6. موت على قمة جبل
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

"وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى «جُمْجُمَةَ» صَلَبُوهُ هُنَاكَ" (لوقا 23: 33) .

يهوشوه ، "لِكَيْ يُقَدِّسَ الشَّعْبَ بِدَمِ نَفْسِهِ ، تَأَلَّمَ خَارِجَ الْبَابِ" (عبرانيين 13: 12) . إن آدم وحواء إذ تعديا على شريعة يهوه طردا من جنة عدن . فكان لزاما على المسيا نائبنا أن يتألم خارج حدود أورشليم . لقد مات خارج الباب حيث كان يعدم المجرمون والقتلة . إن كلمات الرسول القائلة: "اَلْمسيا افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا" (غلاطية 3: 13) هي كلمات لها دلالتها العميقة .

وقد تبع يهوشوه من دار القضاء إلى جلجثة جمع غفير من الشعب . وذاع نبأ الحكم عليه في أورشليم كلها ، فتقاطر إلى مكان الصلب جماهير من كل الطبقات والرتب . وكان الكهنة والرؤساء مرتبطين بوعد ألا يزعجوا أتباع المسيا إذا أسلم هو إلى أيديهم . فانضم إلى ذلك الجمع تلاميذ السيد وكل من قد آمنوا به من المدينة والإقليم المجاور . الجميع تبعوا المخلص .

سمعان القيرواني

وإذ خرج يهوشوه من باب دار ولاية بيلاطس وضع الصليب الذي كان معدا لباراباس على كتفيه الممزقتين الداميتين . وكان هناك اثنان من شركاء باراباس محكوما عليهما بالموت مع يهوشوه في نفس الوقت ، فوضع على أكتافهما صليبان . وكان صليب المخلص أثقل من أن يستطيع النهوض به وهو في حالة الإعياء والألم . فعند تناول عشاء الفصح مع تلاميذه لم يذق طعاما ولا شرابا . وقد اشتبك في صراع هائل مع قوات الشيطان في بستان جثسيماني فتعذبت نفسه ، كما احتمل آلام التسليم والخيانة ، ورأى تلاميذه يتركونه ويهربون . لقد أخذ من أمام حنان إلى قيافا إلى بيلاطس ، ومن هناك أخذ إلى هيرودس ثم أعيد إلى بيلاطس مرة أخرى . وقد انهالت عليه ألوان من الإهانات والسخرية ، كما تعذب من آلام الجلد مرتين . وطوال تلك الليلة كان يُرَى مشهد بعد آخر وكانت كلها مما يصعب على النفس احتماله إلى أقصى حد . ولكن المسيا لم يفشل ، فلم ينطق إلا بما يمجد يهوه . وطيلة ساعات تلك المحاكمة المزيفة المهينة ظل معتصما بثباته وعظمته . ولكن عندما وضع الصليب على منكبيه ليحمله بعدما جلد ثاني مرة لم تستطع طبيعته البشرية أن تحتمل أكثر من ذلك فسقط تحت حمله من الإعياء .

رأى الجمع الذي كان يتبعه خطواته الضعيفة المتعثرة ، ولكنهم لم يبدوا نحوه أي عطف أو رفق ، بل جعلوا يعيرونه وينتهرونه لعجزه عن حمل صليبه الثقيل . ومرة أخرى وضع عليه الصليب ولكنه سقط على الأرض مرة أخرى مغشيا عليه . فرأى ظالموه ومضطهدوه استحالة كونه يتقدم حاملا صليبه إلى أبعد من ذلك . وقد تحيروا في البحث عمن يرضى بحمل ذلك الحمل المذل . فاليهود أنفسهم لم يكونوا يستطيعون ذلك خشية أن يتنجسوا بحمل الصليب فيحرمون من ممارسة الفصح . وحتى الرعاع أنفسهم لم يكن بينهم من يرضى بأن يتنازل لحمل الصليب .

وفي ذلك الوقت التقى بهذا الجمع رجل غريب يدعى سمعان القيرواني كان آتيا من الحقل . فسمع التعييرات البذيئة الصادرة من ذلك الجمع ، وسمعهم وهم يرددون هذا القول بكل ازدراء: أفسحوا الطريق لملك اليهود ! فإذ يقف مندهشا من ذلك المنظر ومعبرا عن إشفاقه يمسكونه ويضعون الصليب على منكبيه .

كان سمعان هذا قد سمع عن يهوشوه ، وكان ابناه يؤمنان بالمخلص أما هو نفسه فلم يكن تلميذا ، فكان حمله للصليب إلى جلجثة بركة له ، وقد ظل مدى حياته بعد ذلك يشكر يهوه على هذه العناية ، إذ قادته العناية إلى أن يأخذ على نفسه صليب المسيا بمحض اختياره ويقف دائما فرحا تحت حمله .

حزن وعطف

كان بين من تبعوا المسيا إلى ساحة الموت القاسي عدد غير قليل من النساء وقد ثبَّتن أنظارهن في يهوشوه . وبعض منهن كن قد رأينه قبل ذلك ، بعض منهن كن قد حملن إليه مرضاهن المتألمين ، وبعض منهن كن قد شفين من أمراضهن ، وكانت تتلى على مسامعهن قصة المشاهد التي حدثت . وهن يندهشن من العداوة التي يضمرها أولئك الناس للمسيا مع أن قلوبهن تذوب وتكاد تتمزق حزنا عليه . وبالرغم من تصرف ذلك الجمع الدال على الجنون ، وكلام الغضب الذي ينطق به الكهنة والرؤساء ، فإن هؤلاء النسوة يظهرن عطفهن عليه . وإذ يسقط يهوشوه مغشيا عليه تحت الصليب ينفجرن نائحات مولولات .

كان هذا هو الشيء الوحيد الذي استرعى انتباه المخلص . فمع إنه كان يقاسي أشد الآلام وهو يحمل خطايا العالم فهو لم يكن عديم الاكتراث لهذا الحزن وهذا العطف من جانب أولئك النساء ، فالتفت إليهن بعطف ورقة . لم يكن مؤمنات به . وكان يعلم أنهن يبكين عليه لا كمن هو مرسل من يهوه ، بل ثارت في نفوسهن أحاسيس الإشفاق البشري . لم يحتقر هو هذا العطف منهن ، فلقد أثار عطفهن عليه في قلبه عطفا أعمق عليهن ، فقال يخاطبهن: "يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ ، لاَ تَبْكِينَ عَلَيَّ بَلِ ابْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ وَعَلَى أَوْلاَدِكُنَّ" (لوقا 23: 28) . لقد حول المسيا نظره عن المشهد الماثل أمامه ونظر إلى الأمام إلى أيام خراب أورشليم . ففي ذلك المشهد المخيف كان كثيرون ممن يبكون عليه الآن سيهلكون هم وأولادهم .

ثم انتقل فكر المسيا من مشهد سقوط أورشليم إلى مشهد دينونة أعم وأوسع . لقد رأى في خراب تلك المدينة العاصية رمزا للهلاك الأخير المزمع أن يأتي على العالم ، فقال: "حِينَئِذٍ يَبْتَدِئُونَ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ: اسْقُطِي عَلَيْنَا ! وَلِلآكَامِ: غَطِّينَا ! لأَنَّهُ إِنْ كَانُوا بِالْعُودِ الرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هذَا ، فَمَاذَا يَكُونُ بِالْيَابِسِ؟" (لوقا 23: 30, 31) . وقد رمز المسيا بالعود الرطب إلى نفسه كالفادي البار . لقد سمح يهوه بأن غضبه على الإثم ينصب على ابنه الحبيب ، فكان يهوشوه مزمعا أن يصلب لأجل خطايا الناس . فأي آلام سيتحملها الخاطئ السادر في خطاياه ؟ ! إن غير التائبين وغير المؤمنين جميعهم سيختبرون حزنا وشقاء لا يمكن وصفهما بالكلام .

وكان بين من ساروا مع المسيا إلى جلجثة كثيرون ممن كانوا منذ أيام قليلة يحفون به وهم يرددون هتافات الفرح والانتصار ويلوحون بسعوف النخل في دخوله منتصرا إلى أورشليم . ولكن عددا غير قليل منهم ممن كانوا يهتفون له ويمجدونه لأن ذلك كان أمرا شائعا بين الجمع ، ضموا أصواتهم إلى من كانوا يصرخون ضده قائلين: "اصْلِبْهُ ! اصْلِبْهُ !" . عندما كان المسيا داخلا إلى أورشليم انتعشت آمال التلاميذ وسمت إلى القمة . وكانوا يحفون بمعلمهم وهم يحسون أن انتسابهم إليه شرف ما بعده شرف . أما الآن وهو في حال الذل والهوان فكانوا يتبعونه من بعيد . كانت قلوبهم مفعمة حزنا ونفوسهم منحنية تحت ثقل آمالهم المنهارة . وها قد تحقق كلام يهوشوه حين قال: "كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِىَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ" (متى 31: 26) .

يسمر على الصليب

إذ وصل الموكب إلى مكان الإعدام أوثق الأسرى إلى آلات التعذيب . كان اللصان يتصارعان مع من وضعوهما على الصليبين ، أما يهوشوه فلم تبد منه أية مقاومة . وقد تبعت مريم أم يهوشوه ابنها إلى جلجثة مستندة على يوحنا ، التلميذ الحبيب . كانت قد رأته مغشيا عليه تحت حمل الصليب وكانت تتوق إلى أن تسند رأسه الجريح بيدها وترطب جبينه الذي طالما استند إلى حضنها . ولكن لم يسمح لها بذلك الامتياز المؤلم . كانت كالتلاميذ لم تزل ترجو أن يظهر يهوشوه قدرته ويخلص نفسه من أيدي أعدائه . ومرة أخرى غاص قلبها في أعماقها حين ذكرت الأقوال التي فيها أنبأ بالحوادث التي كانت تجري حينئذٍ . وإذ أوثق اللصان كل إلى صليبه كانت هي تنظر بقلق وعذاب . فهل ذاك الذي وهب للموتى الحياة يسمح بأن يدع نفسه يصلب ؟ وهل يموت ابن يهوه تلك الميتة القاسية وهل لا بد لها أن تتخلى عن إيمانها بأن يهوشوه هو مسيا ؟ وهل لابد لها أن تشاهد عاره وأحزانه دون أن يسمح لها حتى بأن تخدمه في ضيقه ؟ لقد رأت يديه ممدودتين على الصليب وقد أتي بالمطرقة والمسامير ، فإذ اخترقت تلك المسامير لحمه الرقيق فإن التلاميذ المحطمي القلوب حملوا أم يهوشوه بعيدا حتى لا تقع عيناها على ذلك المنظر المفجع القاسي .

لم تبد من المخلص كلمة تذمر أو شكوى ، بل ظل الهدوء والرصانة مرتسمين على وجهه . ولكن العرق كان يتصبب من جبينه . ولم تكن هناك يد مشفقة رحيمة لتمسح عن وجهه عرق الموت ، ولا كلام العطف والولاء الثابت ليثبت قلبه البشري . وإذ كان العسكر يقومون بعملهم المخيف القاسي صلى يهوشوه لأجل أعدائه قائلا: "يَا أَبَتَاهُ ، اغْفِرْ لَهُمْ ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لوقا 23: 3) . لقد انتقل تفكيره بعيدا عن آلامه إلى خطية معذبيه والجزاء الرهيب الذي يحل بهم . لم يستمطر اللعنات على العسكر الذين عاملوه بمنتهى الخشونة والقسوة . كلا ولا استنزل النقمة على الكهنة والرؤساء الذين كانوا ينظرون ويتفرسون في يهوشوه المصلوب فرحين بتحقيق أغراضهم ، بل رثى المسيا لهم في جهالتهم وإثمهم ، ولكنه فقط قدم هذا الالتماس عنهم: "أَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" .

لو علموا أنهم إنما كانوا يعذبون ذاك الذي قد أتى لكي يخلص البشرية الساقطة من الهلاك الأبدي ، لاستولى عليهم الندم والرعب ، ولكن جهلهم لم يمح جريمتهم لأنه كان امتيازا لهم أن يعرفوا يهوشوه ويقبلوه مخلصا لهم . إن البعض منهم كانوا سيكتشفون خطيتهم ويتوبون ويهتدون ، بينما البعض الآخر بسبب قساوة قلوبهم جعلوا استجابة صلاة المسيا لأجلهم أمرا مستحيلا . ومع ذلك ، سواء كان هذا أو ذاك ، فإن مقاصد يهوه كانت في طريقها إلى الإتمام . وقد صار ليهوشوه الحق في أن يصير شفيعا للناس عند الآب .

إن صلاة المسيا لأجل أعدائه شملت العالم كله . لقد شملت كل خاطئ عاش أو قد يعيش منذ إنشاء العالم إلى انقضاء الدهر . إن خطية صلب ابن يهوه تستقر على رؤوس الجميع . والغفران يقدم مجانا للجميع . "مَنْ يُرِدْ" يمكنه أن يحصل على السلام مع يهوه ويرث الحياة الأبدية .

العنوان غير المرغوب فيه

حالما سمر يهوشوه بالصليب رفع رجال أشداء الصليب وبعنف شديد غرزوه في المكان المعد له . وهذا سبب لابن يهوه أشد العذاب . حينئذٍ كتب بيلاطس عنوانا بالعبرانية واللاتينية واليونانية ووضعه فوق الصليب ، فوق رأس يهوشوه . وهذه هي الكتابة: "يهوشوه النَّاصِرِيُّ مَلِكُ الْيَهُودِ" ، فأثار هذا العنوان اليهود وأهاجهم . إنهم عندما كانوا في دار ولاية بيلاطس صرخوا قائلين: "اصْلِبْهُ" "لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرَ !" (يوحنا 19: 15) . وأعلنوا أن كل من يعترف بملك آخر يعد خائنا . فكتب بيلاطس الرأي الذي عبروا عنه ، إذ لم يقدموا على يهوشوه علة إلا كونه ملك اليهود لذا كانت تلك الكتابة اعترافا حقيقيا بولاء اليهود لسلطان الرومان ، إذ أعلن ذلك العنوان أن أي من يدعي أنه ملك إسرائيل فسيحكمون عليه بأنه مستوجب الموت . لقد خدع الكهنة أنفسهم . فعندما كانوا يتآمرون على قتل المسيا أعلن قيافا أنه من اللائق أن يموت إنسان واحد لينقذ الأمة . فها هو رياؤهم ينكشف الآن . فلكي يهلكوا المسيا كانوا مستعدين للتضحية حتى بكيانهم القومي .

وقد رأى الكهنة الآن فعلتهم على حقيقتها وطلبوا من بيلاطس أن يغير العنوان فقالوا له: "لاَ تَكْتُبْ: مَلِكُ الْيَهُودِ ، بَلْ: إِنَّ ذَاكَ قَالَ: أَنَا مَلِكُ الْيَهُودِ !" (يوحنا 19: 21) . ولكن بيلاطس نقم على نفسه الآن بسبب ضعفه السابق وكان احتقاره عظيما للكهنة والرؤساء الجسورين الماكرين فأجابهم بكل فتور قائلا: "مَا كَتَبْتُ قَدْ كَتَبْتُ" (يوحنا 19: 22) .

إن قوة أسمى وأعظم من قوة بيلاطس أو قوة اليهود هي التي قادت إلى وضع ذلك العنوان فوق رأس يهوشوه . فقد قصدت عناية يهوه أن يوقظ ذلك العنوان تفكير الناس ويجعلهم يفتشون الكتب . كان الموضع الذي صلب فيه المسيا قريبا من المدينة ، وكان آلاف الناس من كل البلدان في أورشليم في تلك الأيام فكانوا لا بد أنهم سيلاحظون العنوان القائل إن يهوشوه الناصري هو مسيا . لقد كان ذلك العنوان حقا حيا كتبته يد بإرشاد يهوه .

سخرية الأعداء

في آلام المسيا التي قاساها على الصليب تمت النبوة ، إذ سبق المخلص فأنبأ قبل ذلك بقرون طويلة عن نوع المعاملة التي كان سيعامل بها ، فلقد قال: "لأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلاَبٌ . جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي . ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ . أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَتَفَرَّسُونَ فِيَّ . يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ" (مزمور 22: 16- 18) . إن النبوة الخاصة بثيابه تمت بدون مشورة أو تداخل أصدقاء المصلوب أو أعدائه . فلقد أعطيت ثيابه للعسكر الذين رفعوه على الصليب ، وسمعهم المسيا يتنازعون وهم يقسمون ثيابه فيما بينهم . وكان قميصه بغير خياطة منسوجا كله من فوق . فقال بعضهم لبعض: "لاَ نَشُقُّهُ ، بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ" (يوحنا 19: 24) .

وفي نبوة أخرى أعلن المخلص قائلا: "الْعَارُ قَدْ كَسَرَ قَلْبِي فَمَرِضْتُ . انْتَظَرْتُ رِقَّةً فَلَمْ تَكُنْ ، وَمُعَزِّينَ فَلَمْ أَجِدْ . وَيَجْعَلُونَ فِي طَعَامِي عَلْقَمًا ، وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلاُ" (مزمور 69: 20, 21) . كان الذين يحكم عليهم بالموت صلبا يسمح بإعطائهم جرعات مخدرة حتى لا يحسوا بالألم . وقد قدمت تلك الجرعة ليهوشوه ، لكنه عندما ذاقها لم يرد أن يشربها . لم يرد أن يتجرع شيئا يشوش عقله أو يربكه ، إذ ينبغي أن يثبت إيمانه في يهوه ، ففي هذا كانت قوته الوحيدة . إن تخدير حواسه كان سيعطي للشيطان ميزة .

صب أعداء يهوشوه جامات غضبهم عليه وهو معلق على الصليب . لقد اشترك الكهنة والرؤساء والكتبة مع الرعاع في السخرية بالمخلص في ساعة احتضاره . عند معمودية المسيا وتجليه سمع صوت يهوه معلنا أن المسيا هو ابنه . ومرة أخرى قبيل تسليمه تكلم الآب شاهدا لألوهية ابنه . أما الآن فقد صمتت السماء ، ولم تسمع أية شهادة لصالح المسيا ، فاحتمل وحده إهانة الأشرار وسخريتهم .

وجعلوا يعيرونه قائلين: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ يهوه فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!" ، "لْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمسيا مُخْتَارَ يهوه!" (متى 27: 40؛ لوقا 23: 35) . في برية التجربة قال له الشيطان: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ يهوه فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا" ، "إِنْ كُنْتَ ابْنَ يهوه فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ" من على جناح الهيكل (متى 4: 3 و6) . وقد كان الشيطان وجنوده حاضرين أمام الصليب في هيئة بشرية . كان رئيس الشياطين وجنوده يتعاونون مع الكهنة والرؤساء . إن معلمي الشعب أثاروا الرعاع الجهلاء حتى يدينوا ذاك الذي لم يسبق لكثيرين منهم أن رأوه ، كما أرغموا على الشهادة ضده . لقد تحالف الكهنة والرؤساء والفريسيون مع الرعاع القساة القلب في جنون شيطاني . تحالف الرؤساء الدينيون مع الشيطان وجنوده وكانوا يأتمرون بأمره .

وإذ كان يهوشوه يتألم وهو يحتضر سمع ما نطق به الكهنة حين أعلنوا قائلين: "خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا ! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ !" (مرقس 15: 31, 32) . كان المسيا يستطيع أن ينزل عن الصليب ، ولكن رجاء الخاطئ في غفران يهوه ورضاه ينحصر في كون المسيا لم يرد أن يخلص نفسه .

إن أولئك الرجال الذين ادعوا أنهم مفسرو النبوات كانوا وهم يسخرون بالمخلص يرددون نفس الأقوال التي سبق الوحي فأنبأ بأنهم سيقولونها في تلك المناسبة . ومع ذلك فإنهم في عمى قلوبهم لم يروا أنهم كانوا يتممون النبوات . وأولئك الذين قالوا في سخرية: "قَدِ اتَّكَلَ عَلَى يهوه ، فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ ! لأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابْنُ يهوه !" (متى 27: 43) لم يكونوا يفكرون في أن شهادتهم سيتردد صداها عبر الأجيال . ولكن مع إن هذا الكلام قيل على سبيل السخرية فقد كان دافعا للناس لأن يفتشوا الكتب كما لم يفعلوا من قبل . وقد سمع الحكماء منهم وفتشوا وتفكروا وصلوا . وكان يوجد بعض من لم يعطوا أنفسهم راحة حتى قارنوا الأسفار المقدسة بعضها ببعض ورأوا معنى رسالة المسيا ولم يسبق أن انتشرت معرفة الناس ليهوشوه بصورة عامة كما حدث عندما علق على الصليب . لقد أشرق نور الحق في قلوب كثيرين ممن رأوا مشهد الصلب وسمعوا أقوال المسيا .

توبة لص

وإذ كان يهوشوه يعاني أقسى ألوان العذاب على الصليب أشرقت على نفسه شعاعة من نور العزاء . تلك كانت صلاة اللص التائب . كان كلا اللصين المصلوبين مع يهوشوه يعيرانه في البداية ولكن أحدهما وهو متأثر بآلامه أمعن في تهوره وتحديه . أما رفيقه فلم يتمثل به . لم يكن هذا الرجل مجرما قاسي القلب . لقد ضل سواء السبيل بتأثير العشراء الأشرار ولكنه كان أقل جرما من أولئك الرجال الذين كانوا واقفين تحت الصليب يعيرون المخلص . كان قد رأى يهوشوه وسمع تعاليمه وقد بكتته تلك التعاليم ، ولكن الكهنة والرؤساء أبعدوه عن السيد . وإذ حاول أن يكبت اقتناعه غاص في الخطية أعمق فأعمق إلى أن قبض عليه وحوكم كمجرم وحكم عليه بالموت صلبا ، وقد كان بصحبة يهوشوه في دار القضاء وفي طريقه إلى جلجثة ، وسمع بيلاطس يصرخ قائلا: "أَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً" (يوحنا 19: 4) . و قد لاحظ هيئته الإلهية وغفرانه ورحمته لمعذبيه . وعلى الصليب كان يرى كثيرين من رجال الدين يدلعون اللسان باحتقار ويسخرون بالسيَد يهوشوه . رأى أولئك الناس يهزون رؤوسهم وسمع تعييرات المعيرين التي جعل اللص الآخر يرددها إذ قال: "إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمسيا ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!"(لوقا 23: 39) . وكان يسمع من بين المجتازين كثيرين يدافعون عن يهوشوه وهم يرددون أقواله ويتحدثون عن أعماله فيعود إليه اقتناعه بأن هذا لا بد أن يكون المسيا . فيلتفت إلى اللص الآخر ويقول له: "أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ يهوه ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟"إن ذينك اللصين المحتضرين ما عادا يخافان الناس في شيء . ولكن الاقتناع بوجود إله يُخشَى ، ومستقبل يدعو إلى الرعب يضغطان على نفس أحدهما ، والآن فها حياته التي كانت كلها ملوثة بالشر والإثم موشكة على الانتهاء . ثم تأوه قائلا: "أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل ، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا ، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ" (لوقا 23: 40, 41) .

لا سؤال ولا شكوك أو تعييرات الآن . لما حكم على ذلك اللص بالموت أمسى يائسا بلا رجاء . ولكن ها الأفكار الغريبة الرقيقة تقفز إلى ذهنه بكل ما كان قد سمعه عن يهوشوه وكيف شفى المرضى وغفر الخطايا . وقد سمع أقوال من آمنوا بيهوشوه وتبعوه باكين نائحين . ورأى العنوان المكتوب فوق صليب المخلص وقرأه . وسمع المجتازين يرددونه وكان بعضهم يرددونه وشفاههم ترتجف من فرط التأثر والحزن ، بينما كان آخرون يسخرون هازئين . وها الروح القدس ينير عقل ذلك اللص شيئا فشيئا فتتصل حلقات الأدلة بعضها ببعض . لقد رأى في يهوشوه المسحوق المزدرى به والمعلق على الصليب حمل يهوه الذي يرفع خطية العالم . وامتزج الرجاء بالعذاب في صوت ذلك اللص العاجز المائت وهو يلقي بنفسه على المخلص المائت صارخا وقائلا: "اذْكُرْنِي يَا سيَد مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ" (لوقا 23: 42) .

في الفردوس

وسرعان ما أتاه الجواب . فبصوت رقيق عذب ملؤه الحب والحنان والسلطان قال له المخلص: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لوقا 23: 43) .

وطوال ساعات العذاب الطويلة كانت أذنا يهوشوه تصطكان بسماع الشتائم وألفاظ السخرية . وإذ كان معلقا على الصليب كان يسمع التعييرات واللعنات تنهال عليه . وبقلب مشتاق كان يصبو إلى سماع كلمات تعبر عن الإيمان من أفواه تلاميذه . ولكنه لم يسمع غير هذه العبارة المحزنة: "وَنَحْنُ كُنَّا نَرْجُو أَنَّهُ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْدِيَ إِسْرَائِيلَ" (لوقا 24: 21) . إذاً فكم كان مفرحا لقلب المخلص كونه يسمع تلك الاستغاثة الدالة على الإيمان والحب من فم ذلك اللص المحتضر ! ففي حين أن رؤساء اليهود ينكرون ويتنكرون له ، حتى تلاميذه يشكون في ألوهيته فإن هذا اللص المسكين الواقف على حافة الأبدية يدعو يهوشوه سيَداً . لقد كان كثيرون على أتم استعداد لأن يدعوه سيَداً عندما كان يصنع المعجزات وبعد قيامته من الأموات . ولكن ولا واحد دعاه سيَدا وهو معلق على الصليب إلا ذلك اللص التائب الذي خلص في الساعة الحادية عشرة .

أصغى الواقفون تحت الصليب إلى كلام اللص وهو يدعو يهوشوه سيَدا ، واسترعت انتباههم نغمة كلام ذلك اللص التائب . وأولئك الذين كانوا يتشاجرون عند قاعدة الصليب على ثياب المسيا وهم يقترعون على قميصه كفوا عن الشجار ليصغوا وخفتت أصواتهم الغاضبة . وقد نظروا إلى المسيا وهم صامتون وانتظروا الجواب الذي ستنطق به تانك الشفتان المائتتان .

وعندما نطق السيد بذلك الوعد إذ بتلك السحابة القاتمة التي بدا إنها تكتنف الصليب يخترقها نور لامع محي . فقد حصل ذلك اللص التائب على السلام الكامل ، سلام القبول لدى يهوه ، وتمجد المسيا وهو في أشد حالات الاتضاع والإذلال . فذلك الذي رآه الجميع منهزما قد انتصر . لقد اعترف به كمن هو حامل الخطايا . يمكن للناس أن يعملوا ما يشاؤون بجسم بشريته ، يمكنهم أن يكللوا جبينه المقدس بإكليل الشوك وأن يجردوه من ثيابه ويتشاجروا وهم يقتسمونها . ولكنهم لا يستطيعون أن يجردوه من سلطانه على أن يغفر الخطايا . إن في موته شهادة على ألوهيته وعلى مجد الآب . إن أذنه لم تثقل عن أن تسمع ولا قصرت يده عن أن تخلص . إن من حقه كملك أن يخلص إلى التمام من يتقدمون به إلى يهوه .

الحق أقول لك اليوم ، تكون معي في الفردوس . إن المسيا لم يعد ذلك اللص بأنه سيكون معه في الفردوس في ذلك اليوم ، فهو نفسه لم يذهب إلى الفردوس في ذلك اليوم . لقد رقد في القبر وفي صباح يوم القيامة قال: "لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي" (يوحنا 17:20) . ولكن ذلك الوعد قدم للص في يوم الصلب الذي كان يبدو أنه يوم الهزيمة والظلمة . إن المسيا يقول لذلك اللص: اليوم وأنا في هذه الحالة أموت على الصليب كفاعل شر أؤكد لك أنك سوف تكون معي في الفردوس .

إن اللصين اللذين صلبا مع يهوشوه كان أحدهما على جانبه من هنا والآخر على جانبه من هناك وهو في الوسط . وكانت هذه هي تعليمات الكهنة والرؤساء . إن مركز المسيا على الصليب الأوسط كان ليدل على أنه أشر المجرمين الثلاثة . وهكذا تم الكتاب القائل: "أُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ" (اشعياء 53: 12) . ولكن الكهنة لم يفطنوا إلى المعنى الكامل لعملهم . فكما أن يهوشوه المصلوب بين لصين وضع (في الوسط) فكذلك نصب صليبه في وسط العالم الذي وضع في الشرير . وكلمات الغفران التي قيلت للص التائب أشعلت نورا أضاء إلى أقصى الأرض .

"هُوَذَا أُمُّكَ" 

نظر الملائكة بذهول إلى المحبة غير المحدودة التي أظهرها الفادي الذي إذ كان يقاسي أشد ألوان العذاب في ذهنه وجسده لم يكن يفكر إلا في الآخرين . وقد شجع تلك النفس التائبة على الإيمان . ففي اتضاعه خاطب بنات أورشليم كنبي ، وككاهن وشفيع طلب من الآب أن يغفر لقاتليه ، وكالمخلص المحب غفر لذلك اللص التائب خطاياه .

وإذ كان يهوشوه يجول ببصره في ذلك الجمع المجتمع حوله استرعى انتباهه أحد الأشخاص . فعند أسفل الصليب كانت مريم أمه مستندة على تلميذه يوحنا . لم تستطع البقاء بعيدا عن ابنها . وإذ كان يوحنا يعلم أن النهاية قريبة أعادها إلى موضع الصلب . وهناك ذكر المسيا أمه في ساعة احتضاره ، فإذ نظر إلى وجهها المضروب بالحزن ونظر إلى يوحنا قال لها: "يَا امْرَأَةُ ، هُوَذَا ابْنُكِ" ، وقال ليوحنا: "هُوَذَا أُمُّكَ" (يوحنا 19: 26, 27) . وقد فهم يوحنا كلام المسيا وقبل أن يكون أمينا على تلك الوديعة . ففي الحال أخذ مريم إلى خاصته . وظل من تلك الساعة يرعاها بكل رقة ومحبة . يا له من مخلص محب رحيم ، ففي غمرة آلامه الجسدية وعذاباته الذهنية كان يهتم بأمه ويفكر في راحتها ! لم يكن لديه مال به يدبر ما يكفل لها الراحة ، ولكن يوحنا كان يحبه أعمق الحب فوكل إليه أمر أمه ليحتفظ بها كإرث ثمين . وهكذا ضمن لها ما كانت في أشد الحاجة إليه - أي العطف الرقيق من شخص يحبها لأنه أحب يهوشوه . وإذ قبلها كأمانة مقدسة حصل على بركة عظيمة . فلقد كانت مذكرا دائما له بمعلمه الحبيب .

إن المسيا يقدم لنا مثالا كاملا للمحبة البنوية ، وهذا المثال يضيء بلمعان قوي لا تستطيع كلمات الأجيال أن تخفيه . لقد ظل قرابة ثلاثين عاما يضطلع بأعباء البيت . والآن ، حتى وهو في أشد حالات الكرب والنزاع الأخير لا ينسى أن يكفل ما فيه راحة أمه الأرملة الحزينة . ونفس هذه الروح لا بد أن ترى في كل تلاميذ السيَد . فالذين يتبعون المسيا لا بد من أن يشعروا بأن ديانتهم توجب عليهم إكرام والديهم وإعالتهم . فالقلب الذي تملك عليه محبة المسيا لا يمكن أن يقصر في رعاية الوالدين والعطف والإشفاق عليهم .

خطايا العالم تسحق قلبه

والآن فها سيَد المجد يموت كفارة عن البشرية . وإذ أسلم المسيا حياته الغالية لم يصده فرح النصرة ، فكل ما كان حوله كان ظلاما يصعب احتماله . إن ما كان يضغط على نفسه لم يكن هو الخوف من الموت ، ولم يكن عار الصليب هو الذي سبب له عزابا لا يوصف . فقد كان المسيا سيد المتألمين . ولكن آلامه كان سببها إحساسه بشر الخطية وعلمه أنه لكون الشر صار أمرا مألوفا لدى الإنسان فقد عمي الإنسان عن شناعته وهوله ، كما رأى المسيا مقدار تحكم الخطية في القلب البشري وقلة عدد من يرغبون في التحرر من عبوديتها . وعرف أنه بدون معونة يهوه لابد من هلاك بني الإنسان . رأى جماهير كثيرة من الناس يهلكون وهم قريبون من المعونة الإلهية العظيمة .

لقد وضع على المسيا نائبنا وضامننا إثم جميعنا . حسب مذنبا ليفتدينا من دينونة الناموس ولعنته ، فلقد كان إثم كل واحد من نسل أدم يضغط على قلب الفادي . إن غضب يهوه على الخطية وإعلانه لسخطه العظيم على الإثم ملأ نفس ابنه حزنا ورعبا . والمسيا مدى سني حياته كلها ظل يعلن للعالم الساقط الأخبار السارة عن رحمة الآب ومحبته الغافرة . وكان موضوع حديثه هو الخلاص لأشر الخطاة . أما الآن وهو يحمل أثقال خطايا البشرية الهائلة فلا يمكنه أن يرى وجه الآب المصالح . إن احتجاب وجه يهوه عن المخلص في هذه الساعة ، ساعة العذاب الذي لا يطاق جعل سهام الحزن العميق تخترق قلبه ، ذلك الحزن الذي لا يمكن لإنسان أن يدركه إدراكا كاملا . وقد كان هذا العذاب النفسي عظيما جدا بحيث لم يكد يحس بآلامه البشرية .

اعتصر الشيطان بتجاربه القاسية قلب يهوشوه . ولم يستطع المخلص أن يخترق ببصره أبواب القبر . ولم يصور له الرجاء أنه سيخرج من القبر ظافرا ، ولا أخبره عن قبول الآب لذبيحته . وكان يخشى أن تكون الخطية كريهة جدا في نظر يهوه بحيث يكون انفصال أحدهما عن الأخر أبديا . ولقد أحس المسيا بالعذاب الذي يحس به الخاطئ عندما لا تعود الرحمة تتوسل ، لأجل الجنس البشري الأثيم . إن إحساسه بالخطية وهي تستمطر غضب الآب على يهوشوه بديل الخطاة هو الذي جعل الكأس التي شربها مرة جدا وسحق قلب ابن يهوه .

الصليب المحتجب

ذهل الملائكة وهم يرون عذابات المخلص ويأسه . وحجب الأجناد السماويون وجوههم حتى لا يروا ذلك المنظر المخيف . بل حتى الطبيعة الجامدة عبرت عن عطفها على مبدعها المهان وهو يحتضر . فالشمس رفضت أن تنظر إلى ذلك المشهد الرهيب . لقد كانت أشعتها تملأ الأرض نورا في وقت الظهيرة ، ولكنها فجأة بدت أنها اختفت عن الوجود وقد غطت الصليب ظلمة داجية كما لو كانت غطاء نعش . "كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ" ( لوقا 23: 44) . لم يكن كسوف الشمس أو أي سبب آخر طبيعي هو علة هذا الظلام الذي كان كثيفا كظلام نصف الليل دون أن يضيء فيه القمر أو النجوم ، بل كان شهادة معجزية قدمها يهوه لأجل تثبيت إيمان الأجيال القادمة .

في الظلمة الداجية استتر وجه يهوه . إنه يجعل الظلمة مظلته ويخفي مجده عن العيون البشرية . لقد كان يهوه وملائكته الأبرار بجوار الصليب . وكان الآب مع ابنه ، ومع ذلك فهو لم يعلن حضوره . فلو كان مجده قد أشرق من خلف السحابة لهلك كل من رآه من الناس . وفي تلك الساعة الرهيبة لم يكن المسيا ليجد عزاء بحضور الآب . لقد داس المعصرة وحده ومن الشعوب لم يكن معه أحد .

أخفى يهوه في ذلك الظلام الدامس آخر عذاب بشري يقاسيه ابنه . إن كل من قد رأوا المسيا في آلامه اقتنعوا بألوهيته ، فذلك الوجه إذ قد رآه الناس لم ينسوه قط . وكما ارتسم على وجه قايين سيماء جريمة القتل كذلك وجه المسيا ارتسم عليه سيماء البرارة والوقار والمحبة والإحسان - أي صورة يهوه . ولكن المشتكين عليه لم يلقوا بالا إلى مصادقة السماء . لقد كانت تلك الجموع الساخرة تحملق فيه مدى ساعات عذابه الطويلة . أما الآن فها الرحمة الإلهية تخفيه تحت رداء يهوه .

وقد بدا وكأن صمت القبور قد شمل جبل جلجثة . واكتنف ذلك الجمع الواقف عند الصليب رعب لم يعرف أحد كنهه ، فتوقف الناس عن لعناتهم وشتائمهم إذ جمدت على ألسنتهم التعابير بينما هم ينطقون بها ، وانطرح الرجال والنساء والأولاد على الأرض ، وومضت البروق من قلب تلك السحابة من آن لآخر وكشفت عن الصليب والفادي المصلوب ، فكان الكهنة والرؤساء والكتبة والجلادون والرعاع جميعهم يعتقدون أن وقت العقاب قد حان . وبعد قليل جعل البعض يتهامسون قائلين إن يهوشوه ينزل الآن عن الصليب . وبعض منهم حاولوا أن يتلمسوا طريقهم إلى المدينة وهم يقرعون صدورهم ويولولون رعبا .

وفي الساعة التاسعة انقشعت الظلمة عن الناس ولكن المخلص ظل مكتنفا بها . كانت تلك الظلمة رمزا للعذاب والرعب اللذين كانا يضغطان على قلبه ولم يستطع أي إنسان أن يخترق ببصره الظلام الذي كان يحيط بالصليب . ولم يمكن لبشر أن يخترق الظلام الأعمق الذي التف حول نفس المسيا المتألمة . وقد بدا وكأن البروق الغاضبة كانت ترشقه وهو معلق على الصليب . حينئذٍ: "صَرَخَ يهوشوه بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «إِيلِـي ، إِيلِـي ، لِمَا شَبَقْتَنِـي ؟» أَيْ: إِلهِي ، إِلهِي ، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي ؟" (متى 27: 46) . وإذ استقرت الظلمة الخارجية على المخلص صرخ كثيرون قائلين : لقد حلت عليه نقمة السماء . إن سهام غضب يهوه تنتشب فيه لأنه ادعى أنه ابن يهوه . وكثيرون ممن آمنوا بيهوشوه سمعوا صرخة اليأس التي نطق بها ، وقد تركهم الرجاء . فإذا كان يهوه قد ترك يهوشوه ففيم يثق تابعوه ؟

"أَنَا عَطْشَانُ"

حين انقشعت الظلمة بعيدا عن روح المسيا المتضايقة أحس بآلامه الجسدية فصرخ قائلا: "أَنَا عَطْشَانُ"  (يوحنا 19: 28) . فإذ رأى أحد الجنود الرومان شفتي المخلص المحترقتين عطشا أخذته الشفقة فتناول إسفنجية ووضعها على زوفا وغمسها في إناء به خل وقدمها ليهوشوه . أما الكهنة فكانوا يهزأون بآلامه وعذابه . عندما غطت الظلمة الأرض امتلأت قلوبهم رعبا وهلعا . فلما خفت حدة الخوف والرعب عاد إليهم الخوف مرة أخرى لئلا يهرب يهوشوه منهم . وقد حرفوا كلام المسيا عندما صرخ قائلا: "إِلُوِي ، إِلُوِي ، لِمَا شَبَقْتَنِي؟" فباحتقار وازدراء عظيمين قالوا : "هُوَذَا يُنَادِي إِيلِيَّا" . وقد رفضوا آخر فرصة أتيحت لهم لإغاثته بل قالوا: "اتْرُكْ . لِنَرَى هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا يُخَلِّصُهُ !" (مرقس 15: 34, 35؛ متى 27: 49) .

إن ابن يهوه الذي بلا عيب علق على الصليب وتمزق جسمه من أثر الجلد . وتانك اليدان اللتان طالما امتدتا لكي تباركا الناس سمرتا على الصليب الخشبي ، وتانك القدمان اللتان لم تكلا من الانتقال من هنا إلى هناك للقيام بخدمات المحبة دقت فيهما المسامير التي نفذت إلى خشبة الصليب ، وذلك الرأس الملكي الذي وخزه إكليل الشوك ، وتانك الشفتان المرتعشتان وهما تصرخان صرخات الألم والويل ، وكل ما قد احتمله – قطرات الدم النازلة من رأسه ويديه وقدميه ، والعذاب ، الذي صهر كل جسمه ، والآلام التي لا ينطق بها والتي غمرت نفسه عندما حجب الآب وجهه عنه – كلها تنطق بأفصح لسان لتحدث كل فرد من بني الإنسان معلنة وقائلة: لأجلك رضي ابن يهوه أن يحمل عبء الذنوب الثقيل هذا . ولأجلك يسلب أسلاب الموت ويفتح أبواب الفردوس . فذاك الذي سكن أمواج البحر الصاخبة ومشى فوق لجج المياه الثائرة ، والذي أرعب الشياطين وجعل الأمراض تهرب من حضرته ، والذي فتح أعين العميان وأعاد للموتى الحياة – يقدم نفسه على الصليب ذبيحة وذلك حبا بك . إنه هو حامل الخطايا يحتمل غضب يهوه العادل ولأجلك صار خطية بذاتها .

وقف أولئك المشاهدون صامتين يرقبون نهاية ذلك المشهد المخيف وقد عادت الشمس لتشرق من جديد ، ولكن الصليب ظل مكتنفا بالظلام . تطلع الكهنة والرؤساء إلى أورشليم ، وإذا بهم يرون السحاب الكثيف ينعقد في سماء المدينة وفوق سهول اليهودية . إن شمس البر ونور العالم كان يسحب نوره بعيدا عن أورشليم المدينة التي كانت قبلا محبوبة وقد تمتعت بإحسانات كثيرة . أما الآن فهوذا سهام بروق غضب يهوه الشديدة تصوب إلى تلك المدينة المحكوم عليها بالهلاك .

الحجاب المنشق

وفجأة انقشعت الظلمة عن الصليب . فبصوت واضح كصوت بوق بدا وكأنه يرن في كل أرجاء المسكونة صرخ يهوشوه قائلا: "قَدْ أُكْمِلَ" ،"يَا أَبَتَاهُ ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي" (يوحنا 19: 30؛ لوقا 23: 46) . وقد أحاط بالصليب نور وأشرق وجه المخلص بمجد عظيم كنور الشمس . حينئذٍ نكس يهوشوه رأسه على صدره وأسلم الروح .

إن المسيا إذ كان محاطا بالظلمة المخيفة وكان يبدو وكأن يهوه قد تركه شرب كأس الويل والألم البشري حتى الثمالة . وفي تلك الساعات المخيفة كان معتمدا على برهان قبول الآب له المعطى له إلى تلك اللحظة . كان خبيرا بصفات أبيه ، وإدراك عدالته ورحمته وحبه العظيم . وبالإيمان استند على الآب الذي كان دائما يسر بطاعته . وإذ استودع نفسه بكل خضوع بين يدي يهوه فقد زايله الإحساس بفقدان رضى أبيه . لقد انتصر المسيا بالإيمان .

لم يسبق للأرض أن شهدت مثل ذلك المنظر . وقد وقف كل الجمع ذاهلين كالمصعوقين وشخصوا في المخلص بأنفاس لاهثة . ومرة أخرى غطت الظلمة الأرض وسمعت دمدمة كقصف الرعد الثقيل ثم حدثت زلزلة مخيفة عنيفة . واهتز الناس وتمايلوا وسقطوا على بعضهم أكواما فوق أكوام . وتبع ذلك تشويش وحشي ورعب عظيم لا مثيل لهما . وفي الجبال المجاورة تشققت الصخور وتدحرجت إلى السهول بصوت تحطيم شديد . وتفتحت القبور ولفظت موتاها . وبدا وكأن الخليقة كلها ترتجف وتتحطم وتتطاير شظاياها . وانطرح الكهنة والرؤساء والجند والجلادون والشعب على الأرض وقد عقد الرعب ألسنتهم .

عندما صرخ المسيا قائلا: "قَدْ أُكْمِلَ" كان الكهنة يخدمون في الهيكل . وكان الوقت وقت تقديم الذبيحة المسائية وقد أتي بالحمل الذي يرمز إلى المسيا ليذبح . وإذ كان الكاهن متسربلا بملابسه المقدسة الجميلة وقف شاهرا السكين كما فعل إبراهيم عندما كان مزمعا أن يذبح ابنه . وكان الشعب ينظرون إليه باهتمام عظيم . ولكن هوذا الأرض ترتجف وتتزلزل لأن السيَد نفسه يقترب من المكان . وإذا بيد غير منظورة تشق حجاب الهيكل الداخلي من فوق إلى أسفل بصوت تمزيق شديد فينكشف لعيون الشعب المكان الذي كان يهوه يملأه قبلا بحضوره . في هذا المكان كان يسكن مجد الشكينا . وفي هذا المكان أعلن يهوه مجده فوق الغطاء (غطاء التابوت) . ولم يرفع أحد قط هذا الحجاب الذي يفصل بين هذا المسكن وبين باقي الهيكل إلا رئيس الكهنة . وكان يدخل إلى قدس الأقداس هذا مرة واحدة في السنة لكي يكفر عن خطايا الشعب . ولكن ها هو الحجاب ينشق إلى اثنين . فما عاد قدس أقداس المسكن الأرضي مقدسا .

لقد سيطر الرعب والتشويش على كل شيء . فالكاهن يوشك أن يذبح الذبيحة ولكن السكين تسقط من يده المضطربة فيهرب الخروف بعيدا . لقد التقى الرمز بالمرموز إليه بموت ابن يهوه . لقد قدمت الذبيحة العظيمة وانفتح الطريق إلى قدس الأقداس . وأعد للجميع طريق جديد حي . ولا حاجة للبشرية الخاطئة الحزينة أن تنتظر مجيء رئيس الكهنة فيما بعد .ومنذئذٍ فصاعدا سيخدم المخلص ككاهن وشفيع في سماء السماوات . وقد بدا وكأن صوتا حيا يخاطب المصلين قائلا: لقد  انتهت من الآن كل الذبائح والتقدمات عن الخطية . لقد جاء ابن يهوه كما قال هأنذا أجيء (في درج الكتاب مكتوب عني)  لأفعل مشيئتك يا يهوه "بِدَمِ نَفْسِهِ ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا" (عبرانيين 10: 7؛ 9: 12) .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App