2. في الطريق إلى عمواس
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

في أصيل يوم القيامة وقبيل الغروب كان اثنان من التلاميذ سائرين في طريقهما إلى عمواس التي هي بلدة صغيرة تبعد عن مدينة أورشليم مسافة ثمانية أميال . ومع أن هذين التلميذين لم يكونا يحتلان مركزا ممتازا أو مكانة مرموقة في عمل المسيا فقد كانا يؤمنان به إيمانا قويا . كانا قد أتيا إلى المدينة لإحياء عيد الفصح ، ولكن الحوادث الأخيرة سببت لهما ارتباكا عظيما . كانا قد سمعا الخبر الذي أشيع في الصباح عن سرقة جسد السيَد من القبر ، كما سمعا خبر رؤية النسوة للملاكين ومقابلتهن ليهوشوه . وهاهما الآن يعودان إلى بلدتهما ليقضيا بعض الوقت في التأمل والصلاة . كانا سائرين في ذلك المساء وقلباهما مثقلان بالحزن وكانا يتحدثان عن مشاهد المحاكمة والصلب . لم يسبق لهما من قبل أن خار عزمهما أو انخلع قلبهما كما حدث لهما الآن . ففي يأسهما وعدم إيمانهما كانا يسيران في ظل الصليب .

الرجل الغريب

وما أن تقدما في سيرهما قليلا حتى انضم إليهما ثالث وكان رجلا غريبا ، ولكنهما كانا غارقين في كآبتهما وخيبة آمالهما حتى لم يتبينا هيئته جيدا وقد استأنفا الحديث معبرين عن أفكار قلبيهما . كانا يتباحثان فيما يختص بالتعاليم التي نطق بها المسيا والتي بدا أنهما لا يفهمانها . وفيما كانا يتحدثان عن تلك الأحداث التى جرت أخيرا كان يهوشوه يتوق إلى تعزيتهما . لقد رأى حزنهما وفهم الأفكار المتضاربة المحيرة التي جعلتهما يفكران قائلين هل يمكن أن هذا الإنسان الذي رضي أن يذل ويهان إلى هذا الحد يكون هو المسيا؟ واستبد بهما الحزن فلم يستطيعا أن يمسكا نفسيهما عن البكاء . علم يهوشوه أن قلبيهما مرتبطان به بربط المحبة فاشتاق إلى أن يمسح دموعهما ويملأهما بالفرح والسعادة . ولكن عليه أولا أن يقدم لهما دروسا لا ينسيانها أبدا .

"فَقَالَ لَهُمَا: «مَا هذَا الْكَلاَمُ الَّذِي تَتَطَارَحَانِ بِهِ وَأَنْتُمَا مَاشِيَانِ عَابِسَيْنِ ؟» فَأَجَابَ أَحَدُهُمَا ، الَّذِي اسْمُهُ كَلْيُوبَاسُ وَقَالَ لَهُ:«هَلْ أَنْتَ مُتَغَرِّبٌ وَحْدَكَ فِي أُورُشَلِيمَ وَلَمْ تَعْلَمِ الأُمُورَ الَّتِي حَدَثَتْ فِيهَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ ؟»"(لوقا 24: 17, 18) . ثم أخبراه عن خيبة آمالهما في معلمهما "الَّذِي كَانَ إِنْسَانًا نَبِيًّا مُقْتَدِرًا فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ أَمَامَ يهوه وَجَمِيعِ الشَّعْبِ" ، ومع ذلك "أَسْلَمَهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَحُكَّامُنَا لِقَضَاءِ الْمَوْتِ وَصَلَبُوهُ" وبقلبين أدماهما الحزن وأثقلتهما خيبة الأمل قالا: "وَنَحْنُ كُنَّا نَرْجُو أَنَّهُ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْدِيَ إِسْرَائِيلَ . وَلكِنْ ، مَعَ هذَا كُلِّهِ ، الْيَوْمَ لَهُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ مُنْذُ حَدَثَ ذلِكَ" (لوقا 24: 19- 27) .

والغريب أن التلاميذ لم يذكروا أقوال المسيا ولا تحققوا من أنه قد سبق فأنبأ بالحوادث التي حدثت . ولم يتحققوا من أن الجزء الأخير من إعلانه سيتم بكل تأكيد كما تم الجزء الأول وأنه سيقوم في اليوم الثالث . هذا هو الجزء الهام الذي كان يجب عليهم أن يذكروه . إن الكهنة والرؤساء لم ينسوا هذا التصريح ، "وَفِي الْغَدِ الَّذِي بَعْدَ الاسْتِعْدَادِ اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ إِلَى بِيلاَطُسَ قَائِلِينَ: «يَا سَيِّدُ ، قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذلِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ" (متى 27: 62, 63) . أما التلاميذ فلم يذكروا تصريح المسيا هذا .

"فَقَالَ لَهُمَا: «أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ ! أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمسيا يَتَأَلَّمُ بِهذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟" (لوقا 24: 25, 26) . تساءل التلميذان في من يكون هذا الغريب حتى يعرف دخيلة نفسيهما ويكتشف ما في قلبيهما ويتحدث بمثل تلك الغيرة وذلك الحنو والعطف والرجاء ؟  فلأول مرة بعد تسليم المسيا بدأا يحسان بالرجاء . وكثيرا ما كانا يتطلعان باهتمام إلى رفيقهما ويفكران أن أقواله هي نفس ما كان سيحدثهما به المسيا ، فامتلآ دهشة وابتدأت الآمال المشرقة تنير قلبيهما .

موسى والأنبياء

وإذ ابتدأ من موسى الذي هو أول تاريخ الكتاب المقدس جعل يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب . ولو كان قد عرفهما بنفسه من الأول لكان قلباهما قد شبعا . وفي ملء فرحهما ما كانا يتوقان إلى أي شيء آخر . ولكن كان من اللازم لهما أن يفهما الشهادة المقدمة له في رموز العهد القديم ونبواته . فينبغي أن يثبتا إيمانهما على هذه الأمور . لم يصنع المسيا معجزة لإقناعهما ، ولكن عمله الأول كان أن يفسر لهما الكتب . لقد ظنا أن موته كان ضربة قاضية لكل آمالهما وانتظاراتهما . أما الآن فقد أراهما من الأنبياء أن هذا هو أول برهان لتثبيت إيمانهما .

إن يهوشوه بتعليمه لهذين التلميذين برهن علي أهمية العهد القديم كشاهد لرسالته . إن كثيرين من المعترفين بالمسيحية في هذه الأيام ينبذون العهد القديم مدعين أنه ما عادت له فائدة . ولكن هذا ما لا يعلم به المسيا . إنه يقدر العهد القديم تقديرا عظيما حتى لقد قال مرة "إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ" ( لوقا 16: 31) .

إن صوت المسيا هو الذي يتكلم في الآباء والأنبياء منذ عهد آدم إلى انقضاء الدهر . إن المخلص معلن في العهد القديم كما في العهد الجديد بكل وضوح سواء بسواء . إن النور المقتبس من النبوات الماضية هو الذي يبسط لنا حياة المسيا وتعاليمه في العهد الجديد بكل وضوح وجمال . ومعجزات المسيا هي برهان ألوهيته . ولكن البرهان الأعظم على كونه فادي العالم هو في المقارنة بين نبوات العهد القديم وتاريخ العهد الجديد .

إن المسيا في محاجته مع تلميذيه مما ورد في النبوات أعطاهما فكرة صحيحة عن وضعه في البشرية . إن انتظارهما لمسيا الذي كان سيجلس على عرشه ويأخذ سلطانه بحسب رغائب الناس كان أمرا مضللا . إذ أن هذا يتعارض مع الإدراك الصحيح لنزوله عن مقامه السامي العظيم المجيد إلى أحقر مكان وأدنى منزلة يمكن أن يصل إليها إنسان . رغب المسيا أن تكون أفكار تلميذيه طاهرة وصادقة في كل شيء . كان عليهما أن يفهما بقدر الإمكان ما يختص بكأس الآلام المعين عليه أن يشربها . وقد أبان لهما أن الصراع الهائل الذي لم يفهماه بعد كان إتماما للعهد الذي أبرم قبلما وضعت أساسات العالم . إذ وجب أن يموت المسيا كما وجب أن يموت كل من يتعدى الشريعة إذا ظل سادرا في عصيانه وخطاياه . كان هذا أمرا لابد منه ولن ينتهي بهزيمة بل بنصرة أبدية مجيدة . وقد أخبرهما يهوشوه أنه ينبغي بذل كل الجهد لأجل خلاص العالم من الخطية . وينبغي أن يعيش تلاميذه كما عاش هو ويخدموا كما خدم بجهد شديد ومثابرة عظيمة .

وهكذا ظل المسيا يتحدث مع تلميذيه وفتح ذهنهما ليفهما الكتب . وقد أحس التلميذان بالإعياء ولكن الحديث لم ينقطع . لقد نطق المخلص بكلام الحياة واليقين ، ولكن أعينهما كانت لا تزال ممسكة عن معرفته . وإذ أخبرهما عن خراب أورشليم نظرا إلى المدينة المحكوم عليها بالهلاك وبكيا . ولكنهما لم يستطيعا معرفة ذلك الرفيق . ولم يكونا يعلمان أن الشخص الذي كان موضوع حديثهما كان سائرا معهما جنبا إلى جنب ، لأن المسيا أشار إلى نفسه كأنه إنسان آخر . وقد ظنا أنه ربما كان أحد الذين حضروا العيد العظيم وهو الآن عائد إلى وطنه . وكان نظيرهما يمشي بكل حذر على الطريق الصخري الوعر ، وبين حين وآخر كان يتوقف معهما ليستريح قليلا . وهكذا ظلوا سائرين على الطريق الصخري ، بينما ذاك الذي بعد قليل كان سيجلس على يمين يهوه والذي استطاع إن يقول: "دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ" كان سائرا إلى جوارهما (متى 28: 18) .

الضيف المدعو

وفيما كانوا سائرين غربت الشمس ، وقبل وصول المسافرين إلى مكان راحتهم ترك الفعلة المشتغلون في الحقول عملهم . وإذ كان التلميذان مزمعان أن يدخلا بيتهما تظاهر الغريب وكأنه يريد أن يواصل السفر إلى مكان أبعد . ولكن التلميذين أحسا بقوة تجذبهما إليه . فلقد كانت نفساهما جائعتين لسماع المزيد من كلامه ، فقالا له: "امْكُثْ مَعَنَا" ولم يكن يبدو عليه أنه قد قبل دعوتهما . فألحا عليه قائلين: "لأَنَّهُ نَحْوُ الْمَسَاءِ وَقَدْ مَالَ النَّهَارُ" ، فأجاب المسيا طلبهما "فَدَخَلَ لِيَمْكُثَ مَعَهُمَا" (لوقا 24: 29) .

لو أن التلميذين لم يلحا في دعوتهما لما كانا قد عرفا أن رفيقهما في السفر هو السيَد المقام . إن المسيا لا يفرض نفسه أبدا على أي إنسان . إنه يهتم بمن يحتاجون إليه . إنه بكل سرور يدخل أحقر بيت ليفرح أشد القلوب تواضعا . أما إذا كان الناس عديمي الاكتراث بحيث لا يفكرون في الضيف السماوي ولا يسألونه أن يمكث معهم فهو يتحول ويعبر .

وهكذا يخسر كثيرون خسارة عظيمة . إنهم لا يعرفون المسيا كما لم يعرفه ذانك التلميذان وهو سائر معهما حول الطريق .

وسرعان ما أعد طعام العشاء البسيط من الخبز ، ووضع أمام الضيف الذي أخذ مكانه على رأس المائدة . والآن هاهو يبسط يديه ليبارك الطعام . وإذا بالتلميذين يتراجعان في دهشة ، وإذا برفيقهما يبسط يديه كما اعتاد معلمهما أن يفعل تماما . ثم إذ ينظران إلى يديه ثانية يريان فيهما أثر المسامير . فيصيحان كلاهما في الحال: إنه السيَد يهوشوه ! لقد قام من الأموات !

وإذ يقومان ليخرا عند قدميه ويسجدا له يختفي عن نظرهما . ثم ينظران إلى المكان الذي كان يجلس فيه ذاك الذي كان جسمه مدفونا في القبر منذ عهد قريب ، ويقول أحدهما للآخر: "أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟" (لوقا 24: 32) .

ولكن إذ حصلا على هذا الاختبار الجميل وصار عندهما هذا الخبر المفرح ليبلغاه لم يستطيعا الجلوس ليتحدثا معا ، بل ما عادا يحسان بالجوع أو الإعياء ، فيتركان الطعام دون أن يذوقا منه شيئا ، وإذ يمتلئ قلباهما فرحا يخرجان توا عائدين في نفس الطريق التي قدما منها متجهين إلى أورشليم ، مسرعين ليخبرا التلاميذ في المدينة بما قد رأياه وسمعاه . في بعض أجزاء الطريق لم يكن السير مأمونا ولكنهما يتسلقان الأماكن الشديدة الانحدار ، وكانت أرجلهما تنزلق على الصخور الملساء . إنهما لا يريان ولا يعرفان أنهما في حراسة ذاك الذي كان سائرا معهما في نفس الطريق . وإذ يمسك كل منهما عصاه ليتوكأ عليها جعلا يحثان الخطى وهما يتمنيان لو يسرعان في السير . ومع أنهما كانا يضلان الطريق بعض الوقت فإنهما يعودان إليه ثانية . أحيانا كانا يركضان وأحيانا أخرى كانا يتعثران ولكنهما كانا دائما يجدان في السير ، وكان رفيقهما غير المنظور بجانبهما دائما .

الليل قاتم الظلام ولكن شمس البر يشرق عليهما بنوره . إن قلبيهما يكادان يقفزان من شدة الفرح ، ويبدو وكأنهما في عالم جديد . إن المسيا مخلص حي . ما عادا ينوحان عليه كمن هو ميت . لقد قام المسيا !- وهما يرددان هذا القول مرارا عديدة . هذه هي الرسالة التى يحملانها إلى التلاميذ النائحين المحزونين . ولابد أن يخبراهم بتلك القصة العجيبة قصة السير إلى عمواس ، ولابد أن يخبراهم عمن كان رفيقا لهما في السفر . إنهما يحملان أعظم رسالة أعطيت للعالم ، رسالة بشرى مفرحة عليها تتوقف آمال الأسرة البشرية في الزمن الحاضر وفي الأبدية .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App