8. في قبر يوسف
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

أخيرا استراح يهوشوه ، فلقد انقضى اليوم الطويل يوم العار والعذاب . وإذ أعلنت آخر أشعة الشمس الغاربة قدوم السبت كان ابن يهوه مضجعا بسكون في قبر يوسف . لقد أكمل عمله فطوى يديه في سلام . واستراح طوال ساعات يوم السبت المقدسة .

في البدء استراح الآب والابن في يوم السبت بعدما أتما عمل الخلق . فعندما: "أُكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَكُلُّ جُنْدِهَا" (تكوين 2: 1) فرح الخالق وكل الخلائق السماوية وهم يتأملون في ذلك المنظر المجيد ، "تَرَنَّمَتْ كَوَاكِبُ الصُّبْحِ مَعًا ، وَهَتَفَ جَمِيعُ بَنِي يهوه ؟" (أيوب 38: 7) . والآن فها يهوشوه يستريح من عمل الفداء ، ومع أن محبيه على الأرض قد امتلأت قلوبهم حزنا فقد شمل الفرح ساكني السماء . لقد بدا لعيون السماويين أن المستقبل يبشر بمجد عظيم . رأى يهوه وملائكته وإذا الخليقة قد أعتقت والجنس البشري قد افتدى . فبعدما غلبوا الخطية لن يمكن أن يسقطوا- وهذه النتيجة نبعت من عمل المسيا الذي قد أكمل . وقد اقترن بهذا المنظر إلى الأبد اليوم الذي استراح يهوشوه:"الْكَامِلُ صَنِيعُهُ" ، وقد عرفت العوالم "أَنَّ كُلَّ مَا يَعْمَلُهُ يهوه أَنَّهُ يَكُونُ إِلَى الأَبَدِ" (تثنية 32: 4؛ جامعة 3: 14) . فعندما تجيء أزمنة "رد كل شيء" التى تكلم عنها يهوه بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر (أعمال 3: 21) فإن السبت الذي فيه استراح يهوشوه في قبر يوسف ، سيظل هو يوما للراحة والفرح . وستشترك الأرض مع السماء في التسبيح عندما "مِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ" (اشعياء 66: 23) يسجد شعوب المخلصين في تعبد مفرح ليهوه والخروف .

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس يوم السبت الحالي (Saturday).  يجب أيضاً الأخذ في الاعتبار أنّ السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الغريغوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائماً في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر قمري، الأمر الذي لا يستطيع أن ينجزه أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.

شهادة جندي وثني

وفي ختام حوادث يوم الصلب جاء برهان جديد على إتمام النبوات وجاءت شهادة جديدة على ألوهية المسيا . فعندما انقشعت الظلمة عن الصليب وصرخ المخلص صرخة الموت ، في الحال سمع صوت يقول: "«حَقًّا كَانَ هذَا ابْنَ يهوه !»" (متى 27: 54) .

وهذه الشهادة لم ينطق بها صاحبها همسا . فإذ سمعها الناس اتجهت كل الأنظار هنا وهناك لمعرفة من نطق بها ومن أين أتت . فمن ذا الذي قال هذا القول ؟ كان ذلك الرجل هو قائد المئة الجندي الروماني . إن الصبر الإلهي الذي أبداه المخلص ، وموته الفجائي مع صيحة النصرة التي نطق بها كان لها تأثيرها في قلب ذلك الرجل الوثني . لقد اكتشف قائد المئة في ذلك الجسم المسحوق المرضوض المعلق على الصليب صورة ابن يهوه فلم يسعه إلا الاعتراف بإيمانه . وهكذا قدم برهان جديد على أن فادينا سيرى من تعب نفسه . ففي نفس يوم موته رأينا ثلاثة رجال مختلفين عن بعضهم البعض اختلافا بينا يعلنون إيمانهم- وهم قائد المئة الذي كان على رأس الحرس الروماني ، وسمعان القيرواني الذي حمل صليب المخلص ، واللص الذي مات مصلوبا إلى جوار السيد .

و عندما أقبل المساء شمل موضع جلجثة سكون غير طبيعي . وقد تفرق الجمع وعاد كثيرون إلى أورشليم وحدث في أرواحهم تغيير عجيب لم يختبروه في صبيحة ذلك اليوم . كان كثيرون قد تقاطروا على موضع الصلب مدفوعين بدافع الفضول لا لأنهم كانوا يبغضون المسيا . ولكنهم كانوا لا يزالون يعتقدون بصدق اتهامات الكهنة للمسيا ، فكانوا ينظرون إليه على أنه فاعل شر . وقد اشتركوا مع الرعاع في توجيه الشتائم إلى المسيا مدفوعين إلى ذلك بدافع اهتياج غير طبيعي . ولكن عندما اتشحت الأرض بالمسوح والسواد وبدأت ضمائرهم تبكتهم أحسوا أنهم قد ارتكبوا جرماً عظيماً . فلم تسمع في غضون تلك الظلمة المخيفة أية كلمة هزل أو ضحكة ساخرة ، فلما أشرق النور من جديد رجعوا إلى بيوتهم في وجوم وصمت رهيب . وقد اقتنعوا الآن بأن التهم التي قدمها الكهنة الذي ضد يهوشوه كانت تهماً كاذبة وأن يهوشوه لم يكن إنساناً مدعيًّا . وبعد أسابيع قليلة عندما كان بطرس يكرز في يوم الخمسين كان هؤلاء الناس بين ألوف من اهتدوا إلى المسيا . 

ولكن قادة اليهود لم يتغيروا ولا أثرت فيهم الأحداث التي شاهدوها ، ولم تخف وطأة كراهيتهم ليهوشوه . والظلمة التي لفت الأرض في وشاحها عند الصلب لم تكن أشد حلوكة من تلك التي كانت لم تزل مخيمة على عقول الكهنة والرؤساء . عند ميلاد المسيا عرفه النجم وقاد المجوس إلى المذود الذي كان مضجعا فيه . وقد عرفه جمهور الجند السماوي وتغنوا مسبحين فوق سهول بيت لحم . والبحر عرف صوته وامتثل لأمره . والأمراض والموت عرفت سلطانه وسلمته قتلاها . وقد عرفته الشمس فعندما شاهدت عذابات الموت التي كان يعانيها حجبت وجهها ونورها . والصخور عرفته فارتعدت وتشققت عندما سمعت صرخته . والطبيعة الجامدة عرفت المسيا وشهدت لألوهيته . أما كهنة إسرائيل ورؤساؤهم فلم يعرفوا ابن يهوه .

ومع ذلك فإن الكهنة والرؤساء لم يكونوا مطمئنين ولا مستريحين . لقد حققوا أغراضهم إذ قتلوا المسيا إلا أنهم لم يكونوا يحسون بنشوة الظفر التي كانوا ينتظرونها . حتى في ساعة انتصارهم المزعوم كانت الشكوك تزعجهم عما سيتمخض عنه المستقبل . لقد سمعوا صرخة المسيا القائلة: "قد أكمل" وقوله: "يَا أَبَتَاهُ ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي" (يوحنا 19: 30 ، لوقا 23: 46) ورأوا الصخور تتشقق وأحسوا بالزلزلة العظيمة فلم يكونوا مستريحين ولا مطمئنين .

لقد كانوا يحسدون المسيا بسبب النفوذ الذي كان له على الشعب حين كان حيا ، وحسدوه حتى في موته . ولقد باتوا يخافون من المسيا الميت أكثر كثيرا مما كانوا يخافون من المسيا الحي ، وأمسوا يخشون لئلا يتجه انتباه الناس بعد ذلك إلى الحوادث المرافقة للصلب وكانوا يخافون من نتائج عمل ذلك اليوم . ولم يكونوا يريدون لأي اعتبار أن يظل جسده معلقا على الصليب في يوم السبت . وكان ميعاد يوم السبت يقترب ،  فبقاء أجساد المصلوبين معلقة على الصلبان كان فيه انتهاك لكرامة السبت . فاتخذ رؤساء اليهود هذا ذريعة تقدموا بها إلى بيلاطس حتى يعجل بموت المصلوبين وإنزال أجسادهم قبل غروب الشمس .

دم وماء

و كان بيلاطس مثلهم لا يرغب في بقاء جسد يهوشوه معلقاً على الصليب . وإذ حصلوا على إذن منه كسروا سيقان اللصين المصلوبين لكي يعجلوا بموتهما . أما يهوشوه فوجدوا أنه قد مات . إن الجند الأجلاف لانت قلوبهم بسبب ما قد سمعوه ورأوه من يهوشوه فامتنعوا عن كسر ساقيه . وهكذا في تقديم حمل يهوه تمت وروعيت شريعة الفصح القائلة: "لاَ يُبْقُوا مِنْهُ إِلَى الصَّبَاحِ وَلاَ يَكْسِرُوا عَظْمًا مِنْهُ. حَسَبَ كُلِّ فَرَائِضِ الْفِصْحِ يَعْمَلُونَهُ"(العدد 9: 12) .

وقد دهش الكهنة والرؤساء حين علموا أن يهوشوه قد مات . إن المصلوبين كانت تطول مدة عذابهم قبلما يسلمون الروح . وكان من الصعب الحكم في الوقت الذي تنتهي فيه الحياة . لقد كان أمرا لم يسمع به أن يموت إنسان بعد صلبه بست ساعات ، وكان الكهنة يريدون التأكد من موت يهوشوه . فبناء على اقتراحهم طعن أحد العسكر جنب المخلص بحربته ، فخرج من ذلك الجرح نبعان غزيران منفصلان ، أحدهما من الدم والآخر من الماء . ولاحظ الواقفون كلهم هذا ، كما سجل يوحنا هذا الحادث بكل وضوح قائلا: "لكِنَّ وَاحِدًا مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ. وَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ . لأَنَّ هذَا كَانَ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ : «عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ»" (يوحنا 19: 34- 37) .

ولكن بعد قيامة المسيا أعلن الكهنة والرؤساء أن المسيا لم يمت على الصليب وإنما فقط غشي عليه ثم أنعش بعد ذلك وعاش . وأكد آخرون أن الذي دفن في القبر لم يكن جسدا حقيقيا من لحم وعظام بل كان صورة جسد . ولكن ما عمله عساكر الرومان يدحض كل هذه الأكاذيب . إنهم لم يكسروا ساقيه لأنهم رأوه قد مات . ولكنهم إرضاء لليهود طعنوا جنبه بحربة . فلو لم يكن قد مات من قبل لكانت هذه الطعنة كفيلة بالقضاء عليه في الحال .

لكن الحقيقة هي أنه لا طعنة الحربة ولا آلام الصلب هي التي تسببت في موت يهوشوه . إن تلك الصرخة التي صرخها "بِصَوْتٍ عَظِيمٍ" (متى 27: 50؛ لوقا 23: 46) في لحظة الموت ، وينبوع الدم والماء الذي سال من جنبه أعلنا أنه مات بقلب كسير . نعم لقد انكسر قلبه من شدة الحزن ، ولقد ذبحته خطية العالم .

وبموت المسيا هلكت وتلاشت كل آمال تلاميذه . لقد نظروا إلى عينيه المغلقتين ورأسه المنكس وشعره المخضب بالدم ويديه ورجليه المثقوبة فكان حزنهم شديدا لا يعبَّر عنه . وقد ظلوا إلى النهاية متمسكين بأملهم أنه لن يموت وكادوا لا يصدقون بأنه قد مات . ففي غمرة الحزن لم يذكروا كلامه الذي فيه أنبأهم بهذا المشهد الماثل أمامهم . لا شيء مما قاله لهم في الماضي استطاع أن يعزيهم وقتئذ ، فلم يروا غير الصليب والمصلوب الدامي الجسم . بدا المستقبل أمامهم متجهما ومكتنفا باليأس . وقد هلك إيمانهم بيهوشوه ، ولكنهم لم يسبق لهم أن أحبوه كما أحبوه الآن . ولم يسبق لهم أن عرفوا قيمته وحاجتهم إلى حضوره كما أحسوا الآن .

حتى مع أن السيد كان عديم الحياة فقد كان عزيزا جدا على قلوب التلاميذ . كانوا يتوقون إلى أن يدفنوه بكل إكرام ولكنهم كانوا حائرين في كيف يفعلون ذلك . لقد حكم على يهوشوه بالموت بناء على تهمة الخيانة للحكم الروماني ، والذين يموتون لأجل هذا الذنب كانوا يدفنون في القبور المخصصة لهكذا مجرمين . ظل يوحنا والنساء القادمات من الجليل بجوار الصليب . إنهم لم يستطيعوا ترك جسد سيدهم ليسلم لأيدي العسكر العديمي الشعور ليدفنوه في قبر حقير . ومع ذلك فلم يكونوا يستطيعون منع ذلك ، ولم يستطيعوا الحصول على منة من السلطات اليهودية ، ولا كان لهم نفوذ لدى بيلاطس .

يدفن بكل إكرام

ففي هذه الساعة الحرجة خف يوسف الرامي ونيقوديموس لنجدة التلاميذ . كان هذان الرجلان عضوين في مجمع السنهدريم ولهما صلة ببيلاطس . وكانا كلاهما غنيين ويتمتعان بنفوذ عظيم . وقد صمما على أن يدفن جسد يهوشوه بكل إكرام . فذهب يوسف إلى بيلاطس بكل شجاعة وطلب جسد يهوشوه . فلأول مرة علم بيلاطس أن يهوشوه مات حقاً . كانت قد وصلته أخبار متضاربة عن الأحداث التي جرت عند الصلب ، ولكن خبر موت المسيا كان قد أخفي عنه تعمدا . كان الكهنة والرؤساء قد حذروا بيلاطس لئلا يخدعه تلاميذ المسيا فيما يختص بجسده . فإذ تقدم إليه يوسف بذلك الطلب أرسل يستدعي قائد المئة الذي كان يحرس الصليب وتحقق من موت المسيا . وطلب منه فأخبره عن المشاهد التي حدثت في جلجثة وبذلك تثبتت شهادة يوسف .

أجيب يوسف إلى طلبه . ففيما كان يوحنا مضطربا ومتحيرا في كيف يدفن جسد سيده عاد يوسف وبيده ترخيص من بيلاطس بأخذ جسد المسيا ودفنه . وجاء أيضاً نيقوديموس حاملا مزيج مر وعود غالي الثمن نحو مئة منا لتحنيط الجثمان . إن أعظم أشراف أورشليم ما كان ليظفر جسده بإكرام أعظم من هذا عند موته . فاندهش التلاميذ حين رأوا هذين الرئيسين الغنيين مهتمين بدفن جسد سيدهم بكل إكرام مثلهم تماما .إنه لا يوسف ولا نيقوديموس جاهر بتلمذته للمخلص في حياته . لقد عرفا أن مثل تلك الخطوة كفيلة بطردهما من مجمع السنهدريم ، وكانا ينويان أن يحميا المسيا بنفوذهما في جلسات ذلك المجمع . وقد بدا أنهما نجحا إلى حين . ولكن الكهنة الماكرين إذ رأوهما يعطفان على المسيا عرقلوا خططهما . ففي غيابهما حكم على يهوشوه وأسلم ليصلب . أما الآن وقد مات فما عادا يخفيان حبهما له . ففي حين كان التلاميذ يخشون المجاهرة بأنهم أتباعه خف يوسف ونيقوديموس إلى مساعدتهم . كانوا في أشد الحاجة إلى معونة هذين الرجلين الغنيين الشريفين . فلقد أمكنهما أن يقوما للمعلم المائت بما كان يستحيل على التلاميذ الفقراء أن يقوموا به ، كما قاما بحمايتهم بواسطة ثروتهما ونفوذهما من حقد الكهنة والرؤساء وأذاهم .

وبكل رقة ووقار أنزلا بأيديهما جسد يهوشوه من على الصليب . وقد انهمرت دموع العطف من مآقيهما وهما ينظران إلى ذلك الجسد المرضض والممزق . وكان يوسف يملك قبرا جديدا منحوتا في صخرة . وكان محتفظا به لنفسه . ولكونه قريبا من جلجثة فقد أعده لجسد يهوشوه . وبكل حرص لف الجسد مع الأطياب التي أتى بها نيقوديموس في الأكفان . وحمل الفادي إلى القبر . فمدد التلاميذ الثلاثة تلك الأعضاء الممزقة ، وطووا اليدين المثقوبين على صدره الذي توقف فيه القلب عن الخفقان . وقد أتت النساء الجليليات ليرين أن كل ما يمكن أن يعمل قد عمل لجثمان معلمهن العديم الحياة . ورأين الحجر الثقيل يدحرج ويوضع على باب القبر ، ويترك المخلص ليستريح . كانت النساء آخر من تركن الصليب وآخر من تركن قبر المسيا . وإذ كانت ظلال المساء تتجمع ظلت مريم المجدلية والمريمات الأخريات باقيات عند موضع راحة سيدهم يسكبن دموع الحزن والحسرة على المصير الذي صار إليه ذاك الذي قد أحببنه ، "فَرَجَعْنَ وَأَعْدَدْنَ حَنُوطًا وَأَطْيَابًا . وَفِي السَّبْتِ اسْتَرَحْنَ حَسَبَ الْوَصِيَّةِ" ( لوقا 23: 56) .

يوم يصعب نسيانه

كان يوم ذلك السبت يوما لم يمكن أن ينساه التلاميذ الحزانى ، وكذلك الكهنة والرؤساء والكتبة والشعب . وعند غروب الشمس في مساء يوم الاستعداد ضربت الأبواق إيذانا بقدوم السبت . وقد مورس الفصح كما سبق أن مورس منذ قرون طويلة خلت ، بينما ذاك الذي كان الفصح يرمز إليه قتل بأيدي أثمة ودفن بقبر يوسف . وفي يوم السبت امتلأت أروقة الهيكل بالعابدين . وبعد عودة رئيس الكهنة من جلجثة كان هناك متسربلا بأبهى ثيابه المقدسة ، بينما الكهنة اللابسون العمائم البيض الممتلئون نشاطا كانوا يقومون بواجباتهم . ولكن بعض من كانوا حاضرين لم يكونوا مستريحين إذ كان دم الثيران والتيوس يقدم عن الخطية . إنهم لم يكونوا يحسون بأن الرمز قد التقى بالمرموز إليه ، وبأن ذبيحة سرمدية قدمت لأجل خطايا العالم . ولم يعلموا أنه لم تبق قيمة لممارسة الخدمة الطقسية . ولكن لم يسبق لتلك الخدمة أن شوهدت بمثل تلك المشاعر المتضاربة . وكانت الأبواق والآلات الموسيقية وأصوات المغنين عالية وواضحة كالعادة . ولكن شعورا بالتنافر والشذوذ ساد على كل شيء . وجعل الواحد يسأل الآخر عن حادث غريب قد حدث . كان قدس الأقداس قبل ذلك مصونا ومحروسا من كل تطفل ، أما الآن فقد بدا مكشوفا لعيون الجميع . فالحجاب السميك المصنوع من القماش المزركش ومن الكتان النقي والمنسوج بالذهب والإسمانجوني والأرجوان انشق من فوق إلى أسفل ، فذلك المكان الذي كان السيَد يتقابل فيه مع رئيس الكهنة ليعلن له مجده ، المكان الذي كان غرفة استقبال يهوه المقدسة- صار مكشوفا لكل عين ، مكانا ما عاد السيَد يقيم له أي اعتبار . وكان الكهنة يخدمون أمام المذبح وقد امتلأت قلوبهم بالوساوس المحزنة . إن انكشاف قدس الأقداس ملأهم بالرعب والتطير من توقع حدوث كارثة .

انشغل كثيرون بأفكار أوحت بها مشاهد جلجثة . فمنذ يوم الصلب إلى يوم القيامة كان كثيرون ساهرين يفتشون النبوات ، بعض منهم كانوا يفتشون الكتب ليعرفوا المعنى الكامل للعيد الذي كانوا يحتفلون به ، والبعض الآخر ليجدوا برهانا على أن يهوشوه ليس كما كان يدعي ، بينما غيرهم كانوا بقلوب مثقلة بالحزن يبحثون عن براهين تدل على أنه مسيا الحقيقي . ومع أنهم كانوا يفتشون الكتب لأغراض متباينة فقد اقتنعوا كلهم بنفس الحق- وهو أن النبوات قد تمت في الحوادث التي جرت في الأيام القليلة الماضية وأن المصلوب هو فادي العالم . وكثيرون ممن اشتركوا في الخدمة في ذلك الحين لم يشتركوا بعد ذلك قط في طقوس الفصح ، وكثيرون حتى من الكهنة أنفسهم اقتنعوا بصفات يهوشوه الحقيقية . إن تفتيشهم للكتب لم يكن عبثا ، وبعد قيامته اعترفوا أنه ابن يهوه .

إن نيقوديموس عندما رأى يهوشوه مرفوعا على الصليب ذكر كلام السيد الذي قاله له في تلك الليلة وهما معا في جبل الزيتون . فلقد قال المسيا: "وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" . (يوحنا 3: 14, 15) . وفي يوم السبت عندما كان المسيا مدفونا في القبر كانت لدى نيقوديموس فرصة للتأمل . لقد استنار عقله الآن بنور أوضح ، وما عاد الكلام الذي خاطبه به يهوشوه غامضا ، كما أحس بأنه خسر كثيرا لكونه لم يرتبط بالمخلص مدى حياته . والآن هاهو يتذكر حوادث جلجثة . فصلاة المسيا لأجل قاتليه وجوابه على توسل اللص المائت - كل ذلك تحدث إلى قلب هذا المشير المتعلم ، بقوة عظيمة . ثم نظر أيضاً إلى المخلص وهو يعاني سكرات الموت وسمع صرخته القائلة: "قد أكمل" التي نطق بها كقائد منتصر ، ثم رأى الأرض تتزلزل والسماوات يغطيها الظلام وحجاب الهيكل ينشق والصخور تتشقق فثبت إيمانه إلى الأبد . إن نفس الحادثة التى هدمت آمال التلاميذ أقنعت يوسف ونيقوديموس بألوهية يهوشوه . لقد تبددت مخاوفهما وانتصرت عليها شجاعة إيمانهما الثابت الذي لا يتزعزع .

"نريد المسيا الشافي"

إن المسيا لم يسترع انتباه الجموع من قبل كما حدث الآن وهو راقد في القبر . فكما كانوا يفعلون قبلا أتى الشعب بمرضاهم والمعذبين منهم ووضعوهم في أروقة الهيكل وهم يتساءلون قائلين: من يستطيع أن يخبرنا عن يهوشوه الناصري ؟ وقد أتى كثيرون من أماكن بعيدة ليجدوا ذاك الذي كان يشفي المرضى ويقيم الموتى . ومن كل جانب كانت تسمع هذه الصرخة: إننا نريد المسيا الشافي ! وفي تلك الفرصة كان الكهنة يفحصون أولئك الذين كان يظن أن أعراض البرص قد ظهرت عليهم ، وكثيرات من النساء كن يسمعن الحكم على أزواجهن ، والأزواج على زوجاتهم والآباء على أولادهم بأنهم قد أصيبوا بالبرص وأنه محكوم عليهم بالخروج من كنف بيوتهم والابتعاد عن رعاية أصدقائهم وأن عليهم أن يحذروا كل غريب بتلك الصرخة المبكية القائلة: "نجس . نجس" . ولكن يدي يهوشوه الناصري المحبتين اللتين لم ترفضا قط أن تلمسا أي أبرص كريه بتلك اللمسة الشافية هما الآن مطويتان على صدره . والشفتان اللتان كانتا تخاطبان الأبرص بكلام العزاء قائلتين  "أُرِيدُ ، فَاطْهُرْ!" (متى 8: 3) هما الآن صامتتان . وعبثا لجأ الكثيرون إلى الكهنة والرؤساء في طلب العطف والراحة . وبدا وكأنهم مصممون على أن يكون المسيا حيا بينهم ثانية . وبغيرة وإصرار سألوا عنه وقد أبوا أن ينصرفوا ، ولكنهم طردوا من أروقة الهيكل وأوقف الجند على الأبواب ليمنعوا دخول الجموع الذين أتوا بالمرضى والمحتضرين طالبين الدخول .

غاصت قلوب المتألمين الذين أتوا يطلبون الشفاء من المخلص في أعماق هوة اليأس والخيبة . وامتلأت الشوارع بالصراخ والعويل والبكاء . وكاد المرضى يموتون افتقارا إلى لمسة يهوشوه الشافية . وعبثا استشاروا الأطباء إذ لم يكن بينهم أحد ماهرا كذاك الذي كان مدفونا في قبر يوسف .

هذا، وإن النوح والبكاء الذي كان يسمع من كل مكان أقنع ألوف الناس بأن نورا عظيما قد انطفأ من العالم . فبدون المسيا كانت الأرض قتاما وظلاما ومكتنفة بالأحزان . وكثيرون ممن كانوا قد رفعوا أصواتهم قائلين: "اصلبه ، اصلبه" تحققوا الآن هول الكارثة التى حلت بهم ، ورغبوا في أن يصرخوا قائلين: أعيدوا إلينا يهوشوه ! لو كان ما زال حيا .

وعندما علم الشعب أن يهوشوه قد قتل بأيدي الكهنة جعلوا يستخبرون عن موته . وقد أبقيت تفصيلات محاكمته سرا على قدر الإمكان ، ولكن المدة التي كان السيد فيها مدفونا في القبر كان اسمه يتردد على أفواه ألوف من الشعب . وتناقلت الألسنة في كل مكان أنباء تلك المحاكمة المزورة الكاذبة ووحشية الكهنة والرؤساء . وقد دعا الأذكياء بين الشعب جماعة الكهنة ليوضحوا لهم النبوات الواردة عن مسيا في العهد القديم ، فإذ حاول الكهنة الالتجاء إلى الكذب في إجابتهم صاروا كالمجانين ولم يستطيعوا شرح النبوات التي كانت تشير إلى آلام المسيا وموته . وكثيرون من أولئك المستفسرين اقتنعوا بأن المكتوب قد تم .

ذُعر المعلمين الدينيين

إن النقمة التي أوقعها الكهنة على المسيا وظنوا أنهم سيسعدون بها كانت افسنتينا ومرارة لهم ، وقد علموا أنهم إنما يواجهون لوم الشعب الشديد ، كما علم الناس أن أولئك الذين حرضوهم ضد يهوشوه صاروا الآن يرتعبون من فعلتهم المشينة الشنعاء . لقد حاول هؤلاء الكهنة أن يقنعوا أنفسهم بأن يهوشوه مخادع ولكنهم عبثا حاولوا ، فلقد وقف بعض منهم أمام قبر لعازر ورأوه يخرج من قبره حيا . وكانوا هم يرتعبون خوفا من أن المسيا سيقوم من الأموات ويظهر أمامهم ثانية . لقد سمعوه يعلن أن له سلطانا أن يضع حياته وسلطانا أن يأخذها . وذكروا قوله: "انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ" (يوحنا 2: 19) . كذلك أخبرهم يهوذا بما قاله يهوشوه لتلاميذه وهم مسافرون في آخر سفرة إلى أورشليم إذ حدثهم قائلا: "هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ ، وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأُمَمِ لِكَيْ يَهْزَأُوا بِهِ وَيَجْلِدُوهُ وَيَصْلِبُوهُ ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ»" (متى 20: 18, 19) . عندما سمعوا هذه الأقوال أول مرة سخروا واستهزأوا ، ولكنهم الآن يذكرون أن كل نبوات المسيا تمت . لقد قال إنه سيقوم من الأموات في اليوم الثالث ، ومن يستطيع أن يؤكد أن هذا أيضاً لن يحدث ؟ كانوا يتوقون إلى أن يطردوا تلك الأفكار بعيدا عنهم ولكنهم لم يستطيعوا . وكأبيهم الشيطان كانوا يؤمنون ويقشعرون .

أما الآن وقد زايلهم جنون الاهتياج فقد بدأت صورة المسيا تحتل مكانها في عقولهم . فتصوروه وهو واقف رصينا أمام أعدائه لا يشكو من أحد محتملا تعييراتهم وإهاناتهم بدون تذمر ، كما عادت إلى ذاكرتهم كل حوادث محاكمته وصلبه بقوة إقناع عظيمة قاهرة بأنه ابن يهوه . وأحسوا بأنه قد يقف أمامهم في أية ساعة فيصير المشكو في حقه شاكيا ، والمدان ديانا ، والمقتول يطالب بإجراء العدل بإهلاك قاتليه .

لم يستطيعوا أن يستريحوا في يوم السبت إلا قليلا . ومع أنهم لم يكونوا يستطيعون دخول بيت أممي خشية التنجس فقد عقدوا مجلسا للتشاور في ماذا يفعلون بجسد المسيا . ينبغي للموت والقبر أن يمسكا جسد ذاك الذي قد صلبوه ، "وَفِي الْغَدِ الَّذِي بَعْدَ الاسْتِعْدَادِ اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ إِلَى بِيلاَطُسَ قَائِلِينَ: «يَا سَيِّدُ ، قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذلِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ . فَمُرْ بِضَبْطِ الْقَبْرِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ ، لِئَلاَّ يَأْتِيَ تَلاَمِيذُهُ لَيْلاً وَيَسْرِقُوهُ ، وَيَقُولُوا لِلشَّعْبِ: إِنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ ، فَتَكُونَ الضَّلاَلَةُ الأَخِيرَةُ أَشَرَّ مِنَ الأُولَى ! فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ . اِذْهَبُوا وَاضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُونَ»" (متى27: 62- 65) .

القبر المختوم

أعطى الكهنة تعليماتهم لضبط القبر وحراسته . ووضع حجر كبير على باب القبر . وأمام هذا الحجر ثبتوا حبالا في نهاية الصخرة من هنا ومن هناك وختموها بالختم الروماني . ولم يكن يمكن تحريك الحجر دون كسر الختم . وأتي بفرقة من الحرس قوامها مئة جندي اصطفوا حول القبر ليحولوا دون العبث به . وقد بذل الكهنة قصاراهم ليبقوا جسد المسيا حيث كان مدفونا . فظل مختوما عليه بكل حرص كأنما ليظل هناك إلى انقضاء الدهر .

هكذا كان البشر الضعفاء يتشاورون ويدبرون . ولم يتحقق أولئك القتلة من عدم جدوى كل محاولاتهم . ولكن يهوه تمجد في عملهم هذا . إن نفس الجهود التي بذلت لمنع قيامة المسيا هي من أعظم البراهين المقنعة لإثباتها . وبقدر كثرة عدد الجنود المصطفين حول القبر كان قدر قوة الشهادة على أنه قد قام . وقبل موت المسيا بمئات السنـين أعلن الروح القدس على لسان صاحب المزامير قائلا: "لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ ، وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ فِي الْبَاطِلِ ؟ قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى يهوه وَعَلَى مَسِيحِهِ ، قَائِلِينَ: «لِنَقْطَعْ قُيُودَهُمَا ، وَلْنَطْرَحْ عَنَّا رُبُطَهُمَا . اَلسَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ . يهوه يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ" (مزمور 2: 1- 4) . لقد عجز جنود الرومان وأسلحة الرومان عن أن تبقي سيَد الحياة في القبر . فلقد حانت ساعة خروجه .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App