم لموت يوحنا يذهب مع تلاميذه ليعتكفوا في موضع خلاء . أما يهوذا فكان يريد إثارة حرب أشد عدوانا . وقد فكر أنه إذا كان يهوشوه لا يمنع تلاميذه من تنفيذ خططهم فالعمل لا بد أن ينجح . لاحظ يهوذا عداوة قادة اليهود المتزايدة للمسيا ورأى عدم مبالاة يهوشوه بهم عندما تحدوه طالبين منه آية من السماء . وقد أفسح في قلبه مجالا لعدم الإيمان فأدخل العدو إلى ذلك القلب كثيرا من أفكار الشك والتمرد . فكان يتساءل مثلا قائلا: لماذا يسهب المسيا كثيرا في الكلام عن الأمور المثبطة للهمم ؟ ولماذا يتنبأ عن وقوع التجارب عليه وعلى تلاميذه ؟ إن أمل يهوذا في أن يكون له مركز سام في الملكوت الجديد ساقه إلى تأييد دعوى المسيا ، فهل تخيب آماله ؟ إن يهوذا لم يكن قد قرر بأن يهوشوه ليس ابن يهوه ولكنه كان يتساءل مرتابا ويحاول أن يجد تعليلا لمعجزاته .

محبة الذات تعمي بصيرته

وعلى الرغم من تعاليم المخلص فإن يهوذا كان دائما يروج فكرة كون المسيا سيملك على عرش داود في أورشليم . وعندما أشبع يهوشوه الخمسة الآلاف حاول يهوذا إتمام هذا الأمر . وفي تلك الفرصة ساعد يهوذا في توزيع الطعام على ذلك الجمع الجائع . وكانت لديه فرصة لأن يرى مقدار النفع الذي في قدرته أن يقدمه للآخرين . وأحس بالرضى والشبع الذي يجيء من خدمة يهوه . كذلك أعان في الإتيان بالمرضى المتألمين من بين الجمع إلى حيث كان المسيا . وقد رأى مقدار الراحة والفرح والبهجة التي تحل في قلوب البشر عن طريق قوة يهوشوه الشافية ، وكان يمكنه أن يدرك طرق المسيا . ولكن أغراضه الذاتية وأثرته أعمت عينيه . كان يهوذا أول من حاول الاستفادة من الحماسة التي أثارتها معجزة الأرغفة . وكان هو الذي دبر مشروع خطف يهوشوه وجعله ملكا . كانت له آمال عالية ، ولذلك كانت خيبته مريرة .

كان حديث المسيا عن خبز الحياة في المجمع هو نقطة التحول في تاريخ يهوذا . لقد سمع هذا القول: "إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ" (يوحنا 6: 53) ورأى يهوذا أن يهوشوه يقدم للناس نفعاً روحياً لا زمنياً . وقد اعتبر يهوذا نفسه رجلا بعيد النظر ، وظن أنه استطاع أن يرى أن يهوشوه لم يكن يحظى بالكرامة ، ولذلك لا يستطيع أن يقدم لتابعيه رتبا عالية ، فعقد العزم على ألا يرتبط بالمسيا عن قرب إلا بدرجة تمكنه من التراجع ، فعزم على أن يترقب الفرص ، وقد فعل .

من ذلك الوقت بدأ يجاهر بشكوكه التي أربكت التلاميذ وحيرتهم . لقد خلق الخصومات والمشادات والمبادئ المضللة مرددا الحجج التي كان يوردها الكتبة والفريسيون ضد دعوى المسيا . فكل المتاعب والمضايقات والصلبان الكبيرة والصغيرة والصعوبات والمعطلات الظاهرة لتقدم الإنجيل - كل هذا فسره يهوذا على أنه برهان على عدم صدق الإنجيل . وكان يورد آيات كتابية لم يكن لها ارتباط بالحقائق التي كان يهوشوه يعلم بها . وهذه الآيات عندما كانت تخرج عن سياقها والمعنى الذي قيلت لأجله كانت تحير التلاميذ وتزيد من المفشلات التي كانت تصدمهم بلا انقطاع . ومع ذلك فإن يهوذا عمل هذا كله بكيفية تظهره على أنه رجل حي الضمير . وعندما كان التلاميذ يبحثون عن برهان إثبات صدق أقوال المعلم العظيم إذا بيهوذا يقودهم دون أن يشعروا إلى طريق آخر . وهكذا فبطريقة دينية وحسب الظاهر حكيمة كان يهوذا يقدم المسائل في نور يختلف عما قدمه به المسيا . ويقرن بكلامه معنى يختلف عن المعنى الذي قصده يهوشوه . فكانت مقترحاته دائما تثير الطموح والرغبة في التفوق العالمي ، وهكذا كان يحول أفكار التلاميذ عن الأمور الهامة التي كانت عليهم الاهتمام بها . إن المنازعات حول من منهم يكون الأعظم كانت تحدث في أغلب الأحيان بإيعاز من يهوذا .

"وَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ"

وعندما قدم يهوشوه لذلك الرئيس الغني شرط التلمذة استاء يهوذا وظن أن خطأ قد وقع . فلو أن رجالا من أمثال هذا الرئيس ينضمون إلى المؤمنين لكانوا يعضدون المسيا ويساهمون في نشر رسالة إنجيله . وقد فكر قائلا إنه لو طلب منه أن يكون ناصحا ومشيرا لكان يبتكر وسائل كثيرة لخير تلك الكنيسة الصغيرة . قد تختلف مبادئه وطرقه قليلا عن مبادئ المسيا وطرقه ، ولكنه كان يظن نفسه أحكم من المسيا في تلك الشؤون .

وفي كل ما كان يقوله المسيا لتلاميذه كان هنالك شيء يخالفه فيه يهوذا في قلبه ، فبتأثيره كانت خميرة النفور تعمل عملها . لم يكن التلاميذ يرون العامل الحقيقي في كل هذا . ولكن يهوشوه عرف أن الشيطان كان يطبع صفاته على قلب يهوذا ، وكان بذلك يفسح المجال له ليؤثر على باقي التلاميذ . وقد أعلن المسيا قبل تسليمه بعام قائلا: "أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ ، الاثْنَيْ عَشَرَ ؟ وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ!" (يوحنا 6: 70) .

مع ذلك فإن يهوذا لم يجاهر بالمقاومة ، كلا ولا ظهر أنه كان يشك في تعاليم المخلص ، كما لم يجاهر بالتذمر حتى جاء وقت الوليمة التي أقيمت في بيت سمعان . فعندما دهنت مريم بالطيب قدمي المخلص ظهرت أطماع يهوذا . وعندما سمع يهوذا توبيخ يهوشوه بدا كأن روحه قد صارت كتلة من المرارة ، فكبرياؤه الجريحة وتعطشه للانتقام نقضا السياجات ، وتحكم فيه الطمع الذي احتضنه في قلبه أمدا طويلا . وهذا سيكون اختبار كل من يصر على مداعبة الخطية والتحرش بها . إن عناصر الفساد التي لا تقاوم وتغلب تستجيب لتجارب الشيطان فيستأسر الشيطان إرادة الإنسان .

إلا أن يهوذا لم يكن قد تقسى بعد تماما . وحتى بعدما تعهد مرتين بأن يسلم المخلص كان أمامه المجال للتوبة . وعند عشاء الفصح أعلن يهوشوه ألوهيته بكشفه لنوايا الخائن . إنه بكل رقة شمل يهوذا في خدمته التي قام بها لأجل التلاميذ . ولكنه لم يكترث لآخر توسلات المحبة . وحينئذ تقرر مصير يهوذا ، وتانك الرجلان اللتان غسلهما يهوشوه خرجتا لإتمام تدبير الخيانة والتسليم .

جعل يهوذا يتحاج قائلا إنه إذا كان يهوشوه سيصلب فلا بد من حدوث ذلك ، وعمله في تسليم المخلص لن يغير النتيجة . فإذا كان يهوشوه لن يموت فإن التسليم سيضطره لتخليص نفسه . وعلى كل حال فإن يهوذا سيربح شيئا بغدره وخيانته . وقد حسب أنه قد عقد صفقة رابحة بتسليمه سيده .

نوايا الخائن

ومع ذلك فإن يهوذا لم يكن يعتقد أن المسيا سيسمح للأعداء بالقبض عليه . إنه بتسليمه إياه كان يقصد أن يعلم يهوشوه درسا . لقد قصد أن يلعب دورا يجعل المخلص حريصا من ذلك الحين على معاملته بالاحترام الذي يستحقه . ولكن يهوذا لم يكن يعلم أنه إنما يسلم المسيا للموت . كم من مرة عندما كان المخلص يعلم بأمثال أذهلت تلك الأمثال الكتبة والفريسيين ! وكم من مرة حكموا هم على أنفسهم ! في أحيان كثيرة عندما كانت قلوبهم تقتنع بالحق امتلأوا حنقا ورفعوا حجارة ليرجموه ولكنه مراراً كثيرة كان ينجو بنفسه . ففكر يهوذا قائلا: ما دام يهوشوه قد نجا من إشراك هذا عددها فهو بالتأكيد لن يسمح لأحد بالقبض عليه .

لذلك عزم يهوذا على إجراء تجربة . قال: إذا كان يهوشوه هو مسيا حقا فالشعب الذين قد عمل معهم كل هذا سيحتشدون حوله وينادون به ملكا . وهذا سيقنع نهائيا عقولا كثرة كانت تساورها الشكوك ، وسيكون ليهوذا فضل إجلاس الملك على عرش داود ، وهذا الصنيع سيضمن له أسمى مكانة بعد المسيا في الملكوت الجديد .

لقد مثل ذلك التلميذ الخائن دوره بتسليم يهوشوه ، فعندما قال لقادة الرعاع في البستان: "الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ . أَمْسِكُوهُ" (متى 26: 48) كان يهوذا يعتقد تماما أن المسيا سينجو من أيديهم . فإذا لاموه حينئذ كان سيجيبهم قائلا: ألم أقل لكم امسكوه بحرص ؟

رأى يهوذا القابضين على يهوشوه يعملون بمشورته إذ شدوا وثاقه جيداً . وبكل ذهول رأى يهوذا المخلص يستسلم لهم وهم يمضون به ، فتبعه بجزع من البستان إلى المحاكمة أمام رؤساء اليهود . وفي كل لحظة كان يهوذا ينتظر أن يهوشوه سيباغت أعداءه إذ يظهر أمامهم كابن يهوه ويحبط كل مؤامراتهم ويشل قوتهم . ولكن بعدما مرت ساعة وتلتها ساعات ويهوشوه مستسلم للأعداء محتملا كل إهانة وقعت عليه استولى على ذلك الخائن خوف رهيب لئلا يكون قد باع معلمه للموت .

وإذ أوشكت المحاكمة على الانتهاء لم يستطع يهوذا احتمال تعذيبات ضميره المذنب أكثر من ذلك . وفجأة رن في أرجاء تلك الدار صوت أجش ، فسرت في كل القلوب هزة رعب . وإذا بذلك الصوت يقول: إنه بريء ، فأطلق سراحه يا قيافا .

"أَخْطَأْتُ"

وقد رؤي يهوذا يشق لنفسه طريقا بجسمه الفارع الطول في وسط ذلك الجمع الفزع . كان شاحب الوجه وقد تجمدت على جبينه قطرات كبيرة من العرق . وإذ تقدم من كرسي القضاء طرح أمام رئيس الكهنة قطع الفضة ثمن خيانته لسيده . وإذ أمسك بثياب قيافا بكل لهفة توسل إليه أن يطلق سراح يهوشوه معلنا أنه لم يفعل شيئا يستحق لأجله الموت . فبكل غضب نحى قيافا يهوذا بعيدا عنه ، ولكنه كان متحيرا لا يدري ماذا يقول . ها قد فضحت خيانة الكهنة وغدرهم . لقد بات واضحا أنهم قد أعطوا رشوة لذلك التلميذ الخائن ليسلم إليهم معلمه .

ومرة أخرى قال يهوذا: "أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا" . ولكن بعدما استعاد رئيس الكهنة رباطة جأشه أجاب يهوذا قائلا باحتقار: "مَاذَا عَلَيْنَا ؟ أَنْتَ أَبْصِرْ !" (متى 27: 4) . كان الكهنة يرغبون في جعل يهوذا آلة في أيديهم . ولكنهم احتقروا نذالته . فلما ارتد إليهم راجعا معترفا ركلوه وطردوه .

أما الآن فها يهوذا ينطرح عند قدمي يهوشوه معترفا بأنه ابن يهوه ومتوسلا إليه أن يخلص نفسه . ولم يوبخه المخلص على خيانته له . لقد عرف أن يهوذا لم يتب ، فلقد أجبر على ذلك الاعتراف الخارج من أعماق نفسه المجرمة بواسطة إحساسه الرهيب بالدينونة وانتظار يوم الهلاك المخيف ، ولكنه لم يكن يحس بالحزن العميق الذي يمزق القلب لكونه قد أسلم للموت ابن يهوه الذي بلا عيب وأنكر قدوس شعبه . ومع ذلك فإن يهوشوه لم ينطق بالدينونة عليه بل نظر إليه بكل إشفاق وقال: لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة .

سرت بين ذلك الجمع همهمة اندهاش . إنهم بدهشة بالغة رأوا صبر المسيا على ذلك الخائن . ومرة أخرى ساد عليهم الاقتناع بأن هذا الإنسان لابد أن يكون أكثر من إنسان عادي . ولكنهم عادوا يتساءلون: ولكن إذا كان هو ابن يهوه فلماذا لم يحطم السلاسل والقيود وينتصر على من يزدرون به .

رأى يهوذا أن كل توسلاته قد ذهبت هباء فاندفع خارجا من تلك الدار وهو يصرخ قائلا: فات الأوان ! فات الأوان ! وقد أحس أنه لا يمكنه أن يعيش ليرى يهوشوه معلقا على الصليب . ففي يأسه خرج وشنق نفسه .

وبعد مرور ساعات قليلة من ذلك اليوم نفسه ، وفي الطريق من دار ولاية بيلاطس إلى جلجثة إذ كان الناس الأشرار يقودون يهوشوه إلى مكان الصلب وهم يصيحون صيحات السخرية والاحتقار كفوا عن ذلك فجأة . فإذ عبروا من بقعة خلاء رأوا تحت شجرة يابسة جثة يهوذا . لقد كان منظرا يدعو إلى أشد الاشمئزاز . إن ثقل جسم ذلك الرجل قطع الحبل الذي كان مشنوقا به وهو مدلى من الشجرة . فإذ سقط تمزق جسمه تمزيقا مريعا ، وكانت الكلاب تنهش جثته . ففي الحال أخذوا الجثة ودفنوها بعيدا عن الأنظار . ولكن الناس قللوا من سخريتهم بعد ذلك . وقد دل شحوب وجوههم على ما كان يجول في نفوسهم من خواطر . إذ بدا وكأن الدينونة قد بدأت تنسكب على أولئك الذين كانوا مجرمين في دم يهوشوه  .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App