5. هُوَذَا الإِنْسَانُ !
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

ها هو المسيا يقف موثق اليدين كأسير في دار ولاية بيلاطس الوالي الروماني . وحول المسيا يقف حراس من الجنود ، وها الناس يتقاطرون على الدار التي كادت تغص بالمشاهدين . وخارج الباب قضاة السنهدريم والكهنة والرؤساء والشيوخ والرعاع .

إن رجال السنهدريم بعدما حكموا بإدانة يهوشوه أتوا إلى بيلاطس حتى يثبت الحكم وينفذه . ولكن هؤلاء الرؤساء اليهود لم يريدوا دخول دار الولاية الرومانية . فبموجب شريعتهم الطقسية يحسبون نجسين لو دخلوا إلى دار الولاية ، وبذلك يحرمون من الاشتراك مع الشعب في الاحتفاء بعيد الفصح . إنهم في عماهم لم يروا أن عداوتهم القاتلة ليهوشوه قد نجست قلوبهم . ولم يروا أن المسيا هو خروف الفصح الحقيقي ، فحيث قد رفضوه فيكون العيد العظيم بالنسبة إليهم قد فقد معناه ودلالته .

وعندما أتي بالمخلص إلى دار القضاء لم ينظر إليه بيلاطس نظرة ود أو صداقة . لقد استدعى ذلك الحاكم الروماني من حجرة نومه على عجل فصمم على أن ينهي عمله بأسرع ما يمكن . كان على استعداد لأن يعامل أسيره بقسوة واستبداد . وإذ طبع على وجهه أقسى مظاهر العبوسة التفت ليرى أي نوع من الناس هذا الإنسان الذي سيفحصه حتى أنه أوقظ من نومه في مثل هذه الساعة المبكرة لكي يحكم في أمره . وقد عرف أنه لابد أن يكون واحدا ممن كان رؤساء اليهود يتوقون إلى محاكمتهم وإيقاع القصاص بهم بسرعة .

أمام الحاكم الروماني

التفت بيلاطس إلى الرجال القابضين على يهوشوه ثم نظر إلى أسيره نظرة فاحصة . لقد سبق له أن تعامل مع كل أنواع المجرمين ولكن لم يؤت إليه قط بإنسان كهذا ارتسمت على محياه آيات النبل والصلاح . لم يرَ على وجهـه أي أثر ينم عن أنه آثم ، أو أي تعبير عن الخوف أو الجسارة أو التحدي بل رأى أمامه إنسانا عليه سيماء الهدوء والعظمة . فلم تكن على وجهه آثار الإجرام بل كان عليه طابع السماء .

إن منظر يهوشوه جعل أسارير بيلاطس تنفرج ، فأوقظت طبيعته الصالحة . كان قد سمع عن يهوشوه وأعماله . وكانت امرأته قد أخبرته عن بعض الأعمال العجيبة التي أجراها النبي الجليلي الذي كان يشفي المرضى ويقيم الموتى . ذكر بيلاطس هذا كله كما لو كان يحلم . وذكر الإشاعات التي كان قد سمعها من مصادر مختلفة ، فعزم على أن يطلب من اليهود أن يخبروه بالتهم التي يقدمونها ضد هذا الأسير .

سألهم قائلا: من هذا الإنسان ، ولماذا أتيتم به إلى هنا ، وأية شكاية تقدمونها ضده ؟؟ فارتبك اليهود . وإذ كانوا يعلمون أنهم لا يستطيعون إثبات أية تهمة ضد المسيا لم يكونوا يرغبون في أن يكون الفحص علنيا . فأجابوه قائلين: إنه مضل يدعى يهوشوه الناصري .

فسألهم بيلاطس مرة أخرى قائلا: "أَيَّةَ شِكَايَةٍ تُقَدِّمُونَ عَلَى هذَا الإِنْسَانِ؟" فلم يجبه الكهنة عن سؤاله بل أجابوه بكلام دل على شدة انفعالهم إذ قالوا: "لَوْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلَ شَرّ لَمَا كُنَّا قَدْ سَلَّمْنَاهُ إِلَيْكَ!" (يوحنا 18: 29, 30) . وكأنهم يقولون: عندما يقدم إليك رجال السنهدريم الذين هم رؤساء الأمة رجلا يعتبرونه مستحقا للموت فهل هنالك ما يدعو إلى السؤال عن التهمة الموجهة إليه ؟ أرادوا بهذا أن يشعروا بيلاطس بأهمية مكانتهم ، وهذا يسوقه إلى إجابة طلبهم بدون حاجة إلى أمور تمهيدية أو أية تفاصيل . كانوا يتوقون على مصادقة بيلاطس على حكمهم لأنهم كانوا يعلمون أن الشعب الذين شاهدوا معجزات المسيا كان يمكنهم أن يسردوا قصة أخرى تختلف اختلافا بينا عن الأكاذيب التي كان أولئك الرؤساء يرددونها .

كان الكهنة يظنون أنهم أمام بيلاطس الضعيف المتقلب سيكونون قادرين على تنفيذ خططهم بدون كبير عناء . لقد سبق لبيلاطس أن وقع على حكم الموت بسرعة إذ أدان رجالا كانوا هم أعلم الناس بأنهم لا يستحقون الموت ، إذ كانت حياة أي أسير قليلة الأهمية في تقديره ، وسواء أكان بريئا أو مذنبا فذلك لم يكن أمرا بالغ الخطورة . كان الكهنة يؤملون أن بيلاطس سيقضي بالموت على يهوشوه بدون أن يعطيه فرصة للدفاع عن نفسه . هذه هي المنة التي طلبوها من بيلاطس بمناسبة حلول عيدهم القومي العظيم .

تأخير حكم الموت

ولكن بيلاطس رأى في هذا الأسير شيئا منعه من التهور فلم يجرؤ على عمل ذلك . لقد عرف نوايا الكهنة ، وذكر كيف أن يهوشوه منذ أيام قليلة أقام لعازر الرجل الذي ظل مدفونا في قبره أربعة أيام . ولذلك عزم على ألا يلقي عليه حكما بالإدانة قبلما يعرف ما هي التهم الموجهة ضده ، وما إذا كان يمكن إقامة الدليل على صدقها .

فقال لهم: إذا كان حكمكم كافيا فلماذا جئتموني بهذا الأسير؟ "خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاحْكُمُوا عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِكُمْ" (يوحنا 18: 31) . فإذ أحرجهم بيلاطس أجابوه قائلين إنهم قد حكموا عليه ولكن لا بد من أن ينطق هو بحكمه ليكون حكمهم شرعيا . فسألهم بيلاطس: وبماذا حكمتم ؟ فأجابوه قائلين: حكمنا عليه بالموت ، ولكن لا يجوز لنا أن نقتل أحدا . التمسوا من بيلاطس أن يصدق قولهم بأن المسيا مجرم فينفذ حكمهم وهم يتحملون مسؤولية ذلك .

لم يكن بيلاطس قاضيا عادلا أو رجلا حي الضمير . ولكن مع ضعف خلقه الأدبي فقد رفض إجابة هذا الطلب . إنه لا يقضي بالموت على يهوشوه حتى تثبت عليه تهمة .

وهنا وقع الكهنة في ورطة . لقد رأوا أنه ينبغي لهم إخفاء ريائهم تحت أسمك قناع . ينبغي ألا يسمحوا بإذاعة حقيقة كون المسيا قد قبض عليه لأسباب دينية . فلو قدم هذا كعلة للإدانة فلن يكون لإجراءاتهم أي وزن في نظر بيلاطس . ينبغي لهم أن يصوروا يهوشوه على أنه يعمل ضد القانون العام ، وفي هذه الحالة يمكن إدانته على إنه مجرم سياسي . كانت الفتن والثورات تقوم بين اليهود ضد الحكم الروماني بلا انقطاع . وكان الرومان يقمعون تلك الثورات بكل صرامة و قسوة ، وكانوا أبدا يقظين ليقضوا على كل ما من شأنه أن يؤدي إلى قيام الثورات .

قبل هذا بأيام قليلة فقط حاول الفريسيون أن يوقعوا المسيا في الفخ إذ سألوه قائلين: "أَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعْطِيَ جِزْيَةً لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟" ولكن المسيا كشف الستار عن نفاقهم . والرومان الذين كانوا حاضرين حينئذٍ رأوا خيبة أولئك المتآمرين وهزيمتهم المنكرة عندما أجابهم المسيا بقوله: "أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ليهوه ليهوه" (لوقا 20: 22, 25) .

فالآن ها هم الكهنة يظنون أنهم في تلك الحادثة يستطيعون أن يجعلوا الناس يصدقون أن المسيا علم بما أرادوه هم أن يعلم به . ففي كربهم الشديد طلبوا من بعض شهود الزور أن يشهدوا ضده قائلين: "وَجَدْنَا هذَا يُفْسِدُ الأُمَّةَ ، وَيَمْنَعُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ ، قَائِلاً: إِنَّهُ هُوَ مسيا مَلِكٌ" (لوقا 23: 3) . هذه ثلاث تهم لا أساس لها من الصحة . لقد عرف الكهنة هذا ولكنهم كانوا مستعدين لأن يشهدوا زورا للوصول إلى غرضهم .

أدرك بيلاطس غرضهم فلم يصدق إن هذا الأسير تآمر ضد الحكومة . إن منظره الدال على الوداعة والطهارة لا يمكن أن يتفق مع تلك التهمة بأي حال ، وكان بيلاطس مقتنعا بأن هنالك مؤامرة هائلة لإهلاك إنسان بريء اعترض طريق أولئك الرؤساء . فالتفت إلى يهوشوه وسأله قائلا: "أَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ ؟ فَأَجَابَهُ وَقَالَ: «أَنْتَ تَقُولُ»" (لوقا 23: 3) ، وإذا بشعاع برَّاق يندفع من محياه فيضيء مثل نور الشمس .

سلام وسط هياج الأمواج

عندما سمعوا هذا الجواب أشهد قيافا ومن معه بيلاطس على أن يهوشوه اعترف بصدق التهمة التي وجهوها إليه . فجعل الكهنة والكتبة والرؤساء يصرخون صرخات عالية طالبين منه الحكم على يهوشوه بالموت . ولقد ردد الرعاع تلك الصرخات وكان صوت الجلبة يصم الآذان ، فتحير بيلاطس . وإذ رأى أن يهوشوه لا يدفع تلك التهم عن نفسه قال له: "أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ ؟ اُنْظُرْ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ ! فَلَمْ يُجِبْ يهوشوه أَيْضًا بِشَيْءٍ" (مرقس 15: 4, 5) .

فإذ كان يهوشوه واقفا خلف بيلاطس وهو يرى كل من في الدار سمع كل الشتائم ، ولكنه لم يجب بكلمة على كل تلك التهم . كانت هيئته تبرهن على إحساسه ببراءته . وقف ثابتا أمام هياج الأمواج التي كانت تصطخب من حوله . وقد بدا وكأن أمواج الغضب التي كانت تعلو وترتفع كأمواج المحيط الصاخبة جعلت تهدر من حوله ولكنها لم تمسه . وقف صامتا ولكن صمته كان أبلغ من كل كلام . كان كنور يشع من إنسانه الداخل إلى إنسانه الخارج .

أدهشت طلعته بيلاطس فجعل يسائل قائلا: هل هذا الرجل لا يكترث لهذه الإجراءات لأنه لا يهتم بإنقاذ حياته ؟ وإذ نظر إلى يهوشوه وهو يتحمل الإهانات والسخرية دون أن يفكر في الثأر لنفسه أحس بأنه لا يمكن أن يكون إنسانا آثما أو ظالما كما كان الكهنة الصاخبون . فإذ كان يرجو أن يعلم الحقيقة منه ويتخلص من صخب الشعب أخذ بيلاطس يهوشوه جانبا وسأله ثانية: "أَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟" 

.فلم يجبه يهوشوه مباشرة . لقد عرف أن الروح القدس كان يجاهد مع بيلاطس فأعطاه فرصة للاعتراف بما يعتقده . فقال له: "أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هذَا ، أَمْ آخَرُونَ قَالُوا لَكَ عَنِّي؟" أي- هل هذه هي اتهامات الكهنة ، أم أن الرغبة في الحصول على النور مني هي التي ألهمتك بهذا السؤال ؟ فهم بيلاطس مرمى كلام المسيا ، ولكن الكبرياء قفزت إلى قلبه فلم يرد أن يعترف بالاقتناع الذي كان يلح عليه فقال: "أَلَعَلِّي أَنَا يَهُودِيٌّ ؟ أُمَّتُكَ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَسْلَمُوكَ إِلَيَّ . مَاذَا فَعَلْتَ ؟" (يوحنا 18: 35) .

ضاعت فرصة بيلاطس الذهبية . إلا أن يهوشوه لم يتركه دون أن يعطيه مزيدا من النور . ففي حين أنه لم يقدم جوابا مباشرا صريحا على سؤال بيلاطس فقد أوضح له رسالته ، وأفهم بيلاطس أنه لم يكن يطلب عرشا أرضيا .

قال له: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ . لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ . وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا . فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ ؟» أَجَابَ يهوشوه: أَنْتَ تَقُولُ: إِنِّي مَلِكٌ . لِهذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا ، وَلِهذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ . كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي" (يوحنا 18: 36, 37) .

أكد المسيا أن كلمته هـي في ذاتها مفتاح يفتح ويكشف السر لمن هم مستعدون لقبولها ، إذ فيها تكمن القوة الداعية لها ، وهذا هو سر انتشار ملكوت الحق . كان يطلب من بيلاطس أن يدرك أنه بواسطة قبول الحق وامتلاكه يمكن أن تتجدد الطبيعة الهالكة لا بأية وسيلة أخرى .

"لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً" 

كانت لدى بيلاطس رغبة في معرفة الحق ومن عقله كان مرتبكا . إنه بكل شوق فهم أقوال المخلص ، واستيقظ في نفسه شوق عظيم لمعرفة ما هو الحق وكيف يمكن الحصول عليه . فسأله قائلا: "مَا هُوَ الْحَقُّ؟"إلا أنه لم ينتظر جوابا . إن الصخب والشغب في الخارج ذكره بمشكلة الساعة ، لأن الكهنة كانوا يلحون في طلب عمل حاسم سريع . فإذ خرج إلى اليهود أعلن قائلا بكل تشديد: "أَنَا لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً" (يوحنا 18: 38) .

إن هذا الكلام الذي نطق به هذا القاضي الوثني كان تعنيفا قاسيا لغدر رؤساء إسرائيل وكذبهم إذ كانوا يشتكون على المخلص . فإذ سمع الكهنة والشيوخ هذا الكلام من فم بيلاطس أحسوا بخيبة آمالهم وأطلقوا لهياجهم وغضبهم العنان . لقد ظلوا طويلا يتآمرون في انتظار هذه الفرصة . فإذ رأوا أن هناك أملا في إطلاق سراح يهوشوه بدا وكأنهم يريدون أن يمزقوه إربا . فجعلوا يشهرون ببيلاطس بأصوات عالية ، ويتهددونه بالطعن فيه لدى السلطات الرومانية ، واتهموه بأنه لا يريد أن يقضي بالموت على يهوشوه الذي كانوا يؤكدون أنه ثائر على القيصر .

كانت تسمع صيحات غاضبة تعلن أن تأثير التمرد الذي ينشره يهوشوه معروف جيدا في كل مكان في البلاد ، وقال الكهنة: "إِنَّهُ يُهَيِّجُ الشَّعْبَ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ مُبْتَدِئًا مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى هُنَا" (لوقا 23: 5) لم يكن بيلاطس يفكر في ذلك الوقت في إدانة المسيا ، حيث علم أن اليهود كانوا يشتكون ضده مدفوعين بدافع الكراهية والتعصب ، وقد عرف واجبه . إن العدل يتطلب إطلاق سراح يهوشوه في الحال ، ولكن بيلاطس كان يخشى نوايا الشعب الشريرة . فلو رفض تسليم يهوشوه إلى أيديهم فلا بد من حدوث شغب ، وكان هو يخاف من مواجهة الشعب الغاضب الثائر . فحين علم أن يهوشوه جليلي عزم على إرساله إلى هيرودس حاكم الجليل الذي كان في أورشليم في تلك الأيام . إذ بهذا الإجراء حاول بيلاطس أن يلقي عن نفسه مسؤولية الحكم على يهوشوه إلى هيرودس ، كما كان بهذا يحاول أن يقضي على العداوة والخصومة القديمة التي كانت بينه وبين هيرودس . وقد تم له ما أراد فصار ذانك الحاكمان المتخاصمان صديقين بسبب محاكمة المخلص .

هيرودس يفحص يهوشوه

سلم بيلاطس يهوشوه ثانية إلى أيدي الجند . وفي وسط تهكم الرعاع وسخريتهم أسرعوا به إلى قصر هيرودس . "وَأَمَّا هِيرُودُسُ فَلَمَّا رَأَى يهوشوه فَرِحَ جِدًّا" (لوقا 23: 8) . لم يسبق له أن رأى المخلص . ولكنه "كَانَ يُرِيدُ مِنْ زَمَانٍ طَوِيل أَنْ يَرَاهُ ، لِسَمَاعِهِ عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً ، وَتَرَجَّى أَنْ يَرَى آيَةً تُصْنَعُ مِنْهُ" (لوقا 23: 8) . كان هيرودس هذا هو الرجل الذي لطخ يديه بدم يوحنا المعمدان . إنه عندما سمع عن يهوشوه أول مرة تملكه الفزع وقال: "هذَا هُوَ يُوحَنَّا الَّذِي قَطَعْتُ أَنَا رَأْسَهُ . إِنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ !" ، "وَلِذلِكَ تُعْمَلُ بِهِ الْقُوَّاتُ" (مرقس 6: 16؛ متى 14: 2) . ومع ذلك فقد تاق هيرودس لرؤية يهوشوه . والآن ها الفرصة مواتية لإنقاذ حياة هذا النبي . تمنى الملك أن يبعد عن عقله إلى الأبد منظر ذلك الرأس الذي قد أتى به إليه على طبق ، كما أراد إشباع فضوله ، ففكر قائلا إنه إذا قدم ليهوشوه أي أمل في إطلاق سراحه فهو بكل سرور سيفعل كل ما يطلب منه .

وقد تبع يهوشوه إلى قصر هيرودس جمع كبير من الكهنة والشيوخ . وعندما أدخل المخلص أمام الملك بدأ هؤلاء الأحبار بتقديم شكاياتهم ضده باهتياج شديد . ولكن هيرودس لم يبد اهتماما كبيرا بتلك التهم . فأمر الجميع أن يصمتوا لتكون لديه فرصة فيها يستجوب المسيا . وأمر بأن يحل المسيا من وثاقه . وفي نفس الوقت اتهم أعداءه بالقسوة في معاملته . وإذ نظر برفق إلى وجه فادي العالم الوقور رأى مرتسما عليه سيماء الحكمة والطهارة . وعلم كما علم بيلاطس من قبل أن المسيا قد أشتكي عليه بدافع من الخبث والحسد .

سأل هيرودس المسيا بكلام كثير ولكن المخلص ظل ملتزما جانب الصمت طول الوقت . وبناء على أمر الملك أدخل العرج والمقعدون ، ثم أمر المسيا أن يبرهن على صدق ادعاءاته بإجراء معجزة . قال له هيرودس: الناس يقولون عنك إنك تستطيع أن تشفي المرضى ، وأنا أتوق لأن أرى أن شهرتك التي طبقت الآفاق ليست أمرا مكذوبا أو مبالغا فيه . ولم يستجب يهوشوه لطلب هيرودس . وظل هيرودس يلاحقه بطلباته وإلحاحه فقال له: إن كنت تستطيع أن تصنع المعجزات لأجل خير الآخرين فاصنعها الآن لأجل خيرك أنت وهذا سيكون في مصلحتك . ومرة أخرى أمره قائلا: أرنا آية تبرهن على إنك تملك القوة التي بها صنعت المعجزات العظيمة المنسوبة إليك . ولكن المسيا كان كمن لا يسمع ولا يرى . لقد اتخذ ابن يهوه طبيعة الإنسان فينبغي أن يعمل كما يجب على الإنسان أن يعمل في مثل تلك الظروف . ولذلك ينبغي ألا يصنع معجزة لينقذ نفسه من الآلام والإذلال الذي ينبغي أن يتحمله الإنسان عندما يوضع في مثل ذلك الموقف .

بصمته يذل كبرياء الملك

وقد وعد هيرودس المسيا أنه إذا صنع أمامه معجزة فسيطلق سراحه . لقد رأى المشتكون على يهوشوه بعيونهم العجائب التي صنعها بقوته ، وسمعوه وهو يأمر القبر أن يسلم الموتى الذين فيه ، كما رأوا الموتى يخرجون إطاعة لصوته . وأخشى ما كانوا يخشونه الآن هو أن يصنع معجزة يظهر بها قدرته ، لأن في إظهار قوته القضاء على كل خططهم وقد يكلفهم حياتهم . ومرة أخرى قدم الكهنة والرؤساء شكاياتهم في جزع شديد ، ثم رفعوا أصواتهم قائلين عن يهوشوه إنه خائن ومجدف وإنه يصنع معجزاته بقوة بعلزبول رئيس الشياطين . لقد صارت تلك القاعة مسرحا للارتباك والتشويش ، فالبعض كانوا يصرخون بشيء وغيرهم بشيء آخر .

كان ضمير هيرودس الآن أقل حساسية مما كان عندما اهتز رعبا حين طلبت هيروديا رأس يوحنا المعمدان . لقد ظل وقتا يحس بوخزات الندم الأليمة على عمله المريـع ، ولكن أحاسيسه الأدبية ازدادت انحطاطا بسبب حياة الخلاعة التي عاشها . أما الآن فقد تقسى قلبه إلى حد أن صار يفتخر بالقصاص الذي أوقعه على يوحنا لأنه تجرأ على توبيخه . وها هو الآن يهدد يهوشوه إذ أعلن مرارا أن له سلطانا أن يطلقه وسلطانا أن يحكم عليه . ولكن لم يبد على يهوشوه أنه قد سمع شيئا .

أثار هذا الصمت ثائرة هيرودس ، إذ دل صمته على عدم اكتراثه لسلطانه . إن تجاهله لهذا الملك المختال الفخور سيكون أشد إيلاما له من مجرد توبيخه . ومرة أخرى هدد يهوشوه بغضب ، ولكنه ظل صامتا وثابتا .

إن رسالة المسيا إلى هذا العالم لم تكن لمجرد إشباع الفضول العاطل . لقد أتى لكي يشفي المنكسري القلوب ، فلو كان هنالك مجال لأن يتكلم كلاما يكون من نتائجه شفاء النفوس المريضة التي جرحتها الخطية لما ظل صامتا . ولكن لم يكن لديه ما يقوله لأولئك الذين يدوسون الحق تحت أقدامهم النجسة .

كان المسيا يستطيع أن يكلم هيرودس كلاما يخترق مسمع ذلك الملك القاسي ، وكان يمكنه أن يصعقه بالخوف والرعب إذ يكشف أمام عينيه كل خطاياه التي ارتكبها في مدى حياته وهول دينونته القادمة . ولكن صمت المسيا كان أقسى توبيخ يمكن أن يوجهه إليه . لقد رفض هيرودس الحق الذي قدمه إليه أعظم الأنبياء . ولذلك فلن تقدم إليه رسالة أخرى . لم يكن لدى جلال السماء ما يقوله له . إن تلك الأذن التي كانت أبدا مفتوحة لسماع كل شيء عن ويلات البشر وبلاياهم لم يكن لديها مجال لسماع أوامر هيرودس . وتانك العينان اللتان كانتا دائما تسستقران على الخاطئ في محبة مشفقة غافرة لم تلتفتا إلى هيرودس . وتانك الشفتان اللتان كانتا تنطقان بأقوى حق مؤثر واللتان جعلتا تنذران الخطاة المنحطين في توسل رقيق كانتا مطبقتين أمام الملك المتكبر الذي لم يكن يحس بحاجته إلى مخلص.

اكمَدّ وجه هيرودس من فرط الغضب ، وإذ التفت إلى الجمع الواقف أمامه أعلن أن يهوشوه إنسان محتال دجال . وبعد ذلك قال ليهوشوه إذا لم تقدم برهانا على صدق دعواك فسأسلمك إلى العسكر والشعب فقد يفلحون في حملك على الكلام . فإن كنت محتالاً فإنك لا تستحق غير الموت بأيديهم . أما إن كنت ابن يهوه فخلص نفسك بعمل معجزة .

هيرودس يتبكت

ما أن نطق هيرودس بهذا الكلام حتى هجم الناس على المسيا . لقد هجم ذلك الشعب على يهوشوه كما تهجم الوحوش الضارية على الفريسة . فجعلوا يسحبونه هنا وهناك ، وقد شارك هيرودس جمهور الرعاع في إذلال ابن يهوه ، ولولا تدخل جنود الرومان وإرغامهم ذلك الشعب المخبول على التراجع لتمزق جسد المخلص إربا .

"فَاحْتَقَرَهُ هِيرُودُسُ مَعَ عَسْكَرِهِ وَاسْتَهْزَأَ بِهِ ، وَأَلْبَسَهُ لِبَاسًا لاَمِعًا" (لوقا 23: 11) . وقد اشترك جند الرومان في تلك الإهانات . إن كل ما استطاع أولئك الجنود الأشرار الفاسدون أن يبتكروه من إهانات بمساعدة هيرودس وأحبار اليهود انصب على المخلص ، ولكن صبره الإلهي لم يخذله .

حاول مضطهدو المسيا أن يقيسوا أخلاقه على أخلاقهم . لقد صوروه على إنه في مثل سفالتهم . ولكن خلف كل ذلك المظهر الحاضر ظهر منظر آخر- منظر سيرونه في ملء مجده يوما ما . كان يوجد بعض من ارتعبوا في حضرة المسيا ، فعندما كان ذلك الجمع السمج يجثون أمامه في سخرية تراجع بعض من تقدموا ليسخروا به وهم خائفون صامتون ، وقد تبكت هيرودس . لقد كانت آخر أشعة نور رحمة يهوه تسطع على قلبه الذي تقسى بالخطية ، وأحس بأن هذا الأسير لا يمكن أن يكون إنسانا عاديا لأن ألوهيته أشرقت من خلال بشريته ، ففي نفس الوقت الذي كان المسيا فيه محاطا بالهازئين والزناة والقتلة أحس هيرودس بأنه يرى أمامه إلها متربعا على عرشه .

ومع أن هيرودس كان رجلا قاسيا فإنه لم يجرؤ على المصادقة على إدانة المسيا ، فقد كان يرغب في إخلاء نفسه من المسؤولية الرهيبة فأعاد يهوشوه إلى دار القضاء الروماني .

أحس بيلاطس بالخيبة واغتم كثيرا . فلما عاد إليه اليهود بأسيرهم سألهم بضجر عما يريدونه أن يفعل . فجعل يذكرهم بأنه كان قد فحص يهوشوه ولم يجد فيه علة ، وأخبرهم بأنهم قد قدموا شكاوى ضده ولكنهم لم يستطيعوا إثبات تهمة واحدة ضده ، وقد أرسل يهوشوه إلى هيرودس حاكم الجليل وأحد بني أمتهم ولكنه هو أيضا لم يجد فيه علة تستوجب الموت . ثم قال لهم: "فَأَنَا أُؤَدِّبُهُ وَأُطْلِقُهُ" (لوقا 23: 16) .

وهنا برهن بيلاطس على ضعفه . لقد أعلن أن يهوشوه بريء ولكنه أراد أن يجلده لكي يهدئ ثائرة المشتكين عليه . لقد آثر أن يضحي بالعدالة والمبادئ القويمة لكي يتواطأ مع أولئك الرعاع . هذا التصرف أوقفه في مركز حرج ، فقد ثار ذلك الجمع عليه بسبب تردده وازدادوا صراخا مطالبين بموت الأسير . فلو وقف بيلاطس ثابتا من البداية ورفض إدانة ذلك الإنسان الذي لم يجد فيه ذنبا ولا علة لكان قد حطم الأغلال المميتة التي كان سيوثق بها مكبلا بالإثم والندامة مدى حياته . لو نفذ اقتناعه بالصواب لما تجرأ اليهود على إملاء إرادتهم عليه . كان المسيا سيموت ولكن الجرم ما كان ليستقر على رأس بيلاطس . ولكن بيلاطس انحدر شيئا فشيئا في طريق مخالفة ضميره . لقد اعتذر لنفسه عن الحكم بالعدل والإنصاف ، وها هو الآن يكاد يكون عاجزا تماما بين أيدي الكهنة والرؤساء . إن تقلقله وتردده أفضيا إلى هلاكه .

آلام في حلم

ولكن حتى الآن لم يترك بيلاطس ليتصرف في غير تبصر . لقد جاءته رسالة من يهوه تحذره من ارتكاب الجريمة التي كان قادما على ارتكابها . فإجابة لصلاة المسيا افتقد ملاك من السماء امرأة بيلاطس فرأت المخلص في الحلم وتحدثت معه . لم تكن تلك السيدة يهودية ، ولكن فيما كانت تنظر إلى يهوشوه في الحلم لم يكن عندها أي شك في صفاته أو رسالته . عرفته بأنه ابن يهوه . ورأته يُحاكَم في دار القضاء وهو موثق اليدين كما لو كان مجرما . ورأت هيرودس وعساكره يهزأون به ويسخرون منه سخرية لاذعة ورهيبة . وسمعت الكهنة والرؤساء المملوئين خبثا وحسدا وهم يشتكون عليه بغضب جنوني . وسمعتهم يقولون: "لَنَا نَامُوسٌ ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ" (يوحنا 18: 7) . ورأت بيلاطس يسلم يهوشوه ليجلد بعدما أعلن قائلا: "أَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً" . وسمعت بيلاطس ينطق بالحكم عليه ورأته وهو يسلم المسيا لقاتليه . ورأت الصليب مرفوعا فوق جبل جلجثة . ورأت الأرض متشحة بالمسوح والظلام ، وسمعت تلك الصرخة الخفية: "قَدْ أُكْمِلَ" (يوحنا 19: 30) . وبعد ذلك رأت مشهدا آخر . رأت المسيا جالسا على سحابة عظيمة بيضاء بينما كانت الأرض تسبح في الفضاء ، ورأت قاتليه يهربون من بهاء مجده فصرخت صرخة فزع ثم استيقظت وفي الحال أرسلت إلى بيلاطس رسالة إنذار .

ففيما كان بيلاطس مترددا فيما كان ينبغي أن يفعل تقدم رسول وشق لنفسه طريقا في وسط ذلك الجمع وسلم لبيلاطس رسالة من امرأته تقول فيها: "إِيَّاكَ وَذلِكَ الْبَارَّ ، لأَنِّي تَأَلَّمْتُ الْيَوْمَ كَثِيرًا فِي حُلْمٍ مِنْ أَجْلِهِ" (متى 27: 19) .

يفضلون عليه لصا قاتلا

شحب وجه بيلاطس إذ كان متحيرا بسبب العوامل التي كانت تتصارع في نفسه . ولكن فيما كان هو يتلكأ في عمله كان الكهنة والرؤساء دائبين في إضرام نار التعصب ضد المسيا في عقول الشعب . فاضطر بيلاطس إلى أن يعمل . فكر في عادة اصطلحوا عليها قد يكون فيها إطلاق سراح المسيا ، ذلك أنه كانت هنالك عادة مألوفة تقضي بإطلاق سراح أحد الأسرى الذي يختاره الشعب في ذلك العيد . كانت تلك العادة عادة وثنية ، ولم يكن فيها أي أثر من آثار العدل ، ولكن اليهود كانوا يقدرونها تقديرا عظيما . وكان يوجد في ذلك الحين أسير لدى السلطات الرومانية يدعى باراباس ، كان محكوما عليه بالموت . ادعى هذا الرجل أنه هو مسيا ، كما ادعى أن له السلطان على أن يغير الأنظمة وأن يصلح الأوضاع المقلوبة في العالم . وإذ خدعه الشيطان ادعى أن كل ما يمكنه الاستيلاء عليه بالسرقة أو بالسلب هو من حقه . وقد عمل أعمالا عجيبة بقوة الشيطان وتبعه بعض الشعب ، مما أثار فتنة ضد الحكومة الرومانية . وتحت ستار الحماية الدينية صار وغدا قاسيا متهورا مصرا على التمرد والقسوة . فإذ أعطى بيلاطس الشعب حق الاختيار بين هذا الرجل وبين المخلص البريء ظن أنه سيحمسهم لأن يلزموا جانب العدل . وكان يرجو أنه سيظفر بعطفهم على يهوشوه ضد الكهنة والرؤساء . وهكذا إذ التفت إلى الجمع سألهم باهتمام عظيم قائلا: "مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ ؟ بَارَابَاسَ أَمْ يهوشوه الَّذِي يُدْعَى الْمسيا؟" (متى 27: 17) .

فجاء جوابهم كزئير الوحوش الضارية قائلا: "أَطْلِقْ لَنَا بَارَابَاسَ!" (لوقا 23: 18) وقد زاد صراخهم وارتفع عاليا وهم يقولون: باراباس ! باراباس ! وإذ ظن أن الشعب لم يفهموا سؤاله عاد يسألهم: "أَتُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ مَلِكَ الْيَهُودِ؟"  (مرقس 15: 9) ، فصرخوا ثانية قائلين: "خُذْ هذَا ! وَأَطْلِقْ لَنَا بَارَابَاسَ !" (لوقا 23: 18) . فسألهم بيلاطس قائلا: "فَمَاذَا أَفْعَلُ بِيهوشوه الَّذِي يُدْعَى الْمسيا؟" (متى 27: 23) ، ومرة أخرى ارتفع زئير تلك الجموع كما لو كانوا شياطين . إن الشياطين أنفسهم اندسوا بين الناس في هيئة بشر ، وما الذي كان ينتظر منهم إلا أن يصرخوا بصوت واحد قائلين: "لِيُصْلَبْ!" (متى 27: 23) .

اضطرب بيلاطس ، إذ لم يكن في حسبانه أن الأمر سيصل إلى تلك الدرجة من الخطورة . لقد ارتعب من فكرة تسليم إنسان بريء ليلاقي أقسى ميتة مهينة ومشينة يمكن إيقاعها بإنسان . فلما هدأ زئير تلك الصرخات التفت إلى الشعب قائلا: "وَأَيَّ شَرّ عَمِلَ؟" (مرقس 15: 14) . ولكن الأمر كان قد تفاقم وزاد في خطورته بحيث لم تعد تجدي فيه الحجة . إنهم لم يكونوا يريدون معرفة البراهين على براءة المسيا بل كانوا يطلبون إدانته .

لكن بيلاطس ظل يحاول إطلاق المسيا وإنقاذه من الموت: "فَقَالَ لَهُمْ ثَالِثَةً: «فَأَيَّ شَرّ عَمِلَ هذَا ؟ إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِيهِ عِلَّةً لِلْمَوْتِ ، فَأَنَا أُؤَدِّبُهُ وَأُطْلِقُهُ»" (لوقا 23: 22) . ولكن مجرد ذكر كلمة إطلاقه أثار الشعب وزاد في هياجهم عشرة أضعاف فصرخوا قائلين: اصلبه ، اصلبه ! وقد زاد اشتداد تلك العاصفة وتفاقم هياج الشعب بسبب تردد بيلاطس .

أُخذ يهوشوه وهو خائر ومُعْيٍ ، وقد غطت الجروح جسمه ثم جلد على مرأى من تلك الجموع: "فَمَضَى بِهِ الْعَسْكَرُ إِلَى دَاخِلِ الدَّارِ ، الَّتِي هِيَ دَارُ الْوِلاَيَةِ ، وَجَمَعُوا كُلَّ الْكَتِيبَةِ . وَأَلْبَسُوهُ أُرْجُوَانًا ، وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَيْهِ ، وَابْتَدَأُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: «السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ !» ... وَيَبْصُقُونَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يَسْجُدُونَ لَهُ جَاثِينَ عَلَى رُكَبِهِمْ" (مرقس 15: 16- 19) . وأحيانا كانت تمتد يد آثمة وتختطف القصبة التي كانت قد وضعت في يده وتضربه على رأسه المكلل بإكليل الشوك فكان الشوك ينغرز في جبينه فكانت قطرات الدم تنزل على وجهه ولحيته .

الظالم والمظلوم

ابهتي أيتها السماوات وتحيري واقشعري أيتها الأرض . ها هم الظالمون وها هو المظلوم . هاهم جماعة من المعتوهين المجانين يحيطون بمخلص العالم ، وها هي السخرية والتهكم تتخللها الأقسام السمجة والتجاديف . وها هم الرعاع العديمو الشعور ينتقدون ميلاد المسيا الوضيع وحياة التواضع التي عاشها . وها هم يستهزئون بدعواه بأنه ابن يهوه ، وهاهي الأفواه تتناقل النكات السمجة والتهكم اللاذع المهين !!

إن الشيطان هو الذي قاد أولئك الرعاع إلى إهانة المخلص . لقد كان غرضه أن يغيظه لينتقم إذا أمكن ، أو يدفعه إلى عمل معجزة ليطلق نفسه حرا ، وهكذا ينهار تدبير الخلاص ويتحطم . فأقل لطخة على حياته البشرية ، وإخفاق بشريته ، ولو مرة واحدة في احتمال المحنة الرهيبة كان ذلك كفيلا بأن يجعل حمل يهوه ذبيحة ناقصة ، وهكذا يخفق المسيا في فداء بني الإنسان . ولكن ذاك الذي كان يستطيع بأمره أن يجيء بالأجناد السماويين لمعونته ، الذي كان يستطيع أن يطرد أولئك الرعاع فيفرون هاربين مرتعبين من منظره عندما يرهبهم بنور جلال ألوهيته ، استسلم بهدوء كامل للإهانات والاعتداءات السمجة .

لقد طلب أعداء المسيا منه آية لإثبات ألوهيته ، ولكن كان أمامهم برهان أعظم بكثير من كل ما طلبوه . فكما أن القسوة جعلت معذبي يهوشوه ينحطون إلى أحط من درجة الإنسانية فصاروا كالشياطين ، كذلك وداعة يهوشوه وصبره رفعا مقامه فوق بني الإنسان ، وبرهنا على صلته بيهوه . إن اتضاعه كان ضمانا لرفعته وتمجيده . وإن قطرات الدماء التي نزلت من صدغيه إلى وجهه ولحيته كانت ضمانا لتطييبه "بزيت الابتهاج" (عبرانيين 1: 9) كرئيس كهنتنا العظيم .

اهتاج الشيطان وغضب جدا حين رأى أن كل الإهانات التي انهالت على المخلص لم تستطع أن تجعله ينطق بكلمة تذمر واحدة . فمع أنه اتخذ طبيعة الإنسان فقد أسندته قوة الجلد والاحتمال الإلهي ، ولم يمل عن إرادة أبيه في صغيرة أو كبيرة .

إن بيلاطس عندما أسلم يهوشوه للجلد والسخرية كان يظن إنه بذلك يثير عطف الشعب عليه ، وكان يرجو أنهم سيعتبرون ذلك قصاصا كافيا . وكان يظن أيضا أنه حتى الكهنة الحاقدون سيقنعون بذلك . ولكن أولئك اليهود رأوا بذكائهم الحاد ضعف بيلاطس في تأديبه لإنسان أعلن هو مرارا أنه بريء . وقد رأوا أن بيلاطس يبذل جهوده لإنقاذ حياة الأسير فصمموا على عدم إطلاق يهوشوه . وقد جعلوا يفكرون قائلين: إن بيلاطس أمر بجلد يهوشوه لكي يرضينا ، فإذا كنا نمضي بإصرارنا حتى نصل إلى نتيجة حاسمة فسنبلغ مأربنا .

أما بيلاطس فقد أرسل الآن يطلب الإتيان بباراباس إلى دار القضاء . فلما جيء به أوقف ذينك الأسيرين جنبا إلى جنب . وإذ أشار إلى المخلص قال بصوت التوسل المهيب: "هُوَذَا الإِنْسَانُ!" ، "هَا أَنَا أُخْرِجُهُ إِلَيْكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً" (يوحنا 18: 5, 4) .

هناك وقف ابن يهوه وعليه ثوب السخرية وإكليل الشوك . وإذ كان معرى إلى الحقوين بانت على ظهره آثار الجلدات الطويلة القاسية التي جرى الدم منها غزيرا . وكان وجهه ملطخا بالدم ، وبدت عليه آثار الإرهاق والألم الشديد . ولكنه كان حينئذٍ أجمل مما كان في أي وقت مضى . لم يكن منظر المخلص مفسدا أمام أعدائه ، وقد عبرت كل تقاسيم وجهه عن الرقة والتسليم وأرق الحنان نحو أعدائه القساة . لم يبد عليه الجبن أو الضعف بل قوة وعظمة الاحتمال وطول الأناة . كان الفرق عظيما بينه وبين الأسير الواقف إلى جواره . فكل تقاطيع وجه باراباس دلت على أنه وغد قاس ، وقد ظهر الفرق واضحا لدى كل المشاهدين . كان بعض أولئك الناس يبكون . فإذ نظروا إلى يهوشوه فاضت قلوبهم بالعطف عليه . وحتى الكهنة والرؤساء اقتنعوا بصدق دعواه .

لم يكن كل الجنود الرومان المحدقين النظر إلى المسيا قساة ، فقد كان بعضهم ينظرون إليه بكل اهتمام ليروا دليلا واحدا ينبئ عن كونه مجدفا أو شخصا خطرا . ومن وقت إلى آخر كانوا ينظرون إلى باراباس نظرات الازدراء . ولم تكن هنالك حاجة إلى فراسة عميقة لمعرفة خبايا أخلاقه . ثم بعد ذلك كانوا يلتفتون إلى ذاك الواقف ليحاكم ، وقد نظروا إلى ذلك المتألم الإلهي بإشفاق عميق . إن استسلام المسيا الصامت طبع على أذهانهم منظرا لن يمحى ، إما إلى أن يعترفوا بأنه هو مسيا ، أو إلى أن يختموا على مصيرهم برفضهم إياه .

امتلأ بيلاطس دهشة من صبر المخلص في غير تذمر أو شكوى . ولم يكن يشك في أن منظر هذا الإنسان الذي يختلف اختلافا بينا عن منظر باراباس سيحرك اليهود بالعطف على يهوشوه . ولكنه لم يكن يفهم مقدار الكراهية والتعصب المرير الذي كان يضمره الكهنة للمسيا الذي لكونه نور العالم فقد كشف عن ظلمتهم وشرهم . لقد أهاجوا الرعاع ليثوروا عليه ثورة جنونية . ومرة أخرى صرخ الكهنة والرؤساء والشعب تلك الصرخة المخيفة قائلين: "اصْلِبْهُ ! اصْلِبْهُ !" . أخيرا إذ نفذ صبر بيلاطس أمام قسوتهم غير المعقولة صاح قائلا: "خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاصْلِبُوهُ ، لأَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً" (يوحنا 19: 6) .

إن هذا الحاكم الروماني مع إنه كان معتادا رؤية مناظر القسوة فقد تحرك قلبه بالعطف على ذلك الأسير المتألم الذي مع إنه حكم عليه وجلد وكان دامي الجبهة وممزق الظهر ، فقد كانت هيئته لم تزل هيئة ملك على عرشه . ولكن الكهنة أعلنوا قائلين: "لَنَا نَامُوسٌ ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ ، لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ يهوه" (يوحنا 19: 7) .

يرى فيه شخصا إلهيا

فزع بيلاطس . فهو لم تكن لديه فكرة صحيحة عن المسيا ورسالته ، ولكنه كان يؤمن إيمانا مبهما بيهوه وبخلائق أسمى من بني الإنسان . وإن فكرة كانت قد مرت قبلا بذهنه بدأت الآن تتخذ لها هيئة معينة ، فجعل يتساءل ما إذا لم يكن ذلك الشخص الماثل أمامه شخصا إلهيا مع إنه يلبس ثوب أرجوان للزراية والسخرية وعلى رأسه إكليل من شوك .

عاد إلى ساحة القضاء وسأل يهوشوه قائلا: "مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟" (يوحنا 19: 9) . أما يهوشوه فلم يعطه جوابا . كان المخلص قد تحدث مع بيلاطس بكل حرية موضحا له رسالته كمن جاء ليشهد للحق ، أما بيلاطس فاحتقر النور . لقد أساء استخدام مركزه السامي كقاضٍ إذ تنحى عن مبادئه وسلطته نزولا على مطاليب الرعاع . ولم يكن لدى يهوشوه نور آخر يعطيه إياه . فإذ اغتاظ من صمت الفادي قال له بكل غطرسة: "أَمَا تُكَلِّمُنِي ؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَانًا أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَانًا أَنْ أُطْلِقَكَ؟"  "لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ ، لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ . لِذلِكَ الَّذِي أَسْلَمَنِي إِلَيْكَ لَهُ خَطِيَّةٌ أَعْظَمُ" (يوحنا 19: 10, 11) . وهكذا نجد أن المخلص المشفق الرحيم في وسط آلامه وأحزانه المرة عذر بقدر المستطاع لذلك الحاكم الروماني فعلته ، وهو الذي أسلمه ليصلب . فما أعظم هذا من مشهد يمكن تقديمه للعالم مدى العصور ! وما أعظم النور الذي يريقه على صفات ذاك الذي هو ديان كل الأرض ! قال يهوشوه: "الَّذِي أَسْلَمَنِي إِلَيْكَ لَهُ خَطِيَّةٌ أَعْظَمُ" ، وكان المسيا بذلك يقصد قيافا الذي ، بصفته رئيسا للكهنة ، كان يمثل الأمة اليهودية . لقد كانوا يعرفون المبادئ التي كانت مسيطرة على السلطات الرومانية . أما هم فقد أعطي لهم النور من النبوات التي شهدت عن المسيا ، ومن تعاليمه ومعجزاته . وقد حصل قضاة اليهود على براهين لا تخطئ على ألوهية ذاك الذي حكموا عليه بالموت ، وقد دينوا بموجب النور المعطى لهم .

إن أعظم جرم وأثقل مسؤولية كانت هي مسؤولية أولئك الذين احتلوا أرفع المناصب في الأمة الذين أودعت بين أيديهم أقدس الودائع التي خانوها وسلموا فيها بكل نذالة . لقد كان بيلاطس وهيرودس وعساكر الرومان يجهلون حقيقة يهوشوه بالقياس إلى هؤلاء ، وقد فكروا في إرضاء الكهنة والرؤساء بإهانتهم ليهوشوه ومعاملته بالقسوة . إنهم لم يحصلوا على النور الذي حصلت عليه الأمة اليهودية بكل سخاء . ولو أعطي النور للعسكر لما عاملوا المسيا بمثل تلك القسوة .

"إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ"

اقترح بيلاطس مرة أخرى أن يطلق المخلص: "وَلكِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: «إِنْ أَطْلَقْتَ هذَا فَلَسْتَ مُحِبًّا لِقَيْصَرَ»" (يوحنا 19: 12) . وهكذا كان أولئك المنافقون يتظاهرون بغيرتهم على سلطان القيصر . لقد كان اليهود ألد أعداء الحكم الروماني ، وكانوا قساة في عدائهم . وعندما لم يكن هنالك خطر عليهم من إرغام الرومان على إجابة مطاليبهم القومية والدينية كانوا يفعلون ذلك بكل استبداد وطغيان . ولكن عندما كانوا يريدون تحقيق غرض ينطوي على القسوة كانوا يمجدون سلطان القيصر . فلكي يتحقق لهم إهلاك المسيا أعلنوا ولاءهم للحكم الأجنبي الذي كانوا يمقتونه .

وقد عادوا يصيحون قائلين: "كُلُّ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَلِكًا يُقَاوِمُ قَيْصَرَ!" (يوحنا 19: 12) . لمس هذا القول نقطة الضعف في بيلاطس . فلقد كادت الحكومة الرومانية تشك فيه ، وكان هو يعرف أن مثل تلك الشكوى فيها القضاء عليه ، كما كان يعرف أنه لو أحبطت أغراض اليهود ولم يجابوا إلى طلبهم فسينقلبون ضده ولن يتركوا وسيلة للانتقام منه . وها هو يرى أمامه مثالا لإصرارهم الذي به طلبوا القضاء على ذاك الذي أبغضوه بلا سبب .

حينئذٍ جلس بيلاطس على كرسي الولاية وقدم يهوشوه لليهود مرة أخرى قائلا: "هُوَذَا مَلِكُكُمْ!" ومرة أخرى صرخوا صرختهم المجنونة قائلين: "خُذْهُ ! خُذْهُ ! اصْلِبْهُ !" (يوحنا 19: 14, 15) . فسألهم بيلاطس بصوت سمعه الجميع قائلا: "أَأَصْلِبُ مَلِكَكُمْ؟"فخرجت من أفواههم النجسة المجدفة هذه الكلمات: "لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرَ!" (يوحنا 19: 15) . وهكذا إذ اختارت الأمة اليهودية أن يحكم عليها ملك وثني انسحبت من تحت حكم يهوه . لقد رفضوا ملك يهوه عليهم . ومن ذلك الحين لم يكن لهم مخلص . لم يكن لهم ملك إلا قيصر . فقاد الكهنة والمعلمون الشعب إلى هذا المصير ، كما كانوا مسؤولين عن هذا وعن كل ما تلاه من عواقب مخيفة ، وهكذا تسبب الرؤساء الدينيون في جلب الخطية والهلاك على تلك الأمة .

"فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئًا ، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ ، أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلاً:«إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ ! أَبْصِرُوا أَنْتُمْ !»" (متى 27: 24) . نظر بيلاطس إلى المخلص بخوف مستذنبا نفسه . ومن بين ذلك البحر الزاخر من الوجوه المتطلعة إلى فوق لم ير السلام أو الطمأنينة إلا على وجه يهوشوه . وبدا وكأن هالة من النور الهادئ تحيط برأسه . وقال بيلاطس في قلبه: إنه إله . وإذ التفت إلى الجمع أعلن قائلا: إني بريء من دمه . خذوه أنتم واصلبوه . ولكن اسمعوا أيها الكهنة والرؤساء إني أعلن أنه بار . فعسى أن ذاك الذي يقول هو إنه أبوه يدينكم أنتم ولا يدينني أنا على جريمة هذا اليوم . ثم التفت إلى يهوشوه وقال له: اغفر لي هذا الخطأ فأنا لا أستطيع إنقاذك . وبعدما جلده مرة ثانية أسلمه ليصلب .

كان بيلاطس يتوق لإنقاذ يهوشوه ، ولكنه رأى أنه إذا أراد الاحتفاظ بمنصبه وكرامته فلن يستطيع إنقاذه . فلكي لا يخسر سلطته الدنيوية اختار التضحية بحياة شخص بريء . ما أكثر الذين يضحون بالمبدأ لكي يجنبوا أنفسهم الخسائر والآلام . إن الضمير والواجب يوجهاننا في اتجاه خاص ، أما المصلحة الذاتية فتوجهنا في اتجاه آخر . إن التيار يسرع في الاتجاه الخاطئ ، فالذي يتواطأ مع الشر ويرضى به سيجرفه التيار إلى ظلمة الإثم المخيفة .

استسلم بيلاطس لمشيئة أولئك الرعاع . فبدلا من المخاطرة بمنصبه أسلم يهوشوه للصلب . ولكن بالرغم من كل حذره وحيطته فقد أصابه بعد ذلك نفس ما كان يخشاه . لقد جرد من كل أوسمة الشرف وهوى من ذلك المنصب الرفيع . وإذ كان يتعذب من تبكيت ضميره وكبريائه الجريحة مات منتحرا بعد صلب المسيا بقليل . وهكذا نجد أن كل من يتواطأ مع الخطية لن ينال سوى الحزن والألم والهلاك . "تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً ، وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ" (أمثال 14: 12) .

"دَمُهُ عَلَيْنَا"

عندما أعلن بيلاطس أنه بريء من دم المسيا أجابه قيافا متحديا: "دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا" (متى 27: 25) . وقد ردد الكهنة والرؤساء نفس تلك الكلمات المخيفة ، كما دوت بها أصوات الجموع الوحشية . "دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا" .

اختار شعب إسرائيل لأنفسهم . فإذ أشاروا إلى يهوشوه قالوا: "لَيْسَ هذَا بَلْ بَارَابَاسَ!" (يوحنا 18: 40) . إن باراباس الذي كان لصا قاتلا كان رمزا للشيطان ، أما المسيا فكان يمثل يهوه . وقد رفضوا المسيا واختاروا باراباس . وكان باراباس سيطلق لهم . وهم إذ وقع اختيارهم على باراباس فقد اختاروا ذلك الذي كان من البدء كذابا وقتالا للناس . لقد كان الشيطان قائدا لهم . وكأمة نفذوا كل أوامر الشيطان . لقد عزموا على أن يعملوا أعماله ولا بد أن يخضعوا لحكمه القاسي . وذلك الشعب الذين اختاروا باراباس ورفضوا المسيا كان لا بد لهم أن يجرعوا تلك الكأس المريرة كأس قسوة باراباس إلى انقضاء الدهر .

إن اليهود إذ نظروا إلى حمل يهوه المضروب والمتألم صرخوا قائلين: "دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا" وقد صعدت تلك الصرخة المخيفة إلى عرش يهوه . وذلك الحكم الذي حكموا به على أنفسهم كتب في السماء . فأجيبت تلك الطلبة ، إذ صار دم ابن يهوه لعنة دائمة على أولادهم وأولاد أولادهم .

كل ذلك تحقق بكيفية مرعبة في خراب أورشليم ، وأظهر ذلك كله بكيفية مخيفة في الأحداث التي مرت بالأمة اليهودية مدى ثمانية عشر قرنا- إذ كانوا غصنا مقطوعا من الكرمة ، غصنا يابسا وعقيما ليجمع ويطرح في النار ويحترق . وإذ كانوا يجولون في كل العالم من أرض إلى أرض ومن قطر إلى قطر كانوا أمواتا ، نعم أمواتا بالذنوب والخطايا .

وستجاب تلك الطلبة بكيفية مرعبة في يوم الدين العظيم . إذ عندما يجيء المسيا إلى الأرض ثانية فالناس لن يروه كما كان أسيرا يحدق به الرعاع: ولكنهم سيرونه كمن هو ملك السماء . إنه سيأتي في مجده ومجد أبيه ومجد الملائكة القديسين .  وستكون حاشيته التي ترافقه في طريقه ربوات ربوات وألوف ألوف من الملائكة الذين هم أبناء يهوه الحسان المنتصرون  وعليهم مسحة من الجمال والمجد لا تباري . وحينئذٍ يجلس على كرسي مجده ويجتمع أمامه جميع الشعوب . حينئذٍ ستراه  كل عين والذين طعنوه . وعوضا عن إكليل الشوك سيلبس إكليل المجد- إكليل في داخل إكليل . وبدلا من ذلك الرداء  الأرجواني البالي سيتسربل بثوب أشد بياضا من النور: "لاَ يَقْدِرُ قَصَّارٌ عَلَى الأَرْضِ أَنْ يُبَيِّضَ مِثْلَ ذلِكَ" (مرقس 9: 3) . "وَلَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ اسْمٌ مَكْتُوبٌ:«مَلِكُ الْمُلُوكِ وَسيَد الأسياد»" (رؤيا 19: 16) . وسيكون هناك أولئك الذين سخروا به وضربوه . ومرة أخرى سيرى الكهنة والرؤساء ذلك المشهد الذي قد رأوه في دار القضاء . وكل حادث سيظهر أمامهم كما لو كان مكتوبا بحروف من نار . وحينئذٍ فالذين صرخوا قائلين:"دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا"سيجابون إلى طلبهم . وحينئذٍ سيعرف العالم كله ويدرك . وحينئذٍ سيتحققون من شخصية ذاك الذي كانوا يحاربونه مع إنهم بشر ضعفاء . ففي رعب وعذاب هائلين سيصرخون إلى الجبال والصخور قائلين: "اسْقُطِي عَلَيْنَا وَأَخْفِينَا عَنْ وَجْهِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَعَنْ غَضَبِ الْخَرُوفِ ، لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ يَوْمُ غَضَبِهِ الْعَظِيمُ . وَمَنْ يَسْتَطِيعُ الْوُقُوفَ؟" (رؤيا 6: 16, 17) .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App