4. فطور على الشاطئ
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كان يهوشوه قد رتب أن يجتمع بتلاميذه في الجليل . فحالما انقضى أسبوع الفصح انطلق التلاميذ إلى هناك . إن غيابهم عن أورشليم في أثناء العيد كان يفسر على أنه نفور وسخط وهرطقة . لذلك ظلوا هناك حتى انتهى العيد . ولكن حالما انقضت تلك الأيام عادوا إلى وطنهـم فرحين لمقابلة المخلص كما أوصاهم .

كان سبعة من التلاميذ مع بعضهم . وكانوا لابسين ثياب الصيادين الوضيعة . ولكن مع كونهم فقراء في الماديات فقد كانوا أغنياء في معرفة الحق وممارسته ، مما جعلهم في اعتبار السماء معلمين في أسمى مرتبة . إنهم لم يتتلمذوا في مدارس الأنبياء ، ولكنهم لمدى ثلاث سنين كانوا تلاميذ لأعظم معلم عرفه العالم . وقد رفعتهم تعاليمه فصاروا عاملين أذكياء ومهذبين أمكن أن يهتدي الناس بواسطتهم لمعرفة الحق .

إن المسيا كان قد قضى جانبا كبيرا من وقته بجانب بحر الجليل . فإذ اجتمع التلاميذ في موضع حيث لم يكن ينتظر أن يزعجهم أحد وجدوا أنفسهم محاطين بأشياء ذكرتهم بيهوشوه ومعجزاته . ففي عرض هذا البحر عندما امتلأت قلوبهم رعبا وكانت العاصفة الهوجاء تسرع بهم إلى الهلاك سار المسيا فوق الأمواج وأتى لنجدتهم ، وقد هدأ هذا البحر نفسه أمام سلطان كلمته . وعلى مدى البصر كان يرى الشاطئ حيث أشبع أكثر من عشرة آلاف نفس من قليل من الخبز وصغار السمك . وعلى مسافة ليست بعيدة كانت كفرناحوم التي كانت مسرحا لكثير من معجزاته . فعندما نظر التلاميذ إلى ذلك المشهد عادت إلى عقولهم أقوال المخلص وذكريات أعماله .

يخرجون للصيد

كان وقت المساء جميلا ، وإذا ببطرس الذي كان لا يزال يحن إلى قواربه وصيده يقترح على رفقائه أن يخرجوا إلى عرض البحر ويلقوا شباكهم للصيد . وكان الجميع مستعدين لتنفيذ تلك الفكرة إذ كانوا في حاجة إلى الطعام واللباس اللذين يمكن أن يسدهما الصيد الناجح في تلك الليلة . وهكذا خرجوا في السفينة ولكنهم لم يمسكوا شيئا . لقد ظلوا يكدون طوال الليل بلا جدوى . وفي غضون ساعات تلك الليلة المضنية ظلوا يتحدثون عن سيدهم الغائب ويستعيدون ذكريات الحوادث العجيبة التى شهدوها بجانب البحر . وكانوا يتساءلون عن مستقبلهم ، وقد حزنوا عندما ذكروا ما ينتظرهم في مستقبل الأيام .

ولكن طوال تلك المدة كان على الشاطئ رقيب فريد يراقبهم بنظره وإن يكونوا لم يروه . أخيرا انبثق نور الفجر وكانت السفينة قريبة من الشاطئ فرأى التلاميذ شخصا غريبا واقفا هناك ، وقد بادرهم بهذا السؤال: "يَا غِلْمَانُ أَلَعَلَّ عِنْدَكُمْ إِدَامًا؟" فلما أجابوه قائلين: "لاَ ! فَقَالَ لَهُمْ: «أَلْقُوا الشَّبَكَةَ إِلَى جَانِبِ السَّفِينَةِ الأَيْمَنِ فَتَجِدُوا» . فَأَلْقَوْا ، وَلَمْ يَعُودُوا يَقْدِرُونَ أَنْ يَجْذِبُوهَا مِنْ كَثْرَةِ السَّمَكِ" (يوحنا 21: 5, 6) عرف يوحنا ذلك الغريب فصاح يقول لبطرس "هُوَ السيَد!" . ففرح بطرس وابتهج حتى أنه من شدة شوقه ألقى بنفسه في الماء وسرعان ما كان بجوار معلمه على الشاطئ . ثم أتى التلاميذ الآخرون في السفينة ومعهم الشبكة ملآنة سمكا . "فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى الأَرْضِ نَظَرُوا جَمْرًا مَوْضُوعًا وَسَمَكًا مَوْضُوعًا عَلَيْهِ وَخُبْزًا" (يوحنا 21: 9) .

اعترتهم دهشة بالغة عقدت ألسنتهم عن أن يسألوا من أين أتى الجمر والطعام: "قَالَ لَهُمْ يهوشوه: قَدِّمُوا مِنَ السَّمَكِ الَّذِي أَمْسَكْتُمُ" ( يوحنا 21: 10) . فاندفع بطرس إلى الشبكة التي كان قد تركها وأعان إخوته في سحبها إلى الشاطئ . فبعدما أتموا العمل وأعدوا كل شيء أمرهم يهوشوه أن يتغدوا . ثم كسر الخبز وقسمه بينهم فعرفه التلاميذ السبعة واعترفوا به ، فعادت إلى أذهانهم الآن ذكرى إشباع الخمسة الآلاف على جانب الجبل . ولكن خوفا غامضا وقع عليهم فجعلوا يشخصون في المخلص المقام وهم صامتون .

وبكل وضوح ذكروا المنظر الذي حدث بجانب البحر عندما دعاهم يهوشوه ليتبعوه . لقد ذكروا كيف أنهم امتثالا لأمره بعدوا في العمق وألقوا الشبكة ، وكيف أنها أمسكت سمكا كثيرا جدا حتى بدأت تتمزق . وحينئذٍ دعاهم يهوشوه لأن يتركوا سفن صيدهم ووعدهم بأنه سيجعلهم صيادي الناس . وقد كرر نفس المعجزة الآن ليجعل ذلك المنظر ماثلا في أذهانهم ويعمق تأثيره في نفوسهم . كان عمله هو تجديد إرساليته لتلاميذه . وقد أبان لهم أن موته لم يقلل من التزامهم بالقيام بالعمل الذي عينه لهم . ومع أنهم كانوا سيحرمون من عشرته ورفقته الشخصية لهم ، ومن موارد الرزق الذي كانوا يحصلون عليه من حرفتهم الأولى فإن المخلص المقام سيرعاهم . ففيما كانوا يقومون بعمله تكفل هو بتدبير أعوازهم . كان ليهوشوه غرض خاص عندما أمرهم بإلقاء الشبكة إلى جانب السفينة الأيمن ، فقد كان واقفا على الشاطئ على الجانب الأيمن الذي كان جانب الإيمان . فإذا عملوا وخدموا وهم مرتبطون به- واتحدت قوته الإلهية مع جهدهم البشري- فلن يفشلوا .

توبة بطرس

وكان هنالك درس آخر كان على يهوشوه أن يقدمه ، وله صلة خاصة ببطرس . لقد كان إنكار بطرس المشين لسيده متناقضا تماما مع ادعائه السابق بالولاء للسيد . لقد أهان المسيا وتعرض لارتياب إخوته فيه . وكانوا يظنون أنه لن يسمح له بأن يحتل مكانته التي كانت له بينهم من قبل . وكان هو نفسه يشعر بأنه قد خان الأمانة . فقبلما يدعى ليستعيد مركزه من جديد ويضطلع بعمله الرسولي عليه أن يبرهن أمامهم جميعا على توبته . وبدون هذا فإن خطيته ، مع أنه قد تاب عنها ، قد تلاشي تأثيره كخادم للمسيا ، فأعطاه المخلص الفرصة ليستعيد ثقة إخوته ، وبقدر الإمكان يمحو العار الذي قد جلبه على الإنجيل .

هنا درس مقدم لكل تابع للمسيا . إن الإنجيل لا يمكن أن يعقد أي اتفاق مع الشر ، ولا يمكنه التغاضي عن الخطية . فالخطايا السرية يجب الاعتراف بها سرا أمام يهوه . أما فيما يختص بالخطايا العلنية فينبغي أن يكون الاعتراف بها علنيا . إن العار الذي جلبه التلميذ بخطيته يقع على المسيا . إنه يجعل الشيطان ينتصر والنفوس المترددة تتعثر . فلكي يبرهن التلميذ على توبته عليه بقدر الإمكان أن يمحو هذا العار .

فإذ كان المسيا وتلاميذه جالسين يتناولون الغداء معا قال المخلص لبطرس: "يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا ، أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هؤُلاَءِ؟" قال هذا مشيرا إلى إخوته التلاميذ . لقد أعلن بطرس مرة قائلا: "وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَدًا" (متى 26: 33) . ولكنه الآن يعرف نفسه معرفة أعمق وأصدق . أجاب "نَعَمْ يَاسيَد أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ" دون أن يعطى تأكيدا حارا عن محبته التي تفوق محبة إخوته للسيد ولا يعبر الآن عن اندفاعه بل يترك تقدير إخلاصه إلى ذاك الذي يقرأ بواعث القلب والضمير بقوله: "أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ" . وهنا يأمره يهوشوه قائلا: "ارْعَ خِرَافِي" (يوحنا 21: 15، 16) .

ومرة أخرى قدم يهوشوه نفس الامتحان لبطرس مكررا كلماته السابقة ، قائلا: "يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟" وفي هذه المرة لم يسأل بطرس ما إذا كان يحبه أكثر من إخوته . فجاء جواب بطرس الثانى كالأول لا أثر فيه للتأكيد المبالغ فيه فقال: "نَعَمْ يَاسيَد، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ" قال له يهوشوه: "ارْعَ غَنَمِي" . وللمرة الثالثة سأله المخلص ذلك السؤال الفاحص قائلا:"يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟"فحزن بطرس إذ ظن أن يهوشوه يشك في محبته . لقد عرف أن لسيده الحق في أن يشك فيه . فمن أعماق قلبه المتألم أجاب قائلا: "يَاسيَد ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ . أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ" . فقال له يهوشوه مرة أخرى: "ارْعَ غَنَمِي" (يوحنا 21: 16, 17) .

كان بطرس قد أنكر سيده ثلاثا جهارا أمام الناس ، لذلك جعله المسيا يعترف أمامه ثلاث مرات مؤكدا له حبه وولاءه ، إذ جعل ذلك السؤال يتغلغل في أعماقه كسهم مسنون إلى قلبه الدامي . لقد كشف يهوشوه أعماق توبة بطرس أمام عيون أولئك التلاميذ المجتمعين ، وأراهم كيف أن ذلك التلميذ الذي كان قبلا متفاخرا قد اتضع وأذل تماما .

كان بطرس مقداما وسريع الاندفاع بطبعه ، وقد استفاد الشيطان من تلك النقائص ليسقطه . ولكن قبيل سقوط بطرس قال له يهوشوه: "هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ ! وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ . وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ" (لوقا 22: 31, 32) . ثم جاء ذلك الوقت وظهر التغيير واضحا في بطرس . إن تلك الأسئلة المتقاربة الفاحصة التي قدمها السيَد لبطرس لم يجب عنها بأية عبارة جريئة ولا قدم جوابا يدل على الاكتفاء بالذات . وبسبب اتضاع بطرس وتوبته أعد إعدادا أفضل من الأول ليكون راعيا للقطيع .

رعاية الخراف

إن أول عمل أسنده المسيا إلى بطرس بعد إعادته إلى الخدمة كان رعاية الخراف . كان بطرس قليل الخبرة في هذا العمل إذ كان العمل يتطلب عناية ورقة عظيمتين ومزيدا من الصبر والمثابرة . كان هذا العمل يتطلب منه أن يخدم الحديثي الإيمان ويعلم الجهال ويفسر لهم آيات الكتاب ويدربهم على أن يكونوا نافعين في خدمة المسيا . ولم يكن بطرس قبل ذلك لائقا لهذا العمل أو حتى لإدراك أهميته . ولكن هذا هو العمل الذي أسنده إليه المسيا الآن . وقد أعده اختباره الذي جاز فيه حين اختبر مرارة الآلام والتوبة للقيام به .

إن بطرس قبل سقوطه كان دائما يتكلم كلاما طائشا بروح الاندفاع . وكان دائما يتطوع لإصلاح أخطاء الآخرين والتعبير عما في فكره قبلما يفهم نفسه فهما صحيحا أو ما يجب عليه أن يقوله . ولكن بعد توبته ورجوعه اختلف عما كان اختلافا عظيما . لقد ظل محتفظا بغيرته الأولى ولكن نعمة المسيا ضبطت تلك الغيرة ونظمتها . ما عاد سريع الاندفاع كما في الأول ولا واثقا بنفسه ولا ممجدا لذاته ، بل صار هادئا ضابطا لنفسه وقابلا للتعلم . وهكذا استطاع أن يرعى الخراف والغنم في قطيع المسيا .

إن طريقة المسيا في معاملته لبطرس كان فيها درس له ولإخوته . لقد علمتهم أن يعاملوا المخطئين بالصبر والعطف والمحبة الغافرة . إن بطرس مع كونه قد أنكر سيده فإن المحبة التي كانت له في قلب يهوشوه لم تضعف قط . هكذا ينبغي لجميع خدام المسيا أن يحسوا بمثل تلك المحبة نحو الغنم والخراف المسلمة لرعايتهم . فإذ ذكر بطرس ضعفه وفشله كان عليه أن يعامل أفراد قطيعه بنفس الرقة التي قد عامله بها المسيا .

إن السؤال الذي قدمه المسيا لبطرس كان له مغزاه . لقد ذكر شرطا واحدا للتلمذة والخدمة فقال "أَتُحِبُّنِي؟" هذا هو المؤهل الجوهري . فمع أن بطرس كان يمكن أن يكون له مؤهل آخر فإنه بدون محبة المسيا ما كان يمكنه أن يكون راعيا أمينا على قطيع السيَد . فالمعرفة والإحسان والفصاحة والشعر والغيرة كلها أمور تساعد على تأدية العمل العظيم ، ولكن بدون محبة يهوشوه في القلب فإن عمل الخادم المسيحي يمسي فشلا ماحقا .

في رفقة يهوشوه

بعد ذلك سار يهوشوه مع بطرس وحدهمـا لأنه كان يريد أن يحادثه على انفراد . كان يهوشوه قد قال له قبيل موته: "حَيْثُ أَذْهَبُ لاَ تَقْدِرُ الآنَ أَنْ تَتْبَعَنِي ، وَلكِنَّكَ سَتَتْبَعُنِي أَخِيرًا . قَالَ لَهُ بُطْرُسُ:«يَا سَيِّدُ ، لِمَاذَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَتْبَعَكَ الآنَ ؟ إِنِّي أَضَعُ نَفْسِي عَنْكَ!»" (يوحنا 13: 36, 37) . عندما قال بطرس هذا لم يكن يعلم إلى أي المرتفعات والمنخفضات ستقوده خطوات المسيا . وقد فشل بطرس في الامتحان . ومع هذا فقد بقيت فرصة أخرى فيها يبرهن بطرس على محبته للمسيا . ولكي يقوى على احتمال الامتحان النهائي لإيمانه كشف له المخلص الستار عن المستقبل . فقال له إنه بعد حياة يقضيها في عمل نافع وتدركه الشيخوخة وتضعف قواه فسيتبع سيده حقا . قال له يهوشوه: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ . وَلكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ ، وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ» . قَالَ هذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يُمَجِّدَ يهوه بِهَا" (يوحنا 21: 18, 19) .

هكذا أعلن يهوشوه لبطرس نفس الكيفية التي كان مزمعا أن يموت بها ، بل لقد أنباه عن مد يديه على الصليب . ثم قال له: "اتْبَعْنِي" (يوحنا 21: 19) . ولم يضعف قلب بطرس بسبب هذا الإعلان . فلقد أحس بأنه على أتم الاستعداد لاحتمال أية ميتة لأجل سيده .

كان بطرس قبل ذلك يعرف المسيا حسب الجسد كما يعرفه كثيرون اليوم . ولكن لم يكن له أن يظل محدود الأفق . ما عاد الآن يعرف سيده كما قد عرفه في معاشرته له في الجسد البشري . لقد أحبه كإنسان وكمعلم مرسل من السماء ، أما الآن فيحبه كيهوه . كان قد تعلم أن المسيا بالنسبة إليه هو الكل في الكل . أما الآن فهو مستعد لأن يقاسم سيده خدمة التضحية . وعندما جيء به إلى الصليب صلبوه منكس الرأس كطلبه . فلقد أحس أنه لو صلب كما قد صلب سيده لكان ذلك شرفا لا يستحقه .

دروس ليومنا

كان قول المسيا لبطرس: "اتْبَعْنِي" غنيا بالتعاليم . وقد أعطي له الدرس ليس فقط لأجل ساعة موته بل لأجل كل خطوات حياته . كان بطرس قبل الآن يميل لأن يعمل مستقلا . لقد حاول أن يرسم الخطط لأجل عمل يهوه بدلا من أن ينتظر ليعمل بموجب تدبير يهوه . ولكنه لم يكسب شيئا من اندفاعه أمام السيَد . وها يهوشوه يأمره قائلا "اتْبَعْنِي" . لا تركض أمامي حتى لا تلتزم أن تواجه قوات الشيطان وحدك . دعني أسير أمامك حتى لا تنهزم أمام العدو .

وفيما كان بطرس سائرا بجوار يهوشوه رأى يوحنا يتبعهما ، إذ كان يرغب في معرفة مستقبله: "قَالَ لِيهوشوه: «يَاسيَد ، وَهذَا مَا لَهُ ؟» قَالَ لَهُ يهوشوه: «إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ ، فَمَاذَا لَكَ ؟ اتْبَعْنِي أَنْتَ!»" (يوحنا 21: 21, 22) . كان على بطرس أن يعلم أن سيده يريد أن يعلن له كل ما يكون من الخير له أن يعلمه . ينبغي لكل واحد أن يتبع المسيا بغير جزع غير لائق فيما يختص بالعمل المعين للآخرين . إن قول يهوشوه عن يوحنا: "إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ" لم يكن فيه أي تأكيد أن هذا التلميذ سيبقى إلى مجيء المسيا ثانية . إنما هو فقط أكد سلطانه المطلق ، وأنه حتى لو كان يشاء حدوث هذا فإنه لا يؤثر في عمل بطرس بأي حال ، أن مستقبل كل من يوحنا وبطرس هو في يد سيدهما وكان على كل منهما أن يطيعه ويتبعه .

ما أكثر من يشبهون بطرس منا في هذه الأيام ! إنهم مهتمون بشئون الآخرين ويشتاقون لمعرفة واجبهم في حين أنه يخشى عليهم من إهمال واجباتهم . إن عملنا هو النظر إلى المسيا واتباع خطواته . إننا سنرى أخطاء في حياة الآخرين ونقصا في أخلاقهم . إن البشرية مكتنفة بالضعف ولكننا نجد الكمال في المسيا . فإذ نشخص إليه نتغير .

عاش يوحنا حتى صار شيخا هرما . لقد شاهد خراب أورشليم وخراب الهيكل العظيم- رمزا لخراب العالم في النهاية . وظل يوحنا يتبع آثار خطوات سيده عن أقرب قرب إلى نهاية حياته . وكانت خلاصة شهادته للكنائس هي هذه: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا" ، "وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ ، يَثْبُتْ فِي يهوه ويهوه فِيهِ" (1 يوحنا 4: 7, 16) .

لقد أعيد بطرس إلى رتبة الرسولية ولكن الكرامة والسلطان اللذين أعطيا له من المسيا لم يخولاه حق السيادة على إخوته . وهذا أوضحه المسيا جيدا ، إذ عندما سأل بطرس يهوشوه قائلا: "وَهذَا مَا لَهُ؟" أجابه السيد بقوله: "فَمَاذَا لَكَ ؟ اتْبَعْنِي أَنْتَ!" (يوحنا 21: 22) . لم يكرم بطرس كرأس الكنيسة ورئيسها . إن الإحسان الذي أبداه له المسيا إذ غفر له ارتداده ، وتكليفه برعاية القطيع ، وأمانة بطرس في اتباع المسيا- كل ذلك جعله يظفر بثقة إخوته . وقد كان له نفوذ كبير في الكنيسة . ولكن الدرس الذي علمه المسيا لبطرس عند بحر الجليل ظل راسخا في ذهنه مدى الحياة . وإذ يكتب إلى الكنائس بإلهام الروح القدس يقول: "أَطْلُبُ إِلَى الشُّيُوخِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ ، أَنَا الشَّيْخَ رَفِيقَهُمْ ، وَالشَّاهِدَ لآلاَمِ الْمسيا ، وَشَرِيكَ الْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُعْلَنَ ، ارْعَوْا رَعِيَّةَ يهوه الَّتِي بَيْنَكُمْ نُظَّارًا ، لاَ عَنِ اضْطِرَارٍ بَلْ بِالاخْتِيَارِ ، وَلاَ لِرِبْحٍ قَبِيحٍ بَلْ بِنَشَاطٍ ، وَلاَ كَمَنْ يَسُودُ عَلَى الأَنْصِبَةِ ، بَلْ صَائِرِينَ أَمْثِلَةً لِلرَّعِيَّةِ . وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى" (1 بطرس 5: 1- 4) .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
14
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
20
Calendar App